المقالات >الاستعمار يقول: «نحضِّرهم فيأكلوننا»
الاستعمار يقول: «نحضِّرهم فيأكلوننا»
الاستعمار يقول: «نحضِّرهم فيأكلوننا»

توزعت ملامح الرئيس الفرنسي بين الدهشة والامتعاض: «ندرّبهم فيقتلوننا»! وهذه استعادة فرعية تكاد لا تحمل أي تجديد لجمل مشابهة قيلت مراراً ...

توزعت ملامح الرئيس الفرنسي بين الدهشة والامتعاض: «ندرّبهم فيقتلوننا»! وهذه استعادة فرعية تكاد لا تحمل أي تجديد لجمل مشابهة قيلت مراراً، تنتظم كلها في المنطق الاستعماري ذاته: «نحضِّرهم فيأكلوننا». لم ينتبه السادة البيض الى أن هؤلاء المتوحشين لم يطلبوا شيئاً، وأنهم لم يبادروا الى الذهاب الى باريس أو لندن ليحدث ذلك الاصطدام، بل جاؤوهم هم بأزيائهم وعاداتهم الغريبة، وبصحبتهم وحوش ضخمة تنفث النار، وبعضها ينقضّ عليهم من السماء. وكان بأيديهم أيضاً سياط وسلاسل، علاوة على البنادق، وهم مذّاك يقررون عنهم ما اللازم وما اللائق. وراحوا يسيجون الاراضي ويصادرونها، ويزرعون فيها ما يشاؤون ويأكلون منها، ويرسلون الغلال الى بلادهم، وراحوا يحفرون باطن الارض ويأخذون ما بداخله، ويستولون على النساء لخدمتهم ومتعتهم، ويضعون هؤلاء المتوحشين، نساءً ورجالاً وأطفالاً، في قعر سفن ويرمون بهم عبيداً في أماكن قصية، يموتون فيها من الإنهاك والجوع والبرد. والأدهى أن العبيد كانوا من يجذف في السفن حتى تصل الى شواطئ أميركا، ومن يعمل في الارض المصادرة والمنجم المشاد، وقد كانوا قبلها أصحاب المكان، يعيشون فيه كما يحلو لهم.‏

وفي رواية اكتشاف أميركا، يُغفَل أن البيض أبادوا سكانها الأصليين، وبعضهم بناة حضارات عريقة كالإنكا والأزتيك. أبادوهم عن بكرة أبيهم، وبنسب تصل في بعض الأحيان الى 95 في المئة من أعدادهم الأصلية. ومن بقي رغم كل شيء حُبس في «محميات» أشبه بحدائق حيوانات للفرجة. هذا حين لا تُستجلب منهم ومن الزنوج الأفارقة، عينات تُنظَّم من أجلها «المعارض الكولونيالية»، لإدهاش السيدات والسادة في العواصم الأوروبية، بينما يدور نقاش جاد بين العلماء حول نسب آدمية تلك المخلوقات.‏

ورغم أن هناك اعتباراً لدور «تحضيري» للاستعمار حتى في كتابات ماركس، مستمد من فكرة تحقيب التقدم الانساني وفق فرضية النموذج، ومن فلسفة الأنوار نفسها، فقد اعترض الحزب الشيوعي الفرنسي وقتها على «المعرض الدولي الكولونيالي» (باريس 1931، وهو الأوسع، وقصد منافسة «معرض الإمبراطورية البريطانية» 1924)، وارتفعت الى جانبه أصوات بعض المثقفين. ولكن المعرض استقبل 8 ملايين زائر من أصل 40 مليوناً كانوا مجمل سكان فرنسا يومها، ما يعني نجاحاً غير مسبوق بكل المقاييس. وكانت قد نُظمت، ومنذ نهايات القرن التاسع عشر، عدة معارض كولونيالية أكثر تواضعاً، في مدن أوروبية مختلفة، ومنها تلك الفرنسية التي كانت تُفتتح باسم «الجمهورية الفرنسية».‏

والأخيرة لم تعتذر يوماً عن تاريخها الاستعماري، ولم تر موجباً لتعويضات، كما لم تفعل بريطانيا والولايات المتحدة ولا غيرهما من المستعمرين.‏

