اخترنا لكم >الطاقة النووية ومستقبل العالم العربي
الطاقة النووية ومستقبل العالم العربي
الطاقة النووية ومستقبل العالم العربي

بسام حمدون

12-7-2006


عند الحديث عن الطاقة النووية ينصرف التفكير على الفور نحو التسلح والقنبلة النووية من دون الأخذ بعين الاعتبار أن لهذه الطاقة كمثيلاتها من أنواع الطاقة الأخرى، العديد من الاستخدمات السلمية المفيدة التي أدركت الدول المتقدمة والنامية أهميتها في عملية التطورالعلمي والتنمية الاقتصادية. فمثلاً تُوفر الطاقة النووية حسب إحصائيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام ,2003 ما مقداره 75 من المئة و15 من المئة و30 من المئة من احتياجات الكهرباء لكل من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية واليابان تباعاً، كما أن لها دورا مهما في مجالات متعددة كالطب النووي، الزراعة والأبحاث العلمية... الى آخره.
وتتمتع الطاقة النووية بمميزات عديدة أهمها:
إن كمية الوقود المطلوبة لتوليد كمية كبيرة من الطاقة الكهربائية هي أقل بكثير من كمية الفحم أو البترول اللازمة لتوليد نفس الكمية، فعلى سبيل المثال طن واحد من اليورانيوم يقوم بتوليد طاقة كهربائية أكبر من تلك التي يُولدها استخدام ملايين من براميل البترول أو ملايين الأطنان من الفحم.
تُنتج محطات الطاقة النووية الجيدة التشغيل أقل كمية من النفايات المعروفة بالنفايات المشعة بالمقارنة مع أي طريقة أخرى لتوليد الطاقة، فهي لا تُطلق غازات ضارة في الهواء مثل ثاني اوكسيد الكربون أو اوكسيد النتروجين أو ثاني أوكسيد الكبريت، التي تُسبب الاحتباس الحراري والمطر الحمضي والضباب الدخاني. وُتوفر الطاقة النووية سنوياً مليون طن من انبعاثات ثاني اوكسيد الكربون في دول الاتحاد الأوروبي. أما بعد أحداث محطة تشرنوبيل عام 1986 رفعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من معايير الجودة حيث تم استحداث معامل وتقنيات مخصصة لمعالجة هذه النفايات بوسائل تضمن الى حد كبير السلامة العالمية.
إن مصدر الوقود النووي (اليورانيوم) مُتوفر بكثرة وبكثافة عالية في منطقة الشرق الأوسط وهو سهل الاستخراج والنقل، بينما مصادر الفحم والبترول محدودة ما يُساعد على أن تستمر محطات الطاقة النووية في تزويدنا بالطاقة لفترة طويلة بعد قصور مصادر الفحم والبترول عن تلبية حاجاتنا وتُؤمن بذلك مصادر بديلة للطاقة للأجيال القادمة.
وبناء على الحاجات التنموية المتصاعدة لشعوب الوطن العربي وما يُمكن أن توفره الطاقة النووية في خدمة الأهداف التنموية وزيادة الناتج القومي وتحقيق الازدهار الاقتصادي، يبقى السؤال القديم الجديد المتعلق بفشلنا كعرب في حيازة التكنولوجيا النووية مطروحاً ويحمل في طياته تساؤلات عديدة أهمها:
أولاً: لماذا فشلت الدول العربية حتى الآن في محاولاتها المتعددة منذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين في امتلاك الطاقة النووية على الرغم من توفر الامكانيات المادية والبشرية لذلك؟
ثانياً: كيف أمكن للدول العربية التخلي في سياساتها الحكومية عن امتلاك الطاقة النووية في ظل الصراع العربي الاسرائيلي وفي ظل تصاعد الانتشار النووي على الصعيدين الإقليمي والعالمي؟
ثالثاً: كيف يمكن للدول العربية إحداث نهضة وتطور في مختلف الميادين العلمية والتكنولوجية دون حيازة التكنولوجيا النووية التي أصبحت ضرورية في عملية التطور العلمي والتكنولوجي والتنمية الاقتصادية؟
في الواقع، لا تستطيع هذه الدراسة أن تُجيب إجابة وافية عن هذه الأسئلة، كما أنها لا تستطيع أن تفصل بين أبعادها بإجابات قاطعة، ولكن قد يكون بالقدر أن أُبدي وجهة نظري في سياق ضرورة أن يسعى العرب لحيازة الطاقة النووية حيث إن هذا الأمر بات لا مفر منه من أجل مواجهة تحديات المستقبل والتصدي لمشاريع الهيمنة الحديثة، أهمها مشروع <الشرق الأوسط الكبير>. إن موضوع الطاقة النووية العربية الفائق الأهمية والخطورة نظراً لأبعاده الوطنية، القومية والاستراتيجية، يجب أن يلقى الاهتمام والعناية المباشرة من القادة والعلماء العرب من خلال الادراك والوعي العميق لأهميته وامتلاك الارادة والعزم لتحقيق الآليات العملية التي توُدي الى حصول الدول العربية على هذه الطاقة.
