المحاضرات >الاستقامة
الاستقامة
الاستقامة

قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)

بسم الله الرحمن الرحيم‏

قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)‏

يقال: قام كذا وثبت وركز بمعنى واحد كما ذكره الراغب وغيره، والظاهر أن الأصل المأخوذ به في ذلك قيام الإنسان وذلك أن الإنسان في سائر حالاته وأوضاعه غير القيام كالقعود والانبطاح والجثو والاستلقاء والانكباب لا يقوى على جميع ما يرومه من الأعمال كالقبض والبسط والأخذ والرد وسائر ما الإنسان مهيمن عليه بالطبع لكنه إذا قام على ساقه قياما كان على أعدل حالاته الذي يسلطه على عامة أعماله من ثبات وحركة وأخذ ورد وإعطاء ومنع وجلب ودفع، وثبت مهيمنا على ما عنده من القوى وأفعالها، فقيام الإنسان يمثل شخصيته الإنسانية بما له من الشؤون.‏

ثم استعير في كل شيء لأعدل حالاته الذي يسلط معه على آثاره وأعماله فقيام العمود أن يثبت على طوله وقيام الشجر أن يركز على ساقه متعرقا بأصله في الأرض، وقيام الإناء المحتوي على مائع أن يقف على قاعدته فلا يهرق ما فيه وقيام العدل أن ينبسط على الأرض، وقيام السنة والقانون أن تجري في البلاد.‏

والإقامة جعل الشيء قائما أي جعله بحال يترتب عليه جميع آثاره بحيث لا يفقد شيئا منها كإقامة العدل وإقامة السنة وإقامة الصلاة وإقامة الشهادة، وإقامة الحدود، وإقامة الدين ونحو ذلك.‏

والاستقامة طلب القيام من الشيء واستدعاء ظهور عامة آثاره ومنافعه فاستقامة الطريق اتصافه بما يقصد من الطريق كالاستواء والوضوح وعدم إضلاله من ركبه، واستقامة الإنسان في أمر أن يطلب من نفسه القيام به وإصلاحه بحيث لا يتطرق إليه فساد ولا نقص، ويأتي تاما كاملا، قال تعالى: «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه»: حم السجدة: 6 أي قوموا بحق توحيده في ألوهيته، وقال: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا»: حم السجدة: 30 أي ثبتوا على ما قالوا في جميع شئون حياتهم لا يركنون في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم إلا إلى ما يوافق التوحيد ويلائمه أي يراعونه ويحفظونه في عامة ما يواجههم في باطنهم وظاهرهم.‏

فقوله: «فاستقم كما أمرت» أي كن ثابتا على الدين موفيا حقه طبق ما أمرت بالاستقامة، وقد أمر به في قوله: «وأن أقم وجهك للدين حنيفا و لا تكونن من المشركين»: يونس: 105، وقوله: «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون»: الروم: 30.‏

قال في روح المعاني: أمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستقامة ... الظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة، وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسط بين الإفراط والتفريط، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق.(راجع ميزان الحكمة ج8 ص285)‏