الموقف السياسي >أعزاءنا أهل السينودس
أعزاءنا أهل السينودس
أعزاءنا أهل السينودس*

عقدت منذ أيام اجتماعات تحت عنوان "السينودس" في روما وحضرته أكثر من 300 شخصية وتباحثت شؤون المسيحيين في الشرق, ولحظ المراقب اهتماماً اعلامياً بهذا

الحدث , مزخّما بمواقف تعبوية شعبية عاطفية لِتراجع مفترض مبهم في وقائعه وحقيقته.‏

ودوما تمنينا التوفيق والنجاح لكل عمل خير, كنا نأمل من المعنيين الكرام أن يبحثوا أو يتناولوا العناوين الهامّة والضرورية, قبل أن يرجع الآباء المحترمون إلى بلادهم.‏

هذه العناوين والتي قد تكون جملة اقتراحات أو تساؤلات أو تمنيات.. وليست حدوداً ونهايات لما يمكن أن يُذكر, بل إن هي إلا نماذج خطرت على البال تُضرب كمثل... وكل المنى أن تجد أجوبة أو توضيحات لها في مناسبات شبيهة قادمة, والله الهادي:‏

1- ما هي السياسية العامة الثقافية والإجتماعية للمؤسسات التربوية التي تبلغ عدة آلاف, ما بين روضات ومدارس وثانويات وملحقات أخرى...بحسب التصريح الرسمي للسينودس‏ , والتي تحملها للمجتمع والمحيط الذي تعمل فيه؟‏

2- ما هو الموقف "الواضح والصريح" من شؤون المنطقة الاستراتيجية والمصيرية وفي مقدمتها " قضية فلسطين ... "بعيداً عن المواقف "حمالة الأوجه" والتي ترجع على أصحابها بأفدح الضرر... وإن كانوا لا يشعرون.‏

3- لماذا , وما هي أسباب وخلفيات ظاهرة العنصرية "والفوقية" السائدة من فئات معروفة تجاه الذين نسكن معهم ويسكنون معنا تواصلا وتعايشا... وأخص بالذكر هنا:‏

العنصرية ضد الفلسطيني والسوري ... بشرط أن لا يكونوا مسيحيين طبعا, وضد الخليجي والمسلم عموماً!‏

هذه الظاهرة باتت من "البديهيات العملية" التي لا تحتاج إلى كثير تكلف, وتعج وسائل الاعلام " المحظوظة " بآلاف الأمثلة , ليس أفدحها ما يسمّى "بالبرامج الكوميدية".‏

فهل هناك عاقل على وجه الأرض ينتظر برداً وسلاماً ممّن يستهزء به وبكل ما يمثل ويحمل ... صباح مساء!‏

ولماذا نرى ذلك مزدهراً لدى طائفة معبنة بينما لا يكون كذلك عند طوائف أخرى؟‏

4- ألم يلحظ المعنيون, ما يراه الجميع من تبدّل في العقود الأخيرة في المظاهر والعادات والتقاليد, بل وحتى "الأعياد", بل يتجلى ذلك بفظاظة في أسماء المولودين حديثاً... والتي في جملتها, بعيدة كل البعد عن هوية المنطقة وتاريخها وحضارتها...‏ حتى المسيحية منها , فلماذا هذا التقليد المبالغ فيه لكل غربي أو مستورد ولو على الإنتماء الشرقي .

والمعلوم أن العادات والعناوين والشكليات ... تنمّ عن الهوية والخلفية والمُضْمرات.‏

5- ما هو الموقف الحقيقي والمباشر من اللغة العربية... خاصة ما أُشبعنا به مليا مما قيل عن دوركم الإيجابي تجاه اللغة العربية سابقاً....كما يشيع البعض!‏

وأسأل, وبناء عن تجربة شخصية:‏

كيف هي حال أساتذتكم اليوم ومستواهم, فضلاً عن التلامذة, وفي أرقى مؤسساتكم, فضلاً عن أدناها.‏

إن الجواب الصريح الذي سيشكّل حتما صدمة لكنه لن يكون نهاية العالم.. وسوف يضع الأمور في نصابها... ويُخرج من الوهم إلى الحقيقة التي نحتاجها جميعا.‏

6- ماذا عن بعض المظاهر الاجتماعية, خاصة في أوساط الشباب والتي هي بعيدة كل البعد, بل مخالفة, بل مصادمة للمجتمعات الشرقية وآدابها وحيائها وتقاليدها...‏

حيث لم تكن حتى عقود قليلة تميز المسيحي عن غيره في أكثر المظهر والعادات .‏

ولي هنا تجربة شخصية عندما دُعيت إلى أحد التلفزيونات المحلية في صيف "حار" بإعلامه "وبانوياته" وصُوره وإباحيته بهدف أن نخرج جميعاً بموقف جامع موحّد يخفف هول ما نحن فيه من فلتان غير مسبوق...والحاصل أني بعدما تكلّمت وتناولت العموميات والمسلّمات الأخلاقية متجنّباً الدخول في التفاصيل حذراً من فشل حتمي... بعد كل هذا, فوجئت بالطرف المقابل وهو صاحب منصب متقدم وعلى الهواء مباشرةً يدافع عن الجمال وإظهاره وأن الله جميل "خلق الإنسان على صورته" ( كما قال ) مستعيناً بالحرية وإحترام خيارات الشباب... ذاكرا بعض من "رفعْن" اسم لبنان عالياً وأدخلوه التاريخ بسبب " جمالهم " !‏

7- هل "سُنّة" الاستئثار ببعض المواقع الرسمية كيفما كان ولو بطريقة بعيدة عن الكفاءة والديمقراطية, والتي ابتدعها " الغريب " الذي ابتدع تقسيمنا وتشتيتنا بطرق مختلفة ... هل هذا يصب في مصلحة المسيحيين ودورهم ومجتمعهم ومشاركتهم؟‏

الجواب بحاجة للكثير من التأمل والجرأة ... إلا إذا كان الاحتفاظ بالمناصب عددياً ونوعياً هو هدف بحد ذاته...‏ !

