المحاضرات >حب ما يحب(ص) وبغض ما يبغض(ص)
حب ما يحب(ص) وبغض ما يبغض(ص)
حب ما يحب(ص) وبغض ما يبغض(ص)

بسم الله الرحمن الرحيم.... حمد الله اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي، وَعَلَى مَا تُعَافي وَتَبْتَلي,حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى

الْحَمْدِ لَكَ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ, حَمْداً يَمْلأُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ. حَمْداً لاَ يُحْجَبُ عَنْكَ، وَلاَ يُقْصَرُ دُونَكَ, حَمْداً لاَ يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، وَلاَ يَفْنَى مَدَدُهُ, فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إِلاَّ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ:(حَيٌّ قَيُّومٌ، لاَ تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلاَ نَوْم)، لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ، أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ، وَأَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ.(خ 160)‏

أَفْعل طريق لتعليم السلوك:‏

طريقة " القدوة الصالحة" أَفْعل الطرق التربوية لتعليم السلوك على الإطلاق.‏

وهي أسلوب المواكبة والإمتثال... فالإنسان يميل إلى من يقلد في سلوكه ويتخذه رمزاً في حياته وتصرفاته( يلاحظ هذا في الإدارة والعسكر والقضاء والسياسة ....والعلماء) .‏

وفي ديننا يكون ذلك لنبي أو وصي أو ولي أو تقي....ليكون قدوة حسنة ومعلماً يقتدون به ويقتفون أثره ويسيرون بركبه ويهتدون بهديه ويتبعون خطاه .‏

وبعث الله تعالى نبيه محمداً (صلى الله عليه وآله) ليكون قدوة للناس، "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" (الأحزاب/21)، فقد وضع الله تعالى نبيه الأكرم قدوة للبشرية ، وجعل عمله وأقواله ومواقفه (سنّة) واجبة الأتباع على الناس" وهي تعبد في الأمر والنهي طاعة وإنقيادا دون تكلف طلب حكمة الحكم, فلا يعارض بمعقول منقولا , ولا يتَّهم للدين دليلا, ولا يرى إلى الخلاف سبيلا " .‏

" ... إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)" هود‏

وذم الإسلام القدوة السيئة والذين قالوا:‏

" إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ" (الزخرف/22).‏

العبرة في الفعل:‏

ومن السهل الحديث عن التربية أو تأليف كتاب فيها ، لكن العبرة في الفعل، والترجمة العملية للتصرفات.‏

" لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)" آل عمران‏

إن معرفة سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) والعمل بها أمر ضروري لمن يريد الإقتداء بسنتهم والتخلق بأخلاقهم، وقد إهتم العلماء بهذا الأمر.‏

أمير المؤمنين عليه السلام والإقتداء بالأنبياء:‏

وهذا ما تمثل به أمير المؤمنين عليه السلام في عدة أنبياء , فقال:‏

" وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ الله ِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا...‏

وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسى كَلِيمِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ يَقُولُ: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ)، وَاللهِ، مَا سَأَلَهُ إِلاَّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لأنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ...‏

وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوودَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وقَارِىءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ (منسوجات) ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا, وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا.‏

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بَاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلاَلُهُ في الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ....‏

فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ:‏

قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً ، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً... عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ.‏

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ وَرَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للهِِ، وَمُحَادَّةً (المخالفة في عناد) عَنْ أَمْرِ اللهِ, وَلَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بَيَدِهِ نَعْلَهُ ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ: «يَا فُلاَنَةُ ـ لْإِحْدَى أَزْوَاجِهِ ـ غَيِّبِيهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا».‏

فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ، وَلاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَلاَ يَرْجُو فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ.‏

وَكَذلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ. وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِىءِ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا: إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ .‏

فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ: أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذلِكَ أَمْ أَهَانَهُ! فَإِنْ قَالَ: أَهَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ ـ وَاللهِ الْعَظِيمِ ـ بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ, وَإِنْ قَالَ: أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ. فَتَأسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَلَماً لِلسَّاعَةِ (بِعثته دليل على قرب القيامة إذ لا نبي بعده ) ، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِراً بِالعُقُوبَةِ.‏

خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً ، وَوَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ.‏

فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ (مؤخر القدم, ووطوء العقب مبالغة في الإتباع والسلوك على طريقة، نقفوه خطوة خطوة حتى كأننا نطأ مؤخر قدمه)! وَاللهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي (ثوب من صوف) هذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: أَلاَ تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟ فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي (36) ، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى (معناه: إذا أصبح النائمون وقد رأوا السارين واصلين إلى مقاصدهم حَمِدوا سُراهم وندموا على نوم أنفسهم) !‏