اخترنا لكم >المقاومة تحمي من الاضطرابات النفسية؟
المقاومة تحمي من الاضطرابات النفسية؟
المقاومة تحمي من الاضطرابات النفسية؟

نجوى اليحفوفي

2006/11/04


أكدت الدراسات السيكولوجية على ارتباط الاحداث الصدمية بالاضطرابات النفسية، متمثلة بالصدمة والاضطراب التالي لها ولاحقا بالشعور بالقلق والاكتئاب. لكن المفارقة التي برزت انه وبعد تعرض الوطن للعدوان الاسرائيلي الذي فاق بهمجيته كل التصورات، وبعد تعرض المواطنين لشتى انواع الصدمات: كالمجازر والقتل، والقصف والتدمير، والتهجير، والحرائق، والاختطاف، والأسر، والخسائر المادية... اظهر جمهور المقاومة صمودا نادرا، بان بمعنويات مرتفعة نادرا ما سجلت تاريخيا. فما هي الاسباب الكامنة وراء المحافظة على توازنهم النفسي؟ لقد قدمت المقاومة نماذج نوعية فريدة، تمثلت أولا بالنموذج الحربي الميداني الذي حقق انتصارا ملأ كينونة المواطنين بالفخر والاعتزاز وساعدهم على تخطي المآزم المعيشة.
أقدم المواطنون على حشد طاقتهم تأييدا للمقاومة وتأكيدا على اعلان ولائهم للجماعة المرجعية القوية القادرة على تحرير الوطن وتوفير مشاعر الأمن والانتماء. لقد حطمت المقاومة نظرية <العجز المتعلم> التي خبروها طيلة 58 عاما والتي تعتبر ان الجيش الاسرائيلي لا يقهر. فالبطولات التي سطرها رجال المقاومة دفعت المواطنين الى التماهي بهم والاحتذاء بالنموذج المقاوم الذي يخفض من مشاعر القلق والاكتئاب (برهنت دراسة ميدانية قمنا بها أن المراهقين الجنوبيين اكثر تعرضا للاحداث الصدمية من اقرانهم الكويتيين لكنهم اقل اكتئابا). لقد التزم المواطنون بقضية المقاومة (تحرير الوطن وبناء الدولة) فدافعوا عنها مع ابنائهم المقاومين، مما غير من دلالة الازمات لديهم وجعلهم قادرين على تحمل المصائب والاحباطات.
اما النموذج البنائي الاجتماعي فتمظهر بالدعم والمساندة، اذ سارعت المقاومة الى تقديم الدعم المعنوي والمادي للمواطنين مما منحهم الشعور العميق بالمشاركة الوجدانية في نقلة نوعية عملت على انتشال الجماعة من الاحزان اذ وفرت البدائل التعويضية عن الخسائر المهولة التي لحقت بهم، وبذلك تكفلت بإبدال الانفعالات السلبية التي تضيّق افق التفكير وتحاصره في نطاق الاستجابات الدفاعية الهروبية للافلات من الخطر، بالانفعالات الايجابية التي توسع مجال السلوك والفكر وتتيح امكانيات النماء على الصعد الاجتماعية والنفسية، ان اعادة الاعمار المعنوي والمادي اتاحت امكانات الانطلاق تجاه الذات، والمحافظة على النظرة التفاؤلية. كما ساهم تمسك المقاومة بالقيم الدينية في منح المواطنين الصلابة النفسية متمثلة بالدعم الإلهي فمهما بلغ جبروت العدو وطغيانه يمكن ان يتحطم امام عظمة الخالق، حين دعت المواطنين الى ممارسة بعض الشعائر الدينية تهافتوا على قراءة الادعية بشكل غير مسبوق مما خفف من مشاعر التوتر والقلق لديهم، فالتدين يوفر الشعور بالطمأنينة والأمل ويتيح القدرة على مواجهة الاحباط وتخطي الصعاب، كما يزيد من الاعتقاد بوجود الأفضل والأحسن، ويدعم التوازن النفسي.
من جهة اخرى فقد لامست شخصية السيد حسن نصر الله حد القداسة اذ مثل نموذجا للتماهي بامتياز (والذي افتقدته الجماهير منذ رحيل القائد جمال عبد الناصر). لقد امتلك سمات القائد، فهو الأب الرمزي الذي يحمي ويوجه ويرشد، وهو المقاوم الذكي والشجاع الذي تحدى كل الاحداث الصدمية التي تعرض لها، وبادر ببسالة نادرة الى ادارة المعركة برجاحة عقل قل نظيرها. حث المواطنين على الدفاع عن مشروع الوطن المستقبلي الذي لا يتحقق الا بدفع الكلفة والذي يتخطى مشروع الكيان الوجودي الذاتي للفرد الى المجال العام، الأوسع والأرحب. أكد للناس أن النصر آت فأعاد اليهم منظومة القيم التي تبنوها تاريخيا، والتي اعتُبرت نوعا من سراب تخطاه الزمن. عاد <السيد> ليلهب مشاعر الجماهير ويفتح امامهم آمالا باستعادة الكرامة المهدورة، والافلات من الارتهان للشروط والاملاءات. اعلى قيمة الذات لدى المواطنين فهب الشعب العظيم الذي يصمد ويقاوم لاسترداد الهوية الضائعة. منحهم التفاؤل حتى لو بلغت الكلفة الشهادة فنحن امام صناعة تاريخ مجيد للأمة، فها هم على اتم الجهوزية لتقديم التضحيات. شعر المواطنون باسترداد الذات والكينونة المسلوبة منذ زمن مضى. عزز الأوليات الدفاعية لديهم فبدل الوقوع ضحية اليأس والاحباط، شعروا بالفخر والاعتزاز. تحدوا الاخطار وسارعوا للتبارك برؤية <السيد> يوم الانتصار. لقد فجر <السيد> لدى المواطنين إمكانات بذل الجهود والعطاء إلى اقصى حد فهم يمتلكون مهارات وقدرات تمكنهم من مواجهة المآزم والتحديات لتحقيق الاهداف. تخطى كل السمات التي حددتها الدراسات النفسية الاجتماعية للقائد وأعطى دروسا إضافية في فن القيادة. حتى اذا قدم نفسه قربانا للوطن، وحتى زيه احتل رمزية قدسية مميزة، فهذه عباءته التي لا تظلل الوطن فحسب بل كل احرار العالم، وهذه عمامته التي تختصر كل الكرامات وتؤذن بإعلاء صوت الحق وإزهاق الباطل، حتى <غبرة حذاء السيد> احتلت مقاما ساميا فافتدتها الجماهير بالغالي والنفيس. لقد حصنت المقاومة ممثلة <بسيدها> مقومات الصمود والصلابة النفسية لدى المواطنين ابان العدوان الاسرائيلي، فاطمئنوا الى ولائهم لجماعة مرجعية قادرة على توفير مشاعر الأمن والانتماء، وإلى قيادة حكيمة تمثلت <بسيد> ضاهت صورته كبار العظماء التاريخيين. هذا الدعم النفسي الاجتماعي ساهم في مواجهة الاضطرابات والصدمات النفسية التي تنتاب الفرد جراء الحروب فأبدت الجماعة مشاعر ايجابية بالتحدي والصمود والفخر بمقاومتهم وقيادتها.

استاذة جامعية