المحاضرات >القوة والثبات في نهج البلاغة
القوة والثبات في نهج البلاغة
القوة والثبات في نهج البلاغة

بسم الله الرحمن الرحيم.... الإسلام هو الإسلام بكل ما فيه: بات شائعاً في السنوات الأخيرة توجيه الإسلام من خلال وسائل الإعلام والمواقف باتجاه واحد

فقط يُعبَّر عنه:‏

بأنّه دين السلام والمحبة... ومرادفاتها !‏

وهذا الكلام وإن كان لا شك فيه، إلاَّ أنَّه ليس كافياً قطعاً، وليس وافياً صدقاً... فالإسلام هو الإسلام بما فيه :‏

فإضافة إلى ما تقدم هوالجهاد والقتال والحق قولاً وفعلاً والشهادة والنُّصرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقارعة الظلم بأشكاله... وهو بكل ذلك، دين محبةٍ وسلام، شهد مَن شهد ورفض مَن رفض، ولا يكون كذلك إلاَّ بذلك.‏

النصوص بين التسليط والإغفال :‏

فما معنى أن يُسلَّط الضوء على جانبٍ، مؤيَّداً بآيات كريمة من كتاب الله المجيد، دون جانب آخر، غضّاً أو تجاهلاً أو سكوتاً أو إخفاءً عن آيات أُخر مع أنَّ {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ؟‏

ونفس الكلام ينطبق على سائر النصوص والروايات الشريفة... في إظهارها أو إغفالها!‏

حتى وصلت «الجرأة» مؤخّراً، والأمثلة كثيرة، أن أصبح البعض «يُطوِّع» الأدلة والنصوص الشرعية لتناسب رأيه !‏

نفهم أنَّ زعماء الكفر في العالم يستغلّون بعض المناسبات لمدح «الإسلام» دين المحبة والسلام... ليكون مدحه مدخلاً إستغلالياً لإدانة الإرهاب والتخلُّف!‏

نفهم ذلك، بل نستهجن خلافه...‏

لكنْ، ما لا نفهمه هو تكلُّف بعض المسلمين ذلك!‏

بعض النصوص من كتاب نهج البلاغة بالخصوص :‏

من هنا كان لا بأس من تسليط الضوء على بعض النصوص من خصوص كتاب نهج البلاغة، وهي تكاد تكون مجهولة أو مهجورة... وذلك هداية وسنداً لنا في هذا الزمن الفتنة...‏

نسلط الضوء عليها ، وإن كان البعض سيعتبرها نصوصاً «متعصِّبة متزمِّتة» لا تحاكي الواقعية والحضارة والتعايش والانفتاح!‏

حسبنا أنّه كلام «علي بن أبي طالب»... وكفى.‏

قال في نهج البلاغة عن قوة العقيدة :‏

مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ! لَمْ يُوجِسْ مُوسَى عَلَيْهِ الْسَلاَمُ خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الجُهَّالِ وَدُوَلِ الضَّلالِ! اليَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَالباطِلِ, مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ! نهج البلاغة، الخطبة 4.‏

هذا الكلام يستشهد به على قوة العقيدة والثقة بالموقف ، والإيمان بما هو عليه، والحرص على عامة المسلمين من الفتنة ، فهو يخاف عليهم من كيد الأعداء وخططهم ومكرهم... لا على نفسه، وذلك في إشارته لقوله تعالى عن سيدنا موسى ، وهو المبرَّأُ من الشك والوَهَن في الدين:‏

{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } سورة طه المباركة، الآية 20.‏

أي أوجس على إيمان الناس من أن يُفتـنوا عند إلقاء السَّحرة عصيهم... أمَّا الواثق بوعد الله ونصره وأجره، فلا يخاف ولا يخشى.‏

ومَنْ لجأ إلى ركن وثيق وعقيدة راسخة، لا يخاف.‏

وقال (ع) في التهديد بالحرب :‏

فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ البَاطِلِ، وَنَاصَراً لِلْحَقِّ! وَمِنَ العَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ! وَأَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلادِ! هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ! لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلاَ أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ! وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي، وَغَيْرِ شُبْهَة مِنْ دِيني نهج البلاغة، الخطبة 22.‏

