المقالات >ليس جديداً ما قاله البابا
ليس جديداً ما قاله البابا
ليس جديداً ما قاله البابا

بات مُلحاً التطرق إلى مواقف زعيم الكاثوليكية العالمية قبل وصوله الى سُدَّة البابوية وبعدها، خاصة في رعايته للملف اليهودي واستقباله وتصريحاته مع حاخامات يهود جاوؤا لتهنئته، فضلاً عن رأيه بانضمام تركيا للإتحاد الأوروبي والأهم إختياره لاسم "بندكت السادس عشر" ولهذه قصة مثيرة....
هذه المسائل وغيرها، لا بد من الحديث عنها، لكننا الآن نقتصر على ما درج في العقدين الأخيرين من ظاهرة "الحوار" والتي لم تكن معروفة في تاريخ أمتـنا من قبل.
وقبل أن تذهب التساؤلات المتسرَّعة شططاً نُلفت أنَّ الحوارات التي كانت سائدة وشائعة تندرج تحت عنوان "مناظرات" علمية حقيقية صريحة يطرح كل جانب ما عنده بصدق وموضوعية، دون خجل من مخالفته لِمُجالسه، بل هم تجالسوا لأجل هذا الهدف.
كان السائد في تاريخنا طرح المسائل العقائدية الخلافية، وهي عديدة ويذخر بها تراثنا، مشفوعة بالحُجَّة والبرهان والدليل، يُقابله الإبطال والتفنيد والتشكيك، لتصل هذه المبادرات في كثير من الأحيان إلى ثمار محمودة، وبتعبير أدق إلى نتائج طيَّبة.
وإبتغاءً للحق نقول، أنَّ ما يجري في العقدين الأخيرين خاصة في منطقتنا، هو جلسات أشبه ما تكون بالمسامرات والإحترامات والمجاملات تتخللها المدائح والإبتسامات وإلتقاط الصور.
حتى قال قائل، وهو ضليع في مثل هذه النشاطات، بل يُعتبر أساساً لها ووجهاً معروفاً "إنَّ الحوار هو صداقات وعلاقات وبروتوكولات ومجرَّد التقريب غير ممكن".
وعندما يتكلَّم عن تجربته يصل الى "الإستحالة أو لا مردوديَّة الحوار".
هذه المبالغات في المجاملات والتي أصبحت "موضة" تـتـنقَّل مواسمها بين بيروت والقاهرة ودمشق وطهران وغيرها من الدول، أدَّت وتُؤدي إلى "تورُّم حضاري" لا يُرجى خيره.
وما طرحه بابا روما في محاضرته حول نبي الإسلام والأفكار الشريرة وغيرها، لم يكن جديداً أبداً، فهذا هو إعتقاده حقاً كما هو مدوَّن في تاريخ حياته وسيرته، لِمَن أراد أن يُراجع، وهو موثَّق ومنشور، بل هو إعتقاد كثير ممَّن هم في مناصب عالية بل يُشاركون في مؤتمرات "المدائح والمجاملات" والتي لها اسم أو مصطلح خاص في قاموسنا السياسي اللبناني!!
ليس الخطورة فيما قاله البابا وأقرانه، بل الخطورة في التعمية والتضليل والتظلل بالإصبع من الشمس في رابعة النهار، ونحن بحاجة تصل إلى حدِّ الضرورة إلى مطارحات ومناظرات صريحة وعلنيَّة خاصة في زمن الإتصالات والإعلام الشمولي والعابر للقارات.
فما المصلحة في أن تـقتصر لقاءاتنا على الشكليَّات والبروتوكولات؟
وما المصلحة في التستُّر عمَّا يجول في عقولنا وقلوبنا؟
وما المصلحة، وكما قال أحدهم، في إعداد خطب "جاهزة وتحت الطلب" صالحة لكل مناسبة، فقط بعد تغيير اسم المُحتفى به أو مناسبة الإلقاء؟!!!
كل تاريخ أمتـنا وكُتُبنا وما دوَّنه علماؤنا من نقاشات وحوارات، وهي منشورة ومشهورة، وبعضها كان في مطلع القرن العشرين، كلها تعجُّ بالمصارحة والبرهان والدليل والموافقة والمخالفة، وكان لذلك نتائج لا تُنسى.
إنَّ أكثر ما استوقفني عند انتخاب البابا الحالي منذ عامين، وأنا أجمع مواقفه وتصريحاته القريبة من عهد الإنتخاب، وما تلاها مباشرة، ليس ما كُتب حول تعصُّبه حتى مقابل المذاهب المسيحية التي تُخالفه، بل حماسةٌ للعلاقات والبيانات والآمال المُغرقة في توقع "إنقلاب الميمنة على الميسرة" من خلال "حوار الحضارات وقبول الآخر المختلف والدور الريادي...." إلى آخر المنظومة الدارجة ؟
واليوم، وبعد تلك المحاضرة البابوية، وبعد ردود الفعل عليها، بما فيها المؤيِّدة لها والمبرِّرة والشارحة والمعاتبة لسوء الفهم... بعد كل هذا، لا يُعقل الهرب من سؤال واحد صريح :
الى متى تبقى لقاءاتنا شكلية دون أن تكون حقيقية وصريحة غير مجاملة وتطرح المسائل العقائدية الخلافية بلا تحفظ ؟
كل تاريخ أمتـنا في المحاورات والمناظرات، جعل الأمور في نصابها وأوزانها، فعُشنا دون تورُّم ولا أوهام.
أما تجربتنا في العقود الأخيرة فأتجرء للقول إنها لم تكن موفَّقة، حتى لا أقول فاشلة، وبِتـنا لا نريد التمييز بين الصحة والمرض، نتعجَّل نتائج لا تُسْمن ولا تنفع، ساكتين عن حقائق وخلافات لن تُمنع ولن تُدفع.
في السنوات الأخيرة، كنَّا ننسب بعض المواقف المستفزَّة أو المتهوِّرة الى فلان الفرد أو تلك الجماعة أو الموقف الغريب أو الرأي السياسي... ونُبرِّء ضمنياً الكبار وحكماء القوم!
ماذا نفعل اليوم عندما يُصبح ربُّ البيت بالدفِّ ضارباً، وماذا يُنتظر من أهل بيته.

السيد سامي خضرة
كاتب إسلامي