المقالات >الحرب على أفغانستان .. بين التحالف الشمالي والتحالف الميداني
الحرب على أفغانستان .. بين التحالف الشمالي والتحالف الميداني
الحرب على أفغانستان .. بين التحالف الشمالي والتحالف الميداني

نهايةُ حربٍ أم بدايتها: ليس من السهل مطلقاً التصديق أن المجزرة التي وقعت بالأسرى "الأجانب" هي مجرد تمرّد أفضى إلى قتل مئات "الغرباء"!

فالأسير يُفترض أنه سلَّم سلاحه واختار تجنُّب المعركة، فهل يُعقل أنه انتفض مجدداً لمجرد القول إنه هرَّب سلاحاً تحت ثيابه أو استولى على سلاح حراسه؟!‏

وكم عدد السلاح المهرَّب أو المستولى عليه، وهل هو صالح لخوض معركة في مكان ضيق ومحاصر ومن حجور تحت الأرض؟‏

ما حصل هو وجهٌ من وجوه المأساة الأفغانية المستمرة، الجديد فيه، أنه وقع من دون ضجَّة إعلامية ولا تحميل مسؤولية لأحد، لدرجة أن الخارجية البريطانية "لم تر موجباً لمجرد فتح تحقيق في الحادث، لأن ما جرى هو حادثٌ وقع بين فصائل أفغانية متناحرة"!‏

هذه الفصائل، التي يُفترض أنها "تحالف الشمال" ليس لها من التحالف والانسجام إلا الاسم، وهذا يخوِّلها بامتياز لتكون مشجباً تُعلَّق عليه كافة المآسي التي وقعت والتي سوف تقع، والتي يُمكن أن نعرفها أو نسمع بها، وهي قليلة، وما لن نعرفه ولن نسمع وسيموت بموت أصحابه هو الأكثر.‏

"فالحادثة" التي ذهب ضحيَّتها ما بين 450 إلى 600 قتيل، وليس مهماً العدد، لأن الضحايا ليسوا من العالم المتحضِّر، ولا أب لهم ولا أم ولا ولي ولا هوية، بل متَّهم من تُسوِّل له نفسه أن يسأل عنهم فضلاً عن المطالبة بهم... هذه الحادثة مرَّت مجرد خبرٍ تناقلته وسائل الإعلام، محمِّلةً، هكذا بكل بساطة، القتلى، مسؤولية مقتلهم، لأنهم افتروا على أنفسهم، والكل براء من دمهم حتى "الأبطال" الذين انتصروا وحاصروا!‏

وهذا مظهر بسيط من مظاهر ما يمكن أن يحصل في أفغانستان بعد "التحرير" تحت مظلة أمريكية تُفضِّل أن تبقى في السماء ما دام الكثيرون يتطوَّعون للقيام بما تريده منهم على الأرض، وأكثر.‏

فتحالف الشمال هذا، هو مجموعة من التحالفات لفرقاء، لعلَّ لا يوجد فريق منهم لم يتقاتل مع الآخر في السنوات الماضية.‏

بل إن بعض أركان هذا التحالف انتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومنهم من نصر طالبان ثم حاربهم، ومن نصر نجيب الله ثم خذله، ومنهم من له علاقة بالروس، وهذا أمرٌ لا يخفى على أحد.‏

وتناقلت وسائل الإعلام في الأيام الماضية أن مناوشات ومناكفات حصلت في جلال آباد ومزار الشريف ووقعت إصابات بين الأفرقاء، ليس من مصلحة أولياء التحالف نشر نتائجه في هذا الظرف بالذات.‏

ويبدو أن وسائل الإعلام "الموجَّهة والذكية والعابرة للقارات" لا تنقل ما يجرح الشعور الإنساني، فصورت الأيام الأولى لدخول كابول على أنها حققت الأهداف الكبرى للأفغان، فاللِّحى حُلقت، ووجوه النساء كُشفت، والموسيقى صدحت، والصالونات فُتحت، وصُورُ المطربين نُشرت... وماذا ينقص الشعب الأفغاني بعد؟‏

