المقالات >بعد وفاة ملك الأردن .. الملك حسين... والمنتظرون
بعد وفاة ملك الأردن .. الملك حسين... والمنتظرون
بعد وفاة ملك الأردن .. الملك حسين... والمنتظرون

انطبع في ذهننا ولسنوات طويلة صفات معينة تطلق على ملك الأردن ويعرف بها، وفجأة رفعت هذه الصفات تحت وطأة المرض والموت واستبدلت بصفات أخرى مغايرة.

وأصبح أي كلام خارج عن المتداول في هذه الأيام في شأن وفاة الملك حسين يعتبر نشازاً، خاصة في خضم هذا الشحن العاطفي تجاه شخصية المتوفى.‏

فمنذ أن تأزم وضعه الصحي أتخمت وسائل الإعلام المختلفة بمواد تسلط الأضواء على أخلاقه وشجاعته وتواضعه وشهامته وتسامحه وذكائه.. إلى ما هنالك من مصطلحات وجمل مرادفة، وغض النظر تماماً عن تاريخه ومواقفه واتصالاته "وإنجازاته" وأسراره التي أقر بها لاحقاً، إلا في وسائل الإعلام الإسرائيلي الذي كان أكثر إنصافاً وواقعية و"توريطاً" للمليك الجديد.‏

إن المبالغة من جهة وغض الطرف من جهة أخرى على أمورٍ ليست ملكاً لشخص أو فرد إنما لأمة وتاريخ ومستقبل، لا يخدم المصالح العليا والعامة، بل يؤسس لنهج ضرره عميم.‏

فالملك حسين لن يكون آخر الملوك المتوفين، فاللاحقون به من حولنا كثر، من ملوك ورؤساء وزعماء ينتظرون نحبهم.‏

فهل غداً نسمع من يمدح صدام حسين لأنه مرهف الإحساس ومثقل بالمواقف الإنسانية ومميز في خلقه وتسامحه؟!‏

وهل سنرى من يتحدث عن الملك الفلاني المشهور بفساده وبذخه بأنه حكيم نزيه شجاع مغوار ... ، والرئيس الفلاني الخائن بأنه بطلٌ قومي وقدوةٌ للأجيال الصاعدة؟!‏

وهل سنناقض غداً ما نقوله في حقهم اليوم، وهل نكذب قناعتنا هيبة المرض والفراق والتوجيه الإعلامي المقصود أم هناك حقائق لا بد أن تذكر.‏

إن تاريخ الملك المتوفى غير خافٍ على أحد، منذ نكبة فلسطين إلى العدوان الثلاثي فحقبة عبد الناصر فأيلول الأسود حتى مواقفه في السنوات الأخيرة، وخير من عبر عن علاقاته الإسرائيلية، هو نفسه قبل وفاته، وشخصيات يهودية بعد وفاته.‏

فها هو يوسي بيلين يقول على الهواء مباشرة من الإذاعة الإسرائيلية ظهر يوم الوفاة، الأحد 7 شباط (الساعة 1.45):‏

نحن لم نخسر ملكاً لدولة مجاورة إنما خسرنا رجلاً من رجالنا!‏

ونتنياهو يقول:‏

خسرنا أهم زعيم شعبي في دولة إسرائيل!‏

وبيريز يقول:‏

خسرنا أباً لنا جميعاً.‏

إلى ما هنالك من تعليقات ونصوص معبرة تستحق الوقوف عندها.‏

إن طمس تاريخ الرجل أو تجاوزه تحت وطأة الإعلام الموجه والمهدف لا يعتبر صدقاً ولا أمانة، وإن التغطية ببعض المظاهر لا يبدل الحقيقة، فاجتماع قادة العالم في جنازة الملك "في حشد ليس له مثيل" لم يكن تأييداً للأردن كما أشيع، بل لتثبيت ما يسمى بالمسيرة السلمية ومن يقف وراءها.‏

ولا شك أن هذا الحضور الاستثنائي في التشييع إنما هو حاجة أمريكية أولاً على شاكلة جنازة رابين، لإنعاش المسيرة وتنشيطها، ولولا الحضور العربي لما اختلفت الجنازتان في الشكل والمضمون والمقصود هذا الحضور الذي شكل محاولة التفاف على السعي الأميركي لاجترار جنازة رابين.‏

إن سياسة الملك الفقيد لم تتغير حتى اللحظة الأخيرة من حياته، بل إن نهج الملك الجديد لا يختلف عن سلفه، ويكفي تصريحه لجريدة الحياة ليصدق عليه المثل القائل: "من أول وصوله شمعة على طوله".‏

وما قيل عن خطأ في نقل تصريح الملك الجديد ليس صحيحاً بل هو يريد شهادة في حسن السلوك من أولياء الأمر.‏

إن هيبة المرض والموت اللذان سوف يصيبان كل بني آدم، ملوكاً أم مملوكين لا يجوز أن تطمس الحقائق وتغير الوقائع، وإلا سوف يصبح صدام حسين إنساناً محباً لشعبه وقضى عمره في خدمته، ويصبح الملك الخائن محسناً والرئيس الدكتاتور شجاعاً رؤوفاً عطوفاً.‏

--------------------‏‏‏‏‏‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏‏‏‏‏‏

--------------------‏