المقالات >سويسرا بيرن وسويسرا بيروت
سويسرا بيرن وسويسرا بيروت
لصفحة قضايا وآراء

سويسرا بيرن وسويسرا بيروت

يهوى السياسيون والإعلاميون اللبنانيون في كل مناسبة تشبيه لبنان بسويسرا، بل يطلقون عليه اسم سويسرا الشرق.
لكن أحداً لم يفصح يوماً ما وجه الشبه بين البلدين!
وعبثاً يحاول المرء اكتشاف واقع الحقائق المشتركة بين سويسرا ولبنان فلا يصل إلى نتيجة.
فواقع البيئة والنظام والنظافة والسياسة والأمن والدفاع والإنسجام بين المواطنين ، في سويسرا التي عاصمتها بيرن وفي كل مدنها , لا يشابهها شيئ مع " سويسرا الشرق " التي عاصمتها بيروت بل هي في موضع التباين تماماً!
فأول ما يُلفتك في سويسرا "الأصلية" , الحفاظ على البيئة فيها بتفصيل لا مجال لذكره في هذا المقالة المختصرة:
من الغابات إلى البحيرات إلى الأشجار إلى حرص البلديات المحلية يومياً على جمع كافة الفوائض المنزلية القابلة لتحويلها والاستفادة منها مجدداً بطريقة ملفتة ومنظمة جداً بحيث أنّ كل منزل في المنطقة يعرف من اليوم الأول للسنة متى تأتي البلدية إلى منزله لجمع ما يزيد عنده من حديد أو أخشاب أو زجاج أو بلاستيك أو ثياب أو أحذية أوغيره.
بل حتى عند وقوع حادث سير , يحرص المعنيون على عدم تسرب زيت السيارة إلى التربة , فيجمعونها مباشرة لتنقيته وتأهيله مجددا !
وثاني ما يُلفتك النظافة حتى تكاد لا تميز بين داخل البيوت وخارجها.
وثالث ما يلفتك التعايش بين كلّ أفراد الوطن والانسجام الكامل بالرغم من تعدد اثنياتهم وأصولهم ولغاتهم وعاداتهم وبالرغم من ذلك يعيشون في بوتقة واحدة منتظمة، مع العلم أن الشعب السويسري يتحدث اليوم بأربع لغات هي الرسمية والسائدة .
ورابع ما يلفتك, النظام الدفاعي الشمولي والمُحكم والدقيق, والذي يجعل كل مواطن مكلف ليقوم بمهمة ما, في ساعات الضرورة والكوارث الطبيعية والحروب المفترضة من خلال الجيش والدفاع المدني والبلديات وغيرها, وليتنا نحن في لبنان نأخذ النظام الدفاعي السويسري الذي يدرّب كل المواطنين بلا استثناء ويسمح لهم باقتناء السلاح ويزودهم بذخائر خاصة, تُحفظ في علب معدنية مقفلة ,لا تستعمل إلا عند الحاجة فقط وبأمر من السلطات الرسمية ، وكل من يخالف القانون ويفرّط في استعمالها يعاقب بعدم أهليته للترشح أو الانتخاب.
أما الحديث عن الغرف والملاجىء النووية والتي هي موجودة في كل بناء على الأرض السويسرية, بل هو جزء من رخصة الإنشاء للبناء, فيكاد يكون مفاجأة للجميع !
وأما تفاصيل التدريب والتأهيل في أزمنة محددة لكل مواطن, وحقه في إجراء " رماية " تحت إشراف السلطات المحلية ... إضافة للتجهيزات اللوجستية والميدانية والتي تشمل كل فرد, فبحاجة إلى كلام مستقل سيكون مفاجأة لكل الناس, وما تقوم عليه الدولة السويسرية هو حقيقة لمبدأ "إذا أردت السلام فاستعدّ للحرب".
فالمجتمع السويسري بكافة مرافقه مهيأ تماماً للدفاع حتى لا نقول للحرب، وإن كان يطلق على سويسرا أنها بلد الحياد والسلام!
وخامس ما يلفتك هو إنجاز المعاملات الرسمية والحياتية والمؤسساتية والطبابة والمدارس والجامعات والعلاقة مع الوزارات وشركات الضمان والشركات الخاصة... كل ذلك خلال دقائق من خلال البريد المحلي الميسر للجميع!
فأين نحن في لبنان من كل هذا ؟
وسادس ما يلفتك شغف هذا الشعب بالرياضة بكافة أشكالها وأنواعها حتى أن الغابات وأماكن المشي والركض والطرق الخاصة بالدراجات الهوائية منتشرة في كل أنحاء الاتحاد السويسري مع خرائط خاصة لذلك متوفرة بيد الجميع.
وليس مستغرباً أبداً أن ترى الطاعنين في السن يقودون دراجاتهم الهوائية بأنفسهم والتي جُهزت بطريقة فنية لتكون سهلة الإستعمال عليهم...
ولذلك قصة مستقلة.
ولو أردنا أن نستغرق في الأَوْجه الملفتة والجذابة في المجتمع السويسري " الذي عاصمته بيرن ", فنكاد لا نرى وجه شبه واحد مع المجتمع السويسري " الذي عاصمته بيروت ".
ولا ندري لماذا هذا الإصرار على التشبيه الذي لا ينطبق لا على السواحل ولا المياه ولا الجبال ولا الطرق ولا النظام ولا النظافة ولا الضمان ولا العسكر ولا الأمن ولا الدفاع... إلا إذا تفوقنا عليهم بإصرارنا على أركيلة الصباح والمساء!
ويطمح أمثالنا أن يتصدى أحدٌ لتظهير وجوه الشبه التي يبدو أنها أشبه بالاستحالة.
وحتى ذلك الحين تبقى "هل كم أرزة اللبنانية" شاغلين الكون.

سماحة السيد سامي خضره