8- لا ندري ما هو الهدف الحقيقي من تضخيم الأعداد للمقيمين والمغتربين واختراع أرقام ليس لها حظ أكاديمي بناء على أية دراسة أو افتراض.‏

ما الهدف من ذلك؟‏

هناك نكتة لم يُسعفها التكرار ورفع الصوت , أن عدد اللبنانيين في ديار الاغتراب ومن طائفة واحدة هم مليون أو ثلاثة ملايين بل سبعة ملايين ... وقال البعض 15 مليوناً... حتى تاريخ كتابة هذه السطور!‏

النّكت السمجة لا تصنع أوطاناً.‏

9- لماذا هذا التهميش الفظيع لرجال تاريخيين من أدباء وعلماء وثوريين وأبطال وقادة... لصالح شخصيات "مختارة" تُبرَّز ويبالغ في شأنها وتُنسب إليها أمور.. لا أساس لها.‏

هل "النحن" المؤطَّرة وهل نسف الآخرين وتهميشهم واختراع NEW HISTORY يزيل غربة أم يوجدها بعد أن لم تكن؟‏

10- أين المصلحة لهذا التجميل القسري لمستعمرين دمروا بلادنا وقتلوا أجدادنا ونهبوا اقتصادنا وسرقوا ثرواتنا وعبثوا بتاريخنا... تحت عنوان "الانتداب" الحضاري الإنساني... مقابل "النير التركي" ؟‏

أين المصلحة في ذلك؟‏

وهذا ينسحب عضوياً ومادياً على مواقف أميركا اليوم في كل المشرق العربي والعالم الاسلامي... وحاملة الطائرات الغربية المسمّاة "إسرائيل"‏ !

لا شك أن هناك مواقف مشرّفة تاريخية لأفراد... لكن الأصوات المذكورة أعلاه استَشْرست في القضاء على هذه المواقف!‏

11- هل من الحكمة "إملاء" الوطنية في كل مناسبة على طوائف وأوطان وشخصيات مشهود لها.... ويقوم بدور الإملاء والإسقاط الفوقي كبارُ القوم قبل صغارهم, وكأن الوطنية وكالة حصرية لهم, والباقي تبع على طريقة " مجد لبنان أُعطي له " ؟‏ !

مع الإشارة بل التأكيد أن المواقف في المفاصل التاريخية والمصيرية...لا تُبشر بالخير وهي, كما تعلمون!‏

نحن في لبنان نتعرض كل يوم أفراداً وجماعات لامتحانات مزمنة وباتت ممجوحة لإثبات ولائنا للبنان!‏

12- ما هو موقف بعض أهل الكنيسة من ملف العملاء من جهة, والتعامل مع إسرائيل من جهة أخرى, والجواسيس بشكل عام من جهة ثالثة, والشخصيات والأحزاب التي جاهرت أو أقرّت بتعاملها من جهة رابعة...‏

إن المواقف الضبابية أو التبريرية فضلاً عن مواقف أخرى مسجلة بالصوت والصورة... هي كارثة حقيقية على المسييحيين لا تُجبر, مهما تحرك الإعلام وانهمرت الدموع وعلت الشكوى واستُدرج التظلم !‏

13- نُذكِّر أهل السينودس المحترمين , أنه عندما كان مسيحيو أوروبا يتقاتلون فيما بينهم ويتذابحون في القرون الوسطى, كان مسيحيو الشرق يعيشون بكل احترام تحت ظل إسلام في أوج قوته, ويقومون بنشاطاتهم الحياتية اليومية بكل حرية.‏

هذه الحقيقة يجب أولاً أن تُذكر لأنها حقيقة, وثانياً من باب الإمتنان , وثالثا لتعليم الأجيال, وبذلك نحفظ لهم مستقبلاً دافئاً.‏

إن أدنى ما يمكن أن نقدمه للأجيال التمييز بين الصديق والعدو.

يا أهل السينودس المحترمين‏

إن التطورات القريبة والسريعة التي سوف تقع في مصر والسودان والعراق وفلسطين, تتطلّب منكم موقفاً واضحاً وحاسماً لا يقبل ازدواجية.‏

وقد يكون أرقى من قارب بموضوعية ومسؤولية كل ما تقدم الرئيس ميشال عون, لا لأنه اجتمع وبحث وقرر.. ولا لأنه من رجال الإكليروس, بل لأنه وبظني وبكل بساطة يمتلك:‏

الشجاعة والصدق والإتزان والواقعية ... واللسان المعبّر عمّا في الجنان دون لفّ أو دوران.‏

ما قام به الرئيس ميشال عون في السنوات الأخيرة من عملية إنقاذ طارئة وضرورية ... لا ندري كيف كانت حال المسيحيين لو لم تكن هذه المبادرة ؟‏

أعزاءنا أهل السينودس,‏

قد يكون طرف حبل الإنقاذ في هذا المثال الرئيس عون... فلا تُضيّعوه فتضيعوا‏ ..

مع كامل الاحترام.‏

السيد سامي خضرة‏

كاتب لبناني‏

----------------------------------------------------------------------------

*السينودس الفاتيكاني للشرق الأدنى: الجمعية الخاصة لأساقفة الكنيسة الكاثوليكية، المنعقدة في روما، بين 10 تشرين الأول 2010 و24 منه.