المحاضرات >الطمع في المال
الطمع في المال
الطمع في المال
الجمعة 20 صفر الخير 1431 الموافق 5-2-2010

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطمع : نزوع النفس إلى الشيء شهوة له , وأكثر الطمع يكون للهوى. الطمع في المال والبنون المال (وكذلك

البنون) من شعب حب الدنيا، فحب الدنيا يتناول حب كل حظ عاجل...‏

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) المدثر‏

وروي إن أول ما ضرب الدينار والدرهم رفعهما إبليس، ثم وضعهما على جبهته، ثم قبلهما وقال: من أحبكما فهو عبدي حقا.‏

وعن رجل قال ...انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ : " يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي مَالِي ! وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ " .‏

وفي نهج البلاغة قال الامام أمير المؤمنين عليه السلام : أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار.. فخذوا من ممركم لمقركم .. ففيها اُختبرتم ، ولغيرها خُلقتم ، إن المرء إذا هلك قال الناس : ما ترك ؟ وقالت الملائكة : ما قدم ؟‏

والمال محتاج إليه ولا غناء عنه...لكن يخشى منه الطغيان وفيه فوائد وآفات، وفوائده من المنجيات وآفاته من المهلكات.‏

كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ (7) العلق‏

الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) الهمزة‏

فتنة الكثرة :‏

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ (28) الانفال‏

والكثرة لا تخلو من إمتحان وفتنة...‏

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : «اللهمّ ارزق محمداً وآل محمد ومن أحبّ محمداً وآل محمد العفاف والكفاف، وارزق من أبغض محمداً وآل محمد كثرة المال والولد»‏

وقال صلى الله عليه وآله : «طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافاً وقوله سداداً».‏

والْكَفَاف هو العيش الوسط الذي يكفي الإنسان حاجاته الأصلية.‏

خوف النبي على أمته :‏

وذلك من الطمع والبطر , قال النبي صلى الله عليه وآله : إنما أتخوّف على أمتي من بعدي ثلاث خلال :‏

أن يتأوّلوا القرآن على غير تأويله ، أو يبتغوا زلّة العالم ، أو يظهر فيهم المال حتّى يطغوا ويبطروا ، وسأنبئكم المخرج من ذلك :‏

أمّا القرآن فاعملوا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وأمّا العالم فانتظروا فيأته ولا تبتغوا زلّته ، وأمّا المال فإنّ المخرج منه شكر النعمة .‏

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ (11) الليل‏

أغنياء الشيعة والإمام الباقر!‏

وذُكر أغنياء من الشيعة عند الباقر (ع) ، فكأنه كره ما سمع فيهم ، فقال:‏

إذا كان المؤمن غنيا رحيما وصولا ، له معروف إلى أصحابه ، أعطاه الله أجر ما ينفق في البر أجره مرتين ضعفين، لأنّ الله عز وجل يقول في كتابه :‏

وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) سبأ.‏

وفي موعظة له أنه حضره ذات يوم جماعة من الشيعة فوعظهم وحذرهم وهم ساهون لاهون فأغاظه ذلك فأطرق مليا ثم رفع رأسه إليهم فقال إن كلامي لو وقع طرف منه في قلب أحدكم لصار ميتا ... ألا تأخذون الذهب من الحجر ألا تقتبسون الضياء من النور الأزهر ألا تأخذون اللؤلؤ من البحر خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها ...فإن الله يقول الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ويحك يا مغرور ألا تحمد من تعطيه فانيا ويعطيك باقيا درهم يفنى بعشرة تبقى إلى سبعمائة ضعف مضاعفة من جواد كريم آتاك الله عند مكافأة هو مطعمك وساقيك وكاسيك ومعافيك وكافيك وساترك ممن يراعيك من حفظك في ليلك ونهارك وأجابك عند اضطرارك ... ويلك إنما أنت لص من لصوص الذنوب كلما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه فارتكبته...‏

