المقالات >قبل 11 أيلول كما بعده: التهمة جاهزة
قبل 11 أيلول كما بعده: التهمة جاهزة
قبل 11 أيلول كما بعده: التهمة جاهزة

نفهم مسارعة الأمريكيين, قبل أحداث 11 أيلول 2001 وبعدها لاتهام المسلمين عند وقوع أي حادث أمني, وذلك لأسباب "موضوعية"!

لكن, من الصعب فهم استعجال بعض أبناء جلدتنا في التحليل والاستنتاج والحكم على المسلمين, وتحميلهم مسؤولية "الصغيرة والكبيرة" عند أي حدث يستهدف الأمريكيين أو الغربيين بشكل عام.‏

فالإدارة الأمريكية, ومنذ سنوات طويلة, وبعد أُفول النجم السوفياتي، استسهلت استخدام المشجب الإسلامي لتعليق كافة تُهم "الإرهاب" وسوَّفت لذلك بأساليب ميدانية شتّى, تستحق بحثاً مستقلاً.‏

حتّى أنّ تهمة "أوكلاهوما" التي بدا أنها كانت جاهزة في الأدراج، والتي رُوّج من الساعات الأولى أنّ الذي قام بها ذو ملامح شرق أوسطية، هذه التهمة لم تُكلّف المسؤولين الأمريكيين اعتذاراً واحداً بعد انكشاف مسؤولية منفّذيها.‏

اتّهام الأمريكيين للعرب والمسلمين حصرياً بكافة أحداث "الإرهاب" ضدّهم، ليس هو الخبر، إنما الخبر مسارعة بعض "المحلّلين" من مثقّفينا إلى الاستنتاج، وبسرعة قياسية، إلى تحميل المسلمين المسؤولية، بل إقامة البرهان على ذلك!‏

وهذا الأمر بات واضحاً لكل متتبّع لوسائل الإعلام، خاصة المكتوبة منها، لأنّها تعجّ يومياً بالتحليلات والمعلومات والاستنتاجات التي تصب في قالب "لبِّيس" وجاهز للإسلام والمسلمين والعرب أو قل: الشرق أوسطيين، في تعبير يُعطي نفس النتيجة مع أقل قدرٍ ممكن من الاستفزاز.‏

آخر هذه المشاهد المثيرة، والتي تجعلك تصرخ في وجه القوم لعلَّهم يتمهلون ويتعقَّلون، الانفجار الضخم الذي وقع في مقر الأمم المتحدة في العراق والذي أدّى إلى إصابة العشرات، بمن فيهم مقتل الممثِّل الشخصي للأمم المتحدة.‏

في هذا الحدث، والكثير أمثاله، كل الاحتمالات واردة، لكنّك لا تستطيع الترجيح بلا مرجِّح، أو الاستدلال بلا برهان.‏

هذا ما تقتضيه بديهيّات إصدار الحكم.‏

إلاّ أنّ المفاجأة تكمن، بعد يومين فقط, أن ينبري "بعضُنا" للقول إنّ الإسلام يأبى مثل هذه الأعمال ويرفضها، وهي تضرُّ بمصالح المسلمين، وإنّ مثل هذه الأحداث ليست من مصلحة الشعب العراقي ولا العرب، وأنّ الذين قاموا بها لم "يقرؤا" الأحداث جيداً، ودور الأمم المتحدة في مساعدتنا!‏

ما يجدر الوقوف عنده، ليس فقط صدور الحكم، إنّما الإدانة والاستنكار والدعوة إلى الوقوف في وجه "الإرهابيين" المفترضين.‏

إنّ القوى العظمى في العالم، والتي تمتلك ما تمتلك من إمكانيات هائلة، مادية ومعنوية، وخاصة استخبارية وجنائية، لا تجرؤ على إصدار حكم يُمكن استساغته، قبل تدبيج الأدلة، وتجميل البرهان، حتى لا تزهق أحكامها بسهام المشكِّكين.‏

فكيف يُمكن، في مثل هذا الحادث، وبأي دليل وتحليل، إسقاط كافة الاحتمالات، التي لا مجال الآن لتفصيلها، وحسم تحميل المسؤولية لجهات إسلامية، مع أنّ الإسلام دينُ المحبة ونبذ العنف؟!‏

هذا مع العلم أنّ الذي أصدر حكماً خلال أيام، وكتبه، ونُشر في الصحف، لا شك أنّ فكرته قد اختمرت منذ الساعة الأولى لوقوع الحدث، إن لم يكن قبلها.‏

وهذه الظاهرة الشائعة تكرّرت في أحداث كثيرة وقعت، في العالم، وبعض البلاد العربية، بل وبعض المدن اللبنانية، عندما قُتل مبشّرون في كلٍ من صيدا وطرابلس، لهم نشاطات علنية وسرية... فينبري البعض لاتهام المتزمّتين والمتعصبين والظلاميين... إلى آخر المنظومة، في تصريحات إعلامية ميدانية في ساحة الحدث، ولا يتراجعون عنها ولا يعتذرون حتى لو ثبت خطأ توجههم، فكأنّ دورهم تأدية ما طُلب منهم على المسرح، وكفى.‏

إنّ هذا التوجه الشائع اليوم، في اتّهام فئة معيّنة دوماً، وإن كان سهلاً ومستساغاً ومقبولاً عند الدوائر، ويلقى الترحيب والترويج والأُذن "السّمِّيعة"، إلاّ أنّه بالميزان القانوني والحقوقي والقومي والشرعي ساقط لا يعترف به أحدٌ، ولا أثر له بعد ذهاب توهُّجه.‏

الإدارة الأمريكية لا تُخاطَبُ بمثل هذا الخطاب، وإن خوطبت لن تستجيب، ولا يُلام المصروع في لحظة صرعه.‏

أمّا "جماعتنا"، فهل يستجيبون ويتعقّلون ويُخفِّفون من سرعة أحكامهم، فَظُلم ذووا القربى أشد، والظلم ظلمات على كل حال.‏

ولو دامت للسوفيات، ما تَفَرْعَنَ الأمريكيون، ودورهم آت, ودوام الأمم ليس بيد قادتها، ولو كان كذلك، ما انهارت أمةٌ.‏

أُتركوا تهمة الإسلاميين، وعندما تدور الدوائر على الأمريكيين، عندها، أكثروا منها، ولا ملامة يومئذٍ.‏

--------------------‏‏‏‏‏‏‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏‏‏‏‏‏‏

--------------------‏‏