زبدة الأربعين حديثاً

 

 

تقديم

 

وفيه الخلاصة الأخلاقية والسلوكية لكتاب "الأربعون حديثاً" للولي الصالح الإمام الخميني رضوان الله عليه.

ومن جملة مواضيعه: جهاد النفس، الرياء، الحسد، الكِبر، النفاق، الغِيبة، الشكر.

 

يقع الكتاب في 287 صفحة.

 

 

الفهرس

مقدمة الناشر


5

المقدمة


7
الحديث الأول: جهاد النفس
11

جهاد النفس


12

التفكر


12

العزم


13

السعي للحصول على العزم


14

المشارطة والمراقبة والمحاسبة


14

التذكر


16

في معالجة المفاسد الأخلاقية


17
الحديث الثاني: الرياء
18

الرياء في العقائد


19

العلم يغاير الإيمان


19

في وخامة أمر الرياء


20

علاج للرياء


20

الرياء في العمل


21

تذكرة وتوبة


23

الرياء في العبادات الظاهرية


23

في دقة أمر الرياء


24

الدعوة إلى الإخلاص


27

في بيان حديث عَلَوي


29
الحديث الثالث: العُجب
32

معنى العُجب


32

مراتب العجب


33

أهل الفساد قد يُهجبون بفسادهم


35

حيل الشيطان دقيق


36

مفاسد العجب


37

حب النفس أساس العجب


39
الحديث الرابع: الكبر
42

درجات الكِبْر


43

من الأسباب الأساسية للتكبر


45

في مفاسد الكبر


47

صغر العقل من عوامل التكبر


48

في بيان معالجة الكبر


50

الحسد سبب للتكبر


53
الحديث الخامس: الحسد
54

اسباب الحسد


55

من مفاسد الحسد


56

جذور المفاسد الخُلقية


58

المعالجة العملية للحسد


58

كلمة أخيرة


59
الحديث السادس: من أصبح وأمسى والدنيا أو الآخرة أكبر همه
60

سبب ازدياد حب الدنيا


62

تأثير الدنيا في القلب


63

فقر أهل الدنيا وغنى أهل الآخرة


65
الحديث السابع: الغضب
67

القوة الغضبية الشريفة


68

قبح الإفراط في الغضب


69

علاج الغضب


70

معالجة الغضب باقتلاع جذوره


72
الحديث الثامن: العصبية
74

مفاسد العصبية


75

عصبيات أهل العلم


77
الحديث التاسع: النفاق
78

مراتب النفاق


78

معالجة النفاق


80

بعض أقسام النفاق


80
الحديث العاشر: إتباع الهوى وطول الأمل
83

الإنسان عند ولادته حيوان بالفعل


83

ذم اتباع الهوى


84

تنوع هوى النفس


86

طول الأمل يُنس الآخرة


86
الحديث الحادي عشر: الفطرة
89

معنى الفطرة


89

أحكام الفطرة


90

أصل وجود المُبدأ جلّ وعلا من الأمور الفطرية


91

توحيد الحق المتعالي وصفاته فطرية


92

المعاد فطري


93
الحديث الثاني عشر: التفكر
94

فضيلة التفكر


95

التفكر في المصنوع


95

التفكر في أحوال النفس


96

فضيلة صلاة الليل


97

التقوى


99

التقوى عند عامة الناس


100
الحديث الثالث عشر: التوكل
102

المقدمة فب معنى التوكل ودرجاته


102

الفرق بين "التوكل" و "الثقة"


104

الفرق بين "التفويض" و "التوكل" و "الثقة"


105
الحديث الرابع عشر: الخوف والرجاء
106

نظرتا الإنسان العارف


107

مراتب الخوف ودرجاته


108

الفرق بين الرجاء والغرور


110

لماذا تعادل الخوف والرجاء


111
الحديث الخامس عشر: البلاء
112

الإمتحان وآثاره


113

فلسفة إبتلاء الأنبياء والأوصياء والمؤمنين


114

الدنيا ليست بدار الحساب


116

البلاء على قدر الإيمان


117
الحديث السادس عشر: الصبر
118

أسير الشهوة وعبد الدنيا


119

تذكرة


120

معنى الصبر


121

نتائج الصبر


122

درجات الصبر


124

الدرجات العالية للصبر


125
الحديث السابع عشر: التوبة
127

مقدمة في التوبة


127

خطر التسويف في التوبة


128

موعظة: في اجتناب المعاصي أصلاً


128

أركان التوبة


129

التوبة النصوح


131
الحديث الثامن عشر: الذكر
132

ذكر الله تعالى


133

كرامة الذاكرين


133

التفكر والتذكر


134

ذكر اللسان وذكر القلب


135
الحديث التاسع عشر: الغيبة
137

تعريف الغيبة


137

حرمة الغيبة


138

المفسدة الإجتماعية للغيبة


139

علاج الغيبة


141

الأحسن ترك الغيبة في الموارد الجائزة


142

حرمة الإستماع للغيبة ووجوب ردّها


143
الحديث العشرون: النية
146

الخشية من الله والنية الصادقة أساس قبول الأعمال


147

تعريف الإخلاص


148

دوام الإخلاص بعد العمل


149
الحديث الحادي والعشرون: الشكر
151

حقيقة الشكر


152

كيفية الشكر


153

الشكر كما في النصوص الشريفة


154
الحديث الثاني والعشرون: الإنسان وكراهية الموت
156

المقدمة في كراهية الموت


157

فخّ وتغرير


158
الحديث الثالث والعشرون: المراء والجدال
159

شرح ألفاظ الحديث


160

طلب العلم


161

نتيجة المراء والخصومة


162

نتيجة التكبر وحب الرئاسة


164

علامات أهل الفقه والعقل


164
الحديث الرابع والعشرون: العلم
166

العوالم الثلاث وعلومها


166

شرح لمعاني الحديث


168

من هم العلماء الإلهيون؟


169

درجة العلوم المختلفة


171
الحديث الخامس والعشرون: الشك والوسوسة
172

صور من أعمال الموسوسين


173

علاج الوسوسة


176
الحديث السادس والعشرون: طالب العلم
178

إلتفاتة لطيفة


179

الملائكة تضع أجنحتها لطلب العلم


179

الإستغفار لطالب العلم


180

فضل العالم على العابد كفضل البدر على النجوم


181

العلماء ورثة الأنبياء


182
الحديث السابع والعشرون: حضور القلب
183

التفرغ للعبادة، وحضور القلب


183

حضور القلب بنظر أهل الإيمان


186

حضور القلب في الأخبار والآثار


187

التفرغ للعبادة والقلب الغني


190
الحديث الثامن والعشرون: لقاء الله
193

معنى لقاء الله عز وجل


194

الإنسان في حالة الإحتضار وسكرات الموت


196
الحديث التاسع والعشرون: وصية النبيب لعلي بخصال
199

الإهمية البالغة للوصية


200

أضرار الكذب


200

الورع ومراتبه


202

خطورة الخيانة وسمو الأمانة


203

بعض الأمانات الإلهية


205

الخوف من الله تعالى


206

درجات الناس في مراعاتهم لحضور الله تعالى


206

فضل البقاء


207

الثواب العظيم على العمل البسيط


208

نوافل الصلاة


209

صوم ثلاثة أيام من كل شهر


209

فضيلة الصدقة


210

إلتفاتة هامة


212

صدقة السر وصدقة الرحم والإكثار منها


213

فضيلة صلاة الليل


214

المحافظة على أوقات الصلاة


214

فضل تلاوة القرآن


216

آداب تلاوة القرآن


217

إخلاص النية في قراءة القرآن


218

الترتيل في التلاوة


219

رفع اليدين في الصلاة وسرهما


220

استحباب السواك


221

الأخلاق


222
الحديث الثلاثون: أقسام القلوب
225

إصلاح القلوب


226

قلب المؤمن أزهر


226

القلوب المنكوسة في عالم الآخرة


227

قلب المنافق وحقيقته


227

القلوب الغافلة وحقيقته


228
الحديث الحادي والثلاثون: إن الله عز وجل لا يوصف.. والنبي.. والأئمة.. والمؤمن
229

المقصود من النهي عن وصف الله عز وجل


230

مقامات الأنبياء والأولياء


231

توضيح جملة


231

معنى التفويض


232

مقام الأئمة عليهم السلام


232

الإيمان الذي لا يوصف


233
الحديث الثاني والثلاثون: الرزق
235

شرح عبارة، والمقصود بطلب الرزق


235

علامات أهل اليقين


237

آثار اليقين وآثار الشك


238
الحديث الثالث والثلاثون: ولاية أهل البيت
240

الجمع بين الأخبار الآمرة بالطاعة والعبادة والأخبار المخالفة في الظاهر


240

ولاية أهل البيت شرط لقبول الأعمال


242
الحديث الرابع والثلاثون: المؤمن
246

إلتفاتة


247

معنى التردد في حق الله تعالى


247

إصلاح المؤمنين بالفقر والغنى


249

آثار الفرائض والنوافل


249

إلتفاتة


252
الحديث الخامس والثلاثون: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
253

لأسماء الله سبحانه مقامات


253

كلام في الجبر والتفويض


255

الحق سبحانه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون


255
الحديث السادس والثلاثون: الصفات الذاتية لله سبحانه
257

عينية الذات مع الصفات


258

علم الله سبحانه قبل الإيجاد


258

ختام وتوضيح


259
الحديث السابع والثلاثون: عرفت الله بالله وعرفت الرسول بالرسول
260

الفرق بين العلم والعرفان


260

معنى: إعرفوا الله بالله


260

حمل الأحاديث على الفهم الرائج غير صحيح


262
الحديث الثامن والثلاثون: إن الله خلق آدم على صورته
 

الإنسان الكامل مظهر الإسم الأعظم لله جلا وعلا


264
الحديث التاسع والثلاثون: الخير والشر
267

الخير والشر في قضاء الله سبحانه


267

الخير والشر على أيدي العباد


268

حقيقة نسبة الخير والشر


269
الحديث الموفى للأربعين: سورة التوحيد والآيات الأولى من سورة الحديد
271

تفسير سورة التوحيد باختصار شديد


271

تفسير الآيات الستة من سورة الحديد باختصار


273

آخر الحديث


276

دعاء وختام


278
 

 

 

 

 

 

مقدمة الناشر

شخصية رائدة فذّة، جاد بها المولى عزَّ وجلَّ على المسلمين في زمن القحط والجفاف، فروى من معين فكره النيّر، وعلمه البحر، وموقفه الرائد، تلك الأرض العطشى فأينعت واعشوشبت، واخضرَّت أشجارها ونمت وامتدت أفنانها لتظلل الخافقين، وكان رجل فقه وسياسة، وقائد ثورة غيَّرت في أحوال المسلمين، ومفكراً عبقرياً وأستاذاً في شتَّى العلوم، انه الإمام الخميني "قدس سره".

وكلنا نعرف الإمام الراحل، ونعرف ما أنتجه فكره السياسي الجهادي من جمهورية إسلامية في إيران، ونعرف ما أنتجه فكره الثقافي والعلمي والفلسفي والفكري، ومما أنتجه فكره الفذّ كتاب (الأربعون حديثاً) الذي حوى أهم النظريات الأخلاقية والسلوكية.

وهذا الكتاب (زبدة الأربعين حديثاً) وهو تلخيص لكتاب الأم (الأربعون حديثاً) أراد المؤلف السيِّد سامي خضرا حفظه المولى من تلخيصه أن يكون مبسطاً ويسهل حمله، فيستفيد منه الجميع.

ونحن بدورنا نأمل أن يكون هذا الكتاب كما أراد له المؤلف سائلين المولى العلي القدير التوفيق له ولنا إنه نعم المولى ونعم النصير

دار المرتضى

9/رمضان/1415هــ

9/شباط/ 1995م

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى...

لماذا تلخيصً كتابِ الأربعون حديثاً للإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه؟!

... أما الكاتب فهو مَنْ هو... وكفى!!!

كيف لا؟ وهو محقق حلم الرُّسل والنبيين، ونتيجة جهادهم وتضحياتهم منذ آلاف السنين.

وهو الذي اختزنه ربي سبحانه وتعالى لسر إلهي... ولتَعْلمنَّ نبأه بعد حين..

وهو الذي كان فينا كالنبي في أُمته... ومَنْ كان مثله يسمى في الملكوت الأعظم عظيماً[1] (كما جاء في النصوص الشريفة).

وأما الكتاب، فلا بد هنا من عدة ملاحظات:

1-                             يحزُّ في نفسي وأتألم كثيراً عندما أنصح البعضَ بقراءة هذا الكتاب الشريف... فلا يفعلون متذرِّعين بضخامة حجمه، وصعوبة بعض أبحاثه، ودقة مطالبه، وخصوصية بعض مواضيعه الفلسفية والعرفانية...

وعلى كل حال يُحرمون من كنز عظيم... لو اكتشفوه لانتفعوا به في ملك دائم، ونعيم قائم..

فكان لا بد من تلخيصه تعميماً للفائدة... وتبليغاً لرسالات الله سبحانه.

2-                             ليكون في متناول طلاب الحوزات العلمية، والدورات التعليمية، والمدارس، وسائر الناس من كافة المستويات... وللمبلِّغين في المناسبات الإسلامية.

3-                             ليكون مبسَّطاً في صياغته بعيداً عن المصطلحات العلمية، والأبحاث العالية، التي لا يُدرك مدلولها إلا أهل الاختصاص...

4-                             ليسهل حملُه في السفر أو نقله أو إهداؤه أو الاحتفاظ به أو تناوله في أي مكان أو زمان...

5-                             ليذوق القوم شيئاً من حلاوته، فيطمعون في شهدِ عسله، ويأخذون بأصله... فيحمدون الله على ما رزقهم من فضله...

6-                             ليتصل الناس بهذا الرجل الشريف... فيتصلون بالسلسلة الذهبية للسلف الصالح، ومن ثم بالأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء... وحسن أولئك رفيقاً وشرفاً.

7-                             لأستعين به على تهذيب نفسي، من خلال التأمل وإمعان النظر وتفهُّمِ معانيه وأغواره وأسراره[2]...

8-                             ليكون حُجَّةً إضافية للذين يُصرون على عدم رؤية الشمس في رابعة النهار... فلا يهتدون سبيلاً... ويحسبون أنهم يُحسنون صنعاً... خسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

وختاماً:

أنا العبد الفقير، الموفق لتلخيص هذا الكتاب الإلهي، نِعَمُ اللهِ عليَّ لا تُعدُّ ولا تُحصى... وإن كان فيَّ شيءٌ من الخير، في زمن الفتنة هذا، فهو راجع للعبد الصالح، والإمام الحبيب، والشفيق الطبيب، قبْلةِ المريدين، وقدوة السالكين، وشيخِ العارفين، وإمام المريدين، وأُستاذ المجاهدين... فالفضل إليه، شآبيبُ رحمةِ ربي عليه، أعلى الله مقامه، ونشر في الجنان أعلامه...

أقلّ الناس

سامي خضرة

7 شهر رمضان 1415هــ

 

 

 

الحديث الأول: جهاد النفس

عن أبي عبد الله، الإمام الصادق عليه السلام أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، بعث سريةً فلما رَجَعوا، قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقيَ عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسولَ الله، وما الجهادُ الأكبر؟ قال: جهاد النفس.

الشرح: "السرية" قطعة من الجيش، ويُقال خير السرايا أربعمائة رجل.

مقدمة:

إعلم أن الإنسان له نشأتان:

نشأة ظاهرية دنيوية وهي بدنه، ونشأة باطنية غيبية وهي من عالم آخر، وهي النفس.

والنفس لها مقامات ودرجات... ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية تجذب النفس نحو الملكوت الأعلى، وتدعوها إلى السعادة، وجنود شيطانية تجذب النفس نحو الملكوت السفلي وتدعوها للشقاء...

فإذا تغلبت جنود الرحمن كان الإنسان من أهل السعادة والرحمة، وحُشر في زمرة الأنبياء والأولياء والصالحين.

وإذا تغلَّب جندُ الشيطان، كان الإنسان من أهل الشقاوة والغضب، وحُشر في زمرة الشياطين والكفار والمحرومين.

جهاد النفس

جهاد النفس، وهو الجهاد الأكبر الذي يعلو على القتل في سبيل الحق تعالى، هو عبارة عن انتصار الإنسان على قواه الظاهرية، وجعلها تأتمر بأمر الخالق سبحانه، وتُخالف قوى الشيطان وجنوده.

فإذا كانت حركات الإنسان وسكناته خاضعة لحكم العقل والشرع، في أُذُنه وعينه ولسانه وبطنه وفرجه ويده ورجله، فهو من أهل الصلاح والطاعة... وإذا خضع لا سمح الله لغير الشرع والعقل، فقد أصبح تحت سلطان الشيطان، وأصبحت قواه جندياً من جنوده...

التفكُّر

إعلمْ أن أول شروط مجاهدة النفس والسير باتجاه الحق تعالى، هو "التفكُّر".

والمقصود بالتفكر هنا أن يتفكر الإنسان في خالقه تعالى الذي أوجده وأنعم عليه ووهبه ما يُحيِّرُ العقول... هذا من جهة..

ومن جهة أخرى أرسل سبحانه الأنبياء وكتبهم ورسالاتِهم وأرشد إلى سبيل الهدى والاستقامة...

فما هو واجبنا تجاه مولانا تعالى؟!

وهل يعقل أنْ وجود هذه النعم فقط لإشباع الشهوات التي نشترك فيها مع الحيوانات؟!

