المقالات >إرهاصات الكيان اللبناني
إرهاصات الكيان اللبناني
إرهاصات الكيان اللبناني

وإن انتهى التوقيت الرسمي لانتخابات المتن الفرعية مساء الأحد 5 آب 2007, إلا أن الحرب لم تضع أوزارها، بل تأجّجت بنكهة جديدة، لم تكن مألوفة من قبل ، علناً على الأقل.

فالمعروف عن العنصريين اللبنانيين تمييزهم الكيان والشعب عمّا هو شرقي وعربي عموماً، وتماديهم في التجرؤ على كل ما هو فلسطيني أو سوري خصوصاً، لكنّهم هذه المرة رفعوا صوتهم عالياً ضد الأرمن لدرجة اتهامهم بالفتنة بين المسيحيين (كأنهم غير مسيحيين) وبين المتنيين، بل توّعد أحدُ الكبار( أمين الجميل) بالحساب القريب!‏

هذه اللهجة كانت مفاجأة للجميع، لأنّ المهاجِمين أنفسهم هم الذين شبكوا علاقات شتى مع الأرمن وفي مناسبات مختلفة، فإذا بهم يخرجون عن كل ما اتفق القوم عليه.‏

ومما زاد من حدّة الموقف تداول مصطلحات لم تُعرف إلا في الجاهلية طوال الفترة التي سبقت الانتخابات من قبيل، الثأر والدم والعائلة وإقفال بيت العشيرة، وما إلى ذلك من مصطلحات بطلت منذ القرون الوسطى.‏

وأهم ما يشغل البال، وبعيداً عن التفاصيل والحزازات اليومية والإعلامية المملة، جملة أسئلة تتعلق بمعنى الكيان النهائي واللبناني الأصيل والتاريخ الفينيقي والدم النقي والذكاء الذي لا حدود له، وربَّما يصل الحديث إلى "مرقد العنزة" و"قطعة سما"!‏

فكيف يُمكن الحديث عن اللبناني "الصافي" وقسمٌ لا بأس به من اللبنانيين، ومنهم أصحاب النخوة الجاهلية الآنفة الذكر لم يمر عقود أو قرن واحد فقط ، على انتقال عائلاتهم إلى لبنان من دول ومناطق الجوار، كمصر وسوريا وحوران والعراق؟‏

خاصة أن أكثر دول العالم في هذا العصر، لو استعرضناها واحدة واحدة، باتت تتألف من قوميات وأديان وإثنيات شتى، بعض هذه البلدان، يتكلم مواطنوه لغات شتى، ومن بينها دول أوروبية وأميركية، فضلاً عن الآسيوية والإفريقية.‏

ثم نتكلم نحن هنا في لبنان عن الصيغة الفريدة!‏

وأي قراءة في هذه الصيغة، التي لم تهنأ على حال منذ قيام لبنان بكيانه الحالي، من خلافات لا تنتهي، كانت آخر تجلياتها داخل الطائفة الواحدة بل المذهب الواحد( الماروني) بل المنطقة الواحدة( المتن) بل العائلة الواحدة...‏

أي لبنان وأي كيان يُمكن أن يستمر ويعيش، وطائفة ذهبية تتنكر لأبنائها لأنهم من الأطراف وليسوا من المركز؟‏

وما هو ميزان اللبنانية الحقّة النقية؟‏

وإذا فتحنا اليوم ملفات الأرمن ماذا نفعل غداً بالأشوري والكلداني والقبطي والكردي والأرثوزكسي والسرياني واللاتيني... بل مئات العائلات اللبنانية الواضح من أسماء شهرتها أنها ذات أصول يونانية أو قبرصية أو إيطالية أو فرنسية أو نمساوية؟‏

وما نتيجة هذا التبرؤ الكياني من كل المحيط المشرقي، بينما الأوروبيون يسعون اليوم لتلمُّس الاندماج والوحدة، بينما هذه في لبناننا جريمة لا تُغتفر.‏

وما مصير هذا اللبنان الذي لا يُشكل جزء على أربعين من دارفور، في ظل هجمة غربية استعمارية تُسوِّق للكيان الإسرائيلي ليُصبح مقبولاً في شرق أوسط جديد، بينما بعض المنظِّرين اللبنانيين ذوي عقدة النقص الفينيقية لا هم يقبلون بأصولهم وواقعهم وتاريخهم ولغتهم وامتدادهم الطبيعي... ولا الغرب سوف يقبل بهم تحت أي ظرف، فالنموذج التركي العالي المواصفات والأقرب من عدة جهات جغرافية وديمغرافية وعلمانية للأوروبيين... لم يُقبل بأي شكل من الأشكال.‏

إن أدنى حالات التواضع والواقعية أن نكف عن المبالغة في الحديث عن الصيغة والتعايش والتميز، وأن نعيش كما تعيش شعوب العالم المختلفة.‏

السيد سامي خضرة‏

كاتب لبناني‏