اخترنا لكم >خسر المسلمون بعد 11 أيلول... وربح الأميركيون
خسر المسلمون بعد 11 أيلول... وربح الأميركيون
خسر المسلمون بعد 11 أيلول... وربح الأميركيون

ميشال سبع

الروح الاستعمارية التي طبعت المهاجرين القدامى الى الولايات المتحدة الاميركية قبل ان تكون ولايات متحدة، طبعت في قسمات ابناء هذه الولايات خصوصاً، وانهم اساسا لا يؤمنون بأممهم ولا بأوطانهم، فهم اما مغامرون يبحثون عن الذهب، او النفط لاحقاً واما هم مجرمون مصدرون من بلادهم الى النفي، واما هم مارقون على القوانين وهاربون من العدالة.
هؤلاء أسسوا مجمعات ومزارع وشركات فيما بعد، وعندما اصبحوا قوة عظمى وادخلوا ذاتهم تحت قوانين خاصة بهم سيطروا على العالم نتيجة هرم البلاد الاستعمارية الأخرى امثال البرتغال واسبانيا وبريطانيا، وبشكل اقل فرنسا وايطاليا. هذه السيرة التي دخلت تارة باسم الدفاع عن حقوق الانسان والدول وتارة من خلال شركات النفط العملاقة وأخيراً باسم التكنولوجيا المعاصرة والكومبيوتر. وهذا كله لم يغيّر كثيراً في ذهنية الشعب الاميركي المتجمع من زوايا مهملات الدول، وما زالت الولايات المتحدة الاميركية، تحكمها ذهنية المغامرة والبحث عن الذهب والنفط. والدفاع عن حقوق الانسان انما يعني لها الدفاع عن حقوقها هي ومصالحها هي. وعندما قام الاتحاد السوفياتي تحكمه العقيدة الشيوعية معتبراً أن مفهومه للاستعمار لا يعني اكثر من تصدير الشيوعية والتبشير بها سائراً على خطى الاديان في تبشيرها او فتحها، عملت الولايات المتحدة على تفكيكه بعقيدة دينية اخرى مجاورة له وهذا ما جعله يسقط بالسلاح ذاته. وقد ظلت لفترة طالت كل القرن العشرين تحاول الولايات المتحدة الاميركية ان تلعب لعبتها خارج حدودها معتبرة نفسها محصنة ضد كل شغب كاف كي يرخي استكانة وسلاما في داخلها.
ما فاجأها هو ان تتحول القنابل العقائدية الموقوتة التي جهزتها ضد الروس الى داخلها، وكان ما كان من تفجيرات 11 أيلول التي غيّرت كل معادلاتها وحساباتها دون ان تغيّر في ذهنيتها وتركيبتها. لقد شعرت الولايات المتحدة الاميركية انها ليست محصنة كما تصورت ولا هي بعيدة عن الضربات كما ظنت، فراحت تعيد حساباتها وقررت الانتقال فورا الى الهجوم على مواقع ترى انها بؤر تصدير الارهاب إليها. ولأنها تدرك تماما ان المنبع لهذا الارهاب هو عناصرها التي صنعتها وجهزتها وهي في الاساس من البلاد الاسلامية فهي قررت ان تزرع جيوشها قرب تلك البلاد لسببين: الاول انها لا تريد ان تثير عواطف المسلمين فيتحدون ضدها وهم قوة بشرية وامكانات مالية هائلة، وثانيها كي تعمل على تهديدهم بغية استنزافهم والسيطرة على مواردهم.
وقد درس الجهابذة في علم النفس السياسي عندهم فرأوا ان تصدير الصراعات المذهبية في بلدان الشرق هو السلام الاقصى كي يتمكن الاميركيون من قطف ثمار الصراع تارة بائعين للأسلحة وطوراً لوضع اليد على منابع البترول ومشتقاته.
