اخترنا لكم >مقتلة في كراتشي... والسبب عمولات وتسلح
مقتلة في كراتشي... والسبب عمولات وتسلح
مقتلة في كراتشي... والسبب عمولات وتسلح


نديم جرجورة
السفير 25-7-2009

منذ البداية، سُمّيت الصفقة باسم غواصّة قديمة: «نوتيلوس»، التي اقترحها الأميركي روبرت فولتون (1765 ـ 1815) على النظام السياسي القائم في مطلع القرن التاسع عشر (1800) في فرنسا لكسر حصار إنكلترا. وهو الاسم نفسه الذي استعاده الكاتب جول فيرن، بعد نحو سبعين عاماً، في روايته الشهيرة «عشرون ألف مكان تحت البحار» (1869). لكن المسألة الراهنة مختلفة تماماً، على الرغم من تشابه واحد متعلّق بالغوّاصات: صفقة فرنسية باكتسانية متمثّلة بصناعة ثلاث غواصات فرنسية من نوع «آغوستا» وبيعها من الحكومة الباكستانية بـ950 مليون دولار أميركي («ليبراسيون»، 25 حزيران 2009)، أو 826 مليون يورو («لو نوفيل أوبسرفاتور»، 25 حزيران/ 1 تموز 2009). والعقد، الموقّع بين الجهتين المعنيتين في 21 أيلول 1994 أيام حكومة إدوار بالادور، واجه تعقيدات تطلّبت تدخّلاً خارجياً قام به وسطاء، ما عنى أن هناك عمولات جمّة «يجب أن تُدفع» إلى أشخاص عديدين بغية تسهيل الأمور. لكن، في 8 أيار 2002، تعرّض باص لهجوم انتحاري أدّى إلى مقتل أحد عشر فرنسياً يعملون في «إدارة المنشآت البحرية»، الجهة الفرنسية المخوّلة صناعة الغواصات وبيعها في الصفقة نفسها، إلى جانب ثلاثة باكستانيين، بالإضافة إلى اثني عشر جريحاً. يومها، كان الاتهام جاهزاً: تنظيم القاعدة، خصوصاً بعد أن قدّم أسامة بن لادن تحياته إلى الانتحاريّ، مثنياً على العملية، ومتوجّهاً إلى العالم كلّه عبر شاشة الفضائية القطرية «الجزيرة» في 12 تشرين الثاني 2002 بقوله إن «العمليات كلّها التي نُفّذت ضد الألمان في تونس (جربة) والفرنسيين في كاراتشي والأوستراليين والبريطانيين في بالي ليست إلاّ جواباً سريعاً من المسلمين المهمومين بالدفاع عن دينهم».
لكن، ماذا لو أن القاعدة لم تنفّذ هذه العملية، على الرغم من تحية بن لادن؟ ماذا لو أن الأثر الإرهابي في اعتداء 8 أيار 2002 في كاراتشي أوصل التحقيقات القضائية والأمنية إلى طريق مسدودة؟ بهذين السؤالين، افتتح الصحافي الفرنسي أوليفييه توسكي مقالته المنشورة في «لو نوفيل أوبسرفاتور» (25 حزيران/ 1 تموز 2009)، مشيراً إلى أن عائلات الضحايا (الأرامل واليتامى) أمضوا سبعة أعوام وهم يُشكّكون في علاقة القاعدة بالجريمة، ومضيفاً أن هذه العائلات استعادت أملها في معرفة الحقيقة، عندما قال مارك تريفيديك، أحد القضاة المتخصّصين بمكافحة الإرهاب والمكلّفين بالتحقيق القضائي في هذه القضية، في 18 حزيران 2009، إن «أثر القاعدة في هذه العملية بات جانبياً»، وإن «المحرّك الحقيقي للاعتداء يُمكن ربطه بانتقام مبني على عدم دفع عمولات مالية وعدت فرنسا بها الباكستان». فقد سقط هؤلاء ضحية ثأر باكستاني «بعد قرار جاك شيراك بعدم تحويل الأموال «من تحت الطاولة»، المرتبطة بهذا العقد المُفَاوَض عليه عندما كان بالادور رئيساً لحكومة فرنسوا ميتران». وردّاً على هذه «القنبلة»، صرّحت ماغالي دروويه، ابنة احدى الضحايا والناطقة باسم العائلات، بما يلي: «بما أن القانون يُجيز لنا ذلك، فإننا سنطالب بالاستماع إلى إفادات إدوار بالادور وجاك شيراك».