إن كل هذا الإعلام مضلِّل، وحاجب للحقيقة، ولا يعكس وجه الحقيقة، فالذي يعرف الشعب الأفغاني جيداً وعايشه (وكاتب هذه السطور منهم) يعلم أن اللحية والبرقع والمظهر الإسلامي جزء لا يتجزأ من شخصية معظم الأفغان، وليست مشكلته في هذا، وإن نقل بعض الصور والريبورتاجات عبر الفضائيات (ومنها اللبنانية) لا يُغيِّر من الواقع شيئاً.‏

فالمآسي التي تقع أكبر بكثير من أن تُبسَّط أو تُخفى... المآسي على الصُّعد السياسية والاقتصادية والإنسانية والبُنيوية... أقلُّها أنه عند مساء كل يوم يكون الأفغان قد سجَّلوا أكثر من عشرين إصابة من أثر ملايين الألغام المزروعة في أرضهم، حسب إحصاءات الأمم المتحدة.‏

لعلَّ الصدفة فقط هي التي كشفت ما جرى في قلعة غانجي مع الأسرى "الأجانب" عندما كشفت صحيفة التايمز اللندنية أن مراسلها شاهد العشرات من القتلى معصوبي العينين مقيَّدي الأيدي غلى الخلف، وكشفت مصادر خاصة بها أن استفزازات رجال المخابرات المركزية الأمريكية أَّدت إلى اختراع إشكال خُطط له أن يتطور بسرعة، وخلال ساعات كانت الطائرات الأمريكية تقصف "الأسرى" وتُبيدهم!‏

وقد ذكرت التايمز منذ أيام القصة بتفاصيلها... ولم يردَّ عليها أحد!‏

أما مراسل الأسوشيتدبرس فسجل أنه شاهد أشجاراً معمِّرة قد اقتُلعت من جذورها، وتساءل: هل بنادق الأسرى المنتفضين تفعل ذلك؟‏

يبدو أن الأمريكين حسموا خيارهم، على لسان وزير دفاعهم، عندما أعلن أنه لا يريد أسرى، وذلك ربما كي لا يُحرج أمام العالم باعتقالهم ومحاكمتهم وتحمُّل وزر ذلك، فكان جلباب التحالف الشمالي كافياً لستر هذه المجزرة وغيرها.‏

وهذا ليس غريباً على الدهاء والمكر الأمريكيين، الذين وحتى لا يُحرجوا في استمرار المعركة في شهر رمضان، بعد أن ارتفعت أصوات تستنكر ذلك، فوَّضوا "تنفيذ" المشروع للأفغان أنفسهم بعد أن تولوا الدراسة والتخطيط، على نمط الشركات التجارية الكبرى.‏

وكأن قتل المسلمين قبل شهر رمضان أو بعده... أو قتل المسلمين لبعضهم مسموح، والباقي ممنوع!‏

على كل حال، وللكلام بقية، يبدو أنه سيطول، نحن في بداية حرب:‏

فالأمريكيون لم ينتصروا بعد، ولو قتلوا بن لادن والملا عمر، ولم يُحقِّقوا أهدافهم، ولم يسترجعوا هيبتهم، ولم يُنقذوا اقتصادهم، ولم يستقرَّ فقدُ توازنهم، ولم تتوضح صورة تحالفهم، ولم يتوضح مستقبلهم.‏

والأفغان، انتصروا ولم ينتصروا، ومن توهم منهم الانتصار اكتف سراباً، ووحدتهم تشتُّت، وقرارهم لغيرهم، وانتقامهم وتنكيلهم لن يُغيِّر من الواقع شيئاً، والصور التي تتعمَّد نقلها وسائل الإعلام عنهم عن ركل الجثث، ورفس الرؤوس، و"قلع ضرس" لن تزيد إلا إثبات وحشيَّتهم وأنهم غير مؤهلين لتسيير شؤونهم، ويلزمهم من يُؤهِّلهم ليُصبحوا بشراً!‏

وبين هذا وذاك، العرب غائبون عمداً، والمسلمون مُغيَّبون قسراً، والمتحالفون شمالاً يختلفون ميداناً.‏

وعصا تهمة الإرهاب جاهزةً لِمَنْ عصى.‏

في ظل هذه الوقائع لم تعد أميركا بحاجة كما عوَّدتنا أن تُقرن مع عصاها جزرة.‏

--------------------‏‏‏‏‏‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏‏‏‏‏‏

--------------------‏