اخترنا لكم >عندما تخفي الدول جرائمها... من يحاسبها؟
عندما تخفي الدول جرائمها... من يحاسبها؟
عندما تخفي الدول جرائمها... من يحاسبها؟

نصري الصايغ السفير 25-7-2009

في 21 أيار من العام 1996، أعلن عن مقتل سبعة رهبان «ترابيست» في منطقة بليدا في الجزائر. ارفق الخبر باتهام «الجماعة الإسلامية المسلحة».
هذا الخبر، لم يكن صحيحاً. «الجماعة الإسلامية المسلحة» كانت قد قُتلت في تلك الموقعة، وقتل معها، الرهبان السبعة.
بعد ثلاثة عشر عاماً، بدأت تظهر ملامح الفضيحة: الجيش الجزائري، قام بالتصفية. علمت فرنسا بالمذبحة، وصمتت.
في الثامن من أيار من العام 2002، تعرضت حافلة تقل فرنسيين، لهجوم انتحاري في كاراتشي، فقتل أحد عشر فرنسيا وجرح اثنا عشر. وبعد اعلان الخبر، اتُّهمت «القاعدة» بتنفيذ الهجوم، وحُملت المسؤولية.
هذا الخبر لم يكن صحيحاً ايضاً. «القاعدة» لم ترتكب هذا العمل. وبعد سبعة أعوام، فتحت الملفات في باريس، ليظهر ان هناك خيوطاً تقود الى مجموعة من الجنرالات الباكستانيين، خططت لذلك. وان فرنسا قد علمت بالأمر، وصمتت.
سبب الصمت: «هذا سر من أسرار الدولة»، وحماية لـ«مصلحة الدولة العليا». وتحت هذين العنوانين الكبيرين، تكذب الدولة، وتعطل الديموقراطية، وتمنع المساءلة وتنأى عن محاسبة مسؤولين كبار، كان لهم ضلع في الارتكابين.
بسبب هذين الحدثين اللذين هزا الحياة الفرنسية، وهددا بكشف متورطين في كتم المعلومات، والسماح باتهام من «جسمه لبيس»، كي لا يكشف القتلة واسباب إقدامهم على الجريمة... طرحت ملاحظات كثيرة أبرزها:
أولاً: إذا كانت الدولة تكذب على الاعداء، او على دول أخرى، وتشرع هذا الكذب، مهما كانت الجرائم المرتكبة، وتجد المبررات لهذا الفعل الشنيع، فكيف تفسر الكذب على مواطنيها، عندما يكون هؤلاء هم الضحايا؟ الا يقود ذلك الى نسف مرجعية الدولة وديموقراطيتها؟
ثانياً: من عادة الدول التي تدعي صيانة حقوق الانسان، كل انسان، في أي بقعة في العالم، أن تنظف سجلها، عبر عملية ديموقراطية، تطيح بمن اساء الى صورة البلد. فالولايات المتحدة الأميركية، اقدمت مراراً على غسل تاريخها من أحداث ارتكبتها، عبر تغيير اداراتها، من الرئيس الى اغلب معاونيه. وأوباما نموذج هذا التبديل، الذي اقنع عرباً كثيرين، بأن أميركا أوباما، أفضل من أميركا بوش. وهذا وهم عاقبته وخيمة. فماذا ستفعل فرنسا، بعد افتضاح أمر هاتين الجريمتين، أولا إزاء شعبها، وثانياً إزاء سمعتها الدولية.
ثالثاً: يظل القضاء في الدول الديموقراطية، حصناً منيعاً، وسلطته فوق كل السلطات، إذا توفرت له عناصر على مستوى رفيع من الالتزام الحقوقي، وإذا كانت «حنبلية» جداً في تنفيذ قواعد القضاء. وهذا القضاء، برغم ما عليه أحياناً، لم يجبن أمام انتهاكات رؤساء جمهوريات وحكومات ووزراء وكبار الموظفين. ولا يبدو ان القضاء في المحاكم العربية، على هذه السوية. يفضل القضاء العربي ان يكون الصمت اساس الملك. فكم من ملف لا يجرؤ أحد على ان يفتحه، إلا إذا تأمنت له خطوط السلامة الدائمة.
رابعاً: ما حدود الانتهاك الذي تقدم عليه دولة؟ الأفراد، مهما بلغت قوتهم، ينتهكون مادة أو بعضاً منها، ويخضعون للمساءلة والمحاكمة والعقوبة. أما الدولة، المولجة بحماية الحقوق والواجبات، واقامة العدل بين مواطنيها، فترتكب ما لا يحصى من المخالفات، وأحياناً تبرر لنفسها عنفاً غير ضروري! ماذا يبقى من أخلاقيات السياسة وقيم الدولة، عندما تصبح الدولة، ببعض أجهزتها، شريكاً في جريمة أو صفقة أو فساد؟
هذا يحدث في الغرب. وهو بشع جداً ومخزٍ كثيراً. فماذا لو نظرنا الى واقع الجرائم المستدامة في العالم العربي. لهذا السبب ننشر هذا الملف، عل التعرف اليه يقودنا الى الاعتراف بما نحن عليه
يا إلهي!!! هذه غابة لا مدينة.

نصري الصايغ