وفي تحقيق صحافي نشرته المجلة الفرنسية الأسبوعية «إكسبرس» في 25 حزيران 2009، كتب إيريك بيلّوتييه وجان ـ ماري بونتو (بالتعاون مع مراسل المجلة في باكستان إيريك دو لافارين) أن «إدارة المنشآت البحرية» كلّفت كلود تيفوني التحقيق في العملية وآثارها وخلفياتها، على هامش التحقيقات القضائية الرسمية. غير أن تقريره النهائي الذي وضعه بعد أسابيع عدّة «أُخفي عن عائلات الضحايا ومحاميها أوليفييه موريس»، قبل أن يحصل عليه قضاة «كانوا يُحقّقون في قضية أخرى». أشار محرّرو المجلة إلى أن تيفوني مارس «جزءاً من مهمته السابقة في أحد الأجهزة الأمنية الفرنسية (إدارة مراقبة الأراضي)، وأنه يتمتّع بصيت «رجل الاتصالات»، وأنه أسّس شركة «ت ب أم الدولية» بعد مغادرته دائرة الشرطة، وأنه خضع للاستجواب مرّتين.
لكن الرجل أكّد للقاضي تريفيديك أنه كاتب التقرير، رافضاً في الوقت نفسه ذكر مصادره. لكن، كيف «غرق» القضاة في «المياه الآسنة لعقد التسلّح هذا؟»: في تحقيق «لو نوفيل أوبسرفاتور» نفسه، جاء أن نقطة الانطلاق كامنة في تقرير داخلي كتبه جيرار فيليب مينيياس، مدير مالي سابق في «إدارة المنشآت البحرية». وفي 20 نيسان 2008، أثناء استجوابه في مسألة أخرى لا علاقة لها بالقضية هذه، اعترف الرجل أمام القضاة بما يعرفه عن بواطن مبيعات الأسلحة، وعن عقد «آغوستا» تحديداً: «إن إيقاف الدفع يُمكن أن يكون قد أدّى إلى نتائج دراماتيكية: اعتداء كاراتشي انقلاب ضد التخلّف الفرنسي عن الالتزامات التجارية الفرنسية». بعد أشهر قليلة، نشر الموقع الالكتروني «ميديابار» مضمون التصريحات السابقة، ما دفع القاضي تريفيديك إلى الطلب من زملائه العاملين في تحقيقات مالية إرسال الملفّ كلّه المتعلّق بـ«إدارة المنشآت البحرية» إليه: «بينغو»، كما كتب توسكي، مشيراً إلى أن التقرير المعنون بـ«نوتيلوس» تضمّن «مراجعة دقيقة لتحقيق قام به كلود تيفيني»، خلص إلى أن الاعتداء تمّ بتحريض من أجهزة الاستخبارات الباكستانية: «يتعلّق الأمر بـ(عدم) الحصول على مدفوعات العمولة غير المسجّلة رسمياً»، كما جاء في التقرير المذكور، المكتوب في 11 أيلول 2002.
أحد المتخصّصين بمكافحة الإرهاب عبّر، في التحقيق الذي أنجزته «إكسبرس»، عن «شكّه» بفرضية التلاعب، وعن ذهوله إزاء مسألة أن جنرالات باكستانيين انتظروا إعادة انتخاب شيراك في العام 2002 للانتقام من قرار متّخذ قبل سبعة أعوام. ذكر التحقيق أن الرجل نفسه، الذي رفض الإفصاح عن اسمه، روّج لمقولة أن الاعتداء من صنع القاعدة، بدليل تحية بن لادن. لكن المهمات المنجَزة في كاراتشي من قبل اختصاصيين فرنسيين بشؤون مكافحة الإرهاب، «وضعت دائماً الأثر الإسلاموي في أولوياتها»، في حين أن التحقيق الباكستاني قدّم، على الرغم من كل شيء، فجوات جدّية: «بحسب التحاليل الكيميائية التي قام بها رجال الشرطة الفرنسية و«المكتب الفيدرالي للتحقيقات (أف. بي. آي.)»، فإن المتفجّرة المستخدَمَة في العملية لا تشبه تلك الواردة في التفاصيل التي ذكرها رجال الشرطة المحليون». كما أنه لم يتمّ التعرّف إلى المذنبين، بينما تمّت محاكمة مشتبه بهما، آسيف زهيد ومحمد رضوان (اللذين قُدِّما على أنهما مقرّبان من مجموعة إرهابية مزروعة في كشمير الهندية)، أمام المحكمة العليا في سينده، وأطلق سراحهما في نيسان «لعدم كفاية الأدلّة».
