اخترنا لكم >قصة قتل غير معلنة... بتوقيع مزدوج
قصة قتل غير معلنة... بتوقيع مزدوج
قصة قتل غير معلنة... بتوقيع مزدوج


نديم جرجورة السفير 25-7-2009

عاشت فرنسا، في الأسابيع القليلة الفائتة، حالة من الصدمات المختلفة، المتأتية من ماضيها القريب. كأن هناك من قرّر فتح القبور، انتقاماً لمقتل أبرياء، أو ثأراً من نظام سياسي ديموقراطي متورّط في صفقات مشبوهة وغارق في فساد مالي وأخلاقي. فبعد أيام قليلة على نشر معلومات شبه مؤكّدة أفادت أن الاعتداء الإرهابي على باص في كاراتشي، الذي أدّى إلى مقتل أحد عشر فرنسياً يعملون باسم «إدارة المنشآت البحرية» في صنع ثلاث غواصات فرنسية من نوع «آغوستا» لحساب باكستان، لم تنفّذه «القاعدة» بل أجهزة استخباراتية باكستانية، انتقاماً من جاك شيراك، بسبب توقّفه عن دفع الأموال المتّفق عليها «من تحت الطاولة»؛ ثم برزت على السطح «فضيحة» ثانية لا تزال أصداؤها تتردّد بين جانبي البحر الأبيض المتوسط: الجزائر وفرنسا.
من قتل الرهبان الفرنسيين السبعة، الـ«لاترابيون» (رهبان تابعين لنظام دير لاتراب، ممتنعين عن الكلام طوال حياتهم) في منطقة تيبيرين في الجزائر، في 21 أيار 1996، أيام الحرب الأهلية الدائرة حينها بين الدولة الجزائرية وأصوليين إسلاميين: مسلّحون منتمون إلى «الجماعة الإسلامية المسلّحة»، أم جنود تابعون للجيش الجزائري؟ ذلك أن الصحيفة الفرنسية «لو فيغارو» نشرت، في 6 تموز 2009، معلومات مفادها أن هؤلاء الرهبان قُتلوا على أيدي جنود الجيش الجزائري أثناء عملية تمشيط لمواقع خاضعة لسيطرة «الجماعة الإسلامية المسلّحة»، بعد شهرين على خطفهم من قبل الجماعات نفسها. والأسوأ من ذلك، أن الجنود الذين اكتشفوا فداحة ما فعلوه، قطعوا رؤوس الرهبان وأخفوا أجسادهم كلّها الممزّقة بنيرانهم، واتهموا الجماعة بتصفيتهم. والمعلومات هذه متأتية من اعترافات الملحق العسكري الفرنسي السابق في السفارة الفرنسية في العاصمة الجزائرية بين العامين 1995 و1998 الجنرال فرنسوا بوكوالتر، الذي أكّد لقاضي مكافحة الإرهاب مارك تريفيديك، في 25 حزيران 2009، أنه أرسل تقريراً إلى وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامّة والسفير الفرنسي حينها في العاصمة الجزائرية ميشال لوفيك، جاء فيه أن القتل تمّ أثناء عملية عسكرية ضد معسكر للجماعة، بناء على ما أخبره إياه صديق جزائري له يعمل في أجهزة أمنية جزائرية ومدرَّب مثله في مدرسة «سان سير»، نقلاً عن شقيقه الجندي المُشارك في العملية بصفته قائد سرب طائرات هيليكوبتر تابع للمنطقة العسكرية الأولى المتمركزة في بليدا، والشاهد على الجريمة وتفاصيلها: «حلّقت طائرات هيليكوبتر تابعة للجيش الجزائري فوق معسكر للجماعة المسلّحة وأطلقت نيرانها. ثم اكتشف الجنود أنهم لم يقتلوا أعضاء الجماعة فقط، بل الرهبان أيضاً. بعد أن حطّت الطائرات (على أرض المعسكر)، اكتشف الجنود (...) أن أجساد الرهبان منخورة بالرصاص. اتصلوا عبر أجهزة اللاسلكي بالمركز الأمني في بليدا».