وهذا أمر طبيعي، لأنه لا يمكن الاعتذار عما هو مستمر. بل إن الرئيس الاميركي، وهو نصف زنجي، ويفترض بذاكرته أن تختزن تاريخ ذلك القسم من أجداده، قال بضجرٍ بادٍ، في معرض تمهيده منذ أشهر للانسحاب من افغانستان، إنه «لن يعاند لإرساء مؤسسات دولة حيث لم توجد دولة قط»، (يعني «يصطفلوا»!). وهو تجاهَل أن سلفه دمر في العراق، ليس سلطة صدام حسين فحسب، بل دولة لها مؤسساتها الحديثة، وهي رغم كل ما يمكن أن يقال بشأنها، كانت مستمرة منذ أكثر من ثمانين عاماً. وأن رجال الدولة الاميركية هددوا أثناء محادثات رسمية في جنيف قبيل الحرب الاولى عليه، العراق «بإرجاعه الى العصر الحجري». وأما العراق فبلد حمورابي، أبو القوانين في العالم! وقد نُسي بسرعة مدهشة شريط الفيديو الذي يُظهر جنود الولايات المتحدة المتحضرين يتبولون على جثث مقاتلين أفغان. وكان الشريط نشر منذ اسابيع قليلة. أحيل الجنود المرتكبون الى محكمة داخلية، سبقهم إليها جنود معتقل أبو غريب.‏

حسناً! لقد قلب جندي أفغاني بندقيته خلال درس تدريبي يتولاه جنود فرنسيون، وقتل أربعة منهم. وهذا ليس الحادث الوحيد من النوع، ولكنه يطيح بما تبقى من الروح المعنوية للقوات الغربية، وهي أصلاً في الحضيض، إذ يبدو اليوم الأمر برمته عبثياً. فقرار الانسحاب من أفغانستان اتخذ، وعُيِّن له موعد، ويُفترض أن المدة المتبقية تتعلق بترتيب نقل السلطة واستلامها. وهذه ستعود الى فرع «متحضِّر» من طالبان، يُسعى لجعله يقبل بتقاسمها مع الرئيس الحالي حميد كرزاي. والأرجح أن هذا الأخير سيأكله المتوحشون، حالما تختفي آخر شاحنة تقل آخر مجموعة جنود أميركان. يا للحيرة!‏

هي الحيرة نفسها بخصوص ليبيا، حيث خلَّص الناتو السكان من القذافي فإذا بهم غداة ذلك يتقاتلون، قبائل وجهات، بما يبدو بلا نهاية. وإذا بهم في سياق ذلك يباشرون بطرد رجال الغرب الخلَّص من السلطة، ويستولون على الأسلحة التي اعطاهم إياها الناتو نفسه أو التي نهبوها من مستودعات القذافي، ويهرِّب بعضهم بعضها الى مجموعات مسلحة تتخذ من مالي مقراً لها، فتستنفر دول المنطقة حيال خطر «القاعدة»، وتبدأ الأقمار الصناعية الاميركية في رصد حركة القوافل، وربما غداً في تنظيم الإغارة عليها، حيث ستصيب مجموعة مسلحة مرة، وتقصف بشراً آمنين مرات، كما يحدث في افغانستان كل يوم، حيث يُغار على تجمعات للأعراس أو لاحتفالات شتى، وتسمى «أخطاء جانبية»، تنسب أحياناً الى عماء الطيارات بلا طيار!‏

وللمصادفة، فقد افتُتح عهد الغارات الجوية في 1911. جرى ذلك في ليبيا منذ قرن بالتمام مقارنة مع عمليات الناتو فيها، وعلى يد طيار إيطالي شاب ومجنون قليلاً، راح يضع قنابل ومتفجرات في علب ويقذفها من أعلى خلال طلعاته الاستكشافية فوق واحة عين زارة، على بعد بضعة كيلومترات جنوب شرق طرابلس، حيث كان يتجمع المجاهدون ضد الاستعمار الايطالي، الذين لم يدركوا ما الذي يصيبهم.‏

وبعدها قُنن الاستخدام وطُوِّر، واستعمل من قبل الجيش البريطاني في الصومال عام 1920 ضد انتفاضة الملا محمد عبد الله حسن (وقد ظن الصوماليون وقتها أن تلك هي «طير من أبابيل ترميهم بحجارة من سجِّيل»)، ثم ضد ثورة العشرين في العراق، حيث كانت القبائل الثائرة في جنوبه تكبِّد القوات البرية البريطانية خسائر فادحة، بل تهزمها، ولكنها عجزت عن مجابهة الطيران، وخلدت ذلك في شعر شعبي لا يُنسى، وخاطبت «الهوسة» القدرة الإلهية بعتب: «متعجِّبْ خالق له بعيرة»!‏

اليوم، يتضور الصومال جوعاً بل مجاعة، ولا يجد السادة البيض ما يستوجب الإنفاق لمنع الملايين من «النفوق». وأما أنا، فقد فتحت عيوني على هذا العالم، بينما يبث الراديو نداءات لنساء ورجال من اللاجئين الفلسطينيين الى أهلهم خلف سياج الاحتلال الاسرائيلي: طمِّوننا عنكم!‏

نهلة الشهال‏