فالبرغم من المحاولات العربية لحيازة الطاقة النووية بدءاً بالمشروع النووي المصري الذي بدأ طموحاً عام ,1955 وبدا أنه بإمكانه التوسع والنمو حيث تم تشكيل لجنة الطاقة الذرية برئاسة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بهدف الاستخدام السلمي للطاقة الذرية في مصر حيث تلاه عام 1957 اشتراك مصر عضواً مؤسساً في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحاولات عديدة لغاية العام 2002 لإنشاء محطة نووية لتوليد الكهرباء بقدرة 900 ميغاوات (900 الف كيلووات) بالتعاون مع كوريا الجنوبية والصين، مروراً بتجربة الجزائر التي بقيت متواضعة في هذا المجال حيث اقتصرت على صور للتعاون مع بعض الدول مثل المانيا، الارجنتين وكوريا الشمالية وباكستان لإنشاء مفاعلات بحثية، وانتهاءً بمأساة تجربة العراق حيث انتهى المشروع النووي العراقي بما يعرفه الجميع من تدمير العدو الصهيوني لمفاعل <اوزيراك> تدميراً شاملاً في السابع من حزيران عام 1981 واغتيال وتهجير مئات العلماء والأساتذة الجامعيين والفنيين بعد الاحتلال الأميركي للعراق بغية حرمانه من إمكانية النهوض قبل عشرات السنوات... بالرغم من كل ذلك، بقينا وحدنا نحن العرب من بين سائر الأمم الكبرى من دون حيازة الطاقة النووية والاستفادة من استخداماتها السلمية للأغراض التنموية، وبقينا تحت رحمة التهديد المباشر من العدو الغاصب باستخدام السلاح النووي.
ثانياً: قضية الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط:
لقد تشكلت قناعة راسخة وسط الشعوب العربية والاسلامية بأن أسلحة الدمار الشامل قد أصبحت إحدى الذرائع الخطرة في حروب السيطرة على موارد الأمة العربية، وبالتالي منع أي محاولة تقّدم وازدهار فيها مع العلم بأنه يحق لأي دولة في العالم استخدام الطاقة النووية من أجل الأغراض السلمية حسب قوانين الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فبينما تُساعد بشكل مباشر الدول الكبرى (أعضاء النادي النووي) وعلى رأسها أميركا وبريطانيا الكيان الصهيوني الذي رفض توقيع اتفاقية الحد من الانتشار النووي، في امتلاك وتعزيز قدراته النووية التي بلغت مستوى الدول الكبرى، نجدها تمنع الدول العربية التي وقّعت اتفاقية الحد من الانتشار النووي من ممارسة حقها الطبيعي في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.
