اخترنا لكم >بابا الردّة
بابا الردّة
بابا الردّة

جوزف سماحة
2005/04/22



الخبر السيئ: جوزف راتسنغر هو البابا الجديد.
الخبر الجيد: أنه طاعن في السن (78 عاماً).
لم يشكّل الانتخاب مفاجأة. كان بمثابة <<نائب البابا>> فحلّ محله. عيّنه كرادلة سبق له أن عيّنهم كرادلة. مثال سيئ عن الديموقراطية التي تشن الحملات العسكرية باسمها. قوة الدفع هي <<التنظيم السري>> ل<<أوبوس ديي>>. تمر المنظمة بفترة ذهبية بعد فترة الازدهار أيام يوحنا بولس الثاني. يستطيع فرانكو أن يرقد بسلام في قبره!
راتسنغر قائد تيار ضمن الكنيسة الكاثوليكية. ويدل اختياره على أن المزاج الغالب انطوائي ودفاعي. فالكنيسة تواجه تحديات في كل مكان. الإنجيليون الأصوليون يتوسعون بطريقة مذهلة في الأميركيتين ويهددون، جدياً، المعاقل اللاتينية حيث باتت أكثرية الكاثوليك (على حساب أوروبا). والتيارات الإسلامية تخوض منافسة تبشيرية ضارية في أفريقيا وبعض آسيا. أما أوروبا فلقد ناقشت دستورها الاتحادي وحذفت منه أي إشارة إلى الإرث المسيحي. عبّر راتسنغر وقتذاك عن صدمته. إلا أنه ذهل فعلاً عندما تبيّن له أن <<إهانة التاريخ>> واردة على شكل احتمال انضمام تركيا المسلمة إلى الاتحاد. رأى أن الكاثوليكية تواجه خطر الذوبان. ولكن المشكلة معه أن لا نفع لدفاع عن تركيا يقول إنها دولة علمانية. ربما استفزه الأمر أكثر.
غير أن المشكلة الفعلية للبابا بندكت السادس عشر تأتيه من قلب <<الشعب الكاثوليكي>>. فالمولود في بافاريا الألمانية، المتجاور وعائلته مع الإيديولوجيا النازية، الشاعر بمنافسة البروتستانتية، اللاهو المميز، المتحدث بعشر لغات، المثقف الموسوعي، إلخ...
إن هذا الرجل لا يطيق تفلّت المؤمنين من سيطرة الكنيسة.
التفلّت العلماني يجعل الكنيسة، على حد قوله، مثل <<سفينة مثقوبة>>.
والتفلّت العقيدي كاد يؤدي إلى خروج <<المجمع الفاتيكاني الثاني>> عن إطار الضبط.
والتفلّت الأخلاقي هو الصدمة الكبرى. تجسّد الثورة الطلابية في 1968 ذروة هذا التفلت الذي ترك تأثيرات حاسمة على وعي راتسنغر. رأى في التظاهرات الشبابية <<اعتداءً راديكالياً على حرية الإنسان وكرامته، وتهديداً عميقاً لكل ما هو إنساني>>. أغضبته الأفكار التي انتشرت، والثقافة المضادة التي ولدت، والعادات التي كسرت، والتسامح الذي ازدهر، والتحرر النسوي الذي
شاع، والتحلل من أسر التقاليد الذي عمّ. ثورة 68 هي الكابوس. رأى راتسنغر ملايين الشباب يخرجون من التزمّت أفواجاً، ويؤسسون لأخلاقيات جديدة طبعت العالم الغربي، ولا تزال، واستثارت في كل بلد، من الولايات المتحدة إلى ألمانيا مروراً بفرنسا وبريطانيا، ردود أفعال محافظة. لم تكن هذه الثورة عند وعودها بتغيير العالم، وعادت فقدمت كوادر أساسية للمؤسسات الحاكمة، ولكنها تركت أثراً عميقاً أدى إلى تغيير العلاقات بين الجنسين وداخل العائلة وضمن كل التراتبيات المستقرة.
هناك من يقول إن هذه الأشكال من <<التفلت>> إنما هي، ببساطة، مظاهر ل<<الحداثة>> في أميركا وأوروبا ولدى نخب أميركا اللاتينية. وكان راتسنغر واعياً لذلك لذا قاد الحملة ضدها داعياً، في مواجهتها، إلى الطهرانية الإيمانية التي تلامس الأصولية وتشتبك مع الكثير من الجديد الاجتماعي والعلمي. كتب أنه يفضل الانغلاق ولو أدى إلى العزلة. لا بل مجّد العزلة إذا كانت تعني رفضاً لمسايرة الأهواء. ولم يخش الارفضاض من حول المؤسسة لأن الوضوح مع القلة خير من الالتباس مع الكثرة.
انصرف إلى السجال ضد <<النسبية>> التي تزعم وضع الديانات والمعتقدات كلها في مصفّ واحد وتعتبر أن طرق الخلاص متعددة والكاثوليكية واحدة منها. لذلك لم يكن شديد الحماسة لحوار الديانات إذا كان بهدف التقارب، وشديد الحماسة، بالمقابل، للإعلاء من شأن القيم المختزنة في عقيدته بما يلغي أي سبب للتهاون مع الآخرين. ومع أنه اعترف بصلة تناسل ما مع اليهودية فإنه بقي مصراً على فكرته القائلة بأنه، في ظروف الأزمة، يستحسن التركيز على ما يميّز ويثير العصبية لا على ما يجمع ويذيب <<الدين بالعالم جاعلاً منه أمراً سطحياً>>.
يكمل بندكت السادس عشر ما بدأه يوحنا بولس الثاني. لكنه سيفعل ذلك في شروط جديدة. فالبولوني حمل قضية سياسية وقومية بلغة دينية. هل حارب الاتحاد السوفياتي الملحد والمادي؟ أم الاتحاد السوفياتي المانع للحريات؟ أم الاتحاد السوفياتي ذا الأكثرية الأرثوذكسية المهيمن على بولونيا الكاثوليكية؟ كان السلف محافظاً بالتأكيد لكنه يستطيع الادعاء أنه لعب دوراً قوياً و... قومياً. وأنه كان جزءاً من مزاج عصر اتضح فيه تعفّن الاشتراكية الواقعية وبات الكثيرون في العالم يغادرون سفينتها الغارقة أو يتفرجون على الإغراق ويساهمون فيه.
أما الألماني فمحافظ مثل البولوني وأكثر. خاض إلى جانبه وقبله الحرب على <<لاهوت التحرير>>، ودعوات الانفتاح الليبرالي، والتسلل الماركسي. إلا أنه لا يستطيع إدراج ذلك في المعركة ضد <<إمبراطورية الشر>> الملحدة وإن كان واعياً لدوره، منذ 1981، في صراع المعسكرين. راتسنغر ضد الماركسية لا لإلحادها، ولا لأنها أمة مسيطرة جزّأت بلده لعقود. إنه ضدها، حصراً، لأنها فرع من شجرة عصر الأنوار الذي أنتج قوى أعادت، لصالحها، ترتيب العلاقة مع الكنيسة.
إذا أراد أحد تصور أوروبا، مثلاً، وقد قرّر شبابها الكاثوليك اعتناق آراء راتسنغر فعليه أن يوسّع مخيلته بعض الشيء لتحضر صورة أوروبا وقد عادت عقودا كثيرة إلى الوراء جارفة معها العالم الذي ينتظر منها، ولو من دون أمل كبير، نموذجاً آخر غير النموذج الأميركي، وبالضبط، غير النموذج الأميركي الذي أصابته اللوثة الإيمانية الرجعية لجورج بوش، والمسيحيين الأصوليين، و<<المولودين ثانية>>.