اخترنا لكم >الساداتية والخمينية والشرق الأوسط الكبير
الساداتية والخمينية والشرق الأوسط الكبير
الساداتية والخمينية والشرق الأوسط الكبير

رياض صوما
السفير2005/12/06


في خضم الهجمة الأطلسية الشاملة على المنطقة، التي تجري تحت غطاء كثيف من الدعاية والتضليل الاعلاميين، تتواصل عملية تضييع وإخفاء الأهداف الحقيقية والوجهة الاستراتيجية للصراع الدائر في المنطقة وعليها. وتشارك في ذلك أنظمة وقوى سياسية إقليمية، بعضها مرتبط تقليدياً بالغرب، وبعضها ذو ارتباط مستجد، ومؤسسات إعلامية ممولة تمويلا جيدا، وبعض منظمات المجتمع المدني، وذلك من أجل تأهيل البنية الذهنية لأبناء المنطقة لتقبل ما يرسم لها بأقل قدر من الرفض والممانعة. ولنعترف بأن المخططين الغربيين، والاميركيون في مقدمتهم، قد حققوا حتى الآن تقدماً ملموساً على هذا الصعيد، وإن كان حسم المعركة الايديولوجية والسياسية والعسكرية ما زال بعيداً. فمن كان يتخيل، منذ عقد من الزمن، أن يتلقى ضباط عرب دروساً من ضباط إسرائيليين، في دورة عسكرية مشتركة، حول خبرات الأخيرين الميدانية في مجال اغتيال مناضلين فلسطينيين وعرب، في سياق ما فرض الاميركيون تسميته <<الحرب على الارهاب>>، وأن يتم ذلك دون احتجاج شعبي أو إعلامي يذكر. هذا مظهر بسيط من حجم الانجاز التاريخي الذي حققه كيسينجر والغرب واسرائيل، عندما مكنوا أنور السادات من أخذ مصر الى كامب ديفيد، حيث وقّع اتفاقيات الاستسلام المعروفة. ومنذ ذلك الوقت، صار الاعتراض على الاحتلالين الاسرائيلي في فلسطين، والاميركي في الخليج والعراق الخ...، لغة خشبية، وجموداً عقائدياً، وصارت مقاومة المحتلين إرهاباً يستحق التصفية دون محاكمة. ربما لم يتوقع كثيرون آنذاك، حجم التداعيات المدمرة على المنطقة ومستقبلها، بعد ضرب المشروع الناصري وتصفيته، وحجم التدهور الذي سيلي تلك الهزيمة. ولكن هذه هي <<الحقيقة>> الأكثر سطوعاً الآن، على امتداد المنطقة. فلنتذكر مقولات السادات، ونقارنها بما يجري، وبما يتردد راهناً على ألسن <<أصحاب القرار السياسي>> و<<قادة الرأي>>، بمن فيهم بعض الذين يتسترون بانتمائهم العروبي واليساري السابق. كان السادات يقول: <<ان كل أوراق الحل هي بيد الولايات المتحدة>>، وهم يرددون: ينبغي فهم المتغيرات الدولية، واحترام موازين القوى والتكيف مع الآحادية القطبية، وعدم الاعتراض على المجتمع الدولي وأحكامه، حتى لو أملاها بوش وشارون، وحتى لو أدت الى إلغائنا سياسياً وتفجير الحروب الأهلية لدينا. قال: <<ان سياسة الانفتاح الاقتصادي، وتصفية القطاع العام، ستجعل أولادنا يلعبون في النجوم>>، ويرددون: ينبغي ترشيق الدولة وخصخصة مؤسساتها، والاقلاع عن سياسات الدعم التي تخلت عنها كل دول العالم، وزيادة الضرائب، من أجل كسب ثقة الدول المتطورة، والاندماج بالسوق العالمية. قال: <<هذه هي آخر الحروب، وعلينا مسامحة أولاد عمنا الاسرائيليين والانضمام اليهم تحت المظلة الأطلسية...>> ويرددون: لا بد من التخلي عن الايديولوجيات الثورية، وتعميم ثقافة السلام وقبول الآخر، ورفض ثقافة الموت والاستشهاد الخ... قال: <<مصر أولا وأخيرا، فكل أزماتها الاجتماعية والسياسية، تعود الى التزاماتها تجاه الدول العربية التي تخلت عنها...