اخترنا لكم >أزمة المثقفين في مصر
أزمة المثقفين في مصر
أزمة المثقفين في مصر

فهمي هويدي
2005/10/11


حين يصبح الإجماع حول نانسي عجرم أكبر من الإجماع حول فكرة المقاومة في العالم العربي، فذلك إن صح يدل على أن ثمة خللاً جسيماً في بنية الإدراك العام، الأمر الذي يثير بقوة عديداً من التساؤلات حول ثقافة المجتمع ومسؤولية خطابه الإعلامي ومثقفيه.
لست في وارد مناقشة قيمة نانسي عجرم التي ارتفع نجمها عالياً في سماء العرب خلال السنتين الأخيرتين، وما زالت وسائل الإعلام تلاحقنا بأخبارها كل صباح، حتى ان إحدى القنوات الفضائية لم تجد وسيلة لجذب المشاهدين مؤخراً سوى الإعلان في الصحف عن بشارة تحمل عنوان: ما لا تعرفه عن نانسي عجرم! كما لم يخطر على بالي أن أقارن بين جهود تسويق المطربة المذكورة، وبين التعبئة المضادة للمقاومة التي حفلت بها مختلف منابر الإعلام العربي خلال الأسبوعين الماضيين، لكن التطرق إلى المسألة كان استطراداً في الإجابة عن سؤال وجه إلي حول الذي جرى للمثقفين في مصر. وللسؤال حكاية تروى.
على هامش مؤتمر حضرته في بلدة <<ساراتوف>> الروسية، كانت لي مناقشة مع عضو البرلمان الدكتور شامل سلطانوف حول العلاقة بين روسيا <<الجديدة>> والعالم العربي. ولان الرجل يعمل في الوقت ذاته منسقاً للحوار الاستراتيجي بين روسيا والعالم الإسلامي، فقد كان له كلام كثير في الموضوع، قطعه فجأة كأنه تذكر شيئاً وسألني: ما الذي جرى للمثقفين في مصر؟ وقبل أن أستفسر عن مقصوده قال إنه قادم لتوه من اليونان، حيث شارك في مؤتمر حول مستقبل منطقة الشرق الأوسط، ضم عدداً من الخبراء وذوي الصلة بالموضوع. كان أحدهم ممثلاً لمركز للبحوث الاستراتيجية في مصر. صاحبنا هذا الأخير وقف في إحدى الجلسات يشرح للأوروبيين والأميركيين وغيرهم كيف أن المشروع النووي الإيراني يمثل تهديداً للعالم العربي. <<وهو ما فاجأني، وكان آخر ما توقعته من مثقف مصري>>. هكذا قال الدكتور سلطانوف ثم أضاف: اننا في روسيا نعلم جيداً أن المشروع الإيراني له أغراضه السلمية، وان طهران عرضت مشاركة الأوروبيين فيه للاطمئنان إلى أهدافه. كما أننا نفهم أن إسرائيل وراء الحملة ضد إيران في هذا الموضوع بالذات، حتى لا ينازعها أحد في القدرة النووية، وندرك تماماً انه إذا كان هناك تهديد للعالم العربي، فإن السلاح النووي الإسرائيلي هو مصدره الحقيقي لا إيران. وهذه معلومات لا أظن أنها تخفى عن أي باحث استراتيجي منصف، فلماذا سكت عنها الباحث المصري ووجه كل انتقاده إلى الإيرانيين؟
قلت إننا لا نستطيع أن نعتبر قائل هذا الكلام ممثلاً بالضرورة للمثقفين المصريين. ومع ذلك فإنني لست مفاجأ بما قال، لان في مصر متغيرات يستشعرها الذين يعيشون في الداخل، ولا يستوعبها الجيل الذي عرفها في الستينيات ثم انقطعت صلته بها. ومن جانبي فإنني اعتدت على مثل هذه المقولات التي تتبنى مواقف مستغربة في بلد بقيمة ووزن مصر. ذلك أن التطورات المحلية والإقليمية والدولية التي تلاحقت خلال العقود الأخيرة قلبت الموازين، وفتحت الباب واسعاً للخلط بين العدو والصديق، وللمنازعة في المسلمات الوطنية والقومية. بالتالي صارت تلك المسلمات محلاً للاجتهاد، وغدا تجريحها أو هدمها مجرد وجهة نظر. ساعد على ذلك انه لم تعد هناك <<بوصلة>> يمكن الاهتداء بها، وحين يفقد أي فرد أو مجتمع بوصلته فليس مستغرباً أن يضل الطريق.
لم يسمح الوقت بالتعرف على صدى ما قلت لدى الدكتور سلطانوف، لكني لا أخفي أن سؤاله عما حل بالنخبة المصرية ظل يتردد في ذهني طول الوقت، كما أن البحث في شأنه استهواني، خصوصاً أنني أحتفظ في مكتبتي بملف اعتدت أن أجمع فيه ما تقع عليه عيناي من مقالات وتعليقات تخدش الحس الوطني وتمثل عدواناً على المسلمات بل والمقدسات أيضاً.
