المقالات >الإلتزام والكبت
الإلتزام والكبت
الإلتزام والكبت

يُعبَّر عن المسلم المطيع للأوامر الإلهية بأنَّه «ملتزم» أو متدين أو مؤمن... أي أنَّه يتَّبع الأوامر الإلهية... مقابل الذي لا يُطيع فيكون فاسقاً منحرف.

لكنْ، لوحظ في السنوات الأخيرة، ونتيجة لظروف ضاغطة وإعلام موجَّه، أنَّ «الالتزام» أصبح تهمة تعصُّب وتزمُّت... بل رُبَّما تحجُّر وانغلاق!‏

فالمرأة الحريصة على ستر ما بين ذقنها ورقبته، أو ما فوق المعصمين من يديه، أو الَّتي لا تُظهر أمام الأجنبي قدميه... هذه المرأة تُتَّهم بالتحجر والتعصُّب مع أنَّها لا تفعل شيئاً فوق تطبيقها للحكم الشرعي.‏

كذلك الشابة التي تلتفت إلى طريقة ثيابها في اللون والشكل أو إلى طريقة حديثها أو مشيته...‏

أمَّا الرجل المحتاط في النظر أو الاختلاط أو في بعض المظاهر الإسلامية... فهو متَّهم أيض.‏

كذلك العالِم أو الفقيه المتحرِّج في خوض الشُّبهات أو المتوقف عند «الانزلاقات» التي يريدها الناس، والمبتعد عن التساهل، الحريص على عدم إعطاء المبرِّرات التي تُشجِّع على الانحراف، المؤكِّد على الثوابت والضوابط، الذي لا ينساق للأجواء المحيطة... هذا العالِم يوصف بالتعصُّب وعدم مواكبة العصر ومجاراة المجتمع... مع العلم أنَّ ((أكثر الناس لا يؤمنون)).‏

* * *‏

فيهذا الخضم ظهرت نظرية تُبرِّر «الإجازة والتسامح والتساهل» تحت عنوان أنَّ الحرص أو الجهر أو الدعوة للدقة الشرعية، ودعوة الآخرين إليه، هي نوع من «الكبت»!‏

وكأنَّ «الكبت» (وهو مصطلح يُستعمل في غير محله تماماً) أصبح مشجباً تُعلَّق عليه كافة الدعوات التي تريد «التفلت» من الحكم الشرعي.‏

فانحراف بعض الفتيات الذين نشوؤا في بيئة متديِّنة (تريد تبرير الانحراف الحاصل)، هو بسبب الكبت!‏

والتجاوزات الحاصلة من بعض مَنْ تربى في مدارس «إسلامية» هي أيضاً بسبب «الكبت»!‏

والأخطاء التي تقع في بعض الفئات العمرية الغضَّة، سببها «الكبت»!‏

مع أنَّ المسألة ببساطة:‏

هي سُنَّة الله عزَّ وجلَّ في خلقه، فيمن يلتزم أو لا يلتزم، فيمن يُؤمن أو يكفر، فيمن يهتدي أو ينحرف... وهذا حصل في بيوت أنبياء الله (ع)... ولا داعي لاصطناع تبرير أو اختراع معاذير.‏

فكم من طيِّبين ملتزمين خرجوا من بيئة منحرفة فاسدة، والعكس واقع أيض... ولا يضمن أحدٌ أحد.‏

((قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث)).‏



هل كل منعٍ كبت؟!‏

المعلوم أنَّ الشريعة المقدَّسة للنَّبي الخاتم (ص) مبنيَّة على الإجازة والمنع، والحلال والحرام، وفيما يجوز وما لا يجوز.‏

تمام، كسائر الشرائع والقوانين القديمة والحديثة، المهجورة والسائدة، بما فيها الوضعية منه.‏

فالحلال، حلالٌ وكفى، من دون تصنُّع أسباب... والحرام، حرام وكفى، من دون التفتيش عن المبرِّرات والدلائل والبراهين التي يُفترض أنَّها لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر في التطبيق والتسليم.‏

وهذا النهج هو الذي أراده الله عزَّ وجلَّ لعباده الصالحين في اتِّباع الغيب، كما في التسليم.‏

((ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشدَّ تثبيتاً* وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً * ولهديناهم صراطاً مستقيماً)).‏

وقال سبحانه: ((إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب)).‏

فالمنع، من منطلق شرعي محض، لا يُعبَّر عنه بالكبت، بل التعبير عنه كذلك، خطأ وتضليل، لأنَّه منع «إيجابي» مطلوب، لأنَّه مبنيٌ على أُسس... وأيُّ أسس (إلهية من المولى عزَّ وجلَّ).‏

فمن الناحية المسلكية (في جهاد النَّفس) أو التربوية، لا مفرَّ من المنع الذي هو أحدُ أعمدة التربية والتزام القوانين.‏

فالكبت (إذا افترضنا حصوله) ليس ناتجاً بالضرورة عن المنع، والمنع الناشء عن خلفية صحيحة، لا يُؤدِّي بالضرورة إلى الكبت، وإن سمَّاه البعض كذلك توهُّماً أو اشتباه... أو تبريراً لتقصيرهم أو فراراً من التهمة!‏

فكم من الآباء أو المسؤولين في مؤسسات تربوية تسرَّعوا في إرجاع بعض الحالات المنحرفة التي أحرجتهم أو حاصرتهم... بأنَّها نتيجة «الكبت»... وهي ليست كذلك.‏

مَنْ يضمن أولاده أو طلابه؟!‏

إنَّ تصوُّرنا الخاطىء بإمكانية تربية أولادنا أو طلابنا أو مَنْ هو في عهدتن... كما نُحب، بحيث «نُصنِّعُه» كما نرغب أو كما حلمنا بذلك طويل... هو السبب فيما نحن فيه.‏

فكم من «تربويين»، ومنظِّرين ، وأصحاب عناوين بارزة، وأسماءٍ لامعة... لم يصلوا إلى ما طمحوا إليه في أولادهم... وليس هذا بالضرورة نتيجة فشلهم أو عيب فيهم... بل الأمر فوق ذلك بكثير، وله أسبابه المتشعِّبة.‏

إنَّ المطلوب براءة للذمة، هو صرف الجهد بمنتهى الإخلاص والقربة، والقيام بالواجب دون تقصير، تحت عناوين الهداية وبذل العلم )كتم العلم في الإسلام حرام( والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،... أمَّا النتائج فليست بيد صاحبه، وهذا من رحمة الله تعالى على عباده، وإل، لولا ذلك، ما خسر تاجر، ولا اختلف شخصان...‏

((فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)) (سورة فاطر: 8).‏

إنَّ المجتمع الذي نعيش فيه لا يُمكن أن يوصف بالكبت على الإطلاق، بعد أن فُرضت عليه هذه الأشكال المختلفة من وسائل الإعلام المُعَوْلم ووسائل الاتصالات العابرة لكل الخصوصيات والمختصرة للزمن بحيث أنَّ عاداتٍ وقيماً وممارساتٍ ومظاهر لا حصر له، أصبحت بمتناول الجميع، ولا يقف أمام تطبيقها لا مكان ولا زمان ولا بيئة ولا عرف... إلاَّ تقوى الله عزَّ وجلَّ، والخوف منه.‏

فما الفرق بين الأفلام والمقاهي والمشروبات واللباس وقصة الشعر والجامعات والغناء وكافة المظاهر والعادات السيِّئة بين بيروت وباريس وهولوود ولاس فيغاس وميلانو وسان فرنسيسكو؟!‏

فمَّا يُطبَّق في هذه الساعة في تلك البلدان، يُطبَّق اليوم التالي في سائر البلدان بعدما نقلَتْه الفضائيات...‏

((ظهر الفساد في البر والبحر)) (سورة الروم: 41).‏

ولا يحدُّ من ذلك إلاَّ الورع، الناتج عن الهيكلية الأخلاقية الإسلامية التي تُلازمه (أو يُفترض) في حلِّه وترحاله.‏

((ليعلم الله مَنْ يخافه بالغيب)).‏

الخطأ الكبير:‏

إنَّ إرجاع إخفاقاتن، أو تبريرَ ما نَصْبو لفعله، إلى اختراع نظرية «الكبت»... ففضلاً عن أنَّها تُعبِّر عن عدم ثقةٍ بالنَّفس (أي بديننا)... إلاَّ أنَّ الخطورة العظمى تبقى في ابتكار سبيل قد لا تتوقَّف عند حدٍ معيَّن، والنَّفس بطبعها تميل لِمَنْ يُرخِّص لها ويختلق المعاذير.‏

* * *‏

فَلْنَنْظر حولنا ماذا يجري؟‏

أين كُنَّ، وأين أصبحن...‏

وأين نكون غدا؟!!!‏

--------------------‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