المقالات >الخشوع في الصلاة، موضوع مسلكي يهم كل مسلم
الخشوع في الصلاة، موضوع مسلكي يهم كل مسلم
الخشوع في الصلاة، موضوع مسلكي يهم كل مسلم

الصلاة اليومية عنوان عمل المسلم، ووجهُ هذا الدين، وعروجٌ إلى ربِّ العالمين تبارك وتعالى، وقربانُ كل تقي... ويكفي في أهميَّتها أنّضها إنْ قُبلت قُبل ما سواها وإن رُدَّت رُدَّ ما سواها، لذلك كانت {على المؤمنين كتابا موقتاً}[1].

الخشوع مطلوبٌ:‏

لكنَّ أداء الصلاة بأي كيفيَّة شيء، وأداءها بخشوع وتوجَّه شيءٌ آخر، وقد ورد في النصوص الكثيرة أنَّ من الصلاة ما يُقبل نصفه أو ثلثه أو ربعه... ومنها ما لا يُقبل منه شيء، فيُضرب بها وجه صاحبها.‏

فحالة الخشوع تختلف من شخص لآخر، وبين ساعة وأخرى، وهذا راجع إلى النَّفس البشرية في إقبالها وإدبارها، ومسلكها وطاعتها، وتهذيبها ومراقبتها... ونظرتها إلى دينها ودنياها.‏

فالمصلي المطيع المتَّقي المراقب السالك، والمنتظر المترقَّب لمواقيت الصلاة، المشتاق الراقب، تختلف صلاته تماماً عن المتهاون أو العاصي أو الساهي، أو المتثاقل أو الغافل.‏

فرقٌ بين الذين {هم على صلواتهم يُحافظون}[2] وبين {الذين هم عن صلاتهم ساهون}[3].‏

فبعض النَّاس يترقَّب مواقيت الصلاة بلسان حالِ القائل {وعجلتُ إليك ربِّ لترضى}[4] وترى آخرين {إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى يُراؤون النَّاس ولا يذكرون الله إلاَّ قليلا}[5].‏

كيف يحصل الخشوع:‏

الخشوع المطلوب تحصيله، لا يكون عابراً ولا مؤقَّتاً، بل هو القائم مع صاحبه، اللازم لصلاته، الذي لا ينفك عنها إلاَّ قليلاً، ثم لا يلبث أن يعود إليه سريعاً.‏

وكما في كل صفة أخلاقية محمودة لا بد في بداية الطريق من تعويد النَّفس، وتدريبها وترويضها،حتى تتمكَّن من العادة.‏

ويُنصح السالك إلى الله تعالى، بأمور:‏

1- ترقُّب وقت الصلاة:‏

فمن ترقَّب واشتاق، وانتظر، واستعدَّ، واستوحش... لا يرى فَرَجَهُ إلاً بلذَّة اللقاء.‏

والصلاة التي تكون بعد هذه الحالة، إن هي إلاَّ فعلٌ من أفعال الآخرة، وإن كانت في زمن دنيوي.‏

ولسانُ حالِ المصلِّي عندها {إنِّي مهاجرٌ إلى ربِّي}[6].‏

ورد عن رسول الله (ص):‏

"حَسْبُ الرجل من دينه، كثرة محافظته على إقامة الصلوات".‏

وعنه (ص):‏

"ما من عبدٍ اهتمَّ بمواقيت الصلاة ومواضع الشمس، إلاَّ ضمنتُ له الرَّوْح عند الموت، وانقطاع الهموم والأحزان، والنَّجاة من النار".‏

وكان مولانا الرضا (ع) في الضواحي، وجاء وقت الصلاة، فقال لِمَنْ كان معه: أذِّنْ، فقال الرجل: ننتظر قليلاً حتى يلحق بنا أصحابنا، فقال الرضا (ع): غفر الله لك، لا تُؤخِّرنَّ صلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها من غير علَّة، عليك أبداً بأوَّل الوقت، فقال الرجل: فأذَّنتُ وصلَّينا.‏

2- الاستعداد لأداء الصلاة:‏

وذلك يكون قبل دخول وقتها بقليل، بتجهيز ما يحتاجه في صلاته من مصحفٍ وكتابِ دعاء وعطر... واضعاً ما يُصلِّي عليه مقابل القبلة الشريفة، فإذا حان وقت الصلاة، لم يمنعه مانع من مباشرتها.‏