الأدب :‏

قال رسول الله (ص) : أتاني مَلَك ، فقال : يا محمد!.. إنّ ربك يقرئك السلام ، ويقول :‏

إن شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهبا ، فرفع رأسه إلى السماء فقال :‏

يا رب !.. أشبع يوما فأحمدك ، وأجوع يوما فأسألك.‏

وقال (ص) : اللهم !.. من أحبني فارزقه الكفاف والعفاف ، ومن أبغضني فأكثِر ماله وولده.‏

وقال (ص): ما أحد يوم القيامة غني ولا فقير إلا يودّ أنه لم يؤت منها إّلا القوت.‏

والعبد ناقص وكل ما يأتي من الناقص ناقص, وهذا يوجب عذرا , أما ما يأتي من الحق سبحانه فيوجب شكرا " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)" المؤمنون .‏

النظرة للفوق والتحت :‏

يقول ابو ذر : اوصاني رسول الله ان لا انظر الى ما هو فوقي.‏

ولنعلم أن لبعض النعيم مفسدة .‏

وقال علي (ع) : جاء أبو أيوب خالد بن زيد إلى رسول الله (ص) فقال :‏

يا رسول الله !.. أوصني وأقلل لعلي أن أحفظ ، قال : أوصيك بخمس :‏

باليأس عما في أيدي الناس فإنه الغنى .. وإياك والطمع !.. فإنه الفقر الحاضر.. وصلّ صلاة مودّع .. وإياك وما تعتذر منه !.. وأحب لأخيك ما تحب لنفسك.‏

مصيبتان في المال :‏

وقال بعض الأكابر: مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته ، قيل: وما هما؟ قال: يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كله .‏

وما المال والأهلون إلا وديعة *** ولا بد يوما أن ترد الودائع‏

قد يجمع المال غير آكله *** ويأكل المال غير من جمعا‏

قصة في عاقبة الطامعين:‏

يحكى أن ثلاثة رجال ساروا في طريق فعثروا على كنز، واتفقوا على تقسيمه بينهم بالتساوي، وقبل أن يقوموا بذلك أحسوا بالجوع الشديد، فأرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعامًا، وتواصوا بالكتمان، حتى لا يطمع فيه غيرهم، وفي أثناء ذهاب الرجل لإحضار الطعام حدثته نفسه بالتخلص من صاحبيه، وينفرد هو بالكنز وحده، فاشترى سمًّا ووضعه في الطعام، وفي الوقت نفسه، اتفق صاحباه على قتله عند عودته , ليقتسما الكنز فيما بينهما فقط ، ولما عاد الرجل بالطعام المسموم قتله صاحباه، ثم جلسا يأكلان الطعام, فماتا من السم...‏

القلب ينشغل عن الأهم !‏

ومن مواعظ المسيح........بحقّ أقول لكم : إنه كما ينظر المريض إلى طيب الطعام فلا يلتذّه مع ما يجده من شدة الوجع ،كذلك صاحب الدنيا لا يلتذّ بالعبادة ، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حبّ المال ، وكما يلتذّ المريض نعت الطبيب العالم بما يرجو فيه من الشفاء ، فإذا ذكر مرارة الدواء وطعمه كدّر عليه الشفاء ، كذلك أهل الدنيا يلتذّون ببهجتها وأنواع ما فيها ، فإذا ذكروا فجأة الموت كدّرها عليهم وأفسدها ....‏

بحق أقول لكم : لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون ، فلا تنتظروا بالتوبة غدا ، فإنّ دون غد يوماً وليلةً ، قضاء الله فيهما يغدو ويروح ..‏

اللهم انى اسألك ايمانا دائما، وقلبا خاشعا، وعلما نافعا، ويقينا صادقا، والعافية من كل بلية ، وتمام العافية ، ودوام العافية ، والشكر على العافية ، والغنى عن الناس.‏