لقد ساعد الإرهابيون الوجوه البشعة في الولايات المتحدة الأميركية كي يكشفوا عن اقنعتهم البوليسية والاستعمارية ويأخذوا عطف العالم كي يتمكنوا من الانتقال بجيوشهم مباشرة فمتى كان يحلم الأميركيون بتواجد عسكري قوي قرب الحدود مع روسيا وايران او بقلب المنطقة العربية كما هو الحال في العراق ومتى كانوا يتصورون أنهم سيتمكنون من التواجد في المياه الإقليمية في الخليج العربي او بناء مراكز عسكرية متطورة في قلب صحراء الخليج.
ان تحطيم برجي التجارة العالمية في الولايات المتحدة الاميركية هو اشارة الى ضرب العنجهية الاميركية وتهديد الشعب الاميركي، لكنه في النهاية هو تحرير التجارة العالمية من بوتقة البورصة والاكتفاء بالعمولة الى وضع يد الولايات المتحدة الاميركية على مداخيل البترول في منطقة الخليج، من خلال التسلح وسباقه ضد الارهاب المحتمل لخلايا مخفية، ومن ثم اظهاره فيما بعد بأنه صار ارهاب دولة إسلامية.
ان توقيع صفقات التسلح ومليارات الدولارات والاكيد هو وضع اليد مباشرة على آبار البترول في العراق والتحكم في مسار اسعاره. ويقول اقتصاديون غربيون ان رفع اسعاره وتوفير السيولة للبلدان المصدرة للنفط هو تضخم في غير محله، لكنه يساعد على المزيد من الاستشارات والمشاريع الاستهلاكية التي ترعاها شركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة الاميركية. في الولايات المتحدة الاميركية هناك نكتة سمجة يقولها بعض الناس «اضربني لأحصل على تعويض» ومن المخيف التفكير ان هذه النكتة، يمكن ان تطبق على ما حدث في 11 ايلول. لكن الأخطر من ذلك كله ان هذه الضربة الارهابية سمحت للوبي الصهيوني والاميركي المتصهين ان ينشر من خلال امبراطوريته تشويهاً حقيقياً للإسلام، وبغضاً مقيتاً في نفوس الغرب تجاه المسلمين.
الاسلام المعتدل والشريك المحتمل للعولمة اصبح في موقع تحسين الصورة وهو الموقف الاضعف تجاه الغرب، في حين انه كان لعهد قريب الموقف الاقوى والذي كان الغرب يريد راحاته ومراعاته.
لقد اوجدت حادثة 11 ايلول مجموعة حلول للغرب الذي كان يعاني عقدة الشرق الاسلامي. فهو تمكن من حل عقدة الدخول الوحيدة على ارضه من خلالها، وحل عقدة الانفتاح الايديولوجي فصار الانفتاح مقبولاً ومتطوراً، وحل عقدة الاسواق في استهلاك السلع التقنية والسلاح وحل الكثير من الصعوبات الصهيونية في الجهد الذي كان يلزمها لمنع تقدم الإسلام والمسلمين تجاه التعاون مع الغرب.
في واقع الأمر فإن 11 ايلول لم تكن ضربة ارهابية موجهة الى الغرب ومصالحه بقدر ما هي ضربة ارهابية موجهة الى بلاد الاسلام والمسلمين، واذا كان الاسلام المعتدل، الذي هو وجه الاسلام الحق، يريد ان يحقق ذاته، فصراعه مع المتطرفين والمغالين في دعوات قتل الغرب وسحق الغرب وشيطنة الغرب، هو الباب الاساس لاعادة الاعتبار الى الإسلام والمسلمين. ومن كان في أهل بيته مهووساً او مدسوساً او جاسوساً فإن انهاء امره هو الاولوية في مصالحة الجيران او معاداتهم. واذا كان 11 ايلول هو حلول لعقد ومشاكل في الغرب فإنه اصبح عقدا كثيرة في بلاد الاسلام، وصار يحتاج الى جهابذة من المسلمين كي يجدوا الحلول المناسبة للظهور في العالم كرسالة سلام، كما هي حقيقته، لا كرسل ارهاب كما تحاول الولايات المتحدة الاميركية والمسيحية الصهيونية فيها ان تصوره.