اخترنا لكم >أفول إسرائيل: الكمية والنوعية وحرب تموز
أفول إسرائيل: الكمية والنوعية وحرب تموز
أفول إسرائيل: الكمية والنوعية وحرب تموز

اياد زيعور

أدهشتني عمتي، وأنا أضع البطاطا في صحنها، لما أخبرتــني بأننا في بلدتنا الجنوبية لم نكن نعرف تكنولوجيا زراعة البطاطا حتى نهاية الأربعينيات. ثم أردفت أنه في طفولتها وبعض صباها كنا نعيش حياة بدائية للغاية. ثروتنا كانت بضع أشجار تين وزيتون وقليلاً من الماشية، وكانت الأمية شبه شاملة.
والذي يزور بلدتي اليوم يعرف سبب دهشتي: فمن يرَ فراهة القصور والسيارات، النخب المتعلمة، الجمعيات البيــئية والانترنت يدرك كم هي جوهرية عمــلية التغــيير التي حدثت في جيل واحد. المثير أن هذا التــقدم الهائل الذي يعتبر عجائبيا من وجهة نظر تاريخية لا يبدو أنه يثير أي تقدير للذات أو تحسن في الوعي بشكل متناسب مع قيـمة هذه الإنجازات.
ليس الهدف من هذه المقالة الدعاية لبلدتي بل إبراز حجم التغيير الذي حدث منذ إنشاء دولة إسرائيل. أحاول أن أبين بأنه، بعكس مزاجنا السوداوي، فإن الكثير من الأمور تتحسن باتجاه انقلاب المعادلة التي أنتجت إسرائيل، ولكن بدون الوعي بهذا التحسن فإنه سيكون بلا قيمة في لعبة الصراع.
في البداية، كان الاستيطان الصهيوني مبنياً بشكل ما على النموذج الأوروبي الذي نجح في استراليا وأميركا: أوروبيون متحضرون ينتقلون الى أرض خصبة تسكنها شعوب بدائية، فيسيطر في النهاية الأكثر حضارة ويندثر البدائي. ولم يخفِ الصهيوني ذلك فهو دائما يصف نفسه بالمتحضر المحاط بالشعوب البدائية، بل إن قادة العدو في مذكراتهم حول حرب الـ48 ادّعوا أنهم انتصروا ليس لأنهم يملكون سلاحا أفضل أو رجالا أكثر بل لأنهم أكثر حضارة.
في ذلك الوقت كانت الفكرة تبدو مقبولة، فاليهود الغربيون حين كانوا يبنون الـ«إمباير ستايت» في شيكاغو في العام 1914، كانت الجثث تتعفن عندنا من الجوع. وحين كانت البي ـ 52 تجري أولى طلعاتها التجريبية في العام 49، كانت السطوح الترابية تدلف الماء علينا في الشتاء. ما زالت الـ«إمباير ستايت» معلما هندسيا عالميا حتــى الآن، وما زالت البي ـ 52 في الخدمة وهي ربما تقــوم الآن بغارات في أفغانستان لكننا لم نعد جائعـين. وفي الواقع فإن النساء عندنا لم تعد تلمس الطعام ليس لأنه غير متوافر، بل لأن الخادمات يقمن بذلك.
[[[
رهان إسرائيل على النوعية للـبقاء في مواجهة الكمية المعادية بدأ يخسر. فالكمية تتحول الى نوعية (مبدأ هيغل ثم ماركس). وتكمن قيمة العقدة الإسرائيــلية من المقاومة في لبنان، بأنه للمــرة الأولى لا تنتــصر النوعية الإسرائيلية على الكمية العربية (وهذا بحد ذاته مخيف لهم) بل إن النوعية العربية تنتصر على الكمية الاسرائيلية. الفارق الحضاري يتضاءل في الصراع العسكري والأمني وحتى القيادي والنفسي كما حدث في حرب تموز.
وليس من الضروري أن ينتـهي الفرق بالكامل، فمع فارق مقبول غالبا ما تنتصر الكمية عندما تقرر استخدام كميتها. كما الحال بين ألمانيا الصناعية وروسـيا الزراعية في الحرب العــالمية الثــانية. ألمانيا في ذلك الوقت كانت تمثل النـوعية أكثر مما هي إسرائيل اليوم. فهي التي اخترعت الحرب الخاطفة الممكننة «البليتزكريغ». ولم تصمد هولندا أمام هذه الحرب أكثر من أربعة أيام. طوال السنتين الأوليين من الحرب, لم تخسر ألمانيا أي معركة برية في حرب كان كل أسبوع منها يساوي كل ما خاضه العرب في الستين سنة الماضية من قتال. ويتوافق المؤرخون اليوم أن ألمانيا ظلت متفوقة بالسلاح والتكتيك معظم الحرب لكن كل نجاحاتها كانت تضيع وسط سيل الموارد الذي لا ينقطع من الحلفاء. هكذا هزمت الكمية الروسية النوعية الألمانية لأن الروسي وثق بكميته فأجاد استعمالها بالتكتيك والسلاح الذي كان أقل تقدما من نظيره الألماني لكن أسهل صناعة لينتج غزيرا (الكاتيوشا مثلا).
إن التغيير الذي يحدث ويقلص فجوة النوعية، كما تظهر حرب تموز، يعني أنه على المدى الطويل، إسرائيل هي كيان غير قابل للبقاء بدون الدعم الأمــيركي المباشر الذي يزداد كلفة بقدر ما يزداد تأثيـر العالم الإسلامي.
فلأميركا مصالح جوهرية مع العالم الإسلامي وهي تحتاجه في الاقتصاد. وتأتي الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية وصعود الصين كمنافس جدّي ينمو سنويا بعشرة بالمئة، لتجعل هذه المصالح أكثر حراجة. الدعم الأميركي لإسرائيل يسمم العلاقة مع العالم الإسلامي ويُدخل أميركا في أزمات مكلفة ( 11أيلول، حروب العراق وأفغانستان) ما كانت لتكون بهذه الصعوبة لولا جرح فلسطين.
بسبب هذه الكلفة، اليوم إسرائيل بالنسبة للغرب هي كيان تزيد خسائره على أرباحه، وبما ان الغربي داروينيّ حتى العظم فإنه لن يرحم الكيان الذي لا يصلح للبقاء وحده. أكثر ما يمكن فعله لكيانات كهذه هو أن تُعطى فترة سماح تزود فيها بالتنفس الاصطناعي حتى تؤمن صفقة ما تبقيها على قيد الحياة أو تسمح لها بالإفلاس بطريقة منظمة بدل أن تفلس بشكل كارثي.
[[[
يجهد الأميركي اليوم لتحقيق صفقة في الموضوع الفلســطيني تنهي الثمـن الذي تدفعه أميركا. في صفقة كهذه، المفترض أن تبيع إسرائيل بعض السيطرة على بعض الأرض مقابل القبول بهذا الكـيان وإنهاء القضية الفلسطينية التي تمثل بذرة الكراهية لأميركا.
لكن هل يجب أن يقبل العرب بهذا الثمن؟
الثمن بالمفهوم الاقتصادي المعاصر ينتج من التقدير النفسي للقيمة، فالسعر هو ما يقتنع الشاري بدفعه وهو أمر شديد التقلب كما تظهر البورصات اليوم. ولا يعبر الثمن بالضرورة عن الوضع الحالي للكيان بل يعتمد أكثر على مؤشراته المستقبلية Trends. فالكثير من الشركات التي تخسر حاليا يمكن أن تكون أسهمها مرتفعة لأنه يُتوقع لها مستقبل جيد والعكس صحيح.
ولا تختلف طبيعة الثمن في الصراعات السياسة حيث العمل النفسي هو الأهم، فالهزيمة تحدث فقط عندما يقتنع طرف بأنه لن يستطيع أن يربح، والثمن الذي يدفع هنا هو نتيجة تقييم الطرف لقدراته وقدرات خصمه. الحرب اليوم هي إذاً على الوعي، فبينما تحاول إسرائيل أن تدعي بأنها اليوم في مجدها، فإن مؤشراتها المستقبلية ليست في مصلحتها. وبالتحديد فإن نتيجة حرب تموز التي أسقطت معادلة الكمية والنوعية تعني بأن اسرائيل قد فقدت مقومات بقائها وبالتالي فإن أي ثمن يدفع لها هو ثمن كثير.
إن الوعي بهذه الخلاصة وبأبعادها هو أهم من النتيجة العسكرية للحرب. لم يحلم الإسرائيلي يوماً بأنه قادر على المحافظة على تفوقه للأبد بل كان دائما رهانه على هندسة الوعي حتى يقبل بالثمن المتدني من خلال محاولة إقناعه بأن فجوة النوعية هي قدر لا يمكن أن يتغير. لم يتضرر هذا الرهان فقط في حرب تموز بل حتى الإيمان الغربي بقدرة هذا الكيان على البقاء قد ضعفت ليطرح السؤال عن جدوى الاستمرار بدفع كلفة كيان محكوم بالحتمية الدارونية.

[ أستاذ جامعي