المقالات >الحب والبغض في الله
الحب والبغض في الله
الحب والبغض في الله

قد يكون مستهجناً لكثير من الناس لو علموا أنّ البغض لأعداء الله عزَّ وجل واجب إلهي مقدَّس خاصة في ظل أجواء الإنفتاح والشعارات البرَّاقة الجذابة من قبيل، الحوار والعولمة والتعايش!

لا يستقيم الايمان إلاّ بالحب والبغض:‏

فَمِنَ المبادى‏ء الاسلامية الأخلاقية «الحب في الله» وفي آن واحد ومترابط «البُغض في الله» بحيث أنَّهما لا ينفصلان عن بعضهما في حياة المسلم وإلاّ كان ذلك إنذاراً بوجود خلل إيماني في عقيدته.‏

قال الله جلّ جلاله: «ولكنّ‏َ اللهَ حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم، وكرَّه إليكم الكُفرَ والفُسوقَ والعصيانَ أولئك هم الراشدون»(1).‏

من أجل ذلك كانت السلامة العقائدية للمسلم مرتبطة تماماً بمشاعره الصادقة والصحيحة تجاه الآخرين، إقبالاً وإدباراً حباً وبغضاً... ولا يجوز بحال من الأحوال أن يُحبّ‏َ المسلم مشركاً أو كافراً أو عدواً تحت أي عنوان أو ذريعة شيطانية تُسوِّل له تلك العلاقة تحت شعا حسن المعاشرة والمعاملة والحوار والمصلحة... فهذه أمور، والميل القلبي لهؤلاء الملعونين أم آخر مختلف تماماً، فهو مأمور ببغضهم ولو كانوا أقرب الأرحام إليه، والتاريخ الإسلامي عريق غن بالأمثلة الكثيرة.‏

قال الله عزّ وجل محذّراً المؤمنين: «يا أيها الذين آمنوا لا تتَّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إنْ استحبُّوا الكفر على الإيمان، ومن يتولَّهم منكم فأولئك هم الظالمون»2).‏

وفي النصّ‏ِ الشريف عن مولانا رسول الله‏(ص)«الحبّ‏ُ في الله فريضة، والبُغض في الله فريضة»(3).‏

أفضل الأعمال عند الله:‏

ولوحظ في المدة الأخيرة في بعض مجتمعات المسلمين، ونتيجة للهزائم المتكرِّرة في القرن الحالي والإحباطات المتنوعة والوهن العقائدي والركون الدنيوي والطمع في السلامة... لوحظ إستكانة «مرضيَّة» عند عامة المسلمين في طريقة تعاملهم مع الآخرين، حتى الكافرين والمشركين، فيتقرَّبون ويتزلَّفون.... والأخطر من ذلك أن تقوم فئة «تُنظِّر» لهذه الحالات الممقوتة، فتُشرِّع ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه تحت عنوان الانسانية والحوار وقبول الآخر!‏

وبذلك فقد المسلم حصناً منيعاً لا ينبغي التنازل عنه مهما كانت المغريات والأثمان فإنّ‏َ «أفضل الأعمال، الحب في الله والبغض في الله تعالى» كما ورد عن سيدنا رسول الله‏(ص)(4).‏

وعن مولانا الإمام الباقر(ع)، قال: «إذا أردت أن تعلم أنّ‏َ فيك خيراً، فانظر الى قلبك، فإن كان يُحبّ‏ُ أهل طاعة الله عزَّ وجل، ويُبغض أهل معصيته، ففيك خير، والله يُحبُّك، وإذا كان يُبغض أهل طاعة الله، ويُحبّ‏ُ أهل معصيته، فليس فيك خير، والله يُبغضُك، والمرءُ مع مَنْ أحب»(5).‏

وفي القصة المعبرة، عندما سأل الله سبحانه سيدنا موسى‏(ع) عن عملٍ لوجهه الكريم: هل عملتَ لي عملاً؟ كان جواب موسى على نبيِّنا وآله وعليه السلام(6) كأي جواب بديهي، أنِّي صِمتُ وصلَّيْتُ وتصدَّقْتُ وذكرتُ... ولكنّ‏َ الله عزَّ وجل قال له: فأي عملٍ عملت لي؟‏

قال موسى‏(ع): دُلَّني على العمل الذي هو لك؟ قال الله جلّ‏َ ذكره: يا موسى، هل واليتَ لي ولياً، وهل عاديت لي عدواً قط؟‏

