اخترنا لكم >الدين ليس مهنة دنيوية
الدين ليس مهنة دنيوية

الدين ليس مهنة دنيوية

نسيب حطيط
السفير 28 8 2009

يشكل الدين عند البعض وسيلة للعيش الذاتي، الباذخ دون تعب أو عناء أو سعي للمعرفة لتعميمها بين الناس، وفق ما يفرضه الدين أصلاً. وسأحاول ضمن هذه المقالة انطلاقاً من أن المؤمن مرآة أخيه، ومن مبدأ النقد البناء للإصلاح وليس للفتنة، ومن منطلق الحديث الشريف (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت... لقطعت يدها) فإن ما تشهده الساحات الدينية والثقافية والاجتماعيــة في قرانــا ومدننا، توجب على أحد أن يشير بالبنان إلى قضية تجاوزت حدودها الاجتماعية والسلوكية، بغطاء ديني، ظاهر، وهي كثافة رجال الدين المعممين (عمامات بيضاء وسوداء) بحيث يتجاوز عدد رجال الدين في بعض القرى العشرة أو الخمسة عشر، ومتوسطها حوالى الخمسة، مما جعل العديد الإجمالي لرجال الدين عند الطائفة الإسلامية الشيعية يتجاوز حوالى ألف وخمسمئة رجل دين، أي بمعدل رجل ديــن لكل ألـف نسمة من عمر يوم حتى المئة عام، مما يشير في حال قام هؤلاء بمسؤولياتهــم الثــقافية والدينية والاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية إلى قيام مجتمع متكــافل ومتـضامن، محصن أخلاقياً وسياسياً، إلا أن الوقائع تدل على عكس ذلك، وحتى لا يفسر كلامنا اتهاماً أو يفهمه البعض خطأ فإننا نورد الوقائع التالية:
ـ إن الإسلام دين، لا يبعد معتنقيه عن السياسة، بما تمثل من مشاركة في تأمين النظام العام للناس والمصلحة العامة، وتأمين مقومات العيش الكريم وأن لكل مسلم، سواء كان رجلاً عادياً أو رجل دين، الحق في اعتناق الفكرة والنهج السياســي الذي يريد، ومعاداة من يريد من التنظيمات، بشــرط أن لا يخالف الأوامر الإلهية، والسنة النبوية لجهة موالاة الأعداء، والتحالف معهم، والعمل ضد بني دينه ووطنه، تحت شعار حرية الخيار الســياسي، وهذا مناقض لمبدأ العقيدة والهدف والوسيلة، بحيث يحول عمامته من رمز للتقوى والدعوة إلى الله، ورفع الظلم ومعاداة الظالم، إلى مساعدة الظالم من حيث يدري أو لا يدري، مما يفقده الأهلية الدينية، لأن يبقى ناطقاً رسمياً باسم الفكر الديني أو المنبر الديني، وإلا كيف يمكن القبول بأن ينضم عشرات رجال الدين في أقل من ستة أشهر طمعاً بالراتب والسيارة والعطاءات والحوافز، أو كيداً لبعض التنظيمات أو المرجعيات في صفوف احد التيارات السياسية المجاهرة بالتحالف مع أميركا وضد المقاومة وسلاحها، والقبول بالمخططات الأميركية، ومن ثم عندما لاحت بوادر انتهاء المشروع، انفضوا عنه معلنين تأييدهم الظاهري، لخيار المقاومة، وكأن المبادئ وحدود الحرام السياسي تتبدل وفق المعايير المالية والعطاءات المادية.
ـ يؤسس بعض رجال الدين، مشاريع خيرية ودينية، ويشكلون الجمعيات الدينية، لجمع التبرعات والأموال الشرعية لكفالة الأيتام والفقراء، والمشاريع الثقافية أو الاجتماعية، وتبقى في حياة المؤسس، تجمع وتغطي، وسرعان ما تتحول هذه المؤسسات التي جمعت باسم الدين، وباسم الطائفة، وباسم الفـقراء والمعوزين، ملكاً حصرياً لعائلته وأصهاره، وفي أحسن الحالات لبطانته، والأمثلة كثــيرة لمشاريع تعليمية، تحولت إلى مؤســسات عائلية حصرية، والحبل على الجرار، وهذا ما نجا منه الإمام المغيب السيد موسى الصدر الذي لم يسجل ملكاً له أو لعــائلته، بل جمعه باسم المجلس الإسلامي الشيــعي الأعلى، بالإضافة إلى مجموعة من العلماء والمجاهـدين الذين ضحوا بأنفسهم وما يملـكون من أجل الرسالة، في سبيل الله ودفــاعاً عـن الناس وعن الأوطـان.
