المقالات >توقير العلماء
توقير العلماء
توقير العلماء

للعلماء في الإسلام مكانةٌ خاصة حيث كرَّمهم وجعلهم في منازل مقدَّسة تعظيماً للعلم الَّذِي يحملونه والَّذِي به يهتدي البشر إلى صراط الله العزيز الحميد.

بل إنَّ الإسلام أنزل العلماء درجات قريبة من الأنبياء كما سوف نرى إن شاء الله في طيِّ الأسطر القادمة، وهكذا نشأت الأُمَّة الإسلاميَّة بأفرادها على كافة مستوياتهم جاعلة للعلماء مكانة عزيزة خاصة، حَتَّى وصلت الحملة الغربية إلى بلادنا منذ قرنين من الزَّمن وأخذت تُخرِّج أجيالاً علمانية أو ملحدة تُسقط هيبة العلماء، وتُكثر من الإشاعات والنُّكات حولهم، وتُعظِّم بعض سقطاتهم، وتستغل أخطاءهم لمزيدٍ من الطِّعن والتوهين، فنشأت طبقة للأسف تُشكِّك في دور علمائنا وفي قيمة العلم الَّذِي يحملونه وفي كلِّ ما يتعلَّق بهمُ من حرمة وتأثير، وهدفهم الأساسي هو الطَّعن في الإسلام ليس إل.‏

والمتأمِّل في سيرة علمائنا والسَّلف الصالح من أهل التَّقوى والإيمان يرى كيف يذكرون بعضهم باحترام، والمثال الواضح على ذلك طريقة مخاطبة المقدَّس الإمام الخميني رضوان الله عليه للعلماء في كتابه «الأربعون حديث» حيث لا يذكرهم إلاَّ بالألقاب الجميلة والصفات الحبيبة والترحمُّ وافتداء الرُّوح بهم وأصناف شتَّى من الكلمات القدسيَّة السامية:‏

فيُعبِّر عن الكُلَيْني بثقة الإسلام والمسلمين تارة، وبحجَّة الفرقة وثقتها أُخرى، وشيخ المحدِّثين وأفضلهم ثالثة، وعن نصير الدِّين الطوسي بأفضل المتأخِّرين وأكمل التقدِّمين، وعن البهائي العاملي بالشيخ الجليل العارف، وعن المجلسي المحقِّق المدقِّق...‏

وهذه سيرة علمائنا وفقهائنا مع بعضهم دوم.‏

مكانة العلماء في الإسلام:‏

جعل الإسلام حرمةً وقدسيَّةً للعلماء مستفادة من حرمة وقدسيَّة العلم الَّذِي جاء به وحمله وضحَّى من أجله الأنبياء (ع).‏

فجعلهم حيث أقدس خلق الله قريباً من درجة أصحاب العلم الأمناء عليه إلى يوم القِيَامَة.‏

ورد في النصِّ المقدَّس عن سيِّدنا رسول الله (ص): «أقرب النَّاس من درجة النُّبوَّة أهلُ العلم والجهاد...».‏

وهم بحقٍ ورثة الأنبياء يحملون مبادئهم وشريعتهم وأخلاقهم وأهدافهم وأساليبهم... فلماذا لم يكونوا ورثتهم؟‏

في النصِّ الشريف عن سَيِّدنا رسول الله (ص): «العلماء ورثة الأنبياء».‏

وعنه (ع): «العلماء ورثة الأنبياء، يُحبُّهم أهلُ السَّماء، ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القِيَامة».‏

وكما كان الرجوع إلى الأنبياء في الأزمان السالفة هو مسلك المؤمنين، كذلك بعد أن خُتمت الرِّسَالات بخاتم الأنبياء المصطفى (ص) يرجع المؤمنون إلى ورثتهم بالحقّ وهم العلماء العاملون المخلصون ليُستفاد من أحاديثهم وأنوارهم وأخلاقهم...‏

فعن سيِّدنا رسول الله (ص): «العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء الأنبياء، وورثتي، وورثة الأنبياء».‏

ويقول الإمام الصَّادق (ع): «إنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أنَّ الأنبياء لم يُورِّثوا درهماً ولا دينار، وإنَّما ورَّثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ شيئاً منها فقد أخذ حظّاً وافر، فانظروا علمكم هذا عمَّن تأخذونه...».‏

وكما كان من الأدب كُلَّما ذُكر رسولٌ أو نبيٌ أنْ نُسلِّم عليه، كذلك من حقِّ العلماء علينا كُلَّما ذُكر أحدهم أن يُرفَقَ ذلك بدعاء، حيّاً كان أم ميِّت.‏

وهذه سيرة كُلِّ علمائنا في كلماتهم وكتاباتهم، من قبيل: روحي فداه، أيَّده الله تعالى، متَّعنا الله بطول بقائه... قُدِّس سرُّه الشريف، رحمة الله عليه، رضوان الله عليه... إلى كثيرٍ من الألقاب الَّتِي يطول ذكره.‏

وقد وُعد طلابُ العلم المخلِصون بأن يوفِّيَهم الله أجورهم مع الأنبياء، خير خلق الله عزَّ وجلَّ، جزاء بما كانا يعلمون ويُعلِّمون ويعملون.‏

وفي النصِّ الشريف عن سيِّدنا رسول الله (ص):‏

«طالب العلم ركن الإسلام، ويُعطى أجره مع النَّبيِّين».‏

العالِم وإن مات، حي بعلمه:‏

قضت سُنَّةُ الله في كل حي أن يموت، ولو كان نبيّاً مُقرَّباً أو رسولاً مُعظَّم... إلاَّ أنَّ علم هؤلاء لا يموت لأنَّهُ من لدُن عزيز خبير، ولاَ بُدَّ أنْ يبقى ويستمر ويُخلَّد، وإلاَّ ضاعت البشرية، وضلَّ النَّاس، وفات الهدف من بعثة الأنبياء (ع).‏

وهكذا يستمر علمُ مَنْ ورِثهم (ع) لنفس الأسباب والأهداف المتقدِّمة... وإنْ ماتو، فتموت أجسادهم ولا يموت علمهم وأمثالهم.‏

يقول أمير المؤمنين عليٌ (ع): «والعلماء باقون ما بقي الدَّهر أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة».‏

وعنه (ع): «العالِم حيٌ وإنْ كان ميِّت».‏

فسبحان الله تعالى الَّذِي يُميتُ الأجساد ويُخلِّد العلوم الإلهيَّة.‏

النَّظر إلى وجه العالِمِ عبادة:‏

ومن جملة العناوين العظيمة الَّتي اختصَّ بها الإسلام عن غيره من المبادىء والأديان المدَّعاة أن جعل للعلماء موقعاً مُتميَّزاً والنَّظر إلى العالِم عبادة.‏

ولا يخفى أنَّ المقصود بذلك هو الاعتبار والامتثال والاقتداء والتبجيل للعلم وليس لمجرَّد الشخص فالعالم هو الأب الرُّوحي لهذا المسلم السالك إلى الله تعالى، والنَّظر إليه بسبب صفته المعنويَّة نوع من البرِّ والوفاء وصدق الانتماء.‏

رُوي عن رسول الله (ص): «النَّظر إلى وجه العالِمِ حباً له عبادة».‏

فهو المذكِّر بالأنبياء والصَّالحين وبأهل الله والآخرة، وهو الَّذِي يوقظ الغافلين من سُباتهم.‏

سُئِلَ الإمام جعفر بن محمد الصَّادق (ع) عن قول جدِّه رسول الله (ص) إنَّ النَّظر في وجوه العلماء عبادة... فقال: «هو العالِم الَّذِي إذا نظرتَ إليه ذكَّرك الآخرة، ومَنْ كان خلاف ذلك فالنَّظر إليه فتنة».‏

يقول الإمام الخميني قُدِّس سرُّه الشريف في «الأربعون حديث»:‏

كلُّ إنسان له أبٌ جسماني، وكلُّ عالِمٍ له أبٌ روحاني، هم الأنبياء (ع).‏

والتربية والتعليم بعد الأنبياء من شؤون العلماء، الورثة الحقيقيُّون للأنبياء، فهم لا يملِكلون درهماً ولا دينار، فَتَرِكَتُهُم علمٌ ومعارف».‏



تكريم العالِم:‏

أوصى الإسلام بتكريم العالم في علاقاتنا اليوميَّة معه، وانعكس ذلك في تاريخ المسلمين، حَتَّى أصبح الحديث حول علاقة العلماء بطلابهم، والعكس، يأخذ حيِّزاً تفصيلياً في كتب الأخلاق، ويستطيع المُراجِع أن يستفيد كثيراً من ذلك.‏

وفي نصٍ معبِّر عن سيِّدنا رسول الله (ص) قال: «مَنْ استقبل العلماء فقد استقبلني، ومَنْ زار العلماء فقد زارني، ومَنْ جالس العلماء فقد جالسني، ومَنْ جالسني فكأنَّما جالس ربّي».‏

وعن عليٍّ أمير المؤمنين (ع) قولُه:‏

«إذا رأيت عالم، فكُنْ له خادم».‏

ملاحظة: مَنْ أراد التوسُّع فعليه بكتاب «هل انتهى دور العلماء» للصادر عن دار الرسول الأكرم.‏

* * *‏

ومضات: التوقير بمعنى التعظيم، وتوقير العالِمِ توقير لعلمه الذي يحمل.‏

ومَنْ أدرك عظمة هذا العلم الشريف عرف معنى العبودية الحقة، فإنَّ أقصى غاية التذلل لا تكون إلاَّ بمعرفة أقصى غاية العظمة.‏

ويتم ذلك بصحبة العلماء السالكين لتتأدَّب النَّفس بآدابهم، فإنَّ النَّفس لا تتأثر بشيء كالصحبة.‏

* * *‏

نصوص مباركة تتعلَّق بالموضوع‏

قال رسول الله (ص):‏

* «موت العالم ثلمة في الإسلام لا تسدّ ما اختلف اللَّيل والنَّهار».‏

* «ما قبض الله تعالى عالماً من هذه الأُمَّة إلاَّ كان ثُغرة في الإسلام لا تسدُّ ثُلمَته إلى يوم القِيَامة».‏

* «فضل العالم على غيره كفضل النَّبِيِّ على أُمَّته».‏

* «العلماء قادة، والمتّقون سادة».‏

وعن مولانا الصَّادق (ع):‏

* «الملوك حكَّام على النَّاس والعلماء حكَّام على الملوك»‏

* «إذا كان يوم القِيَامة بعث الله عَزَّ وجَلَّ العالِم والعابد فإذا وقفا بين يدي الله عزَّ وجلَّ قيل للعابد: انطلق إلى الجنَّة، وقيل للعالم: قِفْ تشفع للنَّاس بحسن تأديبك لهم».‏

* «قال لقمان لابنه»: للعالِم ثلاث علامات: العلم بالله، وبما يحبُّ، وما يكره».‏

وعنه أيضاً (ع):‏

* «كان أمير المؤمنين (ع) يقول: «إنَّ للعالِم ثلاث علامات: العلم، والحلم، والصّمت».‏

--------------------‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