هذه القصّة رواها الجنرال السابق، الذي أضاف أن المسألة لم يُحقَّق فيها. غير أن المجلة الفرنسية الأسبوعية «إكسبرس» نشرت، في عددها الصادر بتاريخ 16 تموز 2009، تصريحاً لشارل ميّيون، وزير الدفاع الفرنسي بين العامين 1995 و1997، نفى فيه حصوله على تقرير كهذا: «لم يتمّ إعلامي أبداً بوجود تقرير كهذا مُرسَل من الملحق العسكري في السفارة الفرنسية في الجزائر العاصمة متعلّق بمصير الرهبان. لا أعرف الجنرال بوكوالتر، واسمه مجهول من قبلي. إذا وضع تقريراً، فإن هذا الأخير لم يصلني. بالنسبة إلى فرنسا، في تلك المرحلة، فإن مفتاح هذه المأساة موجود في الجزائر. إذا كانت ذكرياتي دقيقة، فإن هذه المأساة لم تُفحَص في مجلس الدفاع. لم يُخبرني أحدٌ عن عملية تمشيط للجيش الجزائري، ولا أفهم أبداً لماذا أعيد إظهار هذه المسألة الآن». وقبل تسعة أيام فقط على هذا التصريح الفرنسي، نشر الصحافي الجزائري مقران آيت عرابي في الصحيفة الجزائرية «الوطن» مقالة وصف فيها أقوال الجنرال الفرنسي بأنها «مجرّد هذيان»، مشيراً إلى أن المنطقة التي أقيم فيها الدير شهدت، في مراحل سابقة على عملية الخطف، مجازر متفرّقة، منها تلك التي وقعت في 14 كانون الأول 1993، التي ذُبح فيها اثنا عشر عاملاً كرواتياً على بُعد كيلومترات عدّة من الدير نفسه.
قبل عملية التمشيط العسكري تلك بشهرين اثنين تقريباً، أي في ليلة 26 ـ 27 آذار 1996، قامت «الجماعة الإسلامية المسلّحة»، التي كان يقودها جمال زيتوني حينها، بخطف الرهبان من ديرهم المعزول في جنوب الجزائر والمعروف باسم «سيّدة الأطلس»، ليُبادلهم بمعتقل لدى الدولة الفرنسية، بحسب ما جاء في مقالة الصحافي الجزائري، الذي نقل عن أخبار منشورة في وسائل الإعلام حينها أن الجماعة نفسها بعثت رسولاً يُدعى عبد الله إلى السفارة الفرنسية في الجزائر العاصمة لبدء المفاوضات، وقدّم لممثل «الإدارة العامة للأمن الخارجي» (DGSE) شريط كاسيت سُجِّلت عليه أصوات الرهبان، بالإضافة إلى نصّ موقّع بأيديهم: «دام اللقاء ساعة ونصف الساعة. نظام اتصالات هاتفية وُضع في الخدمة مباشرة لتمكين الجماعة من الاتصال به. بدأت السفارة في المفاوضات من دون إعلام السلطات الجزائرية، التي بدأت من جهتها عملية بحث عن الخاطفين. بعد شهر واحد، أعلنت الجماعة في بيان لها أنها قطعت رؤوس المخطوفين في 21 أيار، متّهمة الحكومة الفرنسية بأنها «خانت» المفاوضات. لكن الحكومة الجزائرية رفضت تأكيد المعلومة». أضاف عرابي أنه «بعد تسعة أيام، أعلنت الحكومة الجزائرية العثور على رؤوس الرهبان فقط بالقرب من منطقة «ميدييا»، منفصلة عن الأجساد المختفية. وضعت الرؤوس على قماش من الساتان الأبيض وأرفق كل واحد منها بوردة»، وقال إن عمر شيكي، أمير الجماعة التائب، صرّح في العام 2001 أن زيتوني وأتباعه قتلوا الرهبان من دون موافقة الطرف الآخر في الجماعة نفسها: «بحسب شيكي، تشاجر هذا الطرف الآخر مع زيتوني وصفّاه في 26 تموز 1996». وطرح الصحافي الجزائري سؤالاً: «لو أن الرهبان تعرّضوا لرصاص أطلقه الجنود من طائرات الهيليكوبتر، كما قال الجنرال الفرنسي، فكيف حدث أن أحداً منهم لم يُصَب برأسه؟»، ونقل عن عسكري جزائري سابق رفض الإفصاح عن اسمه قوله إنه أثناء عمليات هيليكوبتر كهذه، يتم إطلاق النار على «إحداثيات» معينة، ما يجعل «معرفة من في داخلها صعباً».
