اخترنا لكم >حقائق هامة عن الكنيسة الكاثوليكية
حقائق هامة عن الكنيسة الكاثوليكية
حقائق هامة عن الكنيسة الكاثوليكية

بول أشقر
2005/04/22


عام 1978: عندما تم اختيار يوحنا بولس الثاني مدعوماً من <<ألأوبوس ديي>> الى كرسي التلميذ بطرس، كانت الكنيسة الفاتيكانية تحت صدمة وفاة يوحنا بولس الأول المفاجئة بعد 33 يوماًعلى انتخابه. أجبرت قيادة الكنيسة الكاثوليكية تحت ضغط الحدث أن تفكر بمخرج آخر عن الذي كانت رسمته. وعندما أدى التجاذب بين كاردينالين إيطاليين الى تعطيل الاثنين معاً، بحث المجمع عن خلف ليوحنا بولس الأول خارج الأطر الإيطالية. هذا التغيير في المقياس الأساسي الذي حدث للمرة الأولى بعد أكثر من أربعمئة سنة، سنح الفرصة لعودة الأقلية المحافظة التي كانت هزمت في مجمع الفاتيكان الثاني قبل عقد ونصف. بعد الانفتاح واللامركزية، دقت ساعة العقيدة الأصولية والمركزية الصارمة.
في نهاية السبعينيات، من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية، يتأرجح الخيار بين كاردينال من بولونيا وآخر من البرازيل (وهذا الأخير يشارك في المجمع الحالي من دون حق الاقتراع لأنه تخطى الثمانين سنة). كلاهما شباب بالمقاييس الكنسية: أقل من ستين سنة. ولكن خطوة الخروج خارج عالم الفاتيكان واكبها في حينها خطوة أخرى ضمنية، منحاها التشدد في العقيدة والمركزية كردة فعل على العقود الماضية، وهذا النوع من الانفتاح الذي كان يرى فيه هؤلاء المحافظون (الجدد في وقتهم!) انزلاقاً نحو أرضية غير ثابتة وتهديداً للب العقيدة الكاثوليكية. من هنا، ومع أن أميركا اللاتينية كانت حبلى أيضاً بتغييرات ديموقراطية وربما أكثر من أوروبا الشيوعية كما دلت الأحداث اللاحقة، تبلورت بسرعة أكثرية لصالح وصول البولوني كارول فويتيلا الذي كان يمثل وجهاً جديداً للوظيفة البابوية. كان المطلوب أن تكون الفكرة تغييرية في الشكل بابا غير إيطالي، رياضي وحديث في استيعابه تقنيات التواصل لتبقى أصولية في موضوعي المركزية والعقيدة. بالنسبة لكارول فويتيلا، متأثراً بالنموذج البولوني، كان على الكنيسة، لكي تخاصم الشيوعية، أن تبقى موحدة حول قيمها التقليدية وألا تسمح بأي بلبلة أو تراخ في صفوفها. بالنسبة له، كان <<لاهوت التحرير>>، وبالتالي الكنيسة اللاتينية التي ترعاه والتي كانت تبحث عن كنبسة مختلفة أكثر زهداً وأكثر التصاقاً بقضايا الفقراء (والتي كانت ترى بالأنظمة الاستبدادية العسكرية وبالظلم الاجتماعي خصمها الأساسي وليس الشيوعية)، حصان طروادة للماركسية تسلل الى الجسم الكنسي. من هنا ضرورة استئصال هذه العقيدة <<الدخيلة>> التي تقرأ الإنجيل <<من وجهة نظر الفقراء>> والتي وصلت بعض تياراتها الى حد المطالبة ب<<حل دولة الفاتيكان تماشياً مع روح الإنجيل>>. ومن هنا ضرورة إعادة هيكلة الإستقلالية التي حصلت عليها الكنائس تدريجاً منذ مجمع الفاتيكان الثاني.
بعد 27 سنة: تغيّرت الكنيسة وتغيّر العالم. لم يعد هناك خلاف حول العقيدة، وكل الناخبين الحاليين، باستثناء اثنين منهم، ينتخبون للمرة الأولى، وقد اضطروا على الانضباط، ولو ظاهرياً، ضمن المقاييس التي أشرف شخصياً على التأكد من الالتزام بها الكاردينال الألماني المحافظ. إلا أن مدة الحبرية الأخيرة كثّفت الحاجة في العودة الى موضوع اللامركزية، إن للتفلت من سطوة <<الخورية>> curia أي بيروقراطية الفاتيكان، أم بسبب حاجات العالم الكاثوليكي بواقعه الفعلي، بنجاحاته وإخفاقاته. ومن الطبيعي أن يشكل غياب <<البابا الرحالة>> وضرورة اختيار وريث له لحظة مميزة للتأمل في المستقبل وتحدياته الجديدة. لهذه الأسباب ولغيرها، يشكل اليوم التسليم بجرعة إضافية من اللامركزية تأشيرة دخول إجبارية لنادي المرشحين للصعود على رأس الكنيسة الكاثوليكية. إلا أن هذا العنوان العام يحمل في طياته طموحات مختلفة حسب القارات وينظر إليه بوتيرة مختلفة حسب التيارات، ما يعرّضه بألا يكون برنامجاً كافياً، ولو كان ضرورياً، للنجاح.
