المقالات >العرّافون...والمجتمع اللبناني القلق
العرّافون...والمجتمع اللبناني القلق
العرّافون...والمجتمع اللبناني القلق

السيّد سامي خضرة تلتزم الفضائيات اللبنانية ببرامج مختلفة تستشرف من خلالها المستقبل والتنبّؤ بالأحداث والتوقعات الشخصية والعامة، وبتفاصيل دقيقة حول

التجارة والرزق والمرض والزواج والسفر وغيرها من الأمور التي تهمّ كل واحد منّا.‏

وقلَّما تخرج وسيلةٌ إعلامية لبنانية عن هذه البرامج "الإنجاز" التي تلقى "نجاحاً" وطلباً بين الناس!‏

هذا "النجاح" هو مناسبة الحديث والتوقف لتناول هذا الموضوع، لأن البعض يُفسِّر الظاهرة ويُشجّعها على أساس "ما يطلبه المشاهدون" وكفى بذلك سبباً للإستجابة والشياع، متجاهلين الأسباب الحقيقية المعبّرة عن "القلق" الجماعي الذي نعيشه والاختلاف على كل شيء وفي كل شيء وعلى كل ما مضى وكل ما يأتي.‏

فالمجتمع اللبناني وأفراده القلقون على أمنهم واقتصادهم وسلامتهم ومعيشتهم وصحتهم وضمانهم وطوارئهم ووظائفهم ومدارسهم ومائهم "وكهربائهم" ونفاياتهم وديونهم ومذاهبهم "وشهود زورهم"... لا يُخفِّف من قلقهم هذا , إلا اللجوء إلى الغيب!‏

ففضلاً عن طبيعة البشر في حب متعة الغيب والحديث عن المجهول وأحلام يتمنَّنْونها... إلا أنهم يرَوْن أمامهم رجلاً "خارقاً" يتعاملون معه كنبي صغير، يدخل في خصوصياتهم العملية والمهنية والأُسرية والعاطفية ويُقرِّب البعيد ويُبعِّد القريب، بينما لا يجدون ذلك في أي زعيم أو مسؤول، فهذا الذي أمامهم "حلاّل" للمشاكل جاهز وتحت الطلب، ومجاني.‏

والناس عموماً، وفي مجتمعاتنا المقموعة والمفجوعة والملكومة خصوصاً، وفي ظلّ الأنظمة الفاسدة التي تسودنا... لديهم الاستعداد التام لتصديق العرّافين، ليطمئنوا على مستقبلهم ويتعجّلوا معرفة الأحداث... علَّ ذلك يكون دواء، ولَوْ وهمياً لهم.‏

والحلقة الأضعف إستجابة وتفاعلا فيما نحن فيه، المصاب بمرض أو بلاء أو كثير المشاكل أو القريب من سن الزواج أو العاطل عن العمل... وشرائح كبرى من النساء والشباب لأسباب موضوعية وواقعية... ولا يخرج عن هذا ما يُسمّى بفئة "المثقفين" كما عاينَّا ذلك بأنفسنا!‏

بل كلَّما ضعُفت الشخصية والهمَّة كلما كانت الفريسة أسهل.‏

ويزداد الضعف أكثر، لأن إنساننا اليوم فقد أمانه التقليدي في أسرته وبيئته والقِيم التي عاشت عليها الأمة لقرون، وأصبح بلا انتماء ولا شبكة أمان، وفريسة سهلة أمام "علامي الغيوب"!‏

ضعُف الجميع أمام بُنية مسلكية جديدة همُّها "الدخل الأعلى والمكانة الأرفع" وتسلُّق السُّـلَّم الاجتماعي وتقليد المجتمع الاستهلاكي... فأصبحت الطموحات والطروحات فوق الطاقة البشرية العادية , ولو في أقصى عطائها وفي أحلى حالاتها... فعوَّضت عن عجزها باختيار غيبٍ لها , حيث الطمأنينة المزيَّنة التي تُصنع لدى العرّافين !‏

ظاهرةٌ ، لا يبدو أنها سوف تنحسر لأن الجميع له مصلحة في بقائها... منتهى الأمر أنها سوف تترك بعد حين حسرات، لن تزيد على الموجود شيئاً، بعدما تكسرت النِّصال على النصال.‏

كاتب لبناني‏

موقعه على الأنترنيت www.samikhadra.org‏

للتواصل البريدي sayidsamikhadra@hotmail.com‏