أ ـ هذا الكلام للتهديد بالحرب، ولجعل السيف يحسم الأمور بعد إقامة الحجج واستنفاد كافة الطرق.‏

وكذلك ردٌ على التحدي والادِّعاء، بما هو أعظم.‏

والهَبول، هي المرأة التي لا يبقى لها ولد، فالسياق دعاءٌ عليهم بالموت.‏

ب ـ الشطر الأخير يُستعان به للإشارة إلى التاريخ الغني بالشجاعة والمواقف المشهودة:‏

فلم أكن يوماً، ولا أزال... لا أُهدَّد بِحَرْبٍ وَلاَ ضَربٍ (ضرب السيوف) .‏

وقال (ع) في مبدأ لا خيار إلاّ القتال:‏

وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هذَا الأَْمْرِ وَعَيْنَهُ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطنَهُ، فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ/ نهج البلاغة، الخطبة 43.‏

شاهد لَمِنْ لم يجد خياراً من الجهاد والقتال ... مع كره الناس لذلك بطبعهم:‏

وترك الجهاد هذا كفرٌ بالدين من أساسه...‏

وذِكْرُ الأنف والعين لأنَّهم الأكثر إلفاتاً في صورة الوجه... وضرب الأنف والعين، مَثَلٌ عن الاستقصاء والبحث والتفكر... وتقليب الأمر تفحصاً وتأملاً.‏

وقال (ع) في ترك المجاملات والنفاق :‏

وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الحَقَّ، وَخَابَطَ الغَيَّ، مِنْ إِدْهَانٍ وَلاَ إِيهَانٍ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَفِرُّوا إِلَى اللهِ مِنَ اللهِ، وَامْضُوا في الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ/ نهج البلاغة، الخطبة 24.‏

أ ـ يُستعان به على ترك المجاملات والنفاق ، ففي كل مجتمع وزمن هناك أهل المصانعة والضعف.‏

ب ـ كذلك دعوة للتقوى واللجوء إلى الله جل جلاله باتِّباع شرعه.‏

والفرار هنا إنما يكون إلى رحمة الله عزَّ وجل من عذابه... يقول سبحانه:‏

{إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} سورة العنكبوت المباركة، الآية:26.‏

وقال (ع) في النهوض بالحق :‏

فَقُمْتُ بِالأَْمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا ... كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلاَ تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ /نهج البلاغة، الخطبة 37.‏

في هذا الكلام مُضيٌ على الحق ، ونهوضٌ بالواجب، وتحملٌ للمسوؤلية دون شك أو ضعف.‏

والتـشبيه بالجبال للدلالة على الصمود والقوة مهما كانت الهجمات المضادة.‏

فالقيام بالأمر، أي أمر النهي عن المنكر، حيث تراجع الناس وجبنهم(حين فشلوا).‏

والتطلع، إعزاز الحق والدعوة إليه والإجهار به... بينما البعض يختبئ رهبة وفراراً (حين تقبَّعوا).‏

وقال (ع) في المتخاذلين الخائفين :‏

لَبِئْسَ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَلاَ تَكِيدُونَ، وَتُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ؛ لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ في غَفْلَةٍٍٍ سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَخَاذِلُونَ... أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَتَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَالأَْقْدَامُ، وَيَفْعَلُ اللهُ بَعْدَ ذلِكَ مَا يَشَاءُ نهج البلاغة، الخطبة 34.‏

أ ـ يُقال للمتخاذلين الخائفين ، الذين لا تُخاض الحرب بأمثالهم، حيث يتعرَّضون للأذية والاعتداء، فيسكتون ويستسلمون... ولا يغضبون كما أمرهم الله تعالى.‏

ب ـ كذلك يُقال للغافل المتخاذل الساهي الذي يظن النجاة...... والعدو يتربَّص به ولم يَنَمْ عنه !‏

ج ـ (أنت فكُنْ ذاك......) هذا الكلام يُقال لكل مَنْ سكت أو رضي بتمكين العدو من نفسه... وهؤلاء في مجتمعنا كثير!‏

أمَّا أنا فلا أُمكِّنُه من نفسي، بل أواجه بالسيوف (المشرفية)، ولو أدَّى ذلك إلى تطاير العظام (فراش الهام) وسقوط السواعد والأقدام... والأمر في النهاية لله تعالى.‏