غير أن تقارير صحافية ذكرت أن الرشى المتّفق على دفعها «حُوِّلت إلى شبكتين من الوسطاء: الأولى بمبلغ قارب 50 مليون يورو مدفوع من «سوفريسا»، وهو جهاز رسمي تابع للدولة الفرنسية مهتمّ بـ«المستوى العملياتي»، إلى المجمّع العسكري الصناعي الباكستاني. والثانية مرتكزة على وسيط آخر «كان عليه أن يتقاضى مبلغ 33 مليون يورو، دفعته «إدارة المنشآت البحرية» عبر شركة لوكسمبورغية (هان آس آ)، «لإرواء ظمأ سياسيين باكستانيين وفرنسيين أيضاً». والأخطر من ذلك، أن الفرنسيين تكفّلوا بدفع 85 بالمئة من المبلغ المتفق عليه منذ العام الأول للتوقيع على العقد في العام 1994، أي عشية العام الانتخابي الرئاسي: «يُفترض بالعمولات أن تموِّل الحملة الانتخابية لبالادور»، كما كتب تيفيني، مضيفاً أنه «بعد فشل هذه الحملة في ربيع العام 1995، كان يجب على هذا التمويل أن يُحوَّل إلى «جمعية الإصلاح» (البنية الخاصّة ببالادور). فقد وُضعت حقائب المال في بوتيك «آريج» في الطابق الأرضي من المبنى الواقع في 40 شارع بيار ـ شارّون، قبل أن تصعد إلى الطوابق التي أقام بالادور فيها مقرّه الرسمي». وعلّق الصحافي الفرنسي أوليفييه توسكي على هذه المسألة بالقول إن تأكيدات تيفيني لم ترتكز على «إثبات دامغ»، مشيراً إلى أن التأكيد الوحيد كامنٌ في أن شيراك، المنتخَب حديثاً يومها، «قرّر وقف دفع المبالغ المتبقية»، ومضيفاً أن «إدارة المنشآت البحرية» جمّدت هذا المبلغ في وقت باكر، ثم ألغته في بداية العام 2001، بعد أن بات الاتفاق الدولي على منع دفع الرشى إلى الخارج ساري المفعول: «منذ هذه اللحظة، أدرك مسؤولون سياسيون باكستانيون أنهم لن يتقاضوا قرشاً واحداً بعد اليوم». لكن، هل بدأوا حينها التفكير بعملية انتقامية؟ قبل ثلاثة أشهر من الاعتداء، حذّر مسؤول الأمن في «إدارة المنشآت البحرية» عمّالاً تابعين للإدارة يشتغلون في كاراتشي من استقبال عائلاتهم في عطلة شهر شباط، كما أخفى مسؤول رفيع المستوى في الإدارة نفسها صندوقاً صغيراً احتوى على تفاصيل حركة التنقّل للفرنسيين هناك، وعُثر على عبوة ناسفة، وُضعت في أسفل سيارة زوجة الملحق التجاري الفرنسي في إسلام آباد، قبل انفجارها: «عبّر والدي عن شعوره الدائم بأنه بات مهدّداً. كان شعوره هذا يزداد مرّة بعد أخرى، كلما سافر إلى كاراتشي»، كما قالت درووي، علماً بأن والدها كلود درووي ظلّ حياً لثماني ساعات بعد انفجار الباص، قبل أن يتوفى عن 50 عاماً.
نشرت «ليبراسيون» تحقيقا جاء فيه أن ملف العملية الموجود لدى القاضي جان ـ لوي بروغييار احتوى على 1200 وثيقة مرقّمة ومعلومات ووثائق أخرى، بالإضافة إلى نسخة من العقد الموقّع بين «إدارة المنشآت البحرية» و«سوفرانتام» (شريكها) والدولة الباكستانية: «تمّ التفاوض على العقد أثناء الحملة الانتخابية لرئاسة الجمهورية الفرنسية، واستدعى مساومات مالية شديدة، خصوصاً في صالونات الاجتماعات في فندق «برانس دو غال»، حيث التقى تجار معروفون في سوق الأسلحة، كاللبناني زياد تقي الدين والسعودي علي بن مسلّم، نائب رئيس القسم الدولي في الإدارة إيمانويل آري، وأحياناً رونو دونّوديو دو فابر، مستشار فرانسوا ليوتار الذي كان وزيراً للدفاع حينها. على هامش هذا النقاش المملّ، حدثت تسويات تمّ التوافق عليها لمكافأة بعض الوسطاء. في 30 حزيران 1994، وقّع إيمانويل آري عقداً مع الشركة البانامية «ماركور للتميول»، ممثِّلة زياد تقي الدين، يؤكّد حصّته من الصفقة بنسبة 4 بالمئة. ثم إن الشرط الثامن في العقد يمنع تقي الدين من نقل جزء من هذه المدفوعات إلى سفراء فرنسيين أو شركات فرنسية؛ لكنه لا يقول شيئاً عن الجانب الباكستاني (في تلك الفترة، لم يكن دفع عمولات للخارج بهدف «تسهيل» العقود عملاً غير شرعي).