المحاضرات >الزهد والتقشف
الزهد والتقشف
الزهد والتقشف
الجمعة 10 ربيع الثاني 1431 الموافق 26/3/2010

بسم الله الرحمن الرحيم إفتتاحية الخطبة: قال عليه السلام: الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَينِ مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ اللهُ سبحانه: (لِكَيْلاَ

تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، فَمَنْ لَمْ يَأْسَ (لم يحزن على ما نفذ به القضاء) عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْرَحْ بالْآتِي، فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ.‏

وعن نوفٍ البِكاليّ، قال: رأيت أميرالمؤمنين عليه السلام ذات ليلة، وقد خرج من فراشه، فنظر في النجوم فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ فقلت: بل رامق (منتبه العين) . قال: يَا نَوْفُ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ، أُولئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طِيباً، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً (يقرؤونه سراً للاعتبار بمواعظه والتفكّر ,وأصل الشعار: ما يلي البدن من الثياب) وَالدُّعَاءَ دِثَاراً ( جهرهم بالدعاء إظهاراً للذلّة والخضوع لله) ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ.‏

مقدمة :‏

«الزُّهد» من المفاهيم المُلْتَبَسة عند أكثر النَّاس, حيث يظن أكثرُ الناس في هذا الزمان، بأن تمتـنعَ عن حلال الله ومباحاته، وتُظهرَ الحاجة َوالفقر والظُّهور أمام الآخرين بمظهر البؤس والشقاء وتعمُّد إهمال الجسد واللباس والزهد فقرٌ وتذلُّلٌ وثيابٌ وسخة، وسوءُ تدبير، وإظهارُ البؤسِ والشقاء والفاقة، ومدُّ الأيدي للناس!!!‏

وهذا خطأ كبير، لأنَّهُ بذلك تختلط الأمور والعناوين، ولا يُعرف الزُّهد الحقيقي من غيره.‏

ومن المفارقات الغريبة أنَّ بعض مَنْ التبس عليهم الأمر لا يعرفون أنَّ الإسلام دعا إلى الزُّهد، وأدنى نظرة إلى الرِّوايات الشريفة وأمَّهات الكِتَاب ونهج البلاغة تُبيِّن ذلك بوضوح، لكنَّها دعوة إلى الزُّهد الحقيقي، وهو:‏

الانصراف عن الدُّنْيا وعدم إرادتها إلاَّ بقدر الضرورة ، وبهذا المعنى لا مانع أن يكون للزاهد مالٌ أو خدمٌ أو عقارٌ....‏

يقول الإمام الصَّادق : «ليس الزُّهدُ في الدُّنْيا بإضاعة المال ولا تحريم الحلال، بل الزُّهد في الدُّنيا أنْ لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله».‏

لكنَّ مَنْ كثُر مالُهُ كان أكثر عُرْضة للفتنة من غيره، لأنَّ النَّاس بطبعهم ضعيفو النُّفوس فينجرُّون بسرعة نحو الانحراف، فإذا كانت لديهم القُوَّة والسُّلْطة تكون فتنتهم أكبر.‏

سُئل الإمام الصَّادق عن الزُّهد، فقال:‏

«الَّذِي يترك حلالها مخافة حسابه، ويترك حرامها مخافة عقابه».‏

معنى الزهد :‏

الزهد (Ascetisme) في اللغة يعني (الإعراض عن الشيء لاحتقاره) .‏

الزاهد يزهد اختياريا فطريق حياته الورع والزهد والتقشف، والإبتعاد عن زخارف الدنيا .‏

ومنه قولهم زهيد للشيء القليل دون المعدوم .. وبذلك فالزهد هو القليل.‏

وورد المعنى في الذكر الحكيم )وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ) .‏

وورد في الحديث النبوي الشريف:‏

(ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس(‏

أما التقشف فهو درجة من درجات الزهد وهو أكثر من الزهد في مرتبة اللارغبة.‏

...... ووصف المؤرخون حياة الشيخ المفيد الخاصة وصفاته الشخصية فذكروا أنه " كان كثير الصدقات عظيم الخشوع كثير الصلاة والصوم حسن اللباس كثير التقشف والتخشع والانكباب على طلب العلم وكان لا ينام من الليل إلا هجعة ثم يقوم يصلي أو يطالع أو يتلو القرآن".‏

الزُّهد علامة أهل الخير:‏

من أهم صفات الأنبياء والأولياء وأتباعهم عدم تعلُّقهم بشيء من الدُّنيا لنفسه أو طمعاً في خلوده، فهم مُدْركون لحقيقة الدُّنيا ومتاعها وما فيها، وعاشقون لخالقهم تعالى، راغبون في ثوابه، مُقبلون على آخرته الَّتِي هي خيرٌ وأبقى.‏