وهل سلوك الأنبياء الكرام، والأولياء العظام، والحكماء... كسلوكنا نحن لا سمح الله المنغمسين في الشهوات؟!

إذا تفكَّر الإنسان بجدِّية، يعلم أن الهدف من الخلق أسمى وأعظم من هذه الحياة الحيوانية... فيترحم على نفسه ويلومُها على قضاء سني عمرها في الشهوات والنزوات التي تعقب حسرةً وندامة، ولا يصل إلى مُراده، تماماً، كما السابقين من أهل الدنيا الذين كانت متاعبهم وآلامهم أكبر من راحتهم وهنائهم.

ولا يوجد في الدنيا هناء وراحة لأي شخص، والواقع حولنا يشير إلى ذلك.

إسأل مَنْ يدَّعي العملَ لضمان حياته المادية: هل هو راض عن ظروفه، أم أنَّ المسكين ضحيةٌ للدنيا ويريد أن تكون مثله، فيُسْقِطك كما سقط.

وادعُ ربَّك بتوجه وتضرع أن يهديك في تفكرك إلى أداء واجباتك، التي هي أساس العلاقةِ بينك وبينه تعالى.

العزم

التفكر الصادق يؤدي بك إلى مقام آخر من منازل المجاهدة وهو مقام "العزم" والمقصود بالعزم أن يوطِّن الإنسان نفسه وبقرار جازم على:

أ‌-      أن يترك المعاصي ويؤدي الواجبات.

ب‌-  وأن يؤدي ما فاته في أيام حياته.

ت‌-  عندها يُصبحُ ظاهره إنساناً عاقلاً شرعياً، يُنظم سلوكه وفق ما يتطلبه الشرع، كظاهر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ويقتدي بالنبي صلى الله عليه وآله ويتأسى به في جميع حركاته وسكناته، وفي جميع ما يفعل، وما يترك.

وجعلُ الظاهرِ مثله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، أمر مقدور لأي فرد من عباد الله سبحانه.

ولا بد لكل طالب للمعارف والعلوم والأسرار الإلهية، من أن يبدأ بظاهر الشريعة، ويستمر في ذلك دوماً.

زمن هنا يتبيَّن بطلانُ بعض الجهلة المدَّعين أن الوصول للعلم الباطن يكون بترك العلم الظاهر، أو أن الحاجة تنتفي إليه.

السعي للحصول على العزم

واعلم أيها العزيز أن التجرؤ على المعاصي يُفقدُ الإنسان عزمه وإرادته، فإذا رحل عن الدنيا وهو على هذه الحال إلى عالم الآخرة وكشف الباطن، فلن يُحْشر على هيئة إنسان... لأنه ليس كذلك في الواقع.

يقول الأُستاذ المُعظَّم دام ظلُّه:

"إنَّ أكثر ما يسبب على فقد الإنسان العزم والإرادة، هو الاستماع للغناء".

إذاً عليك يا أخي أن تجتنب المعاصي، وتُهاجر إلى الحق تعالى، وتستعين بالله في الخلوات، وتستشفع برسول الله وأهل بيته الكرام عليهم السلام، ليحفظوك في المزالق الكثيرة التي تعترض في حياتك.

ومن الممكن أن يسقط الإنسان في مزلق مهلك، نعوذ بالله الحليم.

المشارطة والمراقبة والمحاسبة

وهي أُمور لا بد منها للمجاهد.

فالمشارطة هي معاهدة النفس من أول اليوم على عدم ارتكاب ما يُخالف أوامر الله تعالى وهذا أمر سهل يسير إنشاء الله، فاعزم وشارط وجرِّب.

والمراقبة هي التنبه طوال مدة المشارطة إلى أعمالك وحركاتك طبقاً لما عاهدت. وإذا عرض لك الشيطان وجندُه ووسوسوا في قلبك للقيام بما يُخالف أمرَ الله تعالى، فالعنهم واستعذ بالله من شرهم، وقل للشيطان: إنِّي اشترطت على نفسي أن لا أقوم في هذا اليوم، وهو يوم واحد، بأي عمل يُخالف أمر الله تعالى، وهو وليُّ نعمٍ كثيرة عليَّ لا تُحصى، ولو خدمته إلى الأبد لما أديتُ حقَّ واحدة منها...

ولا تنسى أن المراقبة مستمرة إلى الليل، إلى وقت المحاسبة، وهذا لا يتعارض مع عملك أو دراستك أو سفرك..

وأما المحاسبة فهي في ما إذا كنت صادقاً مع الله تعالى، فيما اشترطته على يومك، ولم تخن وليَّ نعمتك الذي لا ينساك من فضله ورعايته.

فإما أن تكون وفياً أو متهاوناً لا سمح الله.

فإذا كنت وفياً مخلصاً، فاشكر الله على هذا التوفيق، والنعمة الجديدة، وواظب على العمل، حتى يتحول مع الثبات عليه إلى ملكة راسخة، ويصبحُ العمل سهلاً يسيراً تقوم به بلا تكلف، وستحس عندها بالأُنس بالله تعالى، والتزام أوامره.

واعلم أن الله تعالى لم يكلِفْك ما لا طاقة لك به، وإن كان الشيطان وجنده يُصوِّرون لك الأمر على أنه صعب وعسير.

وأما إذا كنت متهاوناً ناكثاً، لا سمح الله، فيما اشترطت، فاستغفر ربَّك لفورك، واطلب العفو منه، واعزم علىعدم العود ثانية إلى ذلك، في يوم غدك.

التذكر

ومن الأُمور المعينة للسالك "التذكر" وهو عبارة عن ذكر الله تعالى ونعمائهز

واحترام المنعم وتعظيمه من الأُمور الفطرية... خاصة وإذا عظمت النعم وتعددت ولم يكن وراءها غرضٌ أو حاجة أو بدل منتظر.

ولو لاحظت نعمةً واحدة من النعم الكثيرة التي وهبك إيَّاها، لو اجتمع الجن والإنس على أن يعطوك شبيهاً لها لما استطاعوا، فهذا الهواء الذي تنتفع منه أنت وجميع المخلوقات والموجودات، ليلاً ونهاراً، ماذا لو فُقد؟! مَنْ يُعْطيك غير الله تعالى ذلك؟!

فكيف بالنعم الكثيرة التي يعجز عقلُك عن عدِّها فضلاً عن حصرها؟! كل هذا دون طلبٍ مَنَّا، ودون مَنٍّ منه سبحانه وتعالى.

كف وهو الخالق الرازق الحاضر العظيم... وكل قوة أو جارحة أو طاقة فينا، من نعمه تبارك وتعالى.

فعليك بأهل السلوك والأخلاق والحكماء، ولا تحكمْ على ما لا تفهم منهم بالبطلان، كما يفعل بعض الجهلة، فلأقوالهم وأفعالهم أصلٌ في الكتاب والسنة، وإنْ لم يطَّلعْ عقلُك عليه بعد.

ومن عجيب ما يُقال رداً على السالك إلى الله أو العارف بالله "إنَّ ذلك لا يتلاءم مع ذوقي" أو "لم يصل إليه علمي".

فيا أيُّها العزيز، أُدعو الله بتضرع وخشوع في الليالي المظلمة ليُعينك على الجهاد المقدَّس مع النفس.

في معالجة المفاسد الأخلاقية

ايُّها العزيز، إنهض من نومك، وتنبَّه من غفلتك، ما دام في العمر بقية، وشبابُك موجود... تغلبْ على الأخلاق الفاسدة بمخالفة النفس في كل واحد منها بكل عزم وجديَّة، واعمل عكس ما تطلبه منك الملكة الرذيلة.

وسترى النتيجة إنشاء الله بعد فترة وجيزة بتوفيق من الله سبحانه.

خالف الغضب بحسن الخلق، وإذا كنت من أهل الجدل والمراء، ورأيت الحق مع غيرك، فاعترف بذلك وصدِّقْ أقواله... وهذا ما يحصل كثيراً لنا نحن الطلبة، المبتلين بهذه الصفة القبيحة.

نُقل عن بعض أهل العلم والمكاشفة قولُه: لقد كُشف لي خلال إحدى المكاشفات، أن تخاصم أهل النار، الذي يُخبرُ عنه الله تعالى، هو الجدل بين أهل العلم والحديث.

فما أقبح أن تتحول مذاكرة العلم، وهي من أفضل الطاعات، إن كانت بنية صحيحة، إلى أعظم المعاصي بفعل المراء... ولماذا يُحرمُ المرءُ من شفاعة الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لأمر ليس فيه ثمر ولا أثر؟

إعلم أنه عندما تزول الأخلاق القبيحة من مملكة الروح بمخالفة النفس، وعندما يخرج الغاصب، يأتي صاحب الدار بلا مشقة... ويُصبحُ السلوكُ إلى الله يسيراً.

 

الحديث الثاني

الرياء

قال أبو عبد الله عليه السلام: كلُّ رياء شرك، إنه مَنْ عمل للناس، كان ثوابُه على الناس، ومَنْ علم لله، كان ثوابه على الله.

الشرح: الرياء هو عبارة عن إظهار وإبراز شيء من الأعمال الصالحة والصفات الحميدة... أمام الناس بهدف الحصول على منزلة في قلوبهم، والاشتهار بينهم بالصلاح والتدين، بدون نية إلهية صحيحة.

فقد يُظهرُ مثلاً العقائدَ الحقَّة، ليحتل منزلةً محبَّبة في قلوب الناس، كأن يقول "الأمر كلُّه بيد الله" أو يقول "لا أتوكل إلاَّ على الله" أو عند ذكر ذلك من الآخرين فإنه يتأوَّه ويهزُّ رأسَهُ للفت النظر إليه.

وقد يتعمد لإظهار الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة، ليُشير أمام السامعين إلى أنه من السالكين، فينظرون إليه بعين الإعجاب والتقدير.

الرياء في العقائد

إعلم أن الرياء في أُصول القائد والمعارف الإلهية، من أشد أنواع الرياء عذاباً، لأن صاحبه إن كان في واقعه لا يعتقد بما يُظهرُه فهو من المنافقين المخلَّدين في النار، وإنْ كان معتقداً بما يظهر، ويرائي، فهو وإن لم يكن من المنافقين إلا أن رياءه يؤدي إلى اضمحلال نور الإيمان في قلبه، ليكون مشركاً، ولكن في الخفاء، ويكون قلبُه للناس وليس لله، وقد يؤدي ذلك إلى خروجه من الدنيا بدون إيمان، لا سمح الله.

وليُعْلم أن الإيمان، ليس هو مجرد العلم، بل من الأعمال القلبية، وقد جاء في الحديث الشريف "كل رياءٍ شرك".

والنتيجة أن المرائي هنا، إمَّا منافق وإمَّا مشرك.

العلم يُغايرُ الإيمان

ما أكثر مَنْ يكون عالماً بالله والملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة... ولكنَّه. ليس بمؤمن.

والدليل: أن الشيطان عالم بكل هذه الأُمور وأكثر... لكنَّه كافر.

إذاً على مَنْ علم هذه الأُمور، أن يقبل بها، ويستسلم لها، ويُخْضعَ لها قلبُه... لكي يُصْبحَ مؤمناً.

وكُلَّما قوي نورُ الإيمان، كُلَّما زاد الاطمئنان في القلب...

ولا دخل للعلم في هذا أبداً... فالعلم في العقل، والتسليم في القلب.

وعندما تُكتبُ العبارةُ النورانية "لا إله إلا الله" على القلب، لا يتوقع السالك إلى الله تعالى من أي شخص، ومهما كان، لا يتوقع جاهاً ولا مالاً ولا منزلةً ولا شهرة.

وإذا رأيتم رياءً في قلوبكم، فاعلموا، أن الإيمان لَم يُباشرْ قلوبَكم بعد، ولم تستضىءْ بأنواره بعد.

في وخامة أمر الرياء

تأمل أيُّها المرائي، كيف أنك أعطيتَ مختصاتِ الحقِّ تعالى لعدوه، وهو الشيطان.

فظلماتُك لا نورَ بعدها، أيُّها المجرم، وشدائدُك لا فرج لها... ونارُ عذابِك، نار الله التي تتسلط على القلوب فتحرقها، وليس هناك نار تحرق القلوب سوى النار الإلهية، والتي يُخبرُنا عنها الله تعالى في كتابه المنزل في الآية الشريفة {نار الله الموقدة، التي تطَّلعُ على الأفئدة}.

أيُّها العزيز... فكِّر هل تستحقُ المحبوبيةُ الزائفةُ في أعين العباد الضعاف المساكين، أن تتعرض للغضب الإلهي، وتتخلى عن الكرامات غير المحدودة، والألطاف الربانية؟!...

وماذا تنتظر بعد ذلك سوى الحسرة والندامة؟!

علاجٌ للرياء

قلوبُ العباد جميعاً تحت تصرف الله جلَّ جلالُه، وتحت قدرته وسلطانه.

أما سعيك للحصول على المنزلة في قلوب الناس، فخارجٌ عن قدرتك تماماً لأنه سبحانه مالكُ القلوب جميعاً، والمهيمنُ عليها... فسعيُك غلى ضلال وخسارة.

وكُلُّنا سمعنا عن أشخاص متملِّقين ومنافقين، افتُضحوا وبان زيفُهم وكانت نتيجةُ سعيهم عكس ما أرادوا من نتائج.

ولقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في الحديث المبارك، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله عزَّ وجلَّ {فمن كان يرجو لقاءَ ربِّه، فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشركْ بعبادة ربِّه أحداً} قال عليه السلام:

"الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلُبُ به وجه الله، إنما يطلُبُ تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناسُ، فهذا الذي أشرك بعبادة ربِّه ثم قال: ما مِنْ عبدٍ أسرَّ خيراً فذهبت الأيامُ أبداً، حتى يُظهرَ الله له خيراً، وما من عبدٍ أسرَّ شراً، فذهبت الأيامُ ابداً، حتى يُظهرَ الله له شراً".

إذاً أيُّها العزيز، التمسْ قلوب الناس من مالك القلوب جميعاً سبحانه... وتجنَّبْ الفضيحةَ في محضر العدل الرباني أمام الأنبياء والملائكة وعباد الله الصالحين، عندما يتمنى الكافرُ قائلاً دون جدوى "يا ليتني كنتُ تراباً".

أيُّها المسكين، لقد استبدلتَ الذي هو خير بالذي هو أدنى، وأعلى عليين في الجنان، بظلمات الحسرة النيران... وسعيت لشهرة وهمية، وخسرتَ كراماتٍ إلهية.

الرياء في العمل

لإظهار الأخلاق الحميدة والملكات الفاضلة والتبرؤ ممَّا يُخالفها... وهذه وإن لم تكن بحجم المقام الأول، وهو الرياء في العقيدة، إلا أن نتيجته واحدة في دفع صاحبه نحو الكفر، والعياذ بالله تعالى.

يقول أستاذنا الشيخ محمد علي الشاه آبادي دام ظله:

"إذا تحرك السالك إلى الله تعالى بخطى وهوى النفس للحصول على قوتها وتسلُّطها، كانت رياضته باطلة، وهو متكبر وأناني ومعجب بنفسه، وعابد لها... ومع التكبر تكون العبودية لله تعالى وهماً وأمراً باطلاً ساذجاً ما دامت النفس مملوءةً بحب الجاه والشهرة والترأس على عباد الله سبحانه... فلا الملكات فاضلة، ولا الأخلاق إلهية، كما يُحاول إظهارَها.

والنتيجة الهالكة: عند فتح عيونكم البرزخية، فترون صورة الشيطان، وليس إنسان... ومن المستحيل لهذا أن تفيض عليه الأنوارُ الإلهية، والتوحيدُ الصحيح.

أما إذا تحرك السالك بخطى الحق وكان باحثاً عن الله تعالى، كانت رياضتُه شرعية، فتسقط عنه "الأنا"، ويزولُ عنه الغرور، ويأخذ الله تعالى بيده ويهديه.. قال ربي جلَّ جلاله {والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلَنا، وإنَّ الله لمع المحسنين}[3].

وورد في الحديث القدسي الشريف أن الله سبحانه يقول "لا تَسَعُني أرضي ولا سمائي، بل يَسَعُني قلبُ عبدي المؤمن".

فالمتصرف في قلب المؤمن هو الله تعالى، لا النفس وهواها... وليس قلبُ المؤمن متمرِّداً ولا تائهاً.

"قلبُ المؤمن بين إصبعَيْ الرَّحمنِ، يُقلِّبُهُ كيف يشاء".

وأنت أيُّها المسكين العابد للنفس، الذي تركت الشيطان يتصرف في قلبك كيف يشاء، أيُّ إيمان لديك؟...

فما دامت رذيلةُ الغرور موجودة فيك، فأنت كافر بالله، ومحسوب من زمرة المنافقين، رغم زعمك بأنك مسلمٌ ومؤمن بالله سبحانه.

تذكرة وتوبة

ايُّها العزيز! إستيقظ وانتبه وافتح أُذُنيك، وحرِّم نوم الغفلة على عينيك، واعلم أن الله سبحانه خلقك لنفسه كما ورد في الحديث القدسي.

"يا بن آدم خلقتُ الأشياء لأجلك، وخلقتُك لأجلي".

إجعلْ من قلبك منزلاً لربك تبارك وتعالى، وهذا شرفٌ لك... ولا تمنحْ قلبك لخصم الحق سبحانه، ولا تُشْرك في باطنك.. واعلم أن قلبك من النواميس الإلهية، فلا تدع الأيدي تمتد إلى حرمه وناموسه سبحانه... فالله غيور...

