المحاضرات >الزيغ والإنحراف
الزيغ والإنحراف
الزيغ والإنحراف

بسم الله الرحمن الرحيم.... قال اللهُ تعالى: ... فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ

وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ...‏

المقدمة : فيمن يموت كافرا نتيجة الزيغ والفتنة...‏

قال علي (ع) في نهج البلاغة :‏

أَحْمَدُ اللهَ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ (الدَحْر ,الطرد) الشَّيْطَانِ وَمَزَاجِرِهِ، وَالْإِعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَمَخَاتِلِهِ (مكائده) , وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ، لاَ يُؤَازَى فَضْلُهُ، وَلاَ يُجْبَرُ فَقْدُهُ، ... وَالنَّاسُ يَسْتَحلُّونَ الْحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ، يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ (خلوّ من الشرائع الإلهية لا يعرفون منها شيئاً) ، وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةِ!‏

زيغ القلوب في القرآن‏

زيغ القلوب مصطلح قرآني ورد التحذير منه لأنه أصاب الكثيرين ممن سبقنا...وهو من أخطر الظواهر التي ذُكرت في القرآن الكريم محذرا المؤمنين منها...‏

فقد تحدث القرآن عن الآثار الانحرافية له، الناتجة عن المعاصي، والاستمرار عليها، وأبعادها السلوكية... ومنها:‏

الزيغ ـ المرض ـ الرين ـ القسوة ـ الطبع على القلب.‏

أسبابه:‏

فهو نتيجة أفعال الإنسان وأبرزها الإقامة على الذنوب...‏

قال اللهُ تعالى:‏

... فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) الصف‏

(في قُلوبِهِمْ مَرَضٌ فزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً ولهمْ عذابٌ أليمٌ بما كانوا يَكذِبُون).( البقرة/10)‏

(كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُون).(المطففين/14)‏

(ثُمَّ قَسَتْ قُلوبُكُمْ مِنْ بعدِ ذلك فهيَ كالحجارةِ أو أشَدُّ قَسْوَةً).(البقرة/74)‏

(فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُم وكُفْرِهِم بآياتِ اللهِ وقَتْلِهِمُ الأنبياءَ بغيرِ حق وَقَولِهِمْ قلوبُنا غُلفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عليها بِكُفْرِهِمْ فلا يُؤمِنُون إلاّ قليلا).(النساء/155)‏

وفي مناجاة التائبين للإمام زين العابدين عليه السلام " وأمات قلبي عظيم جنايتي .."‏

وعبر السيد الطباطبائي عنه " بأنه خروج عن إستقامة الفطرة وخلط بين الإيمان والشرك وتصدر منه بأعمال تناسب الكافرين !"‏

وهناك شبه كبير في القرآن بين المنافقين والذين في قلوبهم مرض.‏

رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا:‏

قال اللهُ تعالى:‏

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) ال عمران‏

وورد في الحديث الصحيح من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.‏

وعن هشام بن الحكم قال: قال لي أبوالحسن موسى بن جعفر ( عليهما السلام) :‏

يا هشام ، إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ، حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها.‏

وجاء في الحديث عن الامام الباقر عليه السلام : " ما من شيء أفسد للقلب من الخطيئة ! إن القلب ليـواقـع الخطيئة فمـا تزال به حتى تغلب عليه ، فيصيـر أسفله أعلاه ، وأعلاه أسفله "‏

وإذا اصبح أعلى القلب أسفله فلا يستقر فيه حق أبدا، ولا يقبل نصيحة، ولا يعترف بحقيقة...‏

لذلك أمر الإنسان المسلم أن لا يستهين بذنب، ولا يستصغر معصية، وأن يحاسب نفسه ويستغفر، كلما أذنب أو عصى، لتتسع المسافات والأبعاد النفسية بينه وبين المعصية، وليبقى يقظ الضمير، حي الإحساس، سليم النفس، مستقيم السلوك.‏

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إياكم والمراء والخصومة، فإنهما يمرضان القلوب على الإخوان، وينبت عليهما النفاق))( الوسائل ج:8 ص:567 باب: 135 من أبواب أحكام العشرة حديث:1.)‏

أسباب أخرى لزيغ القلوب :‏

فهذه الظاهرة حدثت وتحدث ...ولها أسباب أخرى كالهوى والرئاسة والفتنة والمراء...‏

.......‏

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في نهج البلاغة :‏

ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلاَيَا قَدِ اقْتَرَبَتْ, فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ....وَاعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ ... تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَتَؤُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ... يَتَنَافَسُونَ في دُنْيا دَنِيَّةٍ، وَيَتَكَالَبُونَ عَلى جِيفَةٍ... وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبِغْضَاءِ، وَيَتَلاَعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ.‏

ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ ... فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلاَمَةٍ، وَتَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ ... وَتَلْتَبِسُ الْآرَاءُ ... .. .. يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْياسُ ... تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلاَمُ! بَرِيُّهَا سَقِيمٌ، وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ! ...فَلاَ تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ، وَأَعْلاَمَ الْبِدَعِ، وَالْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، وَاقْدَمُوا عَلَى اللهِ مَظْلُومِينَ، وَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ، وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ وَمَهَابِطَ الْعُدْوَانِ، وَلاَ تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُم الْمَعْصِيَةَ، وَسَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ الطَّاعَةِ.‏

وقال (عليه السلام) :‏

وَلاَ تَقُولَنَّ: إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ .‏

وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى (أعماه) بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْن غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بَأُذُن غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ...‏