ويُمْكن أن يكون في حالة انتظاره ساجداً لله تعالى أو تالياً لكتابه أو متفكِّراً.‏

فإذا أذَّن غيره، أحسن الانصات إليه، مُكرِّراً لما يقول، وإلاَّ، قام بنفسه للأذان والإقامة، مُسْمعاً مَنْ حوله من الإنس والملائكة.‏

ومن نافلة التذكير أن لا يكون مكان صلاته قريباً من ضجيج صارف أو تلفاز أو صراخ أو جدال أو بيعٍ وشراء.‏

3- الدخول في الصلاة بلا إبطاء:‏

فإذا دخل وقت الصلاة ترك كلَّ شيء، من عملٍ ومجلسٍ وحديث وطعام... فالصلاة خير موضوع، ولا يُرجَّح شيءٌ عليها.‏

يقول أمير المؤمنين (ع):‏

"كان رسول الله (ص) لا يُؤْثر على الصلاة عشاء ولا غيره، وكان إذا دخل وقتها كأنَّه لا يعرف أهلاً ولا حميماً.‏

وعن إحدى نسائه أنه كان يُحدِّثنا ونُحدِّثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنَّه لم يعرفنا ولم نعرفه".‏

4- تكبيرة الإحرام:‏

وكما الإحرام عند دخول مكة المكرَّمة، يُحرِّم أشياءً ويوجبها... كذلك تكبيرة الإحرام تُحرِّم كلَّ ما يُنافي فعل الصلاة.‏

وعليه في هذه الحال، لخشوعه، أن يستحضر قول مولانا الصادق (ع):‏

"للمصلِّي ثلاث خصال: إذا قام في صلاته يتناثر عليه البرُّ من أعنان السماء إلى مَفْرق رأسه، وتحفُّ به الملائكة من تحت قدميه إلى أعنان السماء، ومَلَكٌ يُنادي: أيها المصلي، لو تعلم مَنْ تُناجي ما انفتلت".‏

وفي النص الشريف:‏

"لو يعلم المصلِّي ما يغشاه من جلال الله، ما سرَّه أن يرفع رأسه من السجود".‏

وفي نصٍ آخر:‏

"إنَّ الإنسان إذا كان في الصلاة، فإنَّ جسده وثيابه وكلَّ شيء حوله يُسبِّح".‏

5- صلِّ صلاة مودِّع:‏

من الأمور المؤثِّرة في تحصيل الخشوع، أن يفترض المصلِّي أنَّه في آخر صلاة له في الحياة الدنيا، وسيموت بعد ساعة.‏

فيُقبل أكثر ويخضع ويرغب... وكان السَّلف الصالح يظنُّون أنَّهم لن يُمهلوا استساغة لقمتهم، لقرب أجلهم وبُعْد أملهم.‏

وصدق سيدنا رسول الله (ص) في قوله:‏

"صلِّ صلاة مودِّع، فإنَّ فيها الوصلة والقربى".‏

وعن مولانا الصادق (ع):‏

"فإذا صلَّيْت صلاة فريضة فصلِّها لوقتها صلاة مودِّع يخاف أن لا يعود إليها أبداً".‏

6- الإقبال على الله عزَّ وجلَّ:‏

ويكون ذلك بصدق التوجُّه، وتخلية القلب بالتفكُّر، وعدم الانشغال بشيء عن الحبيب...‏

ويورث هذا محبَّة ربِّ العباد كما محبَّة العباد.‏

ورد عن الصادق (ع):‏

"إنِّي لأُحبُّ للرجل منكم المؤمن، إذا قام في صلاة فريضة، أن يُقبل بقلبه إلى الله، ولا يُشغل قلبه بأمر الدُّنيا، فليس من مؤمن يُقبل بقلبه في صلاته إلى الله، إلاَّ أقبل الله عليه بوجهه، وأقبل بقلوب المؤمنين إليه بالمحبَّة له، بعد حبِّ الله عزَّ وجلَّ إيَّاه".‏

ومن مقوِّيات الإقبال، التذلُّل لله سبحانه، والتواضع، وسكون الأطراف، وترك العبث كالحك والفرك وتسوية الثوب، إلاَّ لضرورة، وعدم التلفُّت ولو بِلَحْظ العين إلى اليمين أو الشمال.‏

