المحاضرات >تأديب الأحداث من كتاب \" تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق\"
تأديب الأحداث من كتاب \" تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق\"
تأديب الأحداث من كتاب " تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق"

الحمد لله الذي أرشد إلى الصراط المستقيم ومدح الخلق العظيم وأرسل نبيه محمدا متمما لمكارم الأخلاق وأدبه فأحسن تأديبه صلى الله عليه وآله وسلم. بما أن

تربية الأطفال واجب علينا..‏

وأكثر النظريات الشائعة بيننا , مستوردة...‏

من حقنا البحث عما كتبه علماؤنا في هذا المجال...‏

وكتاب " تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" تناول في جزء يسير منه تربية الأحداث.‏

المقدمة في كتاب " تهذيب الأخلاق":‏

هو كتاب في الفلسفة لأبي علي أحمد ابن محمد بن مسكويه (وفي أقوال مسكويه) من فلاسفة القرن الخامس الهجري(توفي 421 هجرية)، تشبع بثقافة عصره وتأثر بالفلسفة اليونانية وبأرسطو خاصة.‏

والكتاب كناية عن معادلة صناعة الأخلاق ووضع الهيكلية العقلية والمنطقية لها، فإنه يتناول تحصين هذا البناء ورفع عوامل الفساد عنه وإبعاد أسباب الوهن عن كيانه.‏

وكتابه "تهذيب الأخلاق" يعكس هذه الثقافة الفلسفية والتأثر بالفلسفة اليونانية، ويبدؤه بالحديث عن ماهية النفس وغاياتها وقواها وملكاتها، ثم ينتقل إلى الحديث عن الخُلق وعن الشريعة وكيف تقوم الخلق، وعن الإنسان وكمال الذات الإنسانية، ويمضي مفصلاً الحديث عن الأخلاق والآداب والسلوك والعبادات رابطًا في رؤاه بين الشريعة والرؤية الفلسفية المقومة لأخلاق الإنسان في مختلف أحواله.‏

والتزم "مسكويه" من "غرض الكتاب" بقوله:‏

"أن نحصل لأنفسنا خلقاً حسناً يطبع سلوكنا بطابعه فتصدر عنا أفعال كلها جميلة بلا تكلف ولا مشقة" بل بصناعة ودراية، ووفق ترتيب علمي.‏

ثم أنه ينتقل إلى وضع المنهج لتحقيق هذا الغرض فيقول:‏

ووسيلة ذلك "أن نعرف نفوسنا" وكيف تصل إلى الكمال,‏

وأن نعرف القوى والملكات "التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه المرتبة العالية"!‏

وأخذ مسكويه على نفسه وضع المبادئ والقواعد ليصل إلى إصابة الخلق الشريف بذاته " لا ذلك الذي يشرف بالاكتساب عن طريق المال والمكاثرة أو السلطان والمغالبة".‏

والكتاب في سبع مقالات متلاحقة وهي:‏

المقالة الأولى: في تعريف النفس، المقالة الثاني: في الأخلاق والطبائع، المقالة الثالثة: في الفرق بين الخير والسعادة، المقالة الرابعة: في أعمال الإنسان، المقالة الخامسة: في أنواع المحبة، المقالة السادسة: في الأمراض النفسية، المقالة السابعة: في الطب النفساني.‏

وما يلفت النظر في الكتاب أنه عمله " لمحبي الفلسفة خاصة لا للعوام" وإنه اطلع على كتب الأوائل، أرسطو وأفلاطون وجالينوس، وسقراط، وإبقراط...‏

ووضع "مسكويه" قواعد فلسفة أخلاقية حديثة، ليست نظرية محض، ولا عملية محض بل هي وسط بينهما.‏

مراتب الآداب في الأطفال والرجال:‏

فأما مراتب الناس في قبول هذه الآداب التي سميناها خُلُقا والمسارعة إلى تعلمها والحرص عليها, فإنها كثيرة, وهي تُشاهد وتُعاين فيهم, وخاصة في الأطفال فإن أخلاقهم تظهر فيهم منذ بدء نشأتهم, ولا يسترونها بروية ولا فكر كما يفعله الرجل التام الذي انتهى في نشوئه وكماله إلى حيث يعرف من نفسه ما يُستقبح منه...‏

الإعتياد والتخلق:‏

والشريعة هي التي تُقوِّم الأحداث وتُعوِّدهُم الأفعال المرضية وتُعدُّ نفوسَهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل..... حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن يعلموا براهين ما أخذوه تقليدا...‏

مقتطفات في تأديب الأحداث والأولاد:‏

الحياء دليل النجابة :‏

فأول ما يحدث فيه من هذه القوة الحياء وهو الخوف من ظهور شيء قبيح منه.‏

ولذلك قلنا:‏

أول ما ينبغي أن يُتفرس في الصبي ويُستدل به على عقله, الحياء, فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح, ومع إحساسه به يحذره ويتجنبه ويخاف أن يظهر منه أو فيه, فإذا نظرتَ إلى الصبي فوجدتَه مستحيياً مطرقا بطرفه إلى الأرض غير وقاح الوجه ولا محدق اليك فهو أول دليل نجابته.....‏

مواضع المدح والتوبيخ:‏

ثم يُمدح الأخيار عنده ويُمدح هو في نفسه إذا ظهر شيء جميل منه... ثم يُمدح بكل ما يظهر منه من خلق جميل وفعل حسن ويكرم عليه.‏

فإن خالف في بعض الأوقات ما ذكرتُه, فالأولى أن لا يُوبَّخ عليه ولا يُكاشف بأنه أقدم عليه , بل يُتغافل عنه تغافل من لا يخطر بباله أنه قد تجاسر على مثله ولا همَّ به... فإن عاد فليُوبَّخ عليه سرا.... فإنك إن عودتَه التوبيخَ والمكاشفةَ حملته على الوقاحة وحرَّضته على معاودة ما كان استقبحه, وهان عليه سماع الملامة.‏

نظرته للطعام :‏

...والذي ينبغي أن يبدأ به في تقويم النفس آداب المطاعم, فيفهم أولا أنها إنما تُراد للصحة لا للذة..... فهي تجري مجرى الأدوية ليَتداوى بها الجوعُ والألمُ الحادث منه, فكما أن الدواء لا يُرام للذَّة ولا يُستكثر منه للشهوة فكذلك الأطعمة....... وإذا جلس مع غيره لا يُبادر إلى الطعام ولا يُديم النظر إلى ألوانه ولا يحدق إليه شديدا, ويقتصر على ما يليه ,ولا يسرع في الأكل ولا يوالي بين اللقم.......‏

وهذه الآداب وإن كانت جميلةً بالفقراء فهي بالأغنياء أفضل وأجمل.....‏

إعتياد الخشونة:‏

ويمنع أيضا من الفراش الوطيء وجميع أنواع الترفه حتى يصلب بدنُه ويتعود الخشونة..... ويُعوَّد المشيَ والحركةَ والركوب والرياضة حتى لا يتعود أضدادها.‏

... ويُعوَّد أن لا يكشف أطرافَه ... ولا يُزيَّن بملابس النساء ...‏

إعتياد التواضع :‏

...ولا يَفْتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه من مآكله وملابسه وما يجري مجراه , ولا يشين بل يتواضع لكل أحد, ويُكرِّم كلَّ من عاشره.‏

..... ولا يتوصل بشرف, إن كان له أو سلطانٌ من أهله إن اتفق إلى غضب من هو دونه أو استهداء من لا يمكنه أن يرده عن هواه أو تطاوله عليه, كمن اتفق له إن كان خاله وزيرا أو عمه سلطانا فتطرق به إلى هضيمة أقرانه وثلم أخوانه وإستباحة أموال جيرانه....‏

ضبط لسانه :‏

ويُعوَّد أن لا يكذب ولا يحلف البتة لا صادقا ولا كاذبا, فإن هذا قبيح بالرجال مع الحاجة إليه في بعض الأوقات, فأما الصبي فلا حاجة به إلى اليمين.‏

ويُعوَّد أيضا قلة الكلام فلا يتكلم إلا جوابا, وإذا حضر من هو أكبر منه اشتغل بالاستماع منه والصمت له.... ويمنع من خبيث الكلام وهجينه ومن السب واللعن ولغو القول, ويُعوَّد حسن الكلام وظريفه وجميل اللقاء وكريمه ولا يرخص له أن يستمع لأضدادها من غيره.‏

خدمة الوالدين ومعلمه :‏

ويُعوَّد خدمة نفسه ومعلمه وكل من كان أكبر منه.‏

... وأحوج الصبيان إلى هذا الأدب أولاد الأغنياء والمترفين.... ويُعوَّد طاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه وأن ينظر اليهم بعين الجلالة والتعظيم.....‏

وهذه الآداب النافعة للصبيان هي للكبار من الناس أيضا نافعة ولكنها للأحداث أنفع ... ويسهل عليهم بعد ذلك جميع ما ترسمه الحكمة وتحده الشريعة والسنة.‏

الرياضات:‏

... ثم تعوده بالسيرة الدائمة وعود الرياضات التي تحرك الحرارة الغريزية وتحفظ الصحة وتنفي الكسل وتطرد البلادة وتبعث النشاط وتذكي النفس.‏

أثر التهذيب عل الأغنياء والفقراء:‏

فمن كان ممولا مترفا كانت هذه الأشياء التي رسمتها أصعب عليه لكثرة من يحتف به ويغويه ...وإجماع جمهور الناس على نيل ما أمكنهم منها ... فأما الفقراء فالأمر عليهم أسهل بل هم قريبون إلى الفضائل......‏