المحاضرات >زيغ القلوب
زيغ القلوب
زيغ القلوب

بسم الله الرحمن الرحيم .... قال اللَّه جلَّ جلاله: لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي

سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏

(117) التوبة .‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من قوله: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » أو "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "‏

وفي الدعاء ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني .‏

معناه :‏

والزيغ: الميل عن الحق والاستقامة، ولازمه الانحراف عن الحق إلى الباطل.‏

وما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ ولا القلب إلا أنه يتقلب‏

التوقي منه:‏

إننا في عصر أحوج ما نكون إلى معرفة أسباب الثبات والأخذ بها، فالفتن تترى بالشبهات، والشهوات، والقلوب ضعيفة، والمعين قليل، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سرعة تقلب أهل آخر الزمان لكثرة الفتن، فقال: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ".‏

خطورة الزيغ:‏

وهذا الأمر ، تطير له ألباب العقلاء، وتنفطر منه قلوب الأتقياء.....‏

وهو بلاء كبير ومرض خطير يصيب القلوب فينكسها ويقلبها...‏

قال اللَّه سبحانه: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ........ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)‏

وقال عز وجل : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)‏

وفي الكافي، أيضا عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى أن قال: يا هشام إن الله حكى عن قوم صالحين: أنهم قالوا: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها، إنه لم يخف اللهَ مَنْ لم يعقلْ عن الله، ومَنْ لم يعقل عن الله لم يعقدْ قلبَه على معرفةٍ ثابتةٍ ينظرُها ويجدُ حقيقتَها في قلبه، ولا يكون أحدٌ كذلك إلا مَنْ كان قولُه لفعله مُصدِّقا، وسرُّه لعلانيته مُوافقا .‏

بعض أسباب الزيغ:‏

1- الركون الى الظلمة وإعانتُهم ومسايرتُهم .... والتردُّد على الباطل والأنسُ به سواء كان مُعتقدا أو قولا أو عملا أو علما يتعلم أو مجالسة لأهله.‏

فالمرء على دين خليله وجليسه.‏

2- ملازمة أهل الضلال والثناءُ عليهم ونشرُ أفكارهم ومجالستُهم ومحاولةُ رفع مكانهم .‏

قال رسول الله: لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا صدقة ولا حجّاً ولا عمرة ولا جهاداً.‏

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم،‏

وعنه عليه السلام: من تبسّم في وجه مبتدع فقد أعان على هدم دينه.‏

وعنه أيضاً :من مشى إلى صاحب بدعة فوقّره فقد مشى في هدم الإسلام.‏

ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية :‏

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَـتْـني مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ ، وَرِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ ، نَمَّقْتَهَا بِضَلاَلِكَ، وَأَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ، وَكِتَابُ امْرِىءٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ، وَلاَ قَائِدٌ يُرْشِدُهُ، قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ، وَقَادَهُ الضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ، فَهَجَرَ لاَغِطاً ، وَضَلَّ خَابِطاً...‏

ويقول عليه السلام" قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ، وَأَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ، وَأَرَزَ(ثبت ورجع) الْمُؤْمِنُونَ، وَنَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ"خ/154‏

3- ملازمة الكفار ومطالعة تصرفاتهم بعين الرضى ومعتقداتهم بعين الاعجاب والنظر إليهم بالإكبار.‏

4- وأكبر الزيغ يأتي من وراء الإعراض عن الحق وهجره بعدما علم هديه واستقامته وهذا الذي توعد الله تعالى صاحبه بالعذاب الأليم كما قال تعالى « كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87 ) » ال عمران.‏

ومن ذلك : ترك العمل بالشريعة الذي يؤدي الى ختم الله تعالى على قلوب التاركين فتزيغ قلوبهم فلا يريدون الحق كما أراده الله تعالى وهو القائل « سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ (146)» الاعراف.‏

ومن ذلك : " لهو الحديث "..... وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون، الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، فهذا النوع فيه شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات.‏

قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ..(6) لقمان‏

ومن أسباب الثبات:‏

1- الشعور بالفقر إلى تثبيت الله تعالى: فليس بنا غنى عن تثبيته طرفة عين، وقد قال مخاطباً خير خلقه وأكرمهم عليه: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) الاسراء.‏

وهذا يكون بالالتزام الصادق في الظاهر والباطن، وهو أعظم أسباب التثبيت على الصالحات، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا...66/سورة النساء‏

2- ترك المعاصي والذنوب: صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها: فإن الذنوب من أسباب زيغ القلوب .‏

قيل : لا تحقـرنَّ صـغـيرةً ، إن الجبال مـن الحصى .‏

فالصبر مثلُ اسمِه مرٌ مذاقتُه لكن عواقبه أحلى من العسل‏

دعاء:‏

اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بَنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ ، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا ، وَلاَ نَادِمِينَ، وَلاَ نَاكِبِينَ ، وَلاَ نَاكِثِينَ ، وَلاَ ضَالِّينَ، وَلَا مُضِلِّينَ وَلاَ مَفْتُونِينَ.خ/106‏