>> ويرددون: سلطتنا اولا، فالقومية العربية أيديولوجية شوفينية رجعية مولدة ومبررة للاستبداد، الخ... (هذا لا يقال بالمناسبة عن القومية الكردية، أو عن المشروع الصهيوني، أو عن تيارات التعصب الوطني والطائفي والجهوي الضيق، بل على العكس، فإنها تمتدح، باسم التنوع والديموقراطية وحقوق الأقليات). ويمكن إجراء المزيد من المقارنات للتأكيد بأن السادات باق في ضمير ووجدان الكثيرين من رموز المرحلة، وأن الساداتية حية ترزق، في مجمل سياسات النظم العربية الرسمية، والملتحقين بها، خاصة أن الفورة النفطية الجديدة تنعش النهج الساداتي وتمده بأسباب القوة. ولكن في مقابل هذا التقدم الذي أحرزته وتحرزه الساداتية، بدعم أميركي وأطلسي مباشر، والذي أدى عملياً، الى تقزيم القاهرة، وتدمير بغداد، ومحاصرة دمشق، والى إفراغ المساحة العربية من قوتها ووزنها السياسي والاستراتيجي، اتجهت الخمينية في ايران اتجاهاً مغايراً. فعلى قاعدة مشروع ذي سمات ناصرية، ولو بظل منظومة أيديولوجية مغايرة، وقيادة سياسية مختلفة، اعتمدت خيارات مناقضة. فبينما اتجهت القاهرة الى الغرب، ذهبت طهران الى الشرق. وبينما كانت القاهرة تزداد ارتباطاً بواشنطن ولندن وباريس، وتطبيعاً مع الكيان الصهيوني، كانت طهران توثق علاقاتها مع بكين وموسكو ونيودلهي، وتزيد من اعتراضها على السياسات الغربية والاسرائيلية في المنطقة. وبينما أقدمت القاهرة على تصفية القطاع العام، أصرت طهران على الاحتفاظ به وتطويره. وفي الوقت الذي ارتكبت القاهرة، إرضاء للغربيين، خطأها بوقف التصنيع العسكري الذي كان متقدماً نسبياً بمقاييس المنطقة، واصلت طهران جهدها العلمي والصناعي في هذا المجال، لتقترب به من مستويات متقدمة، باتت تقلق اسرائيل والدول الغربية. والآن، بعد انتصار الرئيس محمد نجاد، تتجه الثورة الخمينية كما يبدو الى تجذير التوجهات المذكورة، لتكتسب مضامين أكثر تقدماً. ففي المجال الدولي تتجه للاقتراب أكثر باتجاه دور يشبه دور القاهرة الرائد أيام باندونغ. وتقتضي الموضوعية هنا، الاشارة الى أن التردد والتباطؤ يأتي من جهة العواصم الكبرى المشار اليها، والتي تبدو أقل حماسة من طهران في الاعتراض على السياسات الاطلسية العدوانية. وفي المجال الاقليمي، تبدو ايران أكثر حرصاً من أي وقت مضى على تحسين وتطوير علاقات حسن جوار مع دول المنطقة، حتى تلك التي لا توافقها الرأي، وقد أكد الرئيس نجاد ذلك في خطابه الاول بعد انتخابه. كما تبدو أحرص على المصلحة العربية العليا، من أكثرية الانظمة العربية المتهالكة لإرضاء اسرائيل وحماتها الأطلسيين. فدعمها واضح وصريح لسوريا والمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، وحتى في العراق، حيث تلتبس الأمور قليلاً، بفعل التعقيد الشديد للأوضاع، وبسبب آثار السياسات الفئوية والرعناء لصدام حسين، لا يخفى على المتابع للمشهد السياسي العراقي جوهر التوجه الايراني الهادف للاستفادة من إنهاك الاحتلال الاميركي، بطرق مباشرة وغير مباشرة، لتقليص دوره، وإقرار تسوية دولية إقليمية، تحفظ وحدة العراق وحقوق مختلف أطيافه. وهذا ما يفسر الحملة المتصاعدة ضد ايران من قبل أتباع الولايات المتحدة في المنطقة، والى العمليات الاجرامية المتواصلة ضد المدنيين العراقيين، الهادفة الى إشعال الفتنة الطائفية في العراق وقطع الطريق على احتمال كهذا. أما على الصعيد الايراني الداخلي، فيكفي مراقبة الالتزام الصادق لنجاد ببرنامجه الانتخابي، إن لجهة تعزيز القدرات الايرانية الاقتصادية والتقنية، أو لجهة الدفاع الحازم عن استقلال ايران تجاه الضغوط الغربية، أو لجهة التوجهات الاصلاحية المضادة لمستغلي السلطة والمنحاز لمصالح الفئات الشعبية.