فعلم موسى‏(ع) أنّ‏َ أفضل الأعمال «الحبّ‏ُ في الله والبغض في الله»(7).‏

الفرق بين المؤمن وغيره:‏

فالحبّ‏ُ والبغض كما أمر الله تعالى يُميِّزان المؤمن في مشاعره وأحاسيسه عن غيره من البشر مع تعدُّد مشاربهم وانتماءاتهم وأديانهم... لأنّ‏َ غير المؤمن ينسج علاقاته وفقاً لمصالحه الذاتية، فيقترب أو يبتعد، بحسب المنفعة والقوة والغنى والسلطة والرفاهية أما المؤمن فعلاقاته مع الآخرين إنَّما تكون تسليماً لأمر الله، وخضوعاً لإرادته، وتقرُّباً لمرضاته جلّ‏َ وعلا، فهو إن أحبّ‏َ أحبّ‏َ امتثالاً لأمر الله، وإن أبغض أبغض امتثالاً لأمر الله أيضا فكل حركاته وسكناته كما يُحبّ‏ُ الله ويرضى. لذا كان المؤمن محباً للمسلمين إستمراراً لحبِّه وانتمائه لخطِّ الأنبياء والصلحاء، فهو محبّ‏ُ للعلماء والأتقياء وسائر المسلمين، ولو لم يكونوا من أبناء عشيرته أو منطقته، وفي نفس الوقت مبغ لأهل الضلالة من الكفار والمشركين وعبدة الأصنام والظالمين، ولو كانوا منأبناء قرابته، كلّ‏ُ ذلك بُغضاً في الله تعالى، وتبرِّياً من أعداء الله سبحانه.‏

ومدح رسول الله (ص) الواجبات الاسلامية العظمى من الصلاة والصيام والزكاة والحجّ‏ِ والجهاد... واستدرك قائلاً (ص): «... ولكنّ‏َ أوثق عرى الإيمان الحبّ‏ُ في الله، والبغض في الله، وتولِّي أولياء الله، والتبرِّي من أعداء الله»(8).‏

واقعنا اليوم:‏

نرى اليوم بعض المؤمنين يُوادُّون من حادَّ الله ورسوله، تحت عنوان القرابة أو المصلحة... ومهما كانت الظروف فينبغي عدم إسقاط الحاجز العقائدي والإيماني والمسلكي الذي فرضه الله تعالى علينا، وبُنيت الشريعة الاسلامية المطهّرة على أساسه.‏

والمتأمِّل في أحكام شرع الله عزَّ وجل، بدءً من الطهارة والنجاسة وحتى الغسل والدفن... وانتهاء بالمجتمع المدني وتنظيمه، يرى أنّ‏َ النهج الاسلاميّ‏َ مبن على عزَّة المسلم ورفعته فوق الآخرينولا شكّ‏َ أنّ‏َ من عاند أو رفض أو انتقد هذه الأحكام الالهية، لأنها لا تُناسب هواه وآراءه، فقد أشار لفتنة تتأجَّج في أحشائه، قد لا تُبقي من إيمانه ولا تذروكيف يكون هذا من أهل الإيمان وهو يُفضِّل الصِّلة الشخصية على الصِّلة الربانية، فيُبعِّد من قرَّب الله، ويُقرِّب من بعَّد الله، وكفى بذلك شقاقاً وجُرماً.‏

ألا نرى من حولنا وفي مجتمعنا من «ينبهر» بالآخر... ولو كان مشركاً أو متجاهراً بالفسق والمنكر، دون الالتفات الى عقيدة الحب والبغض؟!‏

«ولو لم يكن فينا إلا حبُّنا ما أبغض الله ورسوله، وتعظيمنا ما صغَّر الله ورسوله، لكفى به شقاقاً لله، ومحادَّة عن أمر الله»(9).‏

ومن كان كذلك، نعوذ بالله، فلن يعرف قراراً لإيمانه ولا طمعاً للسكينة التي منحها الله لعباده الصالحين فهو على شفا حفرة من النفاق، لأنَّه محل لشي‏ء ومحل لشي‏ءٍ آخر وحسبُنا مِسكاً للختام ما ورد عن مولانا رسول الله (ص) في قوله:‏

«يا عبد الله، أحبّ‏َ في الله وأبغِض في الله، ووال في الله، فإنَّه لا يُنالُ ولايةُ الله إلا بذلك، ولا يجد الرجلُ طعمَ الإيمان وإن كثرت صلاتُه وصيامه»(10).‏

وعن مولانا الامام الصادق‏(ع):«كل مَنْ لم يُحبّ‏َ على الدين، ولم يُبغض على الدين، فلا دين له»(11).‏

وأخيراً:‏

على هذا يجب أن نكون، وعلى هذا نُربِّي أولادنا، لأنَّهم أمان في أعناقنا، إنتظاراً ليوم لا ريب فيه، «ليُظْهره على الدين كلِّه، ولو كره المشركون»(12).‏

--------------------‏‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏‏

--------------------‏‏

الهوامش:‏

(1) سورة الحجرات المباركة، الآية 7‏

(2) سورة التوبة المباركة، الآية 23‏

(3) ميزان الحكمة، الحديث 3189‏

(4) ميزان الحكمة، الحديث 3185‏

(5) بحار الأنوار، ج‏69، صفحة 247‏

(6) من السُّنة الشريفة وعند ذكر نبي من أنبياء الله تعالى، أن نُصلِّي أولاً على النَّبي الخاتم وآله (ص) ثم على النَّبي المذكور... إلاّ أبو الأنبياء ابراهيم‏(ع) فنُصلي عليه مباشرة.‏

(7) بحار الأنوار، ج‏69، ص‏253‏

(8) الكافي الشريف، ج‏2، باب الحب، ح‏6‏

(9) نهج البلاغة المبارك، الخطبة 160‏

(10) بحار الأنوار، ج‏68، ص‏79‏

(11) بحار الأنوار، ج‏69، ص‏250‏

(12) سورة التوبة المباركة، الآية 33‏