ماذا لو فضحك في هذا العالم، فضلاً عمَّا لو فعل ذلك أمام الأنبياء العظام والملائكة المقربين؟

صحيح أن الله العظيم "ستَّار"، لكنَّه غيورٌ أيضاً.. إنه "أرحم الراحمين" ولكنَّه "أشد المعاقبين" أيضاً.

إرجعْ إلى نفسك، وعدْ إلى الحق تعالى، فهو الرحيم... فلو أنَبْتَ إليه، فإنه يستر بغفرانه معاصيك وعيوبك.. ولا يُطْلعُ عليها أحداً..

سبحانه هو الغني عن إخلاصنا وإخلاص كلِّ الموجودات من حولنا.

الرياء في العبادات الظاهرية

هذا النوع من الرياء هو الأكثر شيوعاً، لأنه يتناولُ العامَّةَ من الناس، ونحن منهم، أهل المناسك والعبادات الظاهرية.

في دقة أمر الرياء

كثيراً ما يكونُ الشخص المرائي غافلاً عن خطورة حاله، وأن الرياء قد تمكَّن منه، لأن الإنسان مجبولٌ على حب النفس، وحجابُ حبِّ النفس هذا يستر عنه معايبهُ.

فطالبُ العلومِ الدينية مثلاُ، لو رغب في فهم مسألة علمية دقيقة، فقط ليُظْهرَها أمام العلماء والفضلاء، ويلفتَ انتباه الحاضرين إليه، خاصةً إذا نال شهادةَ إحدى الشخصيات العلمية البارزة، لينتصرَ بها على كل مبارز ومناظر...

يغفل هذا المسكين أنه تحوَّل عن طلب علوم الدين، وهو من العبادات والطاعات المهمة، إلى الرغبة في موقع قلوب الفضلاء والعلماء والحاضرين، حتى لو مُزج رياؤه بعدة معاصي مهلكة، كالتجرؤ على المؤمن وهتكه، أو إذلالِه، أو تحقيرِه وإيذائه... وكل واحدة من هذه الموبقات كافيةٌ لإدخال صاحبها إلى جهنم، والعياذ بالله تعالى.

ومن خطورة ودقة أمر الرياء، أن النفس تُلقي مرةً أخرى بباك كيدها، وتقولُ لك: إنَّ هدفك هو إعلانُ الحكمِ الشرعي، وإظهارُ كلمةِ الحق... وليس التكبر وحبُّ الظهور... فاسأل نفسك وأصدِقْها في لو أن غيرَك قال ذلك الحكمَ الشرعي، أو حلَّ المسألة العلمية، وكنت أنت المغلوب، أكان ذلك على حدٍّ سواء عندك؟ وتعترفُ له بالفضل، وتُسلِّمُ برأيه..

إذا كان كذلك فإنه صادق.. وإن لم يكن فاعلم أن الرياء عندك ما زال يفتك بمملكة قلبك ونفسك..

وإذا لم تترك النفسُ كيدَها، وقالت لك: إنَّ إظهار الحقِّ فضيلةٌ مُثابةٌ عند الله تعالى، وأنا أسعى للفضيلة والثواب.. فاسأل نفسك، لو أنَّ المولى سبحانه أنعم عليك بما ترغبين في حالة مغلوبيَّتشك وإذعانِك للحق وتسليمك لحجج الآخرين، فهل تصرِّين على الغلبة والفوز؟

فإذا كنتِ كذلك، وتميلين للشهرة بين العلماء وأهلِ الفضل، وكان نقاشُك للحصول على المكانة والترؤس... فاعلمي أنَّكِ مصرةٌ والعياذ بالله على المعصية... وأن الرياء في طلب العلم، الذي هو بذاته من أفضل الطاعات والقربات، تحوَّل بخبث النية إلى أسوإ الأعمال، التي صاحبها، بحسب الرواية، في سجين، وأنه شرك بالله تعالى... نستجير بالله.

إذاً فعليكم يا أهل العلم المتصدين لإصلاح الناس وإرشادهم إلى الآخرة، يا أطباءَ الأمراض النفسية، أن تُصلحوا سريرتكم أولاً قبل الناس، وإلا كنتم من أهل الضلال "العالم بلا عمل" وهو صنف معلوم الحال والعاقبة.

ألا ترون أن الشيطان الرجيم يدخل إلى قلوب بعض أئمة الجماعة، وبطرق مختلفة... مع أن صلاة الجماعة من العبادات العظيمة في الإسلام، ويسعى لسلب الإخلاص من قلوبهم بواسطة العجب أو الرياء، ويُصْبحون مشركين بالله، نعوذ بالله تعالى.

ألا تراه يُكْثرُ من الخضوع خاصة أمام المشهورين والمعروفين بالتقوى والدين؟

ألا تراه يتحدث أمام مَنْ غاب عن جماعته، عن ذلك المتدين، وحرصه على الائتمام به والمشاركة في جماعته؟!... بل يُظْهر الإمامُ الوُدَّ والمحبة في قلبه، لذاك الشخص، فيُصافحُهُ بحرص، ويبتسم في وجهه زيادة عن الآخرين، ليُداومَ على الحضور في جماعته.

ألا تراه يحرص بشكل خاص على التجار المحترمين، والمؤمنين المعروفين... كما لم يفعل من قبل مع أولياء الله من المستضعفين والمغلوبين على أمرهم.

أمَّا أنا وأنت من الذين نقصِّرُ في الحضور في صلاة الجماعة، ونُظهرُ الهمَّ والأسى لعدم توفر الظروف المساعدة للاشتراك بها... ويدفعُنا ذلك إلى الإساءة لجماعة المسلمين والطعن بإمامها أو بالبطَّالين المصلين فيها... وندَّعي الزهد والعزلة والتنزيه عن طلب الدنيا...

ولو أُتيح لنا ذلك لكُنَّا أشدَّ الناس حباً للجاه والمال والذات و"الأنا".

وهل يترك الشيطانُ اللعينُ المصلين المؤمنين وشأنهم... بل يدخلُ إلى صفوفهم كما دخل بإمامهم... ففضيلةُ الصفِّ الأول أعظم من سائر الصفوف، وجانب يمين الإمام أكثر فضلاً من جانب يساره.

مسكين هذا المتدين، الآتي من بيته البعيد، في البرد القارص أو الحر الشديد، كيف يوسوف له الشيطانُ وقوفَه على الجانب الأيمن من الصف الأول... ويُبرزُ شركَهُ الباطن، ويكونُ مصيرُه إلى "سجين"...

ولا يكتفي الشيطان بالإمام والمأموم، بل يستلَّط على بعض المصلين المنفردين عن الجماعة، المطيلين للسجود والركوع والأذكار... ولسانُ حالهم بتسويل شيطانهم "أنني متدين محتاط حتى أني أترك صلاة الجماعة ولا أُبْتلى بإمام غير عادل"...

هذا المسكين فضلاً عن أنه معجبٌ بنفسه ومُراء فإنه لا يعرف تكليفَهُ الشرعيَّ مثلاً، كأن يكون مرجعُه لا يشترط أكثر من حسن الظاهر في إمام الجماعة... فعمله ليس من أجل الحكم الشرعي بقدر ما هو من أجل الرياء أمام الناس.

 

الدعوة إلى الإخلاص

إذاً ايُّها العزيز، حاسبْ نفسَكَ عند كل عمل، وما هو الدافعُ للأعمال الخيِّرة الشريفة؟

ما الذي يدفعُكَ إلى السؤال عن أحكام صلاة الليل؟

هل تريد أن تتفهَّمَ أحكامَ صلاةِ الليل حقاً أو تُريد تعليم المستمعين والحضور... أم تريد أن توحيَ إلى الناس بأنك من أهل صلاة الليل؟!

لماذا تريد إخبار الناس عن عدد زياراتك للأماكن المقدَّسة؟!... أو الصدقات التي أرسلتها للفقراء والمساكين؟!...

وإذا كان ذلك بقصد أن يتأسى به الناس باعتبار أن "الدال على الخير كفاعله"، فهذا فعلٌ حسن، وعليك بشكر الله على هذا القلب الطاهر.

وعلى الإنسان أن لا ينخدع بمكر النفس وتصويرها أنَّ العمل المرائي هو عمل مقدس، مع العلم أن مكائد النفس خفيةٌ جداً... والشيطان أعطى لربِّه عهداً أنْ ليس له سلطانٌ على عباد الله المخلصين... فلما نرى أحياناً للشيطان سيطرةً علينا؟ والمفروض أن لا يصل إلى مساحتهم المقدَّسة... كما ذكر ذلك شيخُنا الكبير الشيخ محمد علي الشاه آبادي دام ظله العالي، عندما قال: "فإنَّ الشيطان كلبُ أعتاب الحضرة الإلهية، فلا ينبحُ في وجه من كانت له معرفة بالله، وكل الدار لا يُطاردُ معارفَ صاحب الدار، ولكن الشيطان لا يسمحُ بالدخول لِمَنْ ليستْ له معرفةٌ بصاحب الدار".

ويلٌ لأهل الطاعة والعبادة والعلم الذين يرون أنفُسَهم، في الآخرة، من أهل كبائر المعاصي، بحيث أن صحيفة أعمالهم تكون أشدَّ سواداً من صحائف الكفار والمشركين.

ويلٌ لِمَنْ يدخلُ بصلاته وطاعته وصدقته جهنم، نعوذ بالله تعالى.

أيُّها العزيز: أكتب على قلبك، ومهما عانيتَ، "أن لا مؤثِّر في الوجود إلاَّ الله"... أدخِلْ إلى قلبك التوحيد العملي، واختِمْ عليه بهذا الختم الشريف "لا إله إلاَّ الله"، وأفهْمه أن الناس لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، والله وحده هو النافع والضار، وإرادَتُهُ سبحانه قاهرةٌ لجميع الإرادات.

عندها تستأصل جذور الشرك، والرياء والنفاق من قلبك.

وعلى أي حال أطلب من الله الرحيم في كل حين، وخصوصاً في الخلوات، بتضرع وتذلل أن يجعلَ أعمالكَ خالصةً، وإذا وأتتك حالةُ السمو الروحي، فاذكر بالدعاء هذا العبد الضعيف البطَّال، الذي ضيَّع عمرَهُ في الهوى، وأصبح قلبُه بسبب المعاصي والأمراض القلبية بحيث لم تعدْ تؤثرُ فيه أيةُ نصيحةٍ، ولا رواية، ولا بهران ولا دليل ولا آية، لعلَّه يجدُ بدعائكم طريقَ النجاة، فإنَّ الله لا يردُّ دعاءَ المؤمنِ في حضرته، بل يستجيبُ دعاءَه.

أيُّها العزيز، أخضعْ أعمالَكَ وتعاملَكَ وحركاتِك وسكناتِك للملاحظة، وحاسب قلبَكَ حساباً شديداً، مثلما يحاسبُ شخصٌ من أهل الدنيا شريكَه، واتركْ كلَّ عملٍ فيه شبهةُ الرياء والتملق ولو كان عملاً شريفاً جداً، وإذا لم تستطع الإخلاص في واجباتك علناً، فأدِّها في الخفاء.. وقليل ما يقع الرياء في أصل الواجب والأغلب أن يقع في الخصوصيات والمستحبات والإضافات.

عليك بالجدِّ والمجاهدة تجنُّباً لغضب الله تعالى، واذكر الحديثَ الشريفَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال: "مَنْ تزيْن للناس بما يُحبُّ الله، وبارزَ لله في السر بما يكره الله، لقيَ الله وهو عليه غضبانٌ وله ماقت".

في بيان حديث عَلَوي

رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام ثلاث علامات للمرائي: "ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحدهُ، ويُحبُّ أن يُحمد في جميع أُموره".

بما أن الرياء سيئةٌ شديدةُ الخفاء، كان لا بد من ذكر علامات لها حتى تُعرفَ فتُعالج،.. فالمريض الذي يعتقد نفسهُ سالماً معافى، لا يؤملُ له الشفاء.

ومن جملة العلامات أن الإنسان يُدبر عن الطاعات، عندما يكون وحده، أو يتعبد بتكلف وبحسب العادة... بينما عندما يحضر في المسجد أو في الأماكن العامة تراه يُتقن عبادته بنشاط وسرور وحضور قلب... بل يُطيلُ في ركوعه وسجوده، ويؤدي المستحباتِ كاملة.

في مثل هذه الحالة تخدع النفس صاحبَها بأي وسيلة كانت، فتقولُ له مثلاُ، أنَّ العبادة في المسجد أعظمُ ثواباً، وكذلك لو كانت جماعةً، ليقتدي بك الآخرون، ويرغبون في الدين...

فهذا المسكين لا يُفكرُ في العلاج، ويعتقد أنَّه آمنٌ من الرياء، وهو في الواقع يرغب أن يظهر عملَهُ للناس، ويغفل عن ذلك، بدافع من تسويلات الشيطان، الذي يُصوِّرُ له تكبره وغروره في شكل ترويج للدين.

ألا ترى أن الإتيان بالمستحبات في الخلوات مستحب، فلماذا ترغب في تأديتها علناً؟!

ألا ترى أنه يبكي بحرقة من خوف الله تعالى في الأماكن العامة، لكن عندما يكون لوحده، لا تدمع عيناه؟! ماذا حدث لكي يذهب عنه خوفُ الله، إلاَّ بين الناس؟

وفي ليالي القدر يندب وينتحب ويصلي مئة ركعة ويقرأ دعاءَ الجوشن وأجزاءً من القرآن الكريم في وسط الجموع... وعندما يكون لوحده لا يفعل قليلاً من ذلك.

إذا كانت أعمالُه لأجل رضا الله تعالى، وخوفاً من النار، وشوقاً إلى الجنة... فلماذا يرغب وينتظر مدحاً من الناس؟! فتجدُ أُذُنَه متوجهة إلى ألسنتهم، ويفرح عندما يُقال: "ما أشد تدينَّه،... وهو حريص على المستحبات... ومستقيمٌ وصادق في معاملاته...".

ما دام الله سبحانه والجنَّةُ والنَّار هدفكَ الأصلي، فلماذا هذا الميل المفرط إلى الناس؟!

وهنا لا بد من ملاحظة مهمة جداً، وهي: أن للحسنات والسيِّئات درجاتٍ كثيرةً، وبعضها مختص بالأولياء والعارفين... وبعضها الآخر يعتبرُ نقصاً لهم وكمالاً لغيرهم، وكذلك تكون حسناتُ فئة سيئاتٍ لفئة أخرى...

فالرياء الذي هو موضوعنا، يعتبر التخلصُ منه كاملاً، بالإخلاص في جميع مراتبه.. من مختصات أولياء الله، بينما الآخرون ليسوا شركاء في هذه المرتبة... وعامة الناس تتصف بدرجة من درجات الإخلاص ليس نقصاً بالنسبة إليهم، وقد تكون نقصاً لمَنْ هو أعلى منهم... وهكذا..

مثلاً: ميلُ عامة الناس بحسب الغريزة والفطرة لإظهار الخير والأعمال الصالحة، أمر طبيعي، وإن لم يقصدوا إظهارها... وهذا ليس موجباً لبطلان العمل أو الشرك أو النفاق... وإن كان ذلك نقص للأولياء وشرك ونفاق لأهل المراتب العليا من الأولياء والعارفين، لأن التنزه عن مطلق المراتب هو أول مقاماتهم...

ولا مجال هنا للتفصيل أكثر...

أما قول الأئمة عليهم السلام أن "عبادتنا عبادةُ الأحرار" أي حباً لله تعالى، لا طمعاً بالجنَّة ولا خوفاً من النار، فهو من المقامات الاعتيادية بالنسبة إليهم، بل لهم في العبادات حالات لا يمكن أن تستوعبها عقولنا.

لذلك يُمكنُ الجمعُ بين الحديث الذي مرَّ معنا، والحديث المروي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام "سألته عن الرجل يعملُ الشيءَ من الخير فيراه إنسانٌ فيُسرَّه ذلك، قال: ثم لا بأس، ما من أحد إلاَّ وهو يُحبُّ أن يظهر له في الناس الخيرُ إذا لم يكن صنعَ ذلك لذلك".

 

الحديث الثالث

العجب

عن علي بن سويد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال، "سألتُه عن العجب الذي يُفْسد العمل، فقال: العجب درجات منها أن يُزيَّنَ للعبد سوءُ عمله فيراه حسناً فيُعْجبُه، ويُحسْبُ أنه يُحسنُ صنعاً، ومنها أن يؤمِنَ العبدُ بربِّه، فَيمُنَّ على الله عزَّ وجلَّ ولله عليه فيه المنُّ".

معنى العجب

العجب، حسب ما ذكره العلماء رضوان الله تعالى عليهم هو: "تعظيمُ العملِ الصالح واستكثاره... واعتبار الإنسان نفسه غير مقصر" وبذلك يظهر أنه غيرُ السرور بالعمل مع التواضع والخضوع لله تعالى وشكره سبحانه وطلب المزيد منه... وهذا أمر ممدوح.

نُقل عن المحقق الخبير والشيخ الأجل بهاء الدين العاملي رضوان الله عليه أنه قال: لا ريب أن مَنْ عمل أعمالاً صالحةً من صيام الأيام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك، يحصل لنفسه ابتهاج، فإن كان من حيث كونها عطيةً من الله له، ونعمةً منه تعالى عليه، وكان من ذلك خائفاً من نقصها، شفيقاً من زوالها، طالباً من الله الازديادَ منها، لم يكن ذلك الابتهاجُ عُجْباً، وإن كان من حيث كونها صفتَه، فاستعظمها وركن إليها، ورأى نفسَهُ خارجاً عن حدِّ التقصير، وصار وكأنه يمنُّ على الله سبحانه بسببها، فذلك هو العجب.

واعلمْ أن للعجب درجات:

الدرجة الأولى: العُجْبُ بالإيمان والمعارف الحقة، ويُقابله، العجب بالكفر والشرك والعقائد الباطلة.

الدرجة الثانية: العجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة، ويقابله، العجب بسيئات الأخلاق وباطل الملكات.

الدرجة الثالثة: العجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة، ويقابلها، العجب بالأعمال القبيحة والأفعال السيئة.

مراتب العُجْب

لكل واحدة من الدرجات أعلاه مراتب، بعضها واضحةٌ بيِّنةٌ، وتُعرفُ بأقل تنبه والتفات، وبعضها الآخر دقيق وخفي للغاية بحيث أنها لا تُعرفُ إلا بعد التفتيش الدقيق...

المرتبة الأولى: وهي أشد المراتب، فيها يمنُّ الإنسانُ بإيمانه وخصاله الحميدة على وليِّ نعمته تبارك وتعالى، فيتخيل أن دين الله قد اكتسب رونقاً جديداً بسبب إيمانه أو إرشاده أو أمرِه بالمعروف ونهيه عن المنكر... وأنه بفضل جهاده ومنبره ومحرابه، قد أضفى على دين الله بهاءً جديداً،.. وبحضوره للجماعة، وإقامة مجالس العزاء قد أضفى على دين الله جلالاً... ومن هنا أيضاً يمنّ على عباد الله من الضعفاء والفقراء بإعطائهم الصدقات الواجبة والمستحبة.

المرتبة الثانية: وهي التي يتدلل فيها الإنسانُ ويتغنَّج على الله تعالى... فيرى نفسَه محبوباً له سبحانه، كما يرى أنه في سلك المقرَّبين والسابقين والسالكين وأولياء الله...

وقد يُبدي التواضع رياءً... أو ينفي الأمرَ عن نفسه بطريقةٍ تستلزم الإثبات.

المرتبة الثالثة: حيث يرى نفسه، وبواسطة الإيمان أو الملكات الفاضلة أو الأعمال الصالحة، أنَّ له ديناً على الله وهو الثواب، ومن واجب الله أن يُعزَّه في هذه الدنيا، ويجعلَه من أهل المقامات في الآخرة... ويرى نفسه مؤمناً طاهراً، وحتى لو عامله الله بعدله، فإنه يستحق الثواب والأجر.

أما إذا صادفه بلاء، فإنه يتعجب من أفعال الله في حقه، كيف يبتليه، ويرزق المنافق، فيغضبُ ويعترض في باطنه، وإن أظهر الرضا في ظاهره،... ويغضب، والعياذ بالله، على ولي نعمته، ويتصنَّع بالرضا أمام الخلق.

المرتبة الرابعة: حيث يرى نفسه أفضلَ من سائر الناس بالإيمان، وأفضلَ من المؤمنين بكمال إيمانه، كما يرى في أعماله المستحبة وتركه للمكروهات، أن له امتيازاً على سائر الخلق... بل يراهم ناقصين، ويطعن بهم بقلبه ولسانه، ويتفرَّد بالرحمة الإلهية لنفسه ولأمثاله.

حتى الأعمال الحسنة التي تصدر عن الناس، يُناقشُها ويخدُشُها، حتى لا تُساوي شيئاً عنده... بينما أعمالُه خالصةٌ وعظيمة ومُنزَّهةٌ عن النقاش.

إنه يعرف جيداً عيوب الناس، ويغفل عن عيوبه.

وللعجب درجات أخرى، لم أذكرْ بعضها، وأكونُ غافلاً عن بعضها الآخر حتماً.

أهلُ الفسادِ قد يُعْجبون بفسادهم

يصل أهلُ الكفر والمشركون وذووا الأخلاق القبيحة وأهل المعصية أحياناً إلى درجة الإعجاب بزندقتهم وسيئات أعمالهم، ويرون أنفسهم متحررين بخروجهم عن التقاليد، التي ينسبونها للأوهام والخرافات، ويرون أن الأخلاق الحسنة نوع من الضعف والاستكانة وأنهم يستحقون المدح والثناء لأنهم متحررون غيرُ مبالين بالشرائع ولا يؤمنون بالخرافات.

أصبحوا يأنسون بأعمالهم القبيحة والسيئة فيرونها حسنة، ويعتبرونها كمالاً، وورد في الحديث الشريف في شأنهم:

"العجبُ درجات، منها أن يُزيَّنَ للعبدِ سوءُ عمله فيراهُ حسناً، فيُعْجبُهُ، ويحسبُ أنه يُحْسنُ صُنْعاً" وهذه إشارة إلى قول الله تعالى:

{أفمن زُيِّنَ له سوءُ عمله فرآه حسناً}[4] وقوله سبحانه:

{قل هل نُنبِّئكم بالأخسرين أعمالاً، الذين ضلَّ سعيهُم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يُحْسنون صُنْعاً، أولئك الذين كفروا بآيات ربِّهم ولقائه فحبطت أعمالُهم فلا نُقيمُ لهم يوم القيامة وزناً}[5].

هؤلاء جهلة، أخلاقُهم سيئةٌ، يعجز عنهم أطباءُ النُّفوس، ولا تؤثر فيهم مواعظُ العلماءِ والحكماء ونصائِحُهُمْ.

نعوذ بالله من شر النفس ومكائد الشيطان، الذي يُهوِّنُ المعصيةَ في قلب صاحبها، حتى يُكرِّرَها ويألفها، فتصغُرَ كبائرُ المعاصي في عينه، حتى يستهينَ بالشريعة، ويؤولَ إلى الكفر، نعوذ بالله سبحانه.

حيلُ الشيطان دقيقة

كما يتدرج أولوا العجب بالمعاصي من مرتبة إلى أُخرى حتى يصلون إلى الكفر، كذلك أهلُ العجب بالطاعات ينتقلون من الدرجة الناقصة إلى الدرجة العالية.

فالشيطان في تعامله مع أمثالكم من المتقين والمؤمنين، لا يطلب منهم قتلَ النفس أو الزنا، أو السرقة... بل يشقُّ طريقَه بدفعكم لالتزام المستحبات والأذكار والأوراد، ثم، وبدقة متناهية يُظهرُ عملاً واحداً من أهل المعصية، فيثبتُ لكم بحكم الشرع والعقل أنكم أفضلُ من هذا الشخص، وأنكم ناجون طاهرون مُنزَّهون عن المعاصي... إلى أن تصلوا إلى نتجتين:

الأُولى: سوء الظن بعباد الله تعالى.

والثانية: العجب بالنفس.

والنتيجتان مهلكتان.

قولوا للشيطان والنفس: قد تكون لهذا العاصي، حسنات، فيشملُهُ الله برحمته، ويؤولُ إلى حسن العاقبة. بل لعلَّ الله ابتلاه بالمعصية حتى لا يُبتلى بالعجب الذي هو أسوأُ من المعصية،... ورد في الحديث الشريف: "إنَّ الله علم أنَّ الذنب خيرٌ للمؤمن من العجب، ولولا ذلك ما ابتلى مؤمناً بذنب أبداً".

ولعلَّ عملي أنا يؤول إلى سوء العاقبة، بسبب سوء الظن هذا.

وكان شيخنا الجليل العارف الكامل الشاه آبادي، روحي فداه يقول:

"لا تعيبوا على أحد حتى في قلوبكم، وإن كان كافراً، فلعلَّ نور فطرته يهديه، وتصيرون إلى سوء العاقبة، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غيرُ التعبير القلبي" بل كان يقول: "لا تلعنوا الكفار الذين لا يُعلمُ بأنهم رحلوا عن هذا العالم وهم في حال الكفر، فلعلَّهم اهتدوا في أثناء الرحيل".

مفاسد العجب

إعلم أن العجب بالإيمان يُحبطُ الأعمال، ويُبتلى المؤمنُ بالمعصية لكي يُصْبحَ آمناً من العجب، الذي هو أشد من الذنب.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام "مَنْ دخلَهُ العجبُ هلك" وصورة ذلك بعد الموت تكون موحشةً ومرعبة للغاية، ولا نظير لها في الهول.

وأوضح نصٍ في هذا، قول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لأمير المؤمنين عليه السلام "ولاوحدَةَ أوحشُ من العجب".

سأل موسى بن عمران، على نبيا وآله وعليه السلام، الشيطانَ "أخبرني بالذنب الذي إذا ارتكبه إبنُ آدم، إستحوذتَ عليه، قال: إذا أعجبَتْهُ نفسُهُ، واستكثر عملَهُ، وصغُر في عينه ذنبُه".
فقال الله تعالى لداود عليه السلام "يا داود بشِّر المذنبين، وأنذرْ الصديقين، قال: يا رب، كيف أُبشر المذنبين، وأُنذرْ الصديقين؟ قال: يا داود بشِّرْ المذنبين أني أقبلُ التوبةَ وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين ألا يُعجبوا بأعمالهم، فإنه ليس عبدٌ أنصِبُهُ للحساب إلا هلك".

وعن الإمام الصادق عليه السلام أن الشيطان يقول: "إذا ظفرتُ بابن آدم في ثلاث فلا يُهِمُّني عَمَلَهُ بعد ذلك لأنه لن يُقبلَ منه: إذا استكثر عملَهُ، ونسي ذنبَه، وتسرَّب إليه العجب".

هذه بعضُ مفاسد العجب، وقد يؤدي إلى الكفر...

ومن مفاسده أنه يستصغرُ المعاصي، فلا ينهضُ أصلاً لإصلاح نفسه...
ومن مفاسده الاعتمادُ على النفس في الأعمال، والاستغناءُ عن الحق تعالى...

ومن مفاسده احتقارُ عبادِ الله، وأعمالهم... ويحسبهم لا شيء أمامه وأمام أعماله...

ومن مفاسده الرياءُ في الأعمال، فبضاعته الفاسدة التي لا تصلحُ للعرض، تدفعه إلى اصطناع الأعمال، وعرض النفس على الناس.

أيُّها المسكين: حينما تنتقل من الدنيا، وتغمض عينيك المادية إلى الأبد، ويشرق عليك سلطانُ البرزخ والقيامة، ترى بعض أهل الكبائر والمعاصي أفضل من حالك، حيث غمرهم الله برحمته الواسعة، بسبب ندمهم أو رجائهم... أما أنت، ماذا لو أخضعك الله لميزان عدله، وظهر أن أيَّاً من عباداتك لم تكن له سبحانه، وأن أعمالك باطلةٌ؟! مع أن مناجاة صفوةِ الله وخيرةِ خلقه مشحونةٌ بالاعتراف بالتقصير، وها هو أقرب الكائنات إلى الله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقول: "ما عرفناك حقَّ معرفتك، وما عبدناك حقَّ عبادتك"، فماذا سيكون حالي وحالُك؟!..

فهل نحن بصدد إصلاح أنفسنا؟

اللهم فهِّمنا نحن المساكين الغافلين الذين ننسب جميع المحامد إلى الخلق، فهِّمْنا معنى "الحمد لله رب العالمين" وليس هناك محمدة من مخلوق، اظهِرْ لنا حقيقة {ما أصابك من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك}.

حبُّ النفس أساسُ العجب

إعلم أن العجب ينشأ من حب النفس، وصاحبه يرى أعماله الصغيرةَ كبيرة، ويصف أعمالَ الناس الصالحة بالقبح، وأعمالَه السيئةَ القبيحة بالحسنة، يسيء الظنَّ بخالق الله، ويحسنُ الظنَّ بنفسه، ويعتقد أن الله مدينٌ له، وأن الرحمة الإلهية حقٌ له.

أُريد أن أسألكم:

لو أن الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أخبركم أن رضى الله تعالى نازلٌ عليكم على كل حال... إذا عبدتم وأطعتم وتركتم الشهوات، أو تركتم العبادة وخالفتم أوامره سبحانه وطلبتم الشهوات طِوالَ حياتكم فماذا تفعلون؟!

ما دامت درجتُكم في الآخرة واحدةً، وأنتم من أهل الجنة، مع الطاعة أو المعصية، فكيف تكونون؟

إنني أعلن عن نفسي وعمَّن هو على شاكلتي، بأنَّا نُصبحُ من أهل المعصية، ونتركُ الطاعات، ونعمل بالشهوات والأهواء.

للأسف إن أعمالنا من أجل البطن والفرج، إننا عبادٌ للبطن والشهوة، حتى صلاتنا وهي المعراج إلى الحق تعالى، نؤديها قربةً لنساء الجنة... فأين التقرب من الله تعالى؟

ايُّها المسكين الغافل، الذي يقوم بالمستحبات والواجبات، ويتركُ المحرمات والمكروهات من أجل الجلوس على سرر مطعَّمة، ومعانقة الضحوكات في الجنة، وارتداء الحرير والاستبراق،... أتمنُّ على الله سبحانه بهذه الأعمال؟ وما الفرق بينك وبين الأجير الذي يعمل للمال ويدعي أنه يعمل لصاحب العمل؟ ألستما في الكذب سواء؟!

اقول بصراحة: إن جميع عباداتنا عند العرفاء والأولياء هي من كبائر الذنوب.

أيُّها المسكين: ما الفرق بين عبادتي وعبادتِك وبين عمل أهل المعاصي والرياء؟! ألا ترى أننا أصبحنا سواء؟

أيُّها المسكين: أتحسبُ نفسَكَ من خواص الله تعالى؟!... كم أنت مغرور وغافلٌ ومستحق للعقاب... ماذا تستحق أكثر من سلسلة طولها سبعون ذراعاً؟!

كل ما في الأمر أن الله خفَّف عن عباده لضعفهم، وتجاوز عن بعض أنواع الشرك، وستر علينا بفضل رحمته.

هل تُقرُّ فعلاً أن الحمد لله رب العالمين؟! وهل لا تعبدُ غيرَه ولا تستعين إلا به؟ وهل تَظنُّ أن الفرق بين صلاتك وصلاة أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يمد "الضالين" أكثر أو أن سجوده أطول، وكفى؟! أو أن مناجاة زين العابدين عليه السلام كمناجاتك بلا فرق؟ أو أنه كان يتحرق ويتضرع من أجل الحور العين والرمان في الجنان؟

أُقسم به صلوات الله وسلامه عليه {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} لو اجتمعنا لنقولَ "لا إله إلا الله" مرة واحدة كما كان يقولها الأمير عليه السلام لما استطعنا.

أُقسم بمقام علي بن أبي طالب عليه السلام لو أن الأنبياء المرسلين والملائكة المقربين، عدا الرسول الخاتم الذي يكون مولى عليٍّ وغيره، أرادوا أن يُكبِّروا مرة واحدة، كتكبيرة عليه السلام لما استطاعوا.

فيا أيُّها العزيز: لا تتباهى بقربك من الله... أيها العارف، أيها الصوفي، أيها الحكيم، أيها المجاهد، أيها الفقيه، أيها المؤمن، أيها المساكين المبتلون المغلوبون بمكائد النفس... لا تُحْسنوا الظنَّ بأنفسكم إلى هذا الحد، هل ترون الله تعالى أم أنفسكم؟! إذا كانت أعمالكم لإشباع شهواتكم، فما قيمتها لتنقلها الملائكة؟

اللهم إنَّا نعوذ بك من النفس الأمَّارة بالسوء، فاحفظنا بحق محمد وآله.

 

الحديث الرابع

الكبر

عن أبان عن حكيم قال "سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن أدنى الإلحاد، فقال: الكِبْر أدناه".

المقدمة

الكِبْر عبارة عن حالة نفسية للإنسان تجعله يترفع ويتعالى على الآخرين.

وقيل أن الفرق بينها وبين العجب، أن الأخير إعجاب بالذات، أما الآخر فهو التعالي والتعاظمُ على الناس.

وكل هذه الأُمور في القلب، وتظهر في الملامح والأفعال والأقوال.. فالإنسان المغرور، إذا ازداد غرورُه أصبح معجباً بنفسه، فإذا طفُح إعجابُه بنفسه وتعاظم ترفَّع وتكبر.. أما درجات الكبر فهي:

1-    الكبر بسبب الإيمان والعقائد الحقة، ويقابله الكبر بسبب الكفر والعقائد الباطلة.

2-    الكبر بسبب الملكات الفاضلة والصفات الحميدة، ويقابله الكبر بسبب الأخلاق الرذيلة والملكات القبيحة.

3-    الكبر بسبب العبادات والصالحات، ويقابله، الكبر بسبب المعاصي والسيئات من الأعمال.

ونحن هنا بصدد تبيان الكبر لأسباب خارجية كالحسب والنسب والال والجاه والرئاسة وغيرها...

درجات الكِبْر

وبمنظور آخر، للكبر درجات:

الأولى: التكبر على الله تعالى.

الثانية: التكبر على الأنبياء والرسل والأولياء صلوات الله وسلامه عليهم.

الثالثة: التكبر على أوامر الله تعالى، وهذا يرجع إلى التكبر على الله سبحانه.

الرابعة: التكبر على عباد الله تعالى، وهذا أيضاً راجع إلى التكبر على الله سبحانه.

أما التكبر على الله جلَّ جلالُه فهو أقبح أنواع التكبر، وتراه في أهل الكفر ومدعي الأُلوهية، وأما التكبر على الأنبياء والأولياء، فكثيراً ما كان يحصل في زمانهم، صلوات الله عليهم، قال تعالى نقلاً عنهم {... أنُؤمنُ لشرَيْنِ مِثْلِنا...}[6]. وقال عنهم {لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتين عظيم}[7].

وحدث هذا في صدر الإسلام، ويحدث في زماننا هذا.

وأما التكبر على أوامر الله تعالى فتراه من العاصين، كالذي يمتنع عن حج بيت الله المعظم لأنه يستسيغ مناسكه، أو يتركُ الصلاةَ لأنها لا تليق به، أو لحيتَه لأنها عادةُ المتخلفين بحسب رأيه... وقد يحصل هذا للأسف من بعض أهل العلم والتدين، فلا يقبلُ مقولةَ الحق إذا جاءت من قريب له أو ممَّن هو دونه!!!.

فبعضهم ينظر إلى مَنْ قال وليس إلى ما قيل، فإذا جاء القولُ من زميله، اجتهد في ردِّه وتسفيههه، أما إذا جاء من صاحب جاه، سلَّم به..ولا يخفى أن في ذلك تكبراً على أوامر الله وعلى عباده سبحانه.

وبعضهم يترك تدريس هذا الكتاب، أوهذا العدد القليل، أو يترك صلاة الجماعة في مسجدٍ غير مشهور... كلُّ ذلك لأنه لا يليق بعلو شأنه ومقامه، كما يظن المسكين!!!

أما التكبر على عباد الله تعالى فأقبحه التكبر على العلماء، ثم مجالسة الفقراء,... ومنها الرغبة في التقدم في المحافل والمجالس، وفي المشي... وفي إطلاق الألقاب على المنابر، بحيث يغضب لو لم يكن ذلك... وهذا النوع من التكبر شائع بين مختلف الطبقات، من الأشراف والعلماء والأغنياء والأطباء والمهندسين والسياسيين والوزراء... إلا مَنْ حفظه الله تعالى.

ومن الملاحظات الهامة التي لا بد من ذكرها لخطورتها ودقَّتها، كيفيةُ التمييز بين التواضعِ والتملق، والتكبرِ والإباء، وهذا على درجة كبيرة من الصعوبة، فلا بد من الاستعانة بالله سبحانه للتوفيق إلى الهداية، ومنه الرحمةُ والتيسير سبحانه.

 

من الأسباب الأساسية للتكبر

من الأسباب الأساسية للتكبر حبُّ الذات، والترفعُ على الآخرين... حتى قد يحصل بين أهل العرفان مثلاً، أن يتصور أحدهم أنه من أهل القلوب والأسرار، وأن الفلاسفة سطحيون، والفقهاء غافلون عن الحقائق الإلهية، والحكماءَ لا يُدركون العلومَ الحقيقية، وأن سائر الناسِ كالبهائم فيتكلَّمون عنهم بلفظ "العوام" دلالةً على احتقارهم... فهذا المسكين لو تذوَّق حلاوة المعرفة بالله لأحسنَ الظنَّ بالكائنات... لكنه في الحقيقة لم يبلغ حتى مقام الإيمان، فضلاً عمَّا هو أرفع وأسمى، لكنَّه يتشدق بالعرفان، ويتحدث عن الفناء في الله سبحانه.

ومن بين الحكماء العارفين بالبراهين وأنواع العلوم، مَنْ يحتقرون الناس ويرونهم ناقصي العلمِ والإيمان، ويعاملونهم بكبرياء وغرور، بينما الحكيم حقاً مَنْ تحلَّى بملكة التواضع نتيجة علمِه بالمبدأ والمعاد.

ومن جملة وصايا لقمان الذي وُهب الحكمة، لابنه "ولا تُصعِّر خدَّك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً، إنَّ الله لا يُحبُّ ك×لَّ مختالٍ فخور"[8] .

ونجد عند مَنْ يدَّعي الإرشاد التكبر وسوءَ الظن بالعلماء والفقهاء، والكلُّ هالكون إلا هم، مع أنَّ الهادي والمرشد يجب أن يكون منزَّهاً عن الموبقات، زاهداً في الدنيا، لا يتكبر على الخلق ولا يُسيءُ الظنَّ بهم.

ونجد بعض الفقهاء وطلابهم مَنْ يحتقرُ الناسَ ويستهينُ بهم... والدين بريء عن هذه التصرفات، ولم يكن السلف الصالح كذلك، ويصل الأمر ببعضهم أن ينتظر من الناس طاعةً عمياء لا نقاش فيها وأنه {لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهم يُسألون}[9].

ومن علامة علماء الشريعة الإنصافُ بالتواضع، ولا يوجد علمٌ من علومهم يدعو إلى التكبر، والكِبْر منتشر أيضاً عند أصحاب العلوم الأخرى، كالرياضيات والطبيعة والميكانيك... وبحسب الواحد منهم أن العلم عنده، وما عند غيره ليس بعلم.

أما العبَّاد، فما نفعُ صلاتِهم وعباداتهم إذا كانت ممزوجة بالكِبْر، ولا تنهى عن الفحشاء، بل تبعث على ضياع القلب...

وقد يكون الكبر من صاحب الحسب والنسبن أو صاحب الجمال والمال، أو من كثرة الأنصار والتلامذة... على مَنْ لا يكونُ له ذلك... وقد يمتنع البعضُ عن إظهار تكبُّرهم علانيةً تصنعاً، لكنْ عندما يفلت منهم زمامُ الأمر لغضب مثلاُ، تظهر عليهم أماراتُ الكبرياء والتعاظم.

وبعضهم قد لا يهتمُ بإخفاء تكبره، فتراه يسبق الآخرين في الدخول والخروج، ويتقدم في المجالس، ويمنعُ الفقراءَ من حضور مجالسه، ويحيط نفسَه من العظمة، ويتعالى في نظرته ومِشيته وحديثه مع الناس.

يقول أحدُ المحققين الذين أخذنا منه الكثيرَ من أُصول هذا البحث: إنَّ أدنى درجةِ الكبرِ في العالمِ، أن يديرَ وجهَه عن الناس، وفي العابد أن يعبس في وجوههم، كأنه غاضب عليهم، ويغفلُ عن أن الورع ليس في تقطيب الجبين ولا في البعد عن الناس والإعراض عنهم وطأطأةِ الرأس... بل يكون الورع في القلب، الذي أشار إليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عندما قال "ههنا التقوى".

في مفاسد الكِبْر

إعلمْ أن للكِبْر مفاسدَ كثيرة تمنع المرءَ عن الوصول إلى الكمالات، وتعيق سلوكَه في تهذيب نفسه، وتجعلُه تافهاً حقيراً بين الناس.

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال "ما من عبدٍ إلا وفي رأسه حكمة، ومَلَكٌ يُمسِكُها، فإذا تكبِّر قال له: اتَّضعْ وضَعَكَ الله، فلا يزالُ أعظمُ الناسِ في نفسه وأصغرُ الناسِ في أعين الناس، وإذا تواضع رفعه الله عز وجل، ثم قال: انتعشْ نعشكَ الله، فلا يزال أصغرُ الناس في نفسه، وأرفعُ الناسِ في أعينِ الناس".

فيا أيها العزيزن رأسك فيه من الدماغ، ما هو في رؤوس الآخرين، فإذا تواضعت، احترمك الناسُ، وكنت عندهم كبيراً، وإذا تكبَّرت كنتَ في أعينهم ذليلاً... إضافةً إلى ذلِّ الآخرة والهوان كما ورد في الحديث الشريف عن أحدهم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنَّ المتكبِّرين يُجعلون في صُوَرِ الذَّرِّ يتوطاهُمُ الناسُ، حتى يفرغَ الله من الحساب".

وجاء في وصايا الإمام الصادق عليه السلام لأصحابه "إيَّاكم والعَظَمَة والكِبْر، فإنَّ الكِبْرَ رداءُ الله عز وجل، فمن نازع الله رداءَهُ، قصمه الله وأذلَّه يوم القيامة".

وفي الحديث "الكبْرُ مطايا النار"، فهل تعتقدُ أن ذُلَّ الآخرة وعذابَها، كذل الدنيا وعذابها؟! إنَّ عذاب الآخرة لا يخطر على بالنا، كما أ،َّ نعيمها يفوقُ تصوُّرَنَا.

وروي عن الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "لن يدخلَ الجنَّة مَنْ كن في قلبه مثقالُ حبة من خردل من كِبْر"، فكيف يرى الجنة من كان في قلبه كبرٌ؟!

واعلمْ أن الله تعالى أعدَّ للمتكبرين جهنَّم، غير التي أعدَّها لسائر الناس، وفي روايةٍ عن الإمام الصادق عليه السلام، غايةٌ في الدلالة والاعتبار، يقول فيها: "إنَّ في جهنَّم لوادياً للمتكبرين يُقال له "سقر" شكى إلى الله عز وجل شدَّة حرِّه، وسأله أن يأذنَّ له أنْ يتنفسَ فتنفَّسَ فأحرق جهنَّم".

نعوذ بالله تعالى من نار الآخرة التي لا نُدركُ قُوَّتَها في هذه الدنيا، لأن حواسَّنا في هذا العالم ناقصةٌ ومحجوبةٌ بحجبٍ كثيرة... فأعيُننا لا ترى اليوم الملائكة أو جهنَّم، وآذاننا لا تسمع أصوات أهل البرزخ، والآيات والرواياتُ المباركةُ مشحونةٌ بالتذكير بهذه الأُمور، تلميحاً وتصريحاً وتوضيحاً.

ألا ترى أن جسمَكَ يستحيلُ رماداً لو بقي دقائق معدودةً في نار الدنيا "الباردة"؟! فكيف يكون مع نار الآخرة؟ وكيف يتجدد ليُحْرقَ من جديد، وكيف أن حَلْقَةً من سلاسل جهنَّم تُذيبُ الأرض من شدة حرارتها؟!

هل تعلمُ أن نار الدنيا "باردة" وعرضيَّة، أما نار جهنم جوهر قائم بذاته؟ والقرآن والأخبار مليئةٌ بوصفِها... وهذا ليس عبثاً.

وهل تعلم أن نيران كلِّ العالم تُحيط بالظاهر فقط، أما نار جهنَّم فتُحيطُ بالظاهر والباطن والقلب والروح والقوى، بل تتحد معها بنحو لا مثال له في هذه الدنيا؟! هل تصورَّت ذلك من قبل" إذا إفهمْ معنى {فبئْسَ مثوى المتكبرين}[10].

صغر العقل من عوامل التكبر

إضافةً لأسباب التكبر المتقدمة، صغرُ العقل يُعتبرُ منها أيضاً، فيتصورُ المرءُ نفسه كاملاً، وفي الواقع لا يُساوي شيئاً، مثلُهُ كمن صفع وجهَهُ ليحسَبَ الناسُ إحمرارَ وجهه نضارةً وحيوية، كما قيل "إستَسْمن ذا ورم"... فالعارف المتكبِّر على الناس، لا يحملُ سوى حفنةً من المفاهيم أو المصطلحات، ويتستَّرُ ببريقها الخادع، وأين هي من معرفة الله حقاً التي يدَّعي؟!

وكاتبُ هذه السطور، بعمره القصير ومعرفته القليلة، رأى في مَنْ يُسمون بالعرفاء والعلماء، أشخاصاً، أقسم بالعرفان والعلم، أنهم لم يتأثروا بهذه الاصطلحات بل تضرَّروا بها، وكانت وبالاً عليهم، نعوذ بالله عز وجل... وغاب عنهم أن علومهم عمليةٌ وليستْ مجردَ نظرياتٍ ومصطلحات.

واعلم أنَّ ازدراءَك وتحقيركَ لعباد الله تعالى، هو تكبرٌ عليه سبحانه، وفرعنةٌ في حضرته عز وجل.

يا مضيِّعَ الحقائق، ماذا ترى من أثرٍ في نفسك وسلوكك من علمك ومصطلحاتك ومعارفك؟ أصبحتَ كأهل العلوم الأُخرى ليس لك عرفانٌ بالله، وما الفرق بينك وبين أهل الموسيقى والميكانيك والرياضيات؟ وكما لا يُرجى منهم تغييرُ نفوسهم كذلك لا يُرجى تغييرُ حالِكَ، بل إن علومَهم أفضلُ من علمك، لأنهم نفعوا بشيء، وأنت لم تنفع ولم تنتفعْ بل كان التأثيرُ عليك خلاف المقصود، وكانت النتيجةُ عكسيةً.

إن المعارف التي تزيد من ظلمة القلب، ليستْ معارفَ إلهية، والويل لمعرفةٍ تصنع شيطاناً، وويلٌ لعلمٍ يكون وبالاً على صاحبه.

الشيطان تكبَّر على أبيك آدم، فطُردَ من الحضرة الإلهية، فكيف بك أنت المتكبر على كل بني آدم؟!

يقول الحكيم المتأله المحقق الداماد رضوان الله عليه "الحكيم مَنْ كان جسدُهُ كالرداء له، متء ما شاء خلَعَهُ" فانظر إلى عمق حكمته، وانظر إلى سخافة عقولنا، عندما نحفظ مصطلحاتٍ نتكبر بها على الناس!!!

إن مدَّعي الإرشاد، الذي يسرق المصطلحاتِ ليُضلَّ عن سبيل الله الإنسانَ الطيب المتدين، إنما هو كاذبٌ ومرائي وخادع صارفٌ للناس عن الله وموجِّهٌ الناسَ نحو نفسِه... يظنُّ أنه وصل إلى ما يريد إذا تحدَّث عن "مجذوب علي" أو "محبوب علي".

أيها المسكين!! بماذا تفتخر؟ بصِغَر عَقلك أم بحبِّ نفسك والدنيا، أم لأنك سارق، منخدعٌ بنفسِك، ألمثْلِك يكون المقام؟ أم أنت هادي الأمةِ أو مالكُ سرِّ الشريعة؟! أتفتخر بعيوبك أم بوقاحتك؟!

وأنت يا طالبَ علومِ الفقه والعلومِ الشرعية ماذا ينفعُ علمُك إنْ لم يهدِكَ، ولم يُبعْد عنك المفاسدَ الأخلاقية والسلوكية؟ هل يكفي حفظُ حُفْنةٍ من المصطلحات الأُصولية، والقواعد الفقهية، لتدخلَ في منازعاتٍ مُعْظمُها لاعلاقةَ له بدين الله، وتضعَ مصطلحاً فوق اصطلاح حتى تنسِبَ نفسَك إلى العلماء، ويكونَ سائرُ الناسِ أمامَكَ جُهلاء، وتطيرَ على أجنحة الملائكة.

والأحطُّ من ذلك المتكبر بالأُمور الخارجية كالمال والجاه والخدم... فهذا المسكينُ الفارغُ من كل العلوم، لم يعدْ له شيءٌ يتباهى به إلا اللباسَ والقبُّعةَ والحذاءَ، فيرتضي لنفسه مقامَ الحيوانية، ويخرجُ عن الأخلاق الإنسانية، ويظنُّ أنه ذو مقام، فإذا شاهد مَنْ هو أغنى أو أعلى منه، تخضَّعَ له تَخَضُّعَ العبدِ لسيِّده، وكان عبداً ذليلاً لأهل الدنيا.

في بيان معالجة الكِبْر

إذا كان فهمُك وعقلُك سليماً، ولم يتجذرْ حبُّ الدنيا في نفسك، فإن ما تقدم من كلام خيرُ علاجٍ لك.

تأمَّل كيف لم تكن شيئاً، وكنتَ عدماً، وشاء الله عز وجل أن تُصبحَ نطفةً لو أمسكتها لتطهَّرْت منها، ثم تنقَّلْتض في مجرى البول إلى رحم الأُم، وتغذَّيتَ بغذاء يُزْعجُكَ لو سمعتَ باسمه!!! ثم أصبحت في الدنيا ضعيفاً، لا تقدرُ على المحافظة على صحتك، فضلاً عن حياتك... ولا على شبابك وجمالك ومالك.. إذا جعت أكلتَ جيفةً نتنة، وإذا عطشتَ اضطررت لماءٍ آسن،... وفجأةً إذا أراد الله سبحانه أن يتوفَّاك، أمر قُواكَ بالضعف وحواسَك بالخمول، وسَمْعَك وبصَرَك بالذبول، لتُصْبحَ جماداً عفناً، يأنفُ الناسُ من منظرك، ويهربُ منك الأحباب والأصحاب، فتُوارى في التراب، وتُواجه الحساب، بعد أن يأكل الدودُ من عينك وخدِّك...

هذه أحوالُ جسمِك، أما أموالك وثروتُك فمصيرُها معروف.

وأحوالُ برزخِك وقيامتِك يطولُ فيهما الكلامُ والمقام... مع أننا عاجزين عن أن نسمعَ أو نرى أو نُدركَ حقيقتها.

فمن كان أولُه عدم ودُنْياه بلاءٌ وعذاب وآخرتُه مخجلةٌ ومُفْجعةٌ، بما يتكبر وبماذا يتباهى؟!

لذا مَنْ كان جهلُه أكبر وعقلُه أصغر كان تكبُّرُه أكثر، ومن كان علمُه أكثر وعقلُه أكبر، كان تواضُعُه أكثر.

إنَّ النبيَّ الكريم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صاحبُ العلمِ الإلهي، والروح العظيمةِ التَّامةِ في خُلُقِها، وضع جميعَ العادات الجاهليةَ والأديان تحت قدميه، وكان أكثر الناس تواضعاً، يكره أن يقومَ له أصحابُه، ولا يتصدرُ المجالسَ، ويأكلُ على الأرض مع العبيد، ويشترك في أعمال المنزل، ويرقُعُ ثوبَه، ويخصِفُ نَعْلَهُ، ويطحَنُ ويَعْجِنُ، ويحملُ متاعه بنفسه... وكانت سيرةُ أمير المؤمنين عليه السلام كسيرة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

فيا أيها العزيز! إذا كان التكبر بالعلم أو بالكمال أو بالرئاسة والسلطان... فقد كانت لهما عليهما السلام وآلهما... فهل تدَّعي أنك أعظمُ منهما فتخرج عن الدين؟!

فإذا عزمت على إصلاح نفسك فما عليك إلا بمخالفتها ومعاندةِ الهوى... فإذا كنت تُحبُّ التصدُّر في المجالس، فلا تفعل، وإذا كنت تأنف من مجالسة الفقراء والمساكين، فاجلسْ معهم وآكِلْهم ورافقهم في السفر ومازحهم... وإذا وسوست لك نفسُك عن مقامك وهيبتك ومنزلتك... من أجل ترويج الشريعة، فاعلمْ أن هذا من مكائد الشيطان والنفسِ الأمارة بالسوء.

لقد عاصرتُ شخصياً مَنْ كانت له الرئاسةُ والمرجعيَّةُ الدينيةُ لكل الشيعة في العالم، وكانت سيرتُهم تلي سيرة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ومنهم الأُستاذ الفقيه الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي حيث كانت له رئاسةُ الشيعة ومرجعيَّتُهم من 1340هــ حتى كان يرافق الخدمَ في السفر، ويؤاكِلُهم، ويفترشُ الأرض، ويمازحُ صغار الطلبة،... وكان هذا يزيد وقعَه في القلوب من دون أن تُصاب هيبتُه بأي وهن.

وكثيرٌ من علماء قم كانوا يشترون حاجياتهم من السوق بأنفسهم، ويحملون الماءَ من مخازن المياه, ويشتغلون في منازلهم... وكان مقامُهم محفوظاً ومنزلتُهم تسمو في القلوب أكثر فأكثر.

الخطوة الأُولى أيها العزيز، أن تستيقظَ من نومك وغفلتك، وتُدركَ أنك مسافر، ولا بد من زادٍ وراحلة، من الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة... وكان سالكُ طريق الحقيقة أميرُ المؤمنين عليه السلام ينادي في المسجد بأعلى صوته حتى يسمعَه الجيران، "تجهَّزوا رحمكم الله فقد نُوديَ فيكم بالرحيل".

أيها الأخ، ما دمتَ في أول العمر وزهرةِ الشباب والقوة... خالفْ الشيطانَ الذي أدَّى به التكبُّرُ إلى طرده من حضرة الله سبحانه، ولذا يُريدُ إيقاعك، حتى يشمت بك فيما بعد، ويضحك عليك... وهو أحطُّ المخلوقات.

الحسد سببٌ للتكبُّر

من الممكن أن يكون الحسدُ سبيلاً للتكبر، كأن يتكبَّرَ الفقيرُ على الغني، والجاهلُ على العالم... نعوذ بالله من مكائد النفس والشيطان.

والحمد لله أولاً وآخِراً.

الحديث الخامس

الحسد

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: قال الله عز وجل لموسى بن عُمْرَان: "يابن عُمْران لا تَحْسُدنَّ الناسَ على ما آتيتُهم من فضلي، ولا تمدَّنَّ عينيَكَ إلى ذلك، ولا تُتْبَعْهُ نفسَك، فإنَّ الحاسدَ ساخطٌ لِنعمي، صادٌ لِقسِمْي الذي قسمتُ بين عبادي، ومَنْ يكُ ذلك فلَستُ منه وليس مني".

المقدمة

الحسد حالة نفسية يتمنى صاحبُها سلبُ النعمةِ المادية أو المعنوية عن الآخرين، سواء أكانت عنده أم لا، أو أرادها لنفسه أم لا.

أما الغبطة فصاحبها يتمنى النعمةَ التي للغير أن تكون له أيضاً دون زوالها عن صاحبها.

وقد لا تكون النعمةُ حقيقةً بذاتها بل برأي الحاسد فقط كالرذائل مثلاً فالمتمني يُسمَّى حسوداً.

والمحسود قد يكونُ شخصاً له كمالاتٍ معنوية، أو قد يتمتع بخصال حميدة، أو أعمالٍ عبادية، أو يمتلك المالَ والجاهَ والرئاسة...

والحاسد قد يكون عدواً أو متكبِّراً أو حاقداً أو غَيْراناً وما شابه ذلك.

وأما الحسد فله مراتبُ كثيرة في شدته وخفته وأسبابه وآثاره.

أسباب الحسد

 أسبابُ الحسدِ كثيرة، وترجعُ غالباً إلى رؤية الذُّلِّ في النفس، أمام ما يتصوَّرهُ كمالاً عند الآخرين، بعكس التكبر، حيث يجد كمالاً في نفسه دون غيره فيترفَّع ويتعالى.

وما يقمعُ الحسدَ في النفس وجود المؤهِّلاتِ النفسية التي تمنع الانقباضَ والرغبةَ في زوال النعمةِ عن الآخرين.

وحصر بعضُهم أسبابَ الحسدِ في سبعة أمور:

الأول: العدواة.

الثاني: التعزز، كأنْ يستكبرَ عليه بالنعمة، ولا يُطيق ذلك.

الثالث: من عادته التعالي على المحسود، وبات يمتنعُ ذلك عليه بنعمته.

الرابع: التعجب، ويُقصدَ به الاستهجانُ من تلك النعمةِ النازلةِ عليه لِعظَمِها، كما قالوا: {ما أنتم إلاَّ بشرٌ مِثْلُنا}[11].

الخامس: الخوف، من عدم الوصول إلى أهدافه لتفوُّقِهِ عليه في نعمته تلك.

السادس: حب الرئاسة التي يريدُها فقط لنفسه دون غيره.

السابع: خبثُ سريرِته، لا لسبب من الأسباب المتقدمة... بل لا يريدُ خيراً لعباد الله سبحانه.

وعلى كل حال، وكما أشرنا بَدْءاً أن كلَّ أسبابِ الحسد عائدةٌ إلى رؤية الذُلِّ في النفس.

من مفاسد الحسد

الحسد مرضٌ قلبي مهلك، ومفاسدُه منها واضح جلي، ومنها مستور خفي عن نظر الكاتب.

نُقل عن أبي عبد الله الصادق المصدق عليه السلام "آفةُ الدينِ الحسدُ والعُجْبُ والفخر".

وعن أبي جعفر عليه السلام "إنَّ الرجل ليأتي بأيِّ بادرةٍ فيُكفَّر، وإنَّ الحسدَ ليأكلُ الإيمانَ، كما تأكلُ النار الحطب".

ومعلومٌ أن الإيمان نورٌ يجعل القلبَ أوسعُ من كل الموجودات، وفي الحديث القدسي "لا يَسَعُني أرض ولا سمائي بل يسعُني قلبُ عبدي المؤمن"...

هذا النور الإلهي يتعارض مع ظلام الحسد، وكُلَّما اشتدَّ الحسد ضيَّقَ على القلب بالحزن وعلى الصدر بالضيق وعلى الوجه بالعبوس... وضعف الإيمان.

والحسد يُنافي الصفات التي يكون عليها المؤمنُ، فالحسود ساخطٌ على خالقه سبحانه، ويتمنى السوءَ لأخيه، ومحبٌّ للدنيا، ودائم الخوفِ والحزن وعبوس الوجه،... وهذا بخلاف المؤمن حقاً.

والحسد يقضي على الإيمان ويُخرجُ من ولاية الله وشفاعته {مَنْ ذا الذي يشفعُ عندَه إلاَّ بإذنه}[12]... ويورث ضيق القبر، ألم تسمعْ رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في جنازة "سعد" الذي شيَّعه سبعون ألفَ مَلَك، يقول متعجباً: مثلُ سعد يُضم؟!... إذ أنَّه كان سيّىءَ الخلقِ مع أهله.

وقد يُنتجُ الحسدُ كِبْراً وغيبةً ونميمة وشتماً وغير ذلك... ولن يُضرَّ المحسودُ بشيءٍ لأن شقاءَك وحزنَك يبقى لك، ويكونُ نفعاً له.. مع بقاء النعمة عليه، والعجيب أنه منعمٌ وأنت المُعذَّبُ بتنعُّمِهِ، فالعذاب والغم لك، والنعمة والسرورُ له...

هذا في الدنيا، وأما في الآخرة، فإذا كان حسدُك دفع بك إلى الغيبة والنميمة والافتراء، فهذا يستوجبُ أخذ حسناتِك لصالحه، والنتيجةُ: إفلاسُك مع زيادة النعم عليه... بسبب حسدك.

فالعجل العجلَ في تطهير نفسك ما دمتَ في دار الزوال والتبدل... فالفرصة سانحة، ولا تلتفتْ إلى النفس الأمارة والشيطان الذي يوسوس لك بأن الرذائل لا يُمكنُ زوالُها!!! والصفةُ الحديثةُ الظهور يُقضى عليها بسرعة تماماً كالنبتة في أيامها الأولى ولم تتجذرْ بعدُ في الأرض، ولو تمكنت لأصبحت كالشجرة المعمِّرة يصعبُ اقتلاعُها.

فالتأخرُ يزيد في الصعوبة... وكلَّما زاد زادت... ومنعُ المفاسد من الأساس في تغلغُلِها إلى مملكة ظاهرك وباطنك أيسر من الجميع...

يقول شيخُنا الجليل والعارفُ الكبير الشاه آبادي روحي فداه، إنَّ الإنسان في عز شبابه وقوَّته، يكونُ أقدر على ردِّ مفاسده الخُلُقية، فإذا أصبح شيخاً زاد ضعفُه وضعُفت همَّته وسهل استسلامَه.

جذور المفاسد الخُلُقية

تقدم معنا أن الإيمان من حظ القلب، والعلم من حظ العقل... والحاسد لا إيمانَ له بأنَّ الله عز وجل أسبغ نعَمِه لصالح يراه سبحانه، وهو لا يؤمنُ بعدل الله وتقسيمِه، لأن الإيمان والعدل يُناقضُ الحسد.

وما قولك إن الله عادل إلا مجردُ لفظٍ على لسانك، جاء في الحديث الشريف: يقول الله عز وجل "إنَّ الحسود يشيحُ بوجهه عمَّا قسَمْتُه بين العباد، وهو ساخط على نعمي".

وما أدركه القلبُ عن طريق البرهان لم يُلقِّنْه للقلب، فكأنك تتهم الله بالجور والظلم، نعوذ بالله، مع أن الفطرة تُخالفُ ذلك.

ليس الإيمان بالقول والسُّماع والمطالعة والمباحثة والنقاش وإنما أيضاً خلوصُ النيَّة، والباحث عن الله سبحانه يجدُهُ لا محالة {ومَنْ كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلاً}[13] {ومَنْ لم يجعلْ الله له نوراً فما له من نور}[14].

المعالجة العملية للحسد

فضلاً عن العلاج العلمي الذي تقدم بعضُه، عليك بالعلاج العملي بإظهار المحبة للمحسود واحترامِه وإجلاله والترحم عليه، وذلك خلافاً لما تريدُه النفس، واذكْر محاسنه والصالحَ من أعماله وصفاتِه الجميلة أمام الناس... فهو عبد من عباد الله والمنعم هو الله تعالى، والمصلحةُ لا نُدركُها بعقولنا القاصرة... بل لعلَّه من العباد المخلَصين الذي اختصهم الله برحمته.

قد يكون العلاجُ العملي متكلَّفاً في بداية الأمر لكنَّ الهدفَ إصلاحُ النفس، فلا بأس بذلك ثم ما تلبث الأُمورُ أن تأخذ مجراها الصحيح.

كلمة أخيرة

لا تنسى أن الحسدَ يأكلُ الإيمانَ، والله بريءٌ من صاحبه، ومطرودٌ من رحمته تعالى... وأما ما جاء في بعض الروايات فعليك أن تردَّ علمَه إلى أهله، ولا تتخذَهُ ذريعة لبقاء هذه الصفة.

ورد مثلاُ عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "ثلاثة لم ينجُ منها نبيٌّ فمن دونَه، التفكرُ في الوسوسة في الخلق، والطَّيَرَةُ والحسدُ، إلا أنَّ المؤمن لا يستعملُ حَسَدَهُ".

فهذه تدل على كثرة الابتلاء بالحسد، بشكل عام، دون أن يكون القصدُ هو مضمون الكلام حرفياً، أو تدل على تمنِّي زوال النعم عن الكفار، أو بتفاسير أُخرى كثيرة... لأن الأنبياء والأولياء مُطهَّرون من الحسد بمعنَاه الحقيقي، والقلبُ الملوَّثُ بهذه المساوىء لا يمكنُ أن يهبط عليه الوحيُ والإلهام.

والحمد لله أولاً وآخراً.

الحديث السادس

من أصبح وأمسى والدنيا أو الآخرة أكبر همه

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام "مَنْ أصبح وأمسى والدنيا أكبرُ همِّه، جعل الله الفقرَ بين عينيه، وشتَّتَ أمرَه، ولم ينلْ من الدنيا إلا ما قُسِمَ له، ومَنْ أصبح وأمسى، والآخرةُ أكبرُ همِّه، جعل الله الغنى في قلبه، وجمع له أمره".

مقدمة

وإن كان للدنيا والآخرة معان مختلفة بحسب العلوم وتعدُّدِها... إلا أن المهم لدينا فهمُ الدنيا المذمومة التي ينبغي الحذرُ منها لطلاب الآخرة، وما يُعينُ على نجاتهم وفوزهم.

كلام مولانا العلامة المجلسي، رحمة الله تعالى عليه، في الدنيا المذمومة

يقول الشيخ المحدث الخبير مولانا المجلسي رحمة الله عليه بما مضمونه في شأن الدنيا المذمومة: يظهر من الآيات والأخبار، أن الدنيا المذمومة كلُّ ما يمنعُ الإنسان من طاعة خالقه تعالى وحبِّه وتحصيل الآخرة، فالدنيا والآخرةُ ضرتان، فما فيه رضى الله سبحانه فهو من الآخرة، وإن كان ظاهرُه الدنيا، كالتجارات والصناعات والزراعات التي تكون للمعيشة له ولعياله وواجبي النفقة قربةً لوجه الله سبحانه، ولإعانة المتحاجين والصدقات ووجوه البر وصون الوجه عن السؤال... فهذه من أعمال الآخرة، وإنْ حسِبها الناسُ للدنيا.

أما العبادات الريائية، والمبتدعات... فإنها من الدنيا، لأنها تبعدُ عن الله سبحانه، ولا وجه للقربة فيها..

انتهى كلامُه، رُفع في الجنة مقامه.

ونقل المجلسي عن أحد المحققين، رحمهما الله، ما معناه: أن الدنيا والآخرة حالتان من أحوال قلبك، فما دنى يُسمى الدنيا، وهو كلُّ ما قبل الموت، وما أُخِّر يسمى الآخرة، وهو كلّث ما بعد الموت..

يقول الفقير إلى الله: الدنيا تُطلق على دار التغيُّر، والآخرة تطلق على دار البقاء والخلود... والدنيا وإن كانت ناقصةً بذاتها، لكن بما أنها مهدُ تربية النفوس القدسية، ودارُ تحصيل المقامات العالية، ومزرعةُ الآخرة، كانت المغنمَ الأفضل عند الأولياء وأهل سلوك الآخرة.

وما ورد في القرآن والحديث عن ذم الدنيا، يعود إلى التوجه نحوها، وانشداد القلب لها.

فالإنسان أمام دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة، فالممدوح منها، ما كان فيها من عمل لنيل المقامات، واكتساب الكمالات، لحياةٍ الكمالات، لحياةٍ أبدية سعيدة، ولا يحصل هذا إلا بالدخول في هذه الدنيا، كما جاء في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام رداً على مَنْ ذمَّ الدنيا:

"... إنَّ الدنيا دارُ صدقٍ لمَنْ صَدَقَها، ودارُ عافيةٍ لِمَنْ فهمَ عنها، ودارُ غنى لمن تزوَّدَ منها، ودارُ موعظةٍ لمن اتَّعظ بها، مسجدُ أحباءِ الله، ومصلَّى ملائكةِ الله، ومهبطُ وحيِ الله، ومَتْجرُ أولياءِ الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربِحوا فيها الجنَّة..."[15].

وقال تعالى {ولنعم دارُ المتقين}[16] وهي دار الدنيا كما ورد... فالمذموم من الدنيا هو حُبُّها والتعلُّقُ بها، وهذا منشأُ كلِّ المفاسدِ القلبية والظاهرية.

ورد عن الصادق عليه السلام "رأسُ كلِّ خطيئةٍ حبُّ الدنيا" وعن الباقر عليه السلام "ما ذئبان ضاريان في غنمٍ ليس لها راعٍ هذا في أولها وهذا في آخرها بأسرعَ فيها من حب المال والشَّرف في دين المؤمن".