هذا الأمر يطرح تساؤلات عديدة بات القسم الأكبر منها معروفاً لدى الجميع، نستعرضها كما يلي:
1 هل قضية الانتشار النووي على خطورتها هي قضية تهدد الدول الكبرى المالكة لترسانة نووية عظيمة منذ مطلع الستينيات أكثر مما تهدد الدول الصغرى في حال امتلاكها لها حديثاً؟
2 هل يُشكل مخزون كل الدول الصغرى مجتمعةً من أسلحة الدمار الشامل جزءاً يسيراً مما هو متوافر في إحدى ترسانات الدول الكبرى أو في ترسانة الكيان الصهيوني مثلاً؟
3 هل جاءت سنوات ما بعد الحرب الباردة لتحمل العالم الى بر الأمان، أم تعاظمت الأخطار وزاد التسلح خاصةً النووي منه وغير التقليدي؟
4 لماذا الاصرار بشكل مستمر على منع الدول العربية من ممارسة حقها الطبيعي في الطاقة النووية السلمية ومساعدة الكيان الصهيوني الغاصب بالرغم مما يملك من ترسانة نووية هائلة، وبالرغم من رفضه واستهزائه بكل المواثيق والأعراف الدولية؟
5 على فرضية أن إيران ما زالت خاضعة لغاية الساعة لحكم الشاه (محمد رضا بهلوي)، هل كانت أميركا وحلفاؤها سيقفون الموقف العدائي الحالي تجاه الجمهورية الاسلامية في إيران، مع العلم بأن أميركا كانت قد وافقت في ما مضى على تزويد الشاه بما يريد للعب دور الشرطي الممتاز في منطقتي الخليج والشرق الأوسط بالتنسيق مع العدو الصهيوني؟
ثالثاً: الخلاصة:
إن امتلاك دولة ما للتكنولوجيا النووية أو رغبتها في ذلك لا تعني بالضرورة أبداً نية هذه الدولة في الغزو والتدمير والسيطرة، إذ إن هذه التكنولوجيا أصبحت ضرورة ماسة في هذا العصر نظراً لأهمياتها العديدة في الاكتشافات العلمية، خاصةً أن المفاعلات النووية السلمية تُستخدم في أغلبيتها لإنتاج حزمة من النيترونات التي تملك خصائص مميزة لاختبار المواد الجديدة أو إنتاج النظائر المشعة من أجل الاستخدامات الطبية والصناعية... الى آخره. فعلم التكنولوجيا بات يُعرّف اليوم بالنانوتكنولوجيا Nanotechnolog حيث تصل دقة القياسات فيها الى 910 ٍeteْ أي ما نسبته واحد على مليار من المتر وتُساعد التكنولوجيا النووية بطريقة حاسمة في فهم هذا العلم الذي يُشكل العمود الفقري للاكتشافات العلمية الحديثةً.
لقد بات لزاماً على الدول العربية تشجيع العمل والتعاون في ما بينها الذي أصبح ضرورة في ظل التكتلات العالمية الاقتصادية. وأوضح تعبير على أهمية هذا التعاون ما أوردته د. ميرفت تلاوي الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الأسكوا) بقولها <التكامل الأقليمي هو الوسيلة الوحيدة ليبقى لهذه المنطقة رأي وكلمة على الأرض كلها>، واستغلال الطفرة النفطية في مجالات ذات مردود استثماري تنموي (الاقتصاد المعرفي) لإنشاء مراكز بحوث علمية ومفاعلات نووية لتلبية حاجاتها من الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحار خاصةً أن قسماً من الدول العربية كسوريا مثلاً ستكون مستوردة للبترول في السنوات القادمة والقسم الآخر يعاني من نقص حاد في موارد المياه الصالحة للري والشرب.
هذا بالإضافة الى أن الطاقة النووية ستؤمن قوة الردع اللازمة لتأمين الحماية من مشاريع الهيمنة الصهيونية العالمية أشدها خطورة مشروع <الشرق الأوسط الكبير> الذي يهدف الى <الفك> و<إعادة التركيب> لبلدان المنطقة العربية كي تتلاءم مع متطلبات هذا المشروع، وستعزز الوحدة الوطنية للبلدان العربية وستزيل حالة الاحباط التي يعيشها الانسان العربي ما يجعله أكثر فعالية وإنتاجية في مجتمعه.
إن الحروب القادمة هي حروب السيطرة على مصادر الطاقة والمياه. وقد نُقل عن زاي اورتنبرغ رئيس هيئة بحيرة طبريا قوله <إنه إذا ازداد نقص المياه في إسرائيل ولم تستطع التوصل الى حل المشاكل بالطرق السلمية، فلا بد من حلها بواسطة الحرب. هل هناك خيار آخر؟ الماء كالدم لا يمكن العيش بدونه>.
وبالرغم مما تملكه الحضارة العربية (الاسلامية المسيحية) من قيم ومبادئ إنسانية كونية بقينا وحدنا نحن العرب نتصرف كأننا أيتام مجد ضاع الى الأبد. فإلى متى؟

(?) أستاذ جامعي