أيها العزيز >نهج الصالحين - لِما لا نخشع في الصلاة؟!
نهج الصالحين - لِما لا نخشع في الصلاة؟!
أيها العزيز ...

نعم... من حقَّكَ أيها العزيز، أن تسأَلَ:
لِما لا نخشعُ في الصلاة؟!

بل أن تتساءلَ أحياناً:
لِما تختلفُ صلواتُنا عن بعضها في التوجُّه والإقبال؟
ولما نُصلِّي أحياناً بشوق ورغبة... وأحياناً أخرى بغفلة ولإسقاط الواجب؟!!!

فعليك أنْ تعلم أيها الحبيب، أنَّ كلَّ الناس من حولك، والسابقين أيضاً، أصابهم ما يُصيبُك ... فالبشر متشابهون، وللدنيا راغبون... والضعف الآدميُّ مجبولٌ بطينتهم...
وعليك بسُنَّة نبيَّك محمد (ص)، وسُنَّةِ الهداةِ من آله، ومواليهم وشيعتهم:
في كيفية استعدادهم للصلاة، ورغبتِهم فيها، وإقبالِهم عليها... وما كانوا يعملون...

نتبعُ طريقَتَهم الإلهية، مُسْتغنين بها عن النصائح البشرية
(وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا)

ومن جملة طريقتهم(ع):
أولاً: الاستعداد للصلاة قبل دخول وقتها... أو على الأقل أول دخولِ وقتها... من جهة الوضوء والثياب والطيب والجلوسِ مكانَ الصلاة، وتفريغ البال إلا منها، والتفكرِ في لقاء الله سبحانه، والشوقِ إلى ذلك... هرباً من العباد، إلى ربِّ العباد تبارك وتعالى...
وفي كتاب أمير المؤمنين(ع) لمحمد بن أبي بكر، قال:
" صلِّ الصلاة لوقتها المؤقَّتِ لها، ولا تُعجِّلْ وقتَها لفراغ، ولا تُؤخِّرها عن وقتها لاشتغال، واعلم أنَّ كلَّ شيءٍ من عملك تَبَعٌ لصلاتك".

ثانياً: الصلاة صلاةَ مودِّع... كأنَّه يُصلي آخرَ صلاةٍ له في هذه الدنيا، فيعتني بركوعها وسجودها وذكرها، ولا يتركُ مقاماً من مقاماتها، حتى يستوفيَ حقَّه الأدنى... فيأتي
بالواجب وما تيسَّر من الاستحباب...
ورد عن مولانا الصادق(ع):
"إذا صليتَ صلاة ً فريضةٍ فصلِّها لوقتها صلاة َ مودِّع يخاف أن لا يعود
إليها أبداً، ثم اصرفْ ببصرك إلى موضع سجودك، فلو تعلم مَنْ عن يمينِك وشِمالك لأحسنتَ صلاتَك، واعلمْ أنَّك بين يدي مَنْ يراك ولا تراه")
وليكن لسانُ الحال:
هذه آخر صلاةٍ لي في الدنيا، وهذا أوان انصرافي، غيرُ راغبٍ عنك ولا عن عبادتك...
الله إنِّي أنقلب على لا إله إلا الله.

ثالثاً: تلقينُ النفس في كل حالة من حالات الصلاة...
كأنَّما يُلقِّنُ طفلاً صغيراً... وهكذا في كل القراءة والذكر...
كأنما يُحادِث نفسَه ويَجْهَدُ في إفهامها.

رابعاً: الخشوع في الصلاة من خلال التمكن من أفعالها، فلا يستعجلُ نفسَه، ولا يسبق بعمله قولَه، بل يصمتُ قبل كلِّ انتقال إلى حالة أخرى، وهذا هو المستحب... حتى ينتقلَ برويَّةٍ وهدوء، متفكِّراً بالفعل قبل الوصول إليه..
ورُوي أنَّ النبيَّ(ص) كان إذا قام إلى الصلاة كأنَّه ثوبٌ ملقى.
وأنَّ مولانا زينَ العابدين(ع)، كان إذا شرع في طهارة الصلاة، إصفرَّ وجهُه وظهر عليه الخوف.
وكان (ع) إذا قام الى الصلاة تغيَّر لونُّه.. ولا يتحرَّك منه إلا ما حرَّكه الريح، وإذا سجد لم يرفع رأسَه حتى يرفضَّ عرقاً.

خامساً: والأهمُّ من كل ذلك، إجتنابُ الذنوب والمعاصي، فإنَّها من صارفات الخشوع في الصلاة...
فللذنوب والمعاصي، والعياذ بالله سبحانه، آثار لا بد أن تظهر على الرزق والعلم والنِّعَم... والصلاة ...
فأيُّ خشوعٍ يرجوه مَنْ أثقلت الذنوبُ ظهرَه؟!
وأي صلاةٍ هي تلك التي سُبقت بغيبة أو عقوق أو أذيَّةٍ للمؤمنين أو طمعٍ بمالٍ حرام أو إهانة للإخوان أو استخفاف بحقِّ الله تعالى؟!
وأيُّ مصيبةٍ أشدُّ من تلك المصيبة؟!

"والله إنَّه ليأتي على الرجل خمسونَ سنة، وما قَبِلَ الله منه صلاةً واحدة، فأيُّ شيءٍ أشدُّ من هذا؟! والله إنَّكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم مَنْ لو كان يُصلِّي لبعضكم ما قَبِلَها منه لاستخفافه بها، إنَّ الله عز وجل لا يقبل إلا الحسن، فكيف يقبلُ ما يُستخفُّ به؟!!