إني أطرح ما أراه، وما يتناقله الناس في مجالسهم، ولا يتجــرأون على البــوح به، خوفاً من الحصار، أو اتهامهم (بالتجديف)، ويتساءلون.
ـ إن تأسيس بعض الحوزات الدينية، واستقبالها للطلاب الراغبين بالتعلم الديني، والتحصيل الحوزوي، لا يخضع للضوابط، وإن وجدت فليس من آلية لمتابعة هذا الطالب ـ رجل الدين، الذي ينتقل من الإطار النظري ـ الأكاديمي إلى الممارسة العملية والوقوع بالتناقض الخطير، بين المثاليات والوقائع، فيسقط معظمهم في التجربة وحديث الإمام زين العابدين (ع) (اللهم لا تخضعني للتجربة) مع ما يتمتع به من تقوى وعصمة.
ـ كان رجل الدين يعرف بتقواه وفقره، وتواضع منزلته، وزهده في الدنيا، أما اليوم ومع (بعض الاستثناءات) فإن منزل رجل الدين أو إمام البلدة، يمثل (إمام المنازل) وسيارته إمام السيارات، وعيشه عيش الملوك، متمايزاً عن بيئته بشكل فاضح حتى يتخيل للناظر إذا مر أمام اجتماع لرجال الدين، أنه أمام معرض للسيارات الفخمة..
ـ إن رجال الدين ليسوا معصومين عن الخطأ، سواء الهيّن أو الفادح، ومع ذلك فهم الشريحة الوحيدة في هذا العالم التي لا تخضع للمساءلة، حتى من أطرها الشرعية.
ـ إن عدد المساجد في بعض القرى تجاوز المسجد الواحد حتى الخمسة، لكن العمل الديني والفقهي والمعرفي لرجال الدين غير مؤثر وليس بالمستوى المطلوب، كما كان في السابق، حيث كان رجل الدين يتحمل وزر قرى عدة، ويحل المشاكل ويقوم بالواجبات الدينية من جنائز وأعراس وأعياد، ولا زلت أذكر الشهيد الشيخ راغب حرب في منطقة النبطية وغيره من بعض العلماء الذين كانوا يعملون لله وليس لتنظيماتهم أو مصالحهم.
ـ إن معظم رجال الدين ليسوا منتجين مالياً، وإنما يعيشون من الأموال الشرعية أو عطاءات الناس أو من رواتبهم الحزبية، وبالتالي فإن المال الشرعي العام يتحمل وزر معيشتهم مع عائلاتهم.
ـ أين هي الآليات القــضائية، الخاصة، لمحاكمة رجال الدين الذين يرتكبون الأخطاء، والأفعال السلوكية، فلم نسمع يوماً أن عوقب رجل دين أو استوضح، أو جرد من عمامته مع وجود مخالفات يعرفها أولو الشأن من مرجعيات دينية.
ـ أين هي الضوابط، لافتتاح الحوزات الدينية، واستقبال الطلاب حتى لا تبقى الأبواب مشرعة، أمام تفريخ (الديوانيات الدينية) في شقق أو بضعة غرف، ويطلق عليها اسم الحوزات الدينية التي تخرّج من سيطلق الفتوى التي تتناول دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.
الظاهر أننا على أعتاب مرحلة من (الإكليروس الديني) الذي يجد لنفسه العصمة والقداسة، ويفرضها على الناس، وإلا اتهمت بالكفر والإلحاد، بمجرد أنها اكتشفت عيوب البعض وخداعه وتقصيره.
عسى أن يبادر من بيدهم الأمر إلى العلاج الهادئ والحكيم، لما يتعرض له مشروع (العمامة الواعية) من إغراق (بالعمامة المهنة) أو (العمامة الوراثية) أو (العمامة الجاهلية)، فإذا ما انتشرت وانتصرت العمائم الثلاث الدخيلة، تعرض الدين للانحراف، والرسالة للضعف والناس للضياع، حينها يتمكن العدو من النصر، لأن سلاحاً أساسياً من أسلحتنا وهو (السلاح العقائدي) يكون قد فقد ذخائره من عقولنا وسلوكياتنا، والله من وراء القصد.

[ كاتب سياسي