هنا لا بد من العودة السريعة الى بعض الأرقام. يتوزع العالم الكاثوليكي الذي تخطى عتبة المليار مؤمن (1055 مليوناً حسب أرقام حديثة) على الشكل التالي: أوروبا 285 مليونا (27%)، أميركا وكندا 72 مليونا (7%)، أميركا اللاتينية (42%) 445 مليونا، أفريقيا 127 مليونا (12%)، آسيا 114 مليونا (11%)، أوقيانيا 8 ملايين (أقل من 1%). أما إذا نظرنا الآن الى وزن هؤلاء الكاثوليك في مجتمعاتهم، فنكتشف أن الكاثوليك يمثلون 38% من الأوروبيين و24% من الأميركيين والكنديين، و87% من سكان أميركا اللاتينية، و16% من سكان القارة الأفريقية، و3% من القارة الآسيوية و26% من أوقيانيا. أما إذا توقفنا الآن على تركيبة الهيئة الناخبة في المجمع (117 ناخبا لأن فقط الكرادلة الذين لم يكملوا عمر الثمانين لهم حق الانتخاب) الذي سيختار خلفاً ليوحنا بولس الثاني، نكتشف أن لأوروبا فيه 58 ناخبا (أي 49% من ناخبي المجمع وثلثهم من الايطاليين)، وللولايات المتحدة وكندا 14 ناخبا (أي 12% من الناخبين)، ولأميركا اللاتينية 21 ناخبا (18%)، وكل من أفريقيا وآسيا 11 ناخبا (9,5%)، وأخيراً لأوقيانيا ناخبان (أقل من 2%).
تستدعي تلك الأرقام بعض التعليق: تمثل أميركا اللاتينية القارة الكاثوليكية الأولى إن من حيث عددها وإن من حيث <<هويتها>>، بمعنى أن الأكثرية الساحقة من سكانها يعرفون أنفسهم بأنهم كاثوليك. على سبيل المثال، البرازيل والمكسيك هما أكبر دولتين كاثوليكيتين في العالم. إلا أن التدقيق في أرقام الكاثوليك في العالم يدلّ على أن عددهم النسبي راوح مكانه أو تراجع قليلاً: من 18% من سكان العالم عام 1970 الى 17,5% عام 2002، وذلك بالرغم من جهود البابا الراحل المستميتة. وهذا يدلّ في ما يدلّ عن آليات مختلفة في حياة الكنيسة الكاثوليكية حسب القارة المعنية: من المعروف على سبيل المثال أن الكاثوليكية الأفريقية تعرف نمواً أسرع من القارات الأخرى بالرغم من منافسة الإسلام (والبعض يقول بسببه). أرقام أميركا اللاتينية يجب أن لا تخفي تراجع الكاثوليكية في البرازيل مثلاً، حيث خسرت 10% من مؤمنيها خلال عقد واحد، تحديداً في البيئات المدينية. والسبب مزدوج يعود الى صعود الفرق الإنجيلية في الطبقات الفقيرة والى ابتعاد الكنيسة عن طموحات الطبقات الوسطى. أما المجتمعات الحديثة من أوروبا الغربية وبعض دول أوروبا الشرقية والولايات المتحدة وكندا فيكاد يتلخص اهتمامها (وستحوله من دون شك الى موضوع حاسم خلال عملية الانتخاب) بما يسمى <<علاقة الدين بالعلم>>. وراء هذا العنوان العام، تتسلل بالطبع كل المواضيع المرتبطة بالاكتشافات والاختبارات العلمية الحديثة ولكن أيضاً كل تطبيقاتها على الصحة والحياة والموت والجنس... وصولاً الى مشاركة المرأة في إدارة شؤون الكنيسة. لا يختلف اثنان على ضرورة <<إعطاء أجوبة خلاقة على الأسئلة الجديدة>> ولكن الخلافات الحقيقية تكمن حول سرعة هذا التكيّف لأن سياسة راوح مكانك سممت وتسمم علاقات تلك الكنائس مع مجتمعاتها وعمقت تراجع نفوذ الكنيسة فيها. ملاحظة أخرى لها علاقة بتركيبة المجمع: إذا كان كل أربعة ملايين من الكاثوليك الأوروبيين ممثلين بناخب، وكل عشرة ملايين من الأفارقة والآسيويين، فأميركا اللاتينية ما زالت تحتاج الى اثنين وعشرين مليون مؤمن لتحصل على ناخب واحد. 
هناك آليات جديدة لعملية الاقتراع. كل يوم، هناك دورتا اقتراع صباحاً ودورتان بعد الظهر، ويتطلب انتخاب البابا أكثرية ثلثي الأصوات وموافقة المعني قبل صعود الدخان الأبيض الذي يعبر في التقليد الفاتيكاني عن انتخاب بابا جديد. بعد مرور 30 دورة اقتراع، يجوز تغيير قوانين الاقتراع من خلال اعتماد الأكثرية العادية أو حصر الانتخاب بين المرشحين اللذين نالا أكبر عدد من الأصوات.

() كاتب لبناني مقيم في أميركا اللاتينية