رُوي عن سيِّدنا رسول الله (ص) : «ما اتَّخذ الله نبيّاً إلاَّ زاهداً».‏

فالمهم هو عدم الطمع أو التعلُّق بالدُّنْيا لنفسها، لذلك قد نرى غنياً زاهداً بالدُّنيا، وقد نرى غير غني تعلَّق قلبه بها.‏

فالكثير من الأولياء والأتقياء والعلماء كان لهم خدمٌ وحشمٌ بل اشتُهر بعضهم بالغنى واليُسْر، دون شكٍ في زهدهم وورعهم واحتياطهم في أمر الدِّين.‏

يقول الإمام أمير المؤمنين : «الزُّهد كلُّه في كلمتين من القرآن، قال الله تعالى: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}(95)، فَمَنْ لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فهو الزاهد».‏

وفي تنبيه الخواطر يقول : «يا ابن آدم، لا تأسف على مفقودٍ لا يردُّه إليك الفوت، ولا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت».‏

كيف تُصبح زاهداً؟‏

فتقليد الزاهدين، والامتثال بهم، في نظرتهم للدُّنيا وتواضعهم وطريقة حياتهم وقناعتهم... تُعلِّم الزُّهد.‏

يقول الإمام أمير المؤمنين : «التزهُّد يُؤدي إلى الزُّهد».‏

وتقوية اليقين بالله والآخرة وما وُعد به الصالحون فيها، لا محالة يُساعد على الزُّهد.‏

في النصِّ المبارك عن الأمير : «أصلُ الزُّهد اليقين».‏

ومِمَّا يُساعد على الزُّهد، ذكرُ نعيم الآخرة وعذابها، وهذا من الأمور الَّتِي أُهملت في مجتمعاتنا إهمالاً عظيماً في السنوات الأخيرة!‏

يُوصي أميرُ المؤمنين ابنه الحسن قائلاً:‏

«أكثِرْ ذكرَ الآخرة، وما فيها من النَّعيم والعذاب الأليم، فإنَّ ذلك يُزهِّدك في الدُّنيا ويُصغِّرها عندك، وقد نبَّأك الله عنها...».‏

وعن الإمام الباقر : «أكثِرْ ذكرَ الموت، فإنَّه لم يُكْثر إنسانٌ ذكر الموت إلاَّ زهد في الدُّنيا».‏

وعن النَّبيِّ في حديث أنَّه قال:‏

«قلتُ يا جبرئيل: فما تفسير الزُّهد؟ قال: الزَاهد يحبّ من يحبّ خالقه، ويُبغض من يُبغض خالقه، ويتحرّج من حلال الدُّنيا ولا يلتفت إلى حرامها، فإنَّ حلالها حساب وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، ويتحرّج من الكلام كما يتحرّج من الميتة الَّتِي قد اشتدَّ نتنها، ويتحرّج عن حطام الدُّنيا، وزينتها كما يتجنّب النَّار أن تغشاه، ويقصر أمله، وكان بين عينيه أجله».‏

عن مولانا الصَّادق :‏

«الرَّغبة في الدُّنيا تورث الغمَّ والحزن، والزُّهد في الدُّنْيا راحة القلب والبدن».‏

«حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حَتَّى تزهد في الدُّنْيا».‏

«إنَّ الزُّهاد فِي الدُّنْيا نورُ الجلال عليهم، وأثر الخدمة بين أعينهم، وكيف لا يكونون كذلك، وإنَّ الرَّجُل لينقطع إلى بعض ملوك الدُّنْيا فيُرى عليه أثرُهُ، فكيف بِمَنْ ينقطع إلى الله تعالى لا يُرى أثره عليه؟!».‏

وفي مناجاة الزاهدين:‏

إلهِي أَسْكَنْتَنا داراً حَفَرَتْ لَنا حُفَرَ مَكْرِها... فَإلَيْكَ نَلْتَجِئُ مِنْ مَكآئِدِ خُدَعِها، وَبِكَ نَعْتَصِمُ مِنَ الاغْتِرارِ بِزَخارِفِ زِيْنَتِهَا، فَإنَّهَا الْمُهْلِكَةُ طُلاَّبَهَا، الْمُتْلِفَةُ حُلاَّلَهَا، الْمَحْشُوَّةُ بِالافاتِ، الْمَشْحُونَةُ بِالنَّكَباتِ.‏

إلهِي فَزَهِّدْنا فِيها، وَسَلِّمْنا مِنْها بِتَوْفِيقِكَ.. وَأَخْرِجْ حُبَّ الدُّنْيا مِنْ قُلُوبِنا كَما فَعَلْتَ بِالصَّالِحِينَ مِنْ صَفْوَتِكَ، وَالأَبْرارِ مِنْ خاصَّتِكَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ.‏