لا سبيل إلى استعراض قائمة الفواحش والكبائر الثقافية والسياسية التي أصبحت تمارس في العلن الآن، وعلى صفحات الصحف السيارة. لكنني أذكِّر فقط بالتعليقات التي نشرتها بعض الصحف خلال الأسبوعين الأخيرين، ودار معظمها حول العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة. فقد تابعنا مثلاً تنافساً مدهشاً بين رموز الهزيمة والانبطاح في العالم العربي، الذين تباروا في الدفاع عن إقامة علاقات بين باكستان وإسرائيل، وتبرير اتجاه بعض الدول العربية نحو إلغاء مقاطعة إسرائيل، وتشجيع الاعتراف المتبادل بها من جانب دول أخرى. بل ان أحدهم لم يجد غضاضة في دعوة شارون لزيارة تونس تحت غطاء الاشتراك في مؤتمر دولي حول المعلوماتية، وتساءل متبجحاً ومتغابياً: هل أنتم ضد المعلوماتية؟! وكانت الحجة التي رددها أكثر من واحد في تلك الكتابات انه من حق كل دولة أن تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، حتى وإن كان ذلك على حساب مصالح الأمة التي تنتمي إليها.
في الطريق قرأنا هجوماً صريحاً ومبطناً على المقاومة، من قبل نفر من الكاتبين الذين لم تواتهم الشجاعة لكي يسموها باسمها الحقيقي، فوصفوها بأنها <<عنف>> تارة وأنها تطرف وإرهاب تارة أخرى. وبنفس الدرجة من التبجح والتغابي تساءل أحدهم: لماذا العنف، في حين أن كل ما أخذناه من إسرائيل كان عن طريق التفاوض والتفاهم، من الانسحاب من سيناء إلى الانسحاب من جنوب لبنان، في جرأة شطبت في سطر واحد حرب أكتوبر ونضال المقاومة في لبنان.
من ناحية أخرى، فإن قصائد الغزل والمديح التي ألقيت على أعتاب الولايات المتحدة لم تقف عند حد. إذ تضمنت دعوات صريحة إلى التعلق بالأهداب الأميركية والمراهنة على قوتها العظمى والاحتماء بمظلتها وعضلاتها، لأنها وحدها صارت الملاذ والمعين بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ولم يعد مطلوباً منا أن نتعلق بأهداب السياسة فحسب، وإنما صرنا مطالبين بأن نحذو حذو الأميركيين في نهجهم الرأسمالي وركضهم وراء حرية السوق، باعتبار أن ذلك من مقتضيات العولمة التي صوروها لنا بحسبانها قدراً مكتوباً لا فكاك منه.
في ثنايا هذه التعبئة أهدرت مسلمات عدة. فلم تعد مقاومة الاحتلال قيمة متفقاً عليها، ولا أصبح الاستقلال الوطني أو التنمية الذاتية من المسلمات، في حين سقط مفهوم <<الأمة>> واستعلت قيمة <<الأنا>>. وفي الوقت ذاته بات الجهر بموالاة العدو أمراً عادياً لا يستوجب ستراً ولا خجلاً. وتحول الاستتباع للعدو إلى فضيلة، وأصبح المنهزمون والمنبطحون هم المعتدلين. وصنف المدافعون عن المسلمات التي يحاولون إهدارها ضمن المتطرفين والمتشددين.
العدوى انتقلت إلى ساحة الدين. فكما أن كل من هب ودب بات يخوض في مصير الوطن والأمة باسم حرية التعبير والليبرالية، فقد تكرر المشهد في شأن الدين. إذ جرت استباحته من قبل المتطفلين والأدعياء باسم التجديد والاجتهاد، حتى قرأنا في الأسبوع الماضي لأحدهم نموذجاً لتلك الاستباحة أعادنا إلى نقطة الصفر من خلال طرح السؤال: ما المقصود بالإسلام؟ وقدم لنا في الرد شهادة دامغة في الفتوى بغير علم ولا هدى. وهو ما يجسد حالة الاجتراء التي تعددت شواهدها وتجلياتها، وأسهمت في تشويه الإدراك الديني، الذي نحن أحوج ما نكون إلى ترشيده واستثمار طاقته في تثبيت قواعد الأمة وتعزيز صمودها ونهوضها.
لم يقف الأمر عند حد خوض الخائضين والمجترئين بغير علم. وإنما كان لها وجه آخر بين أهل العلم الشرعي، الذين مال بعضهم مع ريح السياسة في تأييد التطبيع تارة، وفي الدعوة إلى تأييد الحزب الوطني الحاكم تارة أخرى. وهو ما كان ولا يزال مصدراً للبلبلة والحيرة. والناس معذورون لا ريب، حيث لا يعرفون من يصدقون، شيخ الأزهر الذي لم يمانع في التطبيع، أم تراث الأزهر الممتد بين فتاوى الشيخ شلتوت وفتاوى الدكتور يوسف القرضاوي، الذي يحرم التطبيع مع المحتل، ويدعو إلى مقاطعته، ويدين المطبعين باعتبار أن مسلكهم بمثابة موالاة للعدو الذي يتمسك باحتلال الأرض. ويرفض أي حل عادل يرد الحق إلى أهله. فضلاً عن أن تلك الموالاة تعد تقاعساً عن نصرة المسلمين المظلومين الذين يخضعون للاحتلال ويقبعون في سجونه.