في المحضر الرسمي الموقَّع في 25 حزيران 2009، نسب الجنرال الفرنسي السابق، بطريقة غير مباشرة، اغتيال أسقف وهران بيار كلافوري إلى السلطات الجزائرية: «هل تعرفون كيف قُتل؟ لقد بدّل تذكرة سفره في اللحظة الأخيرة، وهناك أناس قليلون جداً عرفوا الأمر. إن السلطات لم تكن تستسيغ نبرته الحرّة في التصدّي لها وللإسلاميين». وعبّر الجنرال عن قناعته بأن الأسقف «اعتقد بتورّط السلطة الجزائرية» في مقتل الرهبان السبعة. يتساءل الصحافي الجزائري: «هل يُمكن اعتبار هذا الأمر برهاناً على اتهام بالكاد تمّ الكشف عنه؟»، وأشار إلى أن الجنرال ليس وحيداً في الحملة المقامة ضد السلطات الجزائرية، لأن هناك رئيس الحكومة الفرنسية السابق جان بيار رافّاران، الذي قال: «يجب معرفة ما الذي جرى حقيقة. إنها مسألة مؤلمة جداً»، مطالباً، مع محامي القضايا المدنية باتريك بودوان، برفع السرّية عن المعلومات المتعلقة بقضايا الدفاع والأمن.
من ناحية أخرى، كتب كريستوف دوبوا، في الصحيفة اليومية الفرنسية «لو فيغارو» (6 تموز 2009)، أن أجهزة الاستخبارات الجزائرية مشتبهٌ بأنها، منذ العام 1996، تلاعبت بالجماعة الإسلامية المسلّحة: «هناك فريقا مفاوضات، بمقاربات مختلفة، دخلا على الخطّ، إثر خطف الرهبان: الأول بتكليف من رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك آلن جوبي، والثاني بتكليف من وزير داخليته شارل باسكوا وصديقه جان ـ شارل مارشياني العميل السابق في «جهاز التوثيق الخارجي ومكافحة التجسّس» (SDECE) المقرّب من الاستخبارات العسكرية الجزائرية». أضاف دوبوا أن خلافات حدثت بين الفريقين، وأن أخطاء وقعت أفضت إلى فشل المفاوضات وعدم حلّ مسألة الخطف: «الاتصال الوحيد الذي أقيم مع مبعوث من الجماعة الإسلامية المسلّحة جاء إلى السفارة الفرنسية في الجزائر العاصمة ضاع سريعاً». وأشار إلى أن اعترافات ضباط جزائريين وعملاء في أجهزة أمنية واستخباراتية جزائرية سابقين اعتمدت فكرة أن السلطات الجزائرية تلاعبت بالإسلاميين: «هناك شكوك جدّية تحوم حول شخصية أبو عبد الرحمن أمين، المعروف باسم جمال زيتوني، زعيم الجماعة الإسلامية المسلّحة، الذي يتحمّل مسؤولية الخطف وموت الرهبان»، مضيفاً أن هناك شاهداً أساسياً يُدعى عبد القادر تيغا (عميلا سابقا في «قسم الاستخبارات والأمن»، أي «الاستخبارات العسكرية» سابقاً) أكّد مراراً في الصحافة «أن الأجهزة الاستخباراتية الجزائرية لعبت دوراً في عملية الخطف، بتلاعبها بالجماعة الإسلامية المسلّحة. هذا الضابط السابق أكّد تحديداً أن الرهبان شوهدوا في ثكنة بليدا بعد خطفهم. لكن القضاء الفرنسي لم يستمع إلى هذا الشاهد أبداً». إلى ذلك، كتب الفرنسي جوزي غارسون في الصحيفة اليومية الفرنسية «ليبراسيون» (7 تموز 2009) أن الشهادة التي قدّمها الجنرال «تُشكّل عملاً متقدّماً ذا دلالة، ومتعلّقاً بنقطة محدّدة في مقتل الرهبان الفرنسيين: ظروف مقتلهم (دفعت) الجزائر العاصمة وباريس إلى نَسْبِه إلى «الجماعة الإسلامية المسلّحة»، على الرغم من العقبات كلّها»، مضيفاً أن الشهادة متأتية «من شخص ذي مصداقية، ومعترف بها تحت القَسَم، وهي دقيقة وصافية».