قال الله جلَّ جلاله:‏

{قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}[7].‏

فكُنْ أنت المعنيَّ بهذا الخطاب.‏

ومن مقوِّيات الإقبال الظاهرية أيضاً، ما ورد من أدب النَّظر أثناءها إلى موضع السجود، لقوله جلَّ جلاله {خشعاً أبصارهم}[8].‏

ومَنْ لم يستطع البكاء، فَلْيتباكى، شوقاً وتوبة وخوفاً.‏

وقد يسأل سائل عن تغميض العينين أثناء الصلاة، هل يُؤدِّي ذلك الخشوع والإقبال؟‏

والحقُّ، أنَّ ذلك لم يرِدْ في السُّنَّة الشريفة، لكن، لا بأس أن يكون المصلِّي شبه مُغمِّض العينين غير ناظر إلى السماء أبداً.‏

ومن مقوِّيات الإقبال في الصلاة، المؤدِّي إلى الخشوع، أن يُطأطأ برأسه، ناظراً إلى موضع سجوده، قاصداً التبرِّي من الكِبْر والترؤس، قال الله تبارك وتعالى:‏

{وعنت الوجوه للحيِّ القيُّوم، وقد خاب مَنْ حمل ظُلْماً}[9].‏

وأن يقف المصلِّي وقفةً ثابتة، غير مائل كحالة المتثاقل أو المتعب... وفي تعبير المعصومين عليهم السَّلام، كالشجرة، لا يتحرَّك منها إلاَّ ما تُحرِّكه الريح.‏

رأى النَّبي (ص) رجلاً يعبث بلحيته في صلاته، فقال: "أما إنَّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه".‏

ولا تنسى أنَّه سبحانه {الذي يراك حين تقوم}[10].‏

وكان عليُّ بن الحسين (ع) "إذا قام إلى الصلاة كأنَّه ساق شجرة لا يتحرَّك منه إلاَّ ما حرَّكت الريح".‏

وعن الباقر (ع) "أنَّك إذا قمت إلى الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك، فإنَّما يُحْسب لك منها ما أقبلتَ عليه، ولات عبث فيها بيدك ولا برأسك ولا بلحيتك، ولا تُحدِّث نفسك، ولا تتثاوب، ولا تتمطَّ... ولا تُفرقع أصابعك، فإنَّ ذلك كلَّه نقصان في الصلاة، ولا تقم إلى الصلاة متكاسلاً ولا متناعساً ولا متثاقلاً، فإنَّها من خِلال النِّفاق".‏

7- قراءة التلقين:‏

وحتى يستحضر المصلِّي معاني ما يقرأ بتدبُّر وتأمُّل، لا مانع من تكرار الآية الواحدة، لكنْ:‏

أ ـ أن تكون قراءتُه كأنَّما يُلقِّن طفلاً صغيراً... وهو في حقيقة الأمر يُلقِّن نفسه.‏

ب ـ أن لا يستعجل التلاوة، بل يقف عند نهاية كل آية.‏

8- الركوع من مقامات الخضوع:‏

عندما يبادر المصلِّي إلى الركوع، عليه أن لا ينسى أنه في حالة الظاهرية هذه، في مقامٍ عالٍ من الخضوع، وأنه رتبة ممهِّدةٌ للسجود، ورد في النصِّ المبارك:‏

"والركوع أول، والسجود ثانٍ، فمن أتى بالمعنى الأوَّل صلح للثاني، وفي الركوع أدب، وفي السجود قرب، ومَنْ لا يُحْسن الأدب لا يُحسن القرب".‏

ولا بأس في الذِّكر أن تُؤكِّده بالتكرار، لأنَّ المرة الواحدة ضعيفة الآثار، ورحمة الله تتسارع إلى الملحِّ الذليل المتواضع، لا إلى المتكبِّر البَطِر.‏

9- السجود:‏

لا شك أنَّك تعلم، أنَّ أقرب ما يكون العبد من الله عزَّ وجلَّ وهو ساجد، وهو في فعله هذا يصل إلى أعلى درجة ظاهرية يصل إليها ابن آدم، وورد في ذلك:‏