لذا كان طبيعياً أن يتجه المشروعان الساداتي والخميني للتصادم التصاعد، وهما في الطريق الى ذلك. فتجد المنطقة نفسها، بعد هزيمة المشاريع النهضوية العروبية، وبسبب هامشية المشروع الوطني الاشتراكي الديموقراطي وضعفه، راهناً على الأقل، وبسبب عبثية المشروع الوهابي والمشاريع المشابهة وعقمها، أمام خيارين جديين وحيدين: المشروع الساداتي المستمر والمدعوم من قبل دول الخليج والأطلسيين، والمشروع الخميني المتجدد والمدعوم بشكل حذر من قبل الروس والصينيين. وكأن المنطقة تستعيد صورة الاستقطاب زمن الحرب الباردة مع تعديلات في الأدوار والمواقع والطروحات. فبينما كان الأطلسيون يخيفون المنطقة من السوفيات والمد الشيوعي، ها هم يخيفونها اليوم، من ايران والهلال الشيعي. وبعد تدميرهم لإمكانات العرب بواسطة اسرائيل تارة، وبواسطة جيوشهم الخاصة تارة اخرى، نراهم يوهمونهم بأن قوة أميركا واسرائيل قوة للمنطقة، وان قوة ايران خطر عليها. وهكذا نرى من جهة، كيف تتواصل خطوات التطبيع والتقارب التي باشرها السادات مع العدو الصهيوني، وكيف تستعاد الاجواء الاستفزازية التي رافقت حرب صدام حسين التي مولها الخليجيون بأمر أميركي، ضد الثورة الايرانية من جهة اخرى. بحيث تصبح استعانة العرب المجردين من سلاحهم ووحدتهم وحريتهم ومعنوياتهم وكرامتهم وثقتهم بأنفسهم، بالأميركيين والاسرائيليين، لرد <<أعدائهم الفرس>>، أمراً مفروغاً منه. وهكذا تتكرر ذات المخططات الغربية التآمرية تجاه المنطقة، التي سبق ووضعت العرب بوجه الأتراك، قبيل تنفيذ جريمة سايكس بيكو. وتتكرر أدوار السياسيين والعسكريين والاعلاميين المرتهنين للغرب، وبعضهم أحفاد السابقين. وليس أمام الراغبين في التأكد من هذا، سوى مراجعة الأرشيف العثماني.
ليس من المتوقع في ظل موازين القوى الراهنة أن تحسم هذه المواجهة بين الساداتيين وشركائهم والخمينيين وحلفائهم بالمدى القريب. لذا قد تتخذ صورة حرب الاستنزاف الطويلة، على شاكلة ما جرى في أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وليس بالضرورة أن تكون النهاية شبيهة. وستكون ايران مضطرة من أجل الصمود وربما الانتصار أن تكسب الحلفاء في المنطقة أولا والعالم ثانيا، مما يستدعي تقليص النزعات المتمركزة على الذات أيديولوجياً وقومياً، وتظهيراً أفضل للمحتوى الاستقلالي والاجتماعي للمشروع الخميني. إن للمنطقة وللشرق الاوسط الكبير، مصلحة استراتيجية وتاريخية في نجاح طهران بذلك، بعد استسلام أو تدمير أو حصار عواصم المنطقة.