سبب ازدياد حبِّ الدنيا

حب الدنيا مغروسٌ في قلب ابن آدم، وكلَّما تقدَّم به العمر، كبر هذا الحبُّ في قلبه، وظنَّ أن الدنيا دارُ اللذات والشهوات والرغبات، وأن الموتَ يقطعُهُ عنها.

وحب البقاء أيضاً فطريٌ في الإنسان، لذا يكره الزوال، والفناء، ويظنُّ أن الموت فناء... أما إيمانه العقلي بأن الدنيا دار ممر، لم يصل إلى درجة الاطمئنان القلبي الذي طلبه إبراهيم الخليل الرَّحمن عليه السلام من الحق المتعال، فأنعم به عليه[17].

وعند الوصول إلى هذه المرتبة، يشتاق للتخلص من هذا السجن المظلم الثقيل، كما جاء في كثير من كلام الأولياء.

يقول الإمام علي عليه السلام "والله لابنُ أبي طالب آنسُ بالموتِ من الطِّفْل بثدي أُمِّه".

فمن رأى حقيقة الدنيا، كما الأولياء، لا يُؤثرُ على مجاورة الحقِّ شيئاً أبداً... ويكون الوقوع في عالم الطبيعة بذاته تلذذ طبيعي وقسري... فكان بذلك من باب الحجاب، وفي ذلك يقول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "ليُرانُ على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يومٍ سبعين مرة".

تأثيرُ الدنيا في القلب

إعلم أن أيَّ أمرٍ من أُمور الدنيا، يترك أثراً في القلب، وكلما ازداد التلذذ بالدنيا، اشتد تعلُّقُ القلب بِها، إلى أن يتجهَ كُلِّياً نحوها، وهذا يبعثُ على كثير من المفاسد.

ومن أكبر مفاسد الدنيا، كما كان يقول شيخنا العارف، روحي فداه، أنها إذا انطبع حُبُّها على القلب، وانكشف عن الموت أن الله تعالى يفصل بينه وبين محبوبه، غادر الدنيا ساخطاً على وليِّ نعمته، والعياذ بالله... وكفى بهذا القول القاصم للظهر أن يوقظ الإنسانَ من غفلته.

ويقول أيضاً، دام ظلُّه، نقلاً عن أبيه المعظَّم، إنه كان في أواخر عمره خائفاً بسبب محبَّته لأحد أولاده، لكنَّه بعد ترويضه لنفسه اطمأن، وانتقل إلى دار السرور مسروراً، رضوان الله عليه.

ورد عن أبي عبد الله عليه السلام: "مَثَلُ الدنيا كمثل ماء البحر، كُلَّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتلَه".

حبُّ الدنيا أصلُ البلايا والسيئات الباطنية والظاهرية، ونُقل عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قولُه "إنَّ الدرهم والدينار أهلكا مَنْ كان قبلَكُم، وهما مُهْلكاكُم".

وعلى فرض أن الإنسان لم يرتكب المعاصي، وهذا مستحيل، فإنَّ التعلق بالدنيا نفسَه معصيةٌ، وكُلَّما كان التعلُّقُ أقل، كان البرزخ وقبر الإنسان أكثر نوراً وأوسع، ومكثه فيه أقصر... كما لأولياء الله فلا يزيد عن ثلاثة أيام، كما ورد في الروايات، وما هذا إلاَّ لأجل التعلُّق الطبيعي للأولياء.

ومن مفاسد حبِّ الدنيا، خوفُ الإنسان من الموت، بسبب تعلُّقِه بها، وهذا مذمومٌ جداً.

يقول السيد العظيم الشأن الداماد، كرَّم الله وجهه، في كتابه "القبسات" وهو من الكتب النادرة "لا يُخيفنَّك الموتُ، فإنَّ مرارَته في خوفه".

ومن مفاسده الكبيرة منعُ الإنسان من العبادات والمناسك، وهذا يوهنُ الروح، مع أن المفترض بالعبادات تقويةُ الروح على الجسم وقواهُ الطبيعية بإرادة قوية فيعملُ الإنسانُ كما يمتنع عمَّا يشاء دون مشقة أو عناء... بل في بعض المراحل العالية يُصبحُ كملائكة الله تعالى الذين لا يعصون الله بما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون.

ومَنْ ليس له عزمٌ قويٌ وإرادةٌ نافذة، لا ينال الجنَّةَ ومقامَها الرفيع، فالدنيا مزرعةُ الآخرة، ومادةٌ لكل نعم الجنة، ونقم النار.

واعلم أيها العزيز، أن لكل عبادة من العبادات أثرٌ يحصلُ في النفس، ممَّا يُقوِّي الإرادة شيئاً فشيئاً ويصل بها إلى حدِّ الكمال "أفضلُ الأعمالِ أحمُزها" فتركُ النوم في الشتاء البارد للعبادة، يُقوِّي الروحَ لتغلبَ الجسمَ... وإذا كان أولُّ الأمر بمشقة وعناء، فإنَّه يُصبحُ بِراحة وهناء، مع التكرار، لذا نرى أهلَ العبادة يقومون بالأعمال دون تكلُّف بل يلتذون بها أكثرَ ممَّا نلتذ نحن بمشتهيات الدنيا، والخير عادة.

وكما تقوى الإرادةُ بالعبادات والمناسك وترك الرغبات، كذلك في المعاصي يضعف عزمُ الإنسانِ وإرادتُه.

فقرُ أهلِ الدُّنيا وغنى أهل الآخرة

الإنسان بحسب فطرته، يعشق الكمال، وإن كان كلُّ امرىء يرى الكمال في شيء، وذلك بحسب حاله ومقامه.

فأهل الله سبحانه لسانُ حالهم المعبِّر عن كمالهم ".. وجَّهْتُ وجهيَ للذي فطر السماوات والأرض..." وأهل الدنيا يرون كمالهم في لذائذهم، وكلَّما ازدادت أمامَهم المشتهيات، اشتدت نارُ شوقهم إلى غيرها ممَّا ليس في متناول يدهم... ومحبّ الرئاسةِ منهم لو سيطر على قطر توجه إلى آخر، ولو سيطر على الكرة الأرضية لرغب في الكواكب الأُخرى... ومهما نال الواحدُ منهم من الكمالات النفسية أو الكنوز الدنيوية أو الجاه والسلطان، ازداد اشتياقُه شدةً، ونارُ عشقِه التهاباً، فهو محتاجٌ للدنيا وزخارِفها، وتشتد الرغبةُ إليها، ويشعر بفقره دوماً لها... ولا يقف عند حد، وهذا مضمونُ الحديثِ الشريف "مَنْ أصبح وأمسى والدنيا أكبرُ همِّه جعل الله الفقرَ بين عينيه، وشتَّتَ أمرَهُ...".

أما أ÷ل الآخرة، فقد تلاشت حاجتُهم للدنيا والتفاتُهم لها، وزهدُهم بها، وظهر في قلوبهم الغنى عنها، فلا يهتمون بألمها وسرورها، ولا يحزنون على ما فاتهم، ولا يفرحون بما أتاهم، ولا يفتقرون فيها للناس، بل لا تبقى لهم حاجة،... فيفوزون بالغنى الذاتي والقلبي... كلُّ ذلك بعكس أهل الدنيا الذين تراهم وقد بان الفقر في باطنهم وعلى ظاهرهم، واستولى عليهم الخوفُ والحزنُ، ولم يحصلوا على ما يريدون، وتكثر تمنِّياتُهم، ويزداد جشعُهم، ويغلب عليهم الغمُّ والتحسُّر...

ورد في ذلك عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام:

"مَنْ كثُر اشتباكُه بالدنيا كان أشدَّ لحسرته عند فراقها" وعنه عليه السلام قال: "مَنْ تعلَّقَ قلبُه بالدنيا، تعلَّقَ قلبُهُ بثلاث خصال، همِّ لا يفنى، وأملٍ لا يُدركُ، ورجاءٍ لا يُنالُ".

وفي إشارة إلى اطمئنان أهل الآخرة يقول أميرُ المؤمنين عليه السلام "نُزِّلتْ أنفُسُهُم في البلاء، كالتي نُزِّلتْ في الرخاء، ولولا الأجلُ الذي كتب الله عليهم، لم تستقرَّ أرواحُهم في أجسادهم طرفةَ عينٍ شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب"[18].

جعلنا الله وإيَّاكم منهم، إن شاء الله عز وجل.

إذاً يا عزيزي، بعد كلِّ ما سمعته عن الدنيا وأيامها القليلة، المشوبةِ بالألم والعذاب، أُطلبْ من الله سبحانه العون لتكونَ من الفائزين في الآخرة المأنوسين في دار الكرم والكرامة {وما عند الله خير وأبقى}.

 الحديث السابع

الغضب

عن أبي عبد الله عليه السلام "الغضبُ مفتاحُ كلِّ شر".

مقدمة

قال ابنُ مسكويه في كتابه تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، القيِّم، الذي يقُلُّ نظيرُه في حسن التنظيم والبيان، ما مضمونه: الغضبُ حركةٌ للنفس يغلي منها دمُ القلبِ شهوةً للانتقام، وإذا كانت حركتُه عنيفةً، يصعبُ علاجُهُ ويتعذر إطفاؤه، وإذا دنى منه شيءٌ صار سبباً لزيادته وقوة ناره، فيعمى الإنسانُ عن الرشد، ويصمُّ عن الموعظة، بل تصير المواعظ في تلك الحال سبباً للزيادة في الغضب... ولا يُرجى له في تلك الحالةِ حيلةٌ.

ويقول سقراطيس ما مضمونه: إن السفينة إذا عصفت بها الرياحُ وتلاطمت بها الأمواجُ أسهل عندي من الغضبان، لأن الملاحين بلطفهم وخبرتهم قد ينجون بها... وأما النفسُ المستشيطةُ غضباً، فليس يرجى لها حيلةٌ أبداً.

القوةُ الغضبيَّةُ الشريفة

غريزةُ الغضب من النعم الإلهية التي يُرجى بها عمارةُ الدنيا والآخرة، وإلا كان المفرِّطُ بها صاحبَ أخلاقٍ مذمومةٍ كالخوف والضَعْف والكَسَلِ والطمع وقلة الصبر والسكوت على الظلم، والتزلزل في المواطن التي يُرجى فيها الثبات، والاستسلام للعدو الذي يُنتظرُ مقاومتُه...

يقول الله جلَّ جلالُهُ يصفُ المؤمنين {أشداءُ على الكفار رحماءُ بينهم...}[19] .

ومعلومٌ أن القوَّةَ الغضبيَّةَ الشريفة تُعينُ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنفيذِ الحدود والتعزيرات وسائر التعاليم السياسية... ومَنْ ظنَّ أن قتلَ غريزة، الغضب من الفضائل، إنَّما يرتكبُ خطأً عظيماً، ويحيدُ عن جادة الكمال والاعتدال.

فتحت غريزة الغضب الشريفة يكون الجهاد ضدَّ أعداءِ الدين، وحفظُ النظام العائلي، والدفاعُ عن النفس والمال والعرض، والذبُّ عن القوانين الإلهية، والجهادُ مع النفس، وهي ألدُّ أعداء الإنسان، والدفاعُ عن الحدود والثغور... لذا كان اهتمام الحكماءِ بها عظيماً ووضعوا لفاقدها علاجاتٍ عمليةً وعلميةً، فالإقدام على الأمور العظيمة، والذهاب إلى ميادين الحرب، وركوب البحر في أوج تلاطم أمواجه، وقصدِ الأماكن المخيفة، واللبث فيها قليلاً... كلُ ذلك يتخلَّص من الخوف والضعف.

ولا يخلو إنسانٌ من غريزة الغضب، لكن قد تكون ضعيفةً عند البعض، فالواجبُ معالجتُها بأصناف العلاجات حتى تعودَ إلى اعتدالها ورشدها وكمالها، وتخرج عن حدِّ التفريط وانعدام الغَيْرة.

قبحُ الإفراطِ في الغضب

كما التفريطُ مذمومٌ كذلك الإفراطُ الذي يؤدِّي إلى مفاسد كثيرة.

ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "الغضب يُفْسدُ الإيمانَ كما يُفْسدُ الخلُّ العسل".

ويُمكنُ لنار الغضب، والعياذ بالله، أن تُطْفىءَ نورَ الإيمان، وتُؤديَ إلى الارتداد عن دين الله سبحانه،... ولا ينفعُ الندمُ بعد فوات الأوان، والاحتراق بجمرة الشيطان...

ورد عن الإمام الباقر عليه السلام "إنَّ هذا الغضبَ جمرةٌ من الشيطان توقدُ في قلب ابن آدم" وفي الحديث الشريف عنه عليه السلام "مكتوبٌ في الترواة فيما ناجى الله عز وجل به موسى: يا موسى أمسِكْ غضَبَكَ عمَّنْ ملَّكتُكَ عليه، أكُفُّ عنك غضبي".

وهل هناك نارٌ أشد من نار غضب الله وعذابها، وجاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: أيُّ الأشياء أشد؟ قال: أشدُّ الأشياء غضبُ الله عز وجل، قالوا: بم نتقي غضب الله؟ قال: بأن لا تغضبوا.

ويُمكنُ لنار غضب الإنسان أن تخرجَ من أعضائه الظاهرية، كما نرى ذلك كثيراً، كالعين والأُذُن واللسان... وكما الإنسانُ في كماله أُعجوبةُ العالم ولن تجدَ له نظيراً، كذلك عند نقصه واتصافه بالرذائل والصفات الخسيسة يكون أقلَّ الحيوانات.

لقد وصفهم الله تعالى {إنْ هم كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً}[20] ووصف قلوبهم {فهي كالحجارة أو أشدُّ قَسْوةٌ}[21].

هذا الذي مرَّ بك كان جانباً من مفاسد الغضب، وأما إذا تَبعَهُ معاصٍ أخرى فلا يعلمُ مصيرَهُ إلا الله تعالى... كما، والعياذ بالله، إذا سبَّ الأنبياء والمقدَّسات، أو قتل نفساً بريئةً... ورد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي يقول: "أيُّ شيءٍ أشدُّ من الغضب؟ إنَّ الرجلَ ليغضَبَ فيَقْتُلَ النفسَ التي حرَّم الله، ويقذفُ المُحْصنة".

لقد وقعت وتقع أعظمُ الفتن وأفجعُ الأعمال بسبب نار الغضب، وعلى الإنسان في أثناء هدوئه النفسي، أن يتفكَّر في شأنها وخطورتها وعقابها وعاقبةِ أمرها... بقصد المعالجة والشِّفاء.

ومن المفاسد الأخلاقية والعملية للغضب: الحقدُ حتى على الأنبياء والأولياء، والحسدُ، وضربُ الناس، وشتمُهُم، وإيذاؤهم، بل وقتلُهُم، والافتراءُ، والكذبُ، وكشفُ الأسرار، والتُهمُ، والفتنة... ولا يخفى أن واحدةً من هذه المفاسد قد تنسِفُ الإيمانَ وتهدُمُ البيوتَ...

لقد بات واضحاً كما وُصفَ الغضبُ بأنهُ مفتاحُ كلِّ شر في النص الشريف... وقال بعضُ الحكماء أنه أُمُّ الأمراض النفسية، وعلاجها يُزيلُ جميعَ الأخلاق الفاسدة والعادات القبيحةِ من ساحة النفس، لتُبدَلَ بالصفات الحسنة والأخلاق المحمودة التي يجب أن يتحلَّى بها القلب.

علاج الغضب

ويُقسم العلاج إلى علمي وعملي.

أما العلاج العملي فتقدم كثير منه في طيِّ الأسطر السالفة... وعلى الإنسان أن يتفكر بذلك يتذكَر خطورة الغضب ومظاهرَه وآثارهُ وعواقبَه وعقابَه في الآخرة... فضلاً عن أن صاحبه أصبح خادماً للشيطان في الدنيا.

وأما العلاج العملي فأهمه صرفُ النفس عن الغضب عند أوَّل ظهوره، لأنه كالنار، إذا تُركت اشتعلت واستعرت وكثرت فيصعبُ إخمادُها والسيطرةُ عليها... فقبل أن تتأجج عليك:

1-    إشغالُ النفس بأمور أُخرى.

2-    مغادرةُ المكان الذي اشتعل فيه الغضب.

3-    تغييرُ وضعية الإنسان، كما لو كان جالساً فلينهض أو العكس أو يستلقي أو يتمشى..

4-    الاشتغالُ بذكر الله عز وجل، ومنهم مَنْ رأى وجوبَ ذكر الله في حال الغضب.

ورد عن أبي جعفر عليه السلام "إنَّ هذا الغضبَ جمرةٌ من الشيطان، توقدُ في قلب ابن آدم، وإنَّ أحدَكم إذا غضب، احمرَّتْ عيناه، وانتفخت أوداجُه، ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدُكم ذلك من نفسه فَلْيَلْزم الأرض، فإنَّ رجْزَ الشيطانِ يذهبُ عنه عند ذلك".

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام عندما ذُكرالغضبُ عندَه قال: "إنَّ الرجل ليَغْضبُ فما يرضى أبداً حتى يدخلَ النارَ، فأيُّما رجل غضب على قوم وهو قائمٌ، فَلْيَجْلِسْ من فوره ذلك، فإنه سيذهبُ عنه رجزُ الشيطانِ، وأيُّما رجل ـ غضبَ على ذي رحمٍ، فَلْيَدْنُ منه فَلْيَمَسَّهُ، فإنَّ الرحمَ إذا مُسَّتَ سكنت".