"السجود منتهى العبادة من بني آدم".‏

فيضع ابن آدم أكرم ما عنده، أي الجبهة، على التراب الذي يُداس بالأقدام، في خضوع من العبد الذليل أمام الربِّ الجليل تبارك وتعالى.‏

وَلْيكُنْ سجوده باطمئنانٍ وتمكين للجبهة والراحتين والركبتين والإبهامين، فرحاً مستبشراً:‏

"فما من عملٍ أشد على إبليس من أن يرى ابن آدم ساجداً، لأنه أُمر بالسجود فعصى".‏

وأسرار السجود وآدابُها وسُننها ومناسباتُها كثيرة، وحتى لا نسترسل عمَّا نحن فيه، يكفي أنَّ مَنْ رغب بلقاء سيدنا رسول الله (ص) فَلْيُطِل السجود.‏

ورد عنه (ص): "إذا اردتَ أن يحشرك الله معي، فأطِلْ السجود بين يدي الله الواحد القهَّار".‏

وجاء قومٌ النَّبي (ص) وقالوا: يا رسول الله اضمن لنا على ربِّك الجنَّة، فقال (ص): "على أن تُعينوني بطول السجود".‏

10- عند التشهد:‏

تذكَّر، أنَّ الله سبحانه شرَّفك بالتشهد الذي هو أعظم كلمة نطقت بها في هذه الدُّنيا، فتلفَّظ به باطمئنان وثبات... بحيث لو أراد مُسْتمعك أن يعدَّ حروفه لفعل.‏

فإذا وصلتَ إلى الصلاة على النَّبي (ص) فقد انتهيت على نعمة عظيمة، فإنَّ {الله وملائكته يُصلُّون على النَّبي}[11].‏

11- التسليم:‏

كما دخلت إلى حرم الصلاة، بتكبيرة، لا تخرج منه إلاَّ بالتسليم، وتسليمك على النَّبي (ص) شرفٌ لك في الدُّنيا والآخرة، لا يضيع أبداً، ولتكُنْ حالك عندها:‏

"إنِّي أشهد أنَّك ترى مقامي، وتسمع كلامي، وتردُّ سلامي".‏

فإذا سلَّمت على عباد الله الصالحين، فاسألْ الله سبحانه أن يجعلك منهم وأن يُدخلك في زمرتهم.‏

فإذا سلَّمت على الملائكة، فاذكر دوماً أنَّهم الشهود عليك حيث لا أحد من العالمين:‏

{وإنَّ عليك لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون}[12].‏

وليكُنْ في نفسك عند خروجك من صلاتك "وقد كان في حُسْن ظنِّي بك أن تغفر لي ذنوبي، فإنْ كنت قد غفرت ذنوبي، فازددْ عنِّي رضا وقرِّبني إليك زُلْفى ولا تُباعدْني، وإن كنت لم تغفر لي فمن الآن اغفرْ لي"‏

ختاماً:‏

نسأل الله سبحانه أن لا يحرمنا بذنوبنا وبثقل خطايانا لذَّة العبادة والمناجاة وخشوع الصلوات:‏

"والله، إنَّه ليأتي على الرجل خمسون سنة، وما قَبِلَ الله منه صلاة واحدة، فأيُّ شيء أشد من هذا.‏

والله، إنَّكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم مَنْ لو كان يُصلِّي لبعضكم ما قَبِلها منه لاستخفافه بها.‏

إنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يقبل إلاَّ الحسن، فكيف يقبل ما يُسْتخف به".‏

1 سورة النساء المباركة: الآية: 103.‏

2 سورة المؤمنون المباركة: الآية: 9.‏

3 سورة الماعون المباركة: الآية: 5.‏

4 سورة طه المباركة: الآية: 84.‏

5 سورة النساء المباركة: الآية: 142.‏

6 سورة العنكبوت المباركة: الآية: 26.‏

7 سورة المؤمنون المباركة: الآيتان: 1 ـ 2.‏

8 سورة القمر المباركة: الآية: 7.‏

9 سورة طه المباركة: الآية: 111.‏

10 سورة الشعراء المباركة: الآية: 218.‏

11 سورة الأحزاب المباركة: الآية: 56.‏

12سورة الانفطار المباركة: الآيات: 10 ـ 11 ـ 12.‏

--------------------‏‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏‏