المحاضرات >آداب اليقظة من النوم
آداب اليقظة من النوم
آداب اليقظة من النوم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي، وَعَلَى مَا تُعَافي وَتَبْتَلي, حَمْداً يَكُونُ

أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ,‏

حَمْداً يَمْلاَُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ ,‏

حَمْداً لاَ يُحْجَبُ عَنْكَ، وَلاَ يُقْصَرُ دُونَكَ,‏

حَمْداً لاَ يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، وَلاَ يَفْنَى مَدَدُهُ فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إِلاَّ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ:(حَيٌّ قَيُّومٌ، لاَ تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلاَ نَوْم)‏

مقدمة في النوم‏

النوم نعمة والنوم ضرورة والنوم سر لا بديل له ولا إستغناء عنه.‏

وهو عصيٌ عن الوصف....يُطلب ويُهذب ويُسبق بآداب ويُلحق بآداب.‏

فالحمد لله الذي "جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ " راجع سورة يونس الآية 67‏

والحمد لله الذي "جَعَلَ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" راجع سورة النمل الآية 86‏

والحمد لله الذي "جَعَلَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ"راجع سورة غافر الآية 61‏

النوم بين أمرين‏

عندما ينام الإنسان عليه أن يتوقع أمراً من أمرين:‏

أ‌- إما أن تُقبض روحُه‏

ب‌- وإمَّا أن تردَّ إليه، فيستيقظَ ليعمل من جديد، بعد أن فُسِحَ له في أجله مرَّةً أُخرى.‏

قال الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } سورة الزمر الآية 42‏

والتوفي والإستيفاء هو أخذ الحق بتمامه وكماله.‏

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين ينام، يضع خدَّه على يده اليمنى، وهو يرى أنَّه ميتٌ في ليلته تلك (المحجة ج2، ص372)‏

وروي أنَّ لقمان على نبينا وآله وعليه السلام قال لابنه: «يا بني، إن كنتَ تشكُّ في الموت، فلا تنمْ، فكما أنَّك تنام كذلك تموت، وإن كنت تشكُّ في البعث، فلا تنتبه، فكما أنَّك تنتبهُ بعد نومك، فكذلك تُبعثُ بعد موتك» (المحجة ج2، ص372)‏

أول عمل السجود‏

وإذا ردَّت روحُ الإنسانِ إليه، واستيقظ من جديد، وفُسِحَ في أجله مُجدَّداً، فينبغي عليه أن يسجد مباشرةً، فور انتباهه، ليكون أوَّلُ عملٍ عمله، طاعةً لله تبارك وتعالى ثمَّ يقول:‏

«الحمدلله الذي أحياني بعد موتي، إنَّ ربِّي لغفورٌ شكور» (مكارم الأخلاق ص39)‏

وروي أنَّه يستحب، عند الاستيقاظ، أن يقول: «الحمد لله الذي أحيانا، بعدما أماتنا، وإليه النشور» (المحجة ج2، ص372)‏

وعن الباقر عليه السلام قال: «ما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نوم، إلاَّ خرَّ لله ساجداً» (مكارم الأخلاق ص39 )‏

من آداب التيقظ تلاوةُ الآيات المباركاتِ‏

كذلك يستحب عند الاستيقاظ، تلاوةُ الآيات المباركاتِ من سورة آل عمران، من الآية التسعين بعد المائة، إلى الآية الرابعة والتسعين بعد المائة.‏

ففي صحيحة معاوية بن وهب: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استيقظ جلس، ثم قلَّب بصره في السَّماء، ثم تلا هذه الآيات المباركات (المحجة ج2، ص368)‏

وعن الإمام علي عليه السلام قال: «إذا قام أحدُكُمْ من اللَّيل، فلينظر إلى أكناف السَّماء، وليقرأ هذه الآيات» (ميزان الحكمة ح20645 (بتصرف)) {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ } سورة آل عمران الآيات 190 ـ 194‏

وبذلك نرى أنَّ الرجوع إلى الحياة من جديد، بعد الموتة الصغرى، له آدابٌ خاصةٌ به، تشير جميعها إلى الخضوعِ والخشوعِ والتفكُّر والإنابة.‏

قيامُ اللَّيلِ سُنَّةً‏

فاعلم يا أخي المؤمن السالكُ إلى الله تبارك وتعالى أنَّ التهجد وقيامَ اللَّيل، أدبٌ من آداب عباد الله المقربين، دأبوا عليه منذ آلافِ السنين ، حيث كانوا يقومون في اللَّيل، مناجين سائلين ساجدين عابدين، عندما تغفُلُ العيونُ، وتهدأُ الجوارحُ.‏

وشاء الله تبارك وتعالى، أن يصبحَ قيامُ اللَّيلِ سُنَّةً، وميِّزةً لأهل التقوى والسلوك الرباني.‏

قال عزَّ من قائل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} سورة الذاريات: الآيات 15 ـ 19‏

وقال تبارك وتعالى، في سورة السجدة المباركة: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } سورة السجدة الآيتان 16 ـ 17‏

كيف يتيسَّر قيام اللَّيل‏

ويتيسَّر قيام اللَّيل بأن لا نُكْثِرَ من الطعام عند العشاء قبلَ النوم، ف«لا تُميتوا القلوبَ بكثرة الطعامِ والشراب، فإنَّ القلب يموت كالزرع إذا كَثُر عليه الماء» ميزان الحكمة ح589‏

وفي تنبيه الخواطر عن مولانا عيسى ابن مريم على نبينا وآله وعليه السلام:‏

«يا بني إسرائيل، لا تُكثروا الأكل، فإنَّه مَنْ أكثرَ الأكلَ، أكثرَ النومَ، ومن أكثر النومَ أقلَّ الصلاة، ومن أقلَّ الصلاةَ كُتب من الغافلين» ميزان الحكمة ح590‏

وكان بعض السالكين يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيراً، فتشربوا كثيراً، فتخسروا عند الموت كثيراً (المحجة ج2، ص390 )‏

ولا يرتكب الحرام، ولا يحتطِبَ الأوزار، فإنَّها من أدعى الأسباب المؤدية إلى حرمان قيام اللَّيل والتهجد... فالذُّنوب تقسي القلبَ، وتؤدِّي إلى تخلف أسباب الرحمة، بينما الخيرُ يؤدِّي إلى الخير، والشرُّ يدعو إلى الشر.‏

ويُروى أنَّ رجلاً جاء أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: إنِّي حُرمتُ الصلاة باللَّيل، فقال له : «قد قيَّدتك ذنوبُك» (ميزان الحكمة ح10645)‏

وعن الصَّادق عليه السلام قال: «إنَّ الرجلَ يُذنبُ الذنبَ فيُحرمُ صلاة اللَّيل، وإنَّ العمل السيِّىء أسرعُ في صاحبه من السكين في اللحم» (المصدر نفسه ح10467)‏

و يُستحب لقائم اللَّيل أن يقوم لفوره بعد الاستيقاظ مباشرةً .‏