المقالات >الثورية الرومانسية
الثورية الرومانسية
الثورية الرومانسية

في منتصف القرن الماضي كان العالم يضج بالحركات الثورية الوطنية منها والقومية والماوية وأحياناً الدينية، وشاهدنا الكثير من الممارسات الضاغطة على الحكام والدول والتي وصلت أحيانا الى بعض أهدافها وفشلت في البعض الآخر ...

وبغض النظر عن الأساليب والطريقة والأهداف، إلا أن ما يمكن قوله بشكل مجمل أن هناك شيئاً من الصحة وبعضاً من الملاحظات كأي عمل آخر سياسي حراكي آخر.‏

لكننا في السنوات الأخيرة، وعند ضمور الحركات الثورية نتيجة تحولات عالمية جذرية، بتـنا نرى أساليب سياسية من التحرك أطلق عليها البعض تسمية "حضارية "، وهذه الأمور آخذة بالإنتشار ومواكَبةٌ بالمدح، لكننا نُشكك في نتاجها ونتائجها المبالغة في " نعومتها وسلميتها" إلى درجة أن الخصم بات آمنا مطمئنا .‏

فمن هذه الأساليب، عند إرادة التعبير عن الإستـنكار أو التنديد أو الغضب... أن يُدعى إلى اعتصام صامت، أو إشعال الشموع أو حمل الورود أو زرع شجرة أو رفع قلم أو وضع شريط لاصق على الفم... ومن آخر هذه الموضة ما رأيناه في الأيام الأخيرة، وفي سياق الإستـنكار للصُور المسيئة لنبي الإسلام(ص) مَن أرسل رسائل هاتفية sms تدعو الى الإكتفاء بقراءة "نص " ومن ثم إرساله مجددا للآخرين ،وذلك كرد مزلزل على ما يجرى!!‏

ومنذ أيام قام بعض " الدعاة المسلمين "، الذين شاءت الظروف، أن يرتفعوا الى مستوى النجومية التلفزيونية بطريقة مثيرة للتساؤل، قاموا يطرحون للرد على التهجم عينه، بتشكيل وفود وزيارة بلدان والدعوة الى الحوار وفهم الآخر، ولم يبقى لهم، إلا تسميتها بغزوة الدنمارك ، وذلك كرد " حضاري " يتناسب مع الإسلام الداعي دوما وعلى طول الخط، إلى "التسامح والمحبة والعفو....." على أساس أن الجهاد والأمر بالمعروف والحدود ...جآءت لأهل الوثـنية الذين يسكنون المريخ !‏

يقومون بهذا ، متـناسين التجارب المرَّة مع ما سُمي بحوار الحضارات وحوار الثقافات والأديان إلى آخر المنظومة، والذي أُتخمنا به لسنين طويلة ، ثم لم نسمع له رأي أو أثر فيما يجري ،لدرجة تثير الريبة.‏

هل مجرد تشكيل وفد للدعوة الى الإسلام سيُـنهي العداوة والتحامل والحقد الموروث وبذلك يتفوَّق هؤلاء الدعاة على الأنبياء الذين ليس من واحد منهم إلا ودعى قومه فلم يتبعه إلا القليل وأنكره الكثير؟!‏

هذه نماذج ، إضافة إلى غيرها من الأساليب التي لا تُشكل حقيقة ضاغطة ً للوصول الى الأهداف المرفوعة، بل أن بعضها أصبح أشبه بالفولكلور أو بالنزهة أو بالحفل الترفيهي أو مظهر من مظاهر "الفرفشة" بين الشباب والشابات أو تضييع للوقت .... وبتعبير آخر بات الكثير من هذه التحركات تـنفيساً للإحتـقان الثوري، وتسكيتا للنفس ، وإرضاءً للذات ، لذا نرى تشجيعاً عليها من الإعلام السائد العابر للقارات أو من السلطات الحاكمة.‏

هل وصل الأمر الى هذا الحد من التهاون بحيث نكتفي بالشعارات والطرق السلمية " الحضارية " وكلمات الشجب " الضرورية " والتنديد " الشديد اللهجة "....... وكفى !‏

وهل وقاحة أميركا واستخباراتها وجرائمها المترامية والمتامدية ينفع معها الإقتصار على هذه اللغة الغارقة في " أدبها وتهذيبها " ورومانسيتها ؟ !‏

كيف نُوقف هذا التمادي من فنون الإعتداءات على الحرمات والذي لم يقف عند حد ؟ !‏

وهل هذا نوع من الثقافة " المتمدنة " المناسبة لعالمنا المعاصر ، الذي يضج " بالإنسانية " ؟ !!!‏

أم نخاف من التهمة ....أم نُبرهن أننا حضاريون ؟ !‏

هل صحيح أن تـنام الشعوب على أساليب تُسقط من حساباتها سلفاً أي أسلوب يشكل أزمة أو حرجاً أو ضغطا أو خوفا أو أذية للظالمين والطواغيت، فنعتاد الذل والإهانة، وإلى أي مدى تبقى كلمة "التحركات السلمية والحضارية" سائدة، حتى بات من يفكر بطريقة جادة وفاعلة يُتهم بالتخلف والإنفعال وعدم الواقعية، وأنه لم يقرء التغيرات العالمية، هذا فضلاً عن تهمة الإرهاب وهي الجاهزة دوماً وأبداً !‏

هنا نسأل :‏

هل انتهت الحركات الثورية الفاعلة، وما هو البديل عنها خاصةً أننا نستوحي جوابا ما ، عندما نرى الكثير من جهابذة الثوريين، إما أصبحوا في السلطة أو " في المعارضة الرسمية " المضبوطة... أو في السجن.‏

لا بد للمعنيين والسياسيين ولأولي الأمر أن يحسموا مسألة التوجه الثوري الذي كان سائداً لعقود في القرن الماضي بل هو كذلك على مر التاريخ، وألا يتحول ذلك الى تهمة، وإلا ستبقى التحركات تحت السقف المسموح به دون نفع أو جدوى، لنبقى بلا نتائج لأعمالنا وآمالنا، ونساهم في تبنيج الشعوب وتـنويمها... ولكن هذه المرة بطريقة "حضارية".‏

وعندئذ سوف يطرب الأمريكيون وهم يرددون قول الشاعر العربي " فأَبْشِر بطول سلامة يا مربع " !‏

--------------------‏‏‏‏‏‏‏

بقلم: السيد سامي خضرا‏‏‏‏‏‏‏

--------------------‏‏