ومن العلاج العملي أيضاً، علاجٌ خاصٌ بالأرحام، وهو أن يمسَّهُ فيَسْكُنُ غضبُه.

وليُعْلمْ أن العلاج في حالات الانفعال صعبٌ للغاية، ولا بد من السرعة عند أول ظهور علامات الغضب.

معالجة ُ الغضب باقتلاع جذوره

من أهم سُبُلِ معالجةِ الغضب اقتلاعُ جذوره بإزالة أسبابها كحبِّ الذات الذي يتفرَّعُ عنه حبُّ المال والجاه والشرف والسلطة[22]... ومَنْ اقتلع جذورَ حبِّ الدنيا، فإنَّ جميعَ المفاسدِ تهجُرُ قلبَهُ لتحُلَّ محلَّها الفضائلُ والأخلاقُ السامية.

ومن أسباب إثارة الغضب أن بعض الجهلة يراه شجاعةً وجرأة... والحقُّ أن الفرق بينهما كبير في المبادىء والآثار والمظاهر... فالشجاعة من أعظم صفات المؤمنين، وفيها القوة والطمأنينةُ وقلةُ المبالاة بزخارف الدنيا، بينما الغضبُ وإضافةً لما عرفت، فهو الضعفُ وتزلزُلُ النفسِ، وقلةٌ الإيمان، وحبُّ الدنيا، والخوفُ من فقد اللذائذ... لذلك تراها في المرضى أكثر مما تراها في الأصحاء، وفي الصغار أكثر مما هي في الكبار، وفي الشيوخ أكثر مما هي في الشُبَّان، وصاحبُ الرذائل أسرع في الغضب من صاحب الفضائل، كالبخيل إذا تعرَّضت ثروتُه وأملاكُه للخطر.

فالشجاعةُ عكسُ الغضبِ تماماً.

انظر إلى الغاضب تراه كالمجنون أو الحيوان، وانظر إلى حركات أطرافه ووجهه، فلو أُعطي مرآةً لخجل من صورته... بل بعضُهم يغضب من الحيوانات والجمادات ومظاهر الطبيعة والقلم والأواني إذا كانت على خلاف رغباتهم.

أما الشجاع فصاحبُ عقل وطمأنينة ورويَّة، يغضب في محله، ويحلُمُ في محلِّه... وكلٌّ بمقداره ومتى وكيف وممن؟ ويبقى مسيطراً على نفسه، وتبقى أعمالُه بميزان العقل والشرع والعدل، ويخطو خطوات لا يندم عليها بعد ذلك.

والشجاعة خلقُ الأنبياءِ والأولياء والمؤمنين، وليس أهلَ الجهل وعبيدَ الدنيا ومُحيِّي ذاتهم.

وذكر البعضُ أسباباً أُخرى للغضب، كالعُجْب والكبرياء والعناد... لكنَّ أكثرها يندرج فيما ذكرنا.

والحمد لله تعالى ذِكْرُهُ.

 

الحديث الثامن

العصبية

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله "مَنْ كان في قلبه حبَّةٌ من خردلٍ من عصبيَّة، بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية".

المقدمة

العصبيَّة سجيةٌ نفسانية من آثارها الدفاع عن الأقرباء والمرتبطين بالمرء دينياً أومذهبياً، بما في ذلك ارتباطُ الإنسان بأُستاذه أو بتلامذته..

والعصبيَّةُ خلقٌ فاسدٌ مذموم حتى وإن كانت في سبيل الحق، ولم يكن الهدفُ إظهارَ الحقيقة بل لمجرد التفوق والغلبة... وأما إذا كان لدحض لباطل وإعلاء كلمة الحق والعدل فهو خُلُقُ الأنبياء، والأولياء.

فيجب أن يكون الميلُ للحق حتى ولو كان الحقُّ إلى جانب أعدائه وليس إلى جانب مَنْ يُحب.

أما إذا تحرَّك بدافع قوميَّته وعصبيَّته، ودافع عن قومه حتى في باطلهم، فقد صار في زمرة أعراب الجاهلية، وهم فئة من أعراب البوادي قبل الإسلام، قويت فيهم هذه السجيَّةُ البشعة، بل هكذا معظم أهل البوادي، إلا مَنْ رحم ربُّك، كما ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ الله سبحانه يُعذِّبُ طوائفَ ستة أُمور ستة: أهلَ البوادي بالعصبيَّة، وأهلَ القرى بالكَبْر، والأُمراء بالظلم، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة، وأهلَ الرساتيق بالجهل".

مفاسد العصبيَّة

العصبيَّةُ من المهلكاتِ المخرجة من الإيمان، وتورثُ سوءَ العاقبة، هذا ما يُفهم عند أدنى نظرة في الأحاديث الشريفة.

فعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام "مَنْ تعصَّبَ أو تُعُصِّبَ له، فقد خُلعَ ربْقُ الإيمان من عنقه" لأن مَنْ تُعصِّبَ له رضيَ بعمل المتعصِّب، فهو شريكُه في العقاب، كما جاء في الحديث الشريف "ومَنْ رضيَ بعمل قومٍ حُشر معهم، أما إذا لم يرض به واستنكره فلن يكون منهم".

وعن أبي عبد الله عليه السلام "مَنْ تعصَّبَ عصَّبه الله بعصابة من نار".

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام "لم يدخل الجنَّةَ حميَّةٌ غيرُ حميَّةِ حمزةَ بنِ عبدِ المطلب، وذلك حين أسلم غضباً للنبي".

ولا شك أن الإنسانَ المتعصِّبَ لذاته وأرحامه القومي الجاهلي، لن يكون عنده مكانٌ للإيمان، لأن المؤمنَ هو الملتزمُ بأمر العقل والشرع والقواعد الدينيَّة، ويرى أهدافَه فيها، ويفدي الأحبةَ والعادات والمألوفات على أعتاب وليِّ نعمته تبارك وتعالى، والعصبيَّةُ الإسلاميةُ عنده مقدمةٌ دوماً على العصبيَّة الجاهلية الضَّيِّقة.

الإنسانُ العارف يعلم أنَّ جميع الارتباطات والعصبيَّات زائلةٌ فانيةٌ، إلا التي كانت بين الخالق والمخلوق، فلا تزول وهي أقرب من كل حسب وأسمى من كل نسب.

وفي الحديث الشريف عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "كلُّ حسبٍ ونسبٍ منقطعٌ يومَ القيامة، إلا حسبي ونسبي" لأن العلائق الروحانية تحت ظلِّ ميزان القواعد الشرعية والعقلية، التي لا انفصام لها.

والعصبيَّةُ خصلةٌ خبيثةٌ من الشيطان، الذي استخرج ما في نفسه بالحميَّة والغضب، فقال خلقتني من نار وخلقته من طين، فعلى الإنسان أن يُطهر قلبَه حتى من حبة خردل من هذه السجية الجاهلية، ويُدركَ أن الفرصةَ محدودةٌ، والوقت قصيرٌ جداً، لأنه لا يعلمُ متى يحينُ موعدُ رحيلِهِ.

أيتها النفسُ الخبيثة لكاتب هذه السطور، لعلَّ الأجلَ قد حان وأنتِ منهكةٌ في الكتابة، فينقُلُك بكل رذائِلك إلى العالم الذي لا عودةَ منه.

أيها العزيز، يا مَنْ تَقرأُ هذه الوريقات، خذْ العبرةَ من حال الكاتب، الذي يرزحُ الآن أو مستقبلاً تحت الثرى، وهو في العالَم الآخر مبتلى بأعماله وأخلاقه البشعة، لقد ضيَّع الفرصةَ الثمينة التي كانت عنده بالبطالة والأهواء، فانتبه إلى نفسك لأنك ستكونُ يومالإ مثلي، دون أن تعلم متى يكون ذلك. فلعلَّك الآن وأنت مشغولٌ بالقراءة، إذا تباطأ ذهبتْ الفرصةُ من يدك. يا أخي لا تؤجِّجْ أموراً لا تحتملُ التأجيل، فكم من إنسانٍ سليمٍ قوي، فاجأه الموتُ في لحظة، وأخرجه من هذه الدنيا، فلا تُضيِّعَ الفرصة، بل اغتنم اللحظة، الواحدة، فهي رأسمالِكَ إلى الآخرة، فإنَّ أولياءَ الله تعالى لم يرتاحوا أبداً... فقد الشيطانُ يغريك بتأجيل عمل اليوم إلى الغد، لتتخلَّقَ بأخلاقه، وتُحشَرَ مع أتباعه، أنسِيتَ أن رحمة الله تُحيط بك الآن، في صحتك وسلامتك وأمنك وعقلك وإصلاحِ نفسك... أفلا تخجلْ أن تطيعَ الشيطانَ، وتترك طاعةَ الأنبياءِ والأولياء، وبديهيَّاتِ العقلاء، وبراهين الحكماء؟!

عصبيَّاتُ أهل العلم

ومن جملة العصبيات القبيحة، العصبيَّةُ العلمية، والدفاعُ عن كلمةٍ أو رأي صدر منك أومن أُستاذك، دون الالتفات إلى أحقاق الحق وإبطال الباطل... بينما دورُ أهلِ العلم ينبغي أن يكون تربية البشر والتحذيرُ من فساد الأخلاق... لأن الحجة على العالِمِ أتم، وعقابَهُ أشد.

إن الذي يدعو الناسَ إلى شيء، ولا يعملُ بما يقول، يكون من أهل الرياء والنفاق، ويُحْسبُ من علماء السوء.

قال الله تعالى في أمثال هؤلاء {بِئْسَ مثلُ القومِ الذين كذَّبوا بآيات الله، والله لا يهدي القوم الظالمين}[23].

فعلى العلماء أن يُطَّهِرُوا أنفسَهم من المفاسد، لنجاتهم ونجاةِ المجتمع، وليَسْمعَ الناسُ إلى مواعظهم، ويتأثروا في قلوبهم، فإذا فسُد العالمُ لا سمح الله فسُدت الأُمةُ، وعندئذٍ يكون العقابُ أكبر، فضلاً عن الخيانة التي ارتكبها في حق العلم، وفي حقِّ العلماءِ الواب احترامهم، أعوذ بالله عز وجل من هذه الخطيئة الكبيرة.

ولا تنسى أن المشايخ العظام، نضَّرَ الله وجوهَهم، أرادوك مع الحق ضدَّ الباطل، فلا تكنْ عاقاً لهم.

فَلْيتزيَّنْ أهلُ العلم بالأعمال الحسنة والأخلاق الكريمة، عارفين بنعمة الله عليهم، والسلام.

الحديث التاسع

النفاق

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "مَنْ لقى المسلمينَ بوجهين ولسانين، جاء يومَ القيامة وله لسانان من نار".

المقدمة

لقاءُ المسلمين بوجهين هو: أن يُبديَ المرءُ ظاهرَه وخارِجَهُ على خلاف باطنه وسريرته، كأن يُظهرَ المحبةَ ويُبْطنَ الحقد.

وذو اللسانين هو: الثناءُ والتملُّقَ في حضور الموجودين، والتكذيبُ والغيبةُ في غيابهم.

وبناءً على هذا، يكون الأولُ نفاقاً عملياً، والثاني نفاقاً قولياً، وهاتان الحالتان من أظهر صفات المنافقين.

مراتبُ النفاق

النفاق كسائر الأوصاف والملكات الخبيثة أو الشريفة، له درجات ومراتب غير متناهية، وما لم يتصدَّ المرءُ للعلاج يُصبحُ ظاهراً وباطناً تحت سيطرة هذه الرذيلة، ويفلتُ الزمامُ منه، فلا يُخالطُ أحداً إلا وعامَلَهُ بلسانين ووجهين تلوناً ونفاقاً، بحسب منفعته الخاصة وعبادته لذاته، ويضع تحت قدميه الصداقة، والحميَّةَ والرجولةَ بكل قبح ووقاحة.

ومَنْ اتصف بهذا لا يُعدُّ من أعضاء البشر والمجتمع الإنساني، بل ولا شبيهاً بالحيوان، كما جاء وصفُه في الحديث الشريف أن صورته في الآخرة "أنه يُحشرُ بلسانين من نار" ويُفْضحُ أمامَ خلق الله سبحانه وفي حضرة الأنبياء المرسلين، والملائكة المقرَّبين.

وعن علي عليه السلام: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "يجيءُ يومَ القيامةِ ذو الوجهين دالعاً لسانَه في قفاه وآخَرُ من قُدَّامه يلتهبان ناراَ، حتى يُلْهبا جسَدَه، ثم يُقالُ هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين ولسانين، يُعْرف بذلك اليوم القيامة".

ويكونُ مشمولاً بالآية الشريفة {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصَلَ ويُفْسِدون في الأرض، أولئك لهم اللعنةُ ولهم سوءُ الدار}[24].

وعلى الإنسان أن يراقبَ نفسَه بدقة وحذر، لأن مكائد النفس، وأساليب الشيطان ماكرةٌ وخفيَّةٌ جداً، قلَّ من استطاع الإفلاتُ منها، فانتبه لإشارةٍ منك والغمزِ واللمزِ والكناية... فكم من مُبْتلى ويظنُّ نفسَه سليمةً وطاهرة؟!!!

عليك أن تكون كالطبيب الماهر، والممرض الشفيق، والمراقبِ اليقظ... فما من مرضٍ أخفى وأفتك وأخطر من الأمراض القلبية.

معالجة النفاق

إعلم أن لعلاج هذه الكبيرة الموبقة طريقان:

1-                             التفكير فيما ينتجُ عن النفاق من افتضاح أمام الناس، وخاصةً معارفَه وأصحابَه، كذلك في عالَمِ الآخرة، عالَمِ كشفِ الأسرار، حيث يُحشرُ بلسانين من نار، مع المنافقين والشياطين.

2-                             أن يُراقب نفسه وحركاته وسكناته مستعيناً بالله تعالى لجعل أقواله وأعماله في الظاهر والباطن واحدة، وبعيدة عن التمثيل والتدليس، وليعلَمْ أن النفس في الدنيا منفعلةٌ بصالح أعمالها وأقوالها وطالحها، ونتيجة ذلك إما قلبٌ نيِّرٌ أو مظلم، وإما حشرٌ مع السعداء أو الأشقياء، قال الله جلَّ جلاله {فمن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراُ يره، ومَنْ يعملْ مثقال ذرةٍ شراً يره}[25].

بعض أقسام النفاق

إعلم أيها العزيز أن من مراتب النفاق وذي اللسانين والوجهين، النفاق مع الله تعالى والتوجه إليه سبحانه بوجهين... وعندما نستيقظ من نوم الغفلة والسكرة العميقة وبعد فوات الأوان نرى أنفسنا في زمرة المنافقين وقد حشرنا بلسانين من نار، أو بوجهين مُشوَّهين بشعين، ول ينفع نداؤنا {ربِّ ارجعون}[26] لأننا نُجاب بــ"كلا"، ولا نرى ما قضينا عمُرُنا فيما نُظهره كذباً من التوحيد والإسلام والإيمان.

فإذا كنا من اهل العلم والفقه ادَّعينا أننا ورثةُ الأنبياء، ونحن الذين قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "اللهم ارحم خلفائي" وما اقله صاحبُ الزمان عليه السلام "إنَّهم حجتي".

وإذا كنا من أهل العلوم العقلية والفلسفية وعلم الكلام زعمنا أننا نملُكُ علمَ اليقين وحقَّ اليقين وأن الناس من حولنا ناقصو إيمان.

وإذا كنا من أهل العرفان ادَّعينا الانجذاب، وولايةَ الأمر... فمن كان صادقاً في علنه وسره وظاهره وباطنه، فهنيئاً له مع أرباب النعيم، أما لو لم يكن كذلك فتعساً له مع أصحاب الجحيم.

ومَنْ كان ككاتب هذه السطور، الأسودِ الوجه، المشوَّهِ الخُلْقة، فليعلَمْ أنه ذو وجهين ولسانين، وليُبادرْ إلى علاج نفسه قبل فوات الأوان.

لماذا نقوم أنا وأنت بأذيَّة المسلمين وظلمهم، أو باغتيابهم أو بتجريحهم في حضورهم، وإلصاق التهم بهم؟! وورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "المسلمُ مَنْ سلِمَ المسلمون من يده ولسانه".

يا مَنْ تدَّعي الإيمانَ والخضوعَ لله ذي الجلال، لما تخضعُ لأهل الدنيا وتعبُدُهم؟ ألأنهم أصحابُ مالٍ وقوة؟ فهم المؤثِّرون في هذا العالم دون الحقّ تعالى!!!

يا مُدَّعي الزهدَ والإخلاص، ألأجل الله تَزهدُ وأنت تفرحُ بمدح الناس وتحرصُ على رضا أهل الدنيا، وتفرُّ من الفقراء والمساكين؟!

إعلم أنك كاذبٌ مُتلوِّن، وأن زهدَك في الدنيا من أجل الدنيا، وإنْ خفي ذلك عن الناس.

ويا مدَّعي الخلافةَ والولاية هل واقعُك مطابق للحديث "صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً هلواه، مطيعاً لأمر مولاه" إذا كان كذلك فأنت من الحجج الإلهية، وإلا، كنت من علماء السوء، وزمرة المنافقين بل أقبح من ذلك، لأن الحجة على العلماء أتم.

ويا مدَّعي الحكمةَ الإلهية وأحوالَ الجنةِ والنار، لا تخرجُ من حجب الكلمات