المقالات >تصريح وزير الخارجية القطري .. سياسة التسوُّل: إلى أين؟
تصريح وزير الخارجية القطري .. سياسة التسوُّل: إلى أين؟
تصريح وزير الخارجية القطري .. سياسة التسوُّل: إلى أين؟

كثيرة هي التصاريح التي يستدرك أصحابها سقطات ألسنتهم أو تسرعهم في البوح بما يجول في خاطرهم، فيسارعون إلى جبرها بعد كسرها أو إلى تشذيبها بعد شطحها أو اعتبار الترجمة خطأً، أو تحميل المسؤولية إلى صحافي "خبيث" السريرة!

أما أن تعمد شخصية مرموقة، متعددة المواقع والمهمات والعناوين إلى الطلب من أمة بكاملها "التوسل" لدى الأمريكيين، والتأكيد على نفس الموقف في تصريح آخر بعد ساعات، ومحاولة إقناع "منطقية" لمن يكابر... إن هذا لعمري "فتحٌ" دبلوماسي وسياسي لم يسبق صاحبه أحدٌ قط!‏

كان المنتظر، وكما يحدث دائماً كما في مثل هذه المواقف أن "يكحلها" ففاجأ الجميع بأن "عماها"!‏

وما يزيد الطين بلة أن صاحب التصريح لم يتحدث باسم قبيلة أو عشيرة أو قل بلداً ما بل اعتاد، وساعدته الظروف و"الخبايا" أن يتحدث باسم أمة ليست محدودة بين المحيط والخليج، بل هو الآن وزير خارجية "فوق العادة" كمنظمة المؤتمر الإسلامي التي يفترض أنها تمثل شعوب ربع البشرية، وتنطق باسمهم، خاصة في قضية تعتبر من أكثر قضاياهم حساسية وقدسية.‏

غير واضح ماذا يريد الوزير القطري من وراء هذا التصريح "التاريخي"، لكن، إذا أردنا حسن الظن، ونحن كذلك فاعلون، من دون تحليلات وخلفيات ومداخلات واتهامات، اعتدنا عليها، وبطل مفعول تأثيرها أصلاً... إذا أردنا ذلك، نقف عند جملة تساؤلات:‏

1 ـ هل يليق بمسؤول "رفيع المستوى" أن يصل في حركته السياسية إلى درجة الطلب من أمة لها تاريخها ورجالها "التوسل"؟‏

2 ـ ومتى كان "التوسل" مجدياً ونافعاً في حياة الأمم والشعوب والقادة التاريخيين؟‏

ومع وجود جواب على هذا التساؤل، فإن مدرسة جديدة لا شك فتحت في مسيرة السياسية العالمية.‏

3 ـ إذا كانت هناك نقاط ضعف لا ينكرها أحدٌ، وهي موجودة على كل حال في كل أمة، فماذا عن نقاط القوة، وهل جرت الاستفادة منها، خاصة إذا كانت مشتعبة الحضور السياسي والاقتصادي والعلمي والبشري والجغرافي و"النفطي"!‏

4 ـ ومن أبرز نقاط القوة في تاريخنا الحديث، الانتصار التاريخي المدوي لفئة قليلة في جنوب لبنان على عدو الأمة.‏

هذه الفئة التي كان يظن أن عملها وتأثيرها وأهدافها أشبه بالخيال أو الجنون، فإذا بها تفرض نفسها وحقيقة فعلها ونتيجة جهادها على العالم لتصبح "ثابتة" في التاريخ وسبباً للعزة والافتخار وضرب الأمثال.‏

5 ـ ومن نقاط القوة في الأمة التي لم تعرف "التوسل" الانتفاضة نفسها التي يطلب اليوم إخمادها ووأدها، وهي التي فيها من الدروس والعبر ما يوجب على أصحاب المناصب "الرفيعة" أن يخجلوا أمام إنجازاتها ومفاجآتها وانتصاراتها... وشبابها ونسائها.‏

6 ـ هل يحق لشخصٍ ما، مهما علا كعبه، أن يصرح باسم أمة، ببلدانها وعوبها ومرؤوسيها... حول أقدس قضاياها على الإطلاق، مبرراً ذلك في توضيحه بأنه مجرد "حرية رأي"؟!‏

ألم يكن من الأحرى أن يخلع العناوين "الفضفاضة" عن كاهليه، وأن يتبرأ من كل الصفات "العامة" التي يتحرك من خلالها، ثم يصرح بما يشاء؟‏

إن هكذا موقف يفرض على يرصد أن يتابع ويحلل: زمانه ومكانه وظروفه "وعتبة الباب" التي أعلن عندها، والإصرار عليه، بل على نفس مصطلح "التوسل" بالذات، وكأن صاحبه سمعه لتوِّه جيداً، وبتكرار، وفهم أن رسالة "نوعية" مطلوب منه إيصالها فأدى الأمانة، ويشهد الجميع له بذلكّ!‏

أن كل تاريخ الشعوب والأمم والعظماء والثورات لم يذكر لنا قط أن "التوسل" كان طريقاً للنجاة أو النصر أو... السلام.‏

بل هذا الأسلوب "المستحدث" الذي يعمل الآن على تسويقه لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخذلان والخسارة... ومزيد من "التوسل".‏

فمن أراد أن يكون حراً، لا بد له أن يلعب "دور الأحرار"، ويتزين بزينتهم، أو أن يقلدهم على الأقل ليألف ذلك لا أن يركن إلى عبوديته، ويتنكر لمواقع القوة عنده.‏

فكما عند الآخرين نقاط ضعف، كذلك عند الآخرين، فهل ننفذ منها، كما نفذ الذين من قبلنا ومن حولنا؟‏

البعض منا جرب في العقود السالفة سياسة "التسول" التي ابتدعها لنفسه، ظناً منه أنه يحسن صنعاً فما أنتجت سياسته هذه إلا نهج "التوسل" الذي يدعى إليه اليوم.‏

وعندما يتكلم الوزير المحترم و"الخطير" عن تفكك الأمة وشرذمتها، كان الأحرى به أن يجهر بأسبابه ورواده، وأن يكون جريئاً في تسمية من صنع هذه الحال... لا أن يساهم في صنعه... ويشمت بالمجاهدين!‏

إن أمة لا تصنع المجد لنفسها، لن يصنع لها‏

وكفى "التوسل" و"التسول" تضييعاً للعزة ومستقبل الأمة.‏

إن لم نصل إلى أهدافنا... فلتبق لنا بقية كرامة نموت عليها.‏

--------------------‏‏‏‏‏‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏‏‏‏‏‏

--------------------‏