لقد تعرض أحد العلماء لهجوم شرس من قبل رئيس تحرير مجلة أسبوعية قومية لأنه أفتى بحرمة تصدير البلاستيك لإسرائيل، في رده على سؤال لصاحب مصنع تلقى عرضاً بهذا المضمون، فأراد أن يرضي ضميره الديني والوطني، وسأل عن الموقف الشرعي من العرض. وهو ما لم يعجب الكاتب المحترم فانهال على صاحب الفتوى باللوم والتقريع، ووصف فتواه بأنها مسمومة! الأمر الذي يستدعي مجدداً السؤال: ماذا جرى؟
هل في مصر أزمة مثقفين؟
إجابتي السريعة أن الخلاف حين ينصب علي الاصول لا الفروع، فإننا نصبح بصدد أزمة خطرة، تُشتت الصف الوطني وتضرب في الصميم مناعة الجبهة الداخلية. والاصول التي أعنيها تتمثل في قيم المجتمع الاساسية ومصالحه العليا. والنماذج التي مررنا بها وثيقة الصلة بهذين المجالين.
لقد استطلعت آراء أربعة من المثقفين المصريين البارزين في مسألة الازمة، ووجدت أن آراءهم اتفقت على وجودها، وكانت شهاداتهم علي النحو التالي:
› د. إسماعيل صبري عبد الله: مثقف هذا الزمان يتمتع بدرجة عالية من الهشاشة. فمن السمات الملحوظة فيه إعراضه عن المعرفة، واستثقاله للمعاناة في تحصيلها، الأمر الذي جعل من الصحف والقنوات الفضائية مراجع أساسية لمعارفه. ومن عيوبه أيضاً الجهل بالتاريخ وعدم الاشتغال بالسياسة، وهذا القصور بشقيه يفقده قوامه ويعرضه لمزالق كثيرة، ويحوله إلى أداة سهلة الاستخدام. وكانت النتيجة انه لم يعد فاعلاً في مسيرة التقدم، وإنما صار في الأغلب الأعم تابعاً ومفعولاً به.
› طارق البشري: أزمة المثقفين صدى لأزمة السياسة في مصر. فالمثقفون هم نتاج البيئة والظرف التاريخي الذي يعيشونه. وما أعنيه بالظرف التاريخي هو الفترة الممتدة على مدى العقود الخمسة الأخيرة، التي جرى خلالها تفكيك البنى التحتية للمجتمع، الأمر الذي أدى إلى انفراط خلاياه على نحو تدريجي. ولسوء الحظ فإن عملية تفكيك المجتمع استمرت وبلغت مداها في طور غياب المشروع الوطني، بما استصحبه من ضبابية الأهداف وعدم وضوحها، الامر الذي فتح الباب واسعا للتخبط و البلبلة.
› د. جلال أمين: اليأس والقنوط من الصفات الملازمة للمثقف في مصر. وقد يكون معذوراً في ذلك، لان المثقف بات يشعر بأن كل أحلامه مؤجلة، وعليه أن يقضي سنوات طويلة حتى تلوح في الأفق بارقة أمل في تحقيق الإصلاح الذي يصبو إليه. ومع طول سنوات الانتظار فإن إغواء المثقف يصبح سهلاً، كما أن تدجينه يظل وارداً، خصوصاً أن عناصر الغواية أصبحت جذابة وقوية بصورة تتعذر مقاومتها. ونحن نعاني الآن من آثار ذلك.
› جميل مطر: المثقف المعاصر يعيش في أزمة من جراء ضغوط وسائل الإعلام عليه، خصوصاً التلفزيون، الذي أعاد تعرف المثقف وأفسده بالنجومية. فهو لم يعد ذلك الإنسان الذي يقضي سنوات طويلة من عمره في البحث والمعرفة، وإنما أصبح بمقدور التلفزيون أن يسلط أضواءه خلال أسابيع معدودة، على شخص يقول كلاماً بسيطاً في دقائق معدودة، ليصبح مثقفاً ونجماً. وكانت نتيجة ذلك أن تراجع دور الأكاديمي الذي سحبته الآلة الإعلامية الجبارة إلى ساحة التفاصيل، وفي الوقت ذاته فرضت عليه السياسات الإمبراطورية عناوين لم يعد مسموحاً بمناقشتها، مثل حرية السوق والعولمة والحرب ضد الإرهاب والتطبيع مع إسرائيل. وفي هذه الخرائط الجديدة أصبح المثقف بلا دور، وتحول إلى جزء من <<ديكور>> المشهد السياسي.
بالتالي لم تعد القضايا الوطنية والمصيرية شاغلاً أساسياً لكثيرين، كما لم تعد موضع اتفاق بين النخبة. وكانت النتيجة أن إجماع الرأي العام على مطربة مثل نانسي عجرم فاق بكثير إجماعهم علي العديد من القضايا الوطنية والقومية. ما رأيكم دام فضلكم؟

() كاتب مصري