اخترنا لكم >عن إشكالية «الأقليات» في الوطن العربي
عن إشكالية «الأقليات» في الوطن العربي
عن إشكالية «الأقليات» في الوطن العربي (1)
الخارطة الجغرافية والسياسية

سمير التنير

يثير مصطلح الأقليات جملة من المشاكل، اذ ليس هناك تعريف علمي واحد لأية أقلية في الوطن العربي. ان هناك جماعات توضع في خانة الأقليات وتعدّ بعشرات الملايين. ومنهم على سبيل المثال الأكراد، وهم يتوزعون ما بين تركيا والعراق وايران وسوريا، ويقدر عددهم بحوالى 25 مليوناً. وهناك الاقباط في مصر على المستوى الديني وعددهم يناهز 10 ملايين. وفي بلدان شمال افريقيا هناك الامازيغ (البربر) ويقدر عددهم بأكثر من عشرين مليوناً. يضاف إلى ذلك ان خارطة الاقليات في الوطن العربي تضم عددا كبيرا من الطوائف المسيحية، واليهود، والصابئة، والوثنيون في جنوب السودان. كما ان هناك أقليات عرقية كالأرمن والشركس والتركمان، والشيشان. وإجمالا يشكل المسلمون العرب السنة، والشيعة غالبية سكان العالم العربي البالغ عددهم اكثر من 317 مليون نسمة.
برزت مشكلة الأقليات في العالم العربي، في القرن التاسع عشر عندما وضعت بعض الدول الاوروبية كفرنسا وبريطانيا وروسيا الامبراطورية العثمانية تحت رقابة مشددة وعملت على تفكيكها واقتسام ولاياتها. وكانت السلطنة العثمانية تميز بين الطبقة الحاكمة والرعايا. وتقسم الرعايا على اساس نظام الملل العثماني الذي أعطى لكل طائفة حق إدارة شؤونها الدينية بنفسها، وبناء مؤسساتها التربوية والثقافية والاجتماعية وإدارة أوقافها عبر مجلس ملي لكل منها دون تدخل مباشر من جانب السلطنة.
شكل نظام الملل العثماني نموذجاً متطوراً للتعايش بين المذاهب الدينية والأعراق وغيرهم في مرحلة القوة التي امتدت طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر. ولكنه تحول الى مشكلة للسلطنة في زمن الضعف. وجرد نابليون بونابرت حملة عسكرية إلى مصر في أواخر القرن الثامن عشر وذلك في عام 1798. وكان ينوي احتلال مصر وسوريا والتقدم لإنهاء السلطنة العثمانية، لولا صمود الجزار في وجهه عندما حاصر عكا، كما تلقى أسطوله هزيمة كبيرة في معركة أبي قير البحرية على يد الأسطول الانكليزي.
وفي أثناء وجود نابليون في مصر وجه بيانات الى بعض الطوائف بهدف استمالتهم إليه بهدف إنقاذهم من الاستبداد العثماني. وقد واجهت السلطنة العثمانية بعد رحيل نابليون مطالب الأقليات الدينية والعرقية، فاستجابت لبعضها وواجهت القسم الآخر بالقمع.
يمكننا التأكيد ان «المسألة الشرقية» او «مسألة الأقليات» انفجرت داخل السلطنة العثمانية إبان القرن التاسع عشر، وذلك بواسطة تدخلات اوروبية للسيطرة على قرار السلطنة ولاستنزاف مواردها البشرية:
ان التميز يهدد وحدة الدول ومفهوم المواطنية. فعندما تهتز الامبراطوريات المتعددة الاثنيات او الطوائف، ستعمد الدول الكبرى الى ايجاد دولة لكل طائفة وتكون لها حامية. ففي المناطق التي تعيش فيها الطوائف بشكل مختلط وظاهر يُرفض فيها التطهير الاثني العنيف او الممارس بشكل ضغط او تخويف. لكنه يشكل النتيجة المنطقية للمفهوم الذي يقول ان على الدولة ان تسترجع الأمة.
لقد أثرت كل من الماركسية، والليبرالية، والفاشية، والملكية، والجمهورية، على المجموعات المتميزة اثنيا ودينيا بشكل متناقض، وانقسم في الشرق الأوسط الأكراد، والأرمن، والموارنة, والعلويون، والدروز، والاسماعيليون، بحسب الانقسامات الايدولوجية الحديثة. بالرغم من اهمال الباحثين في العلوم الاجتماعية التعددية داخل الواقع الطائفي. وقد دفعت لعبة التأثيرات الجغرافية والسياسية الأقليات الى الانغلاق على نفسها في إطار مؤسساتي يحافظ على تجانس التصرف والتعبير السياسي. فالتلاعب بالأقليات في إطار صراع النفوذ بين دول متخاصمة بحاجة إلى اطار سياسي ما. وقد شكل نظام الملة العثماني، أرضاً مؤاتية لتطور هذا الاطار المؤسساتي، فكانت كل طائفة غير مسلمة حرة بموجب هذا النظام في ادارة اعمالها الدينية والثقافية والاجتماعية والقضائية تحت اشراف السلطة العليا للطائفة. وأصبح هذا الاستقلال بحسب التعبير القانوني حول الأقليات والمسألة الشرقية امتيازاً تمـسه الدولة العثمانية. وتنص التنظيمات التي فرضتها عليها الدول الاوروبية بين أعوام 1839 ـ 1856 المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، وفي تناقض لا يحتمل سياسياً أعادت التأكيد على الامتــيازات الدينية غير المسلمة في مجالي القضاء في الأحوال الشخصية والحق في التعليم في اطار طائفي.
لقد أدى تقسيم الامبراطورية العثمانية وانهيارها النهائي عام 1918 الى اضطرابات عديدة. أدت الحرب ونتائج معاهدة سيفر 1940 (المسؤولة عن تشتت الأكراد) الى اختفاء الامبراطورية العثمانية النهائي.
اما في لبنان وسوريا، فقد تخلت فرنسا التي ارادت ان تكون قوة مسيطرة بموجب مصالحها التاريخية عن فكرة الدولة المسيحية تحت سيطرة الموارنة. وكانت قد جربت هذه الصيغة في القرن التاسع عشر، عندما ساندت سياسة الامير بشير الشهابي بوجه الاقطاعيين الدروز الذين ساندتهم بريطانيا والامبراطورية العثمانية دون إحراز أي نجاح، مما أدى إلى اضطرابات دامت 20 سنة (1840 ـ 1860) تميزت بمجازر طائفية وثورات فلاحية. الى ان اعلنت فرنسا عام 1920 دولة لبنان الكبير الذي يشمل طرابلس. بينما اتجهت في سوريا الى فدرالية دول صغيرة. بينهما دولتان قاعدتهما طائفية وهما دولة العلويين ودولة الدروز. فالخوف من القومية العربية هو الذي دفع بفرنسا الى تقسيم سوريا.
واذا انتقلنا الآن إلى مراجعة الجغرافيا الاثنية في الوطن العربي الكبير لرأينا ان الاكثرية في المنطقة تتكون من العرب المسلمين (سنة وشيعة). اما كل الجماعات الأخرى عربية او غير عربية، مسلمة او غير مسلمة، فتندرج تحت ما يمكن وصفه «بالأقليات».
اذا أخذنا العراق أولا نرى انه يتمتع بتنوع عرقي وديني ولغوي كبير، فإلى جانب الشيعة والسنة الذين يشكلون الاغلبية في البلاد هناك الأكراد والتركمان والمسيحيون العرب والايرانيون والصائبة. اما الأكراد فغالبيتهم من السنة وهم يتمركزون في شمال العراق وشماله الشرقي ويشكلون 18 بالمئة من السكان. ويشكل الايرانيون 1,5 بالمئة، والتركمان 2 بالمئة. اما المسيحيون العرب فيشكلون 3 بالمئة من السكان.
وفي الجزائر يشكل البربر السنة 26 بالمئة من السكان، فيما يشكل كل من المسيحيين العرب 1 بالمئة من السكان، والمسيحيون البربر 1 بالمئة. وفي المغرب يشكل البربر 36 بالمئة من السكان والطوارق أقل من واحد بالمئة واليهود 0,2 بالمئة والاوروبيون 1 بالمئة والأفارقة الزنج اقل من 1 بالمئة. وفي مصر يشكل الأقباط 9 بالمئة من السكان يليهم النوبيون 2 بالمئة ويشكل الأرمن واليهود 1 بالمئة، وهناك ايضا افارقة وبربر وغجر وهؤلاء جميعاً يشكلون 3 بالمئة. وتتميز اليمن بتجانس عرقي ودينـي اكبر والأقليات فيها قليلة النسبة لا تتعدى 5 بالمئة من السكان. وفي المملكة العربية السعودية يشكل الاسماعيليون 3 بالمئة من السكان والأفارقة 5 بالمئة والآسيويون 5 بالمئة. وفي سورية يوجد العلويون بكثافة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص ويشكلون 10 بالمئة من السكان والدروز 4 بالمئة والمسيحيون العرب 7 بالمئة. وفي لبنان 33 بالمئة من المسيحيين العرب و5 بالمئة من المسيحيين غير العرب و6 بالمئة من الدروز.
ان كان وجود اقليات عرقية ودينية ولغوية اثرى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإن الأمر لم يكن على هذا القدر من السلاسة من ناحية سياسية. اذ ان الكثير من التطورات المحلية والاقليمية أدت الى جعل الموضوع العرقي والديني مصدرا للتوترات السياسية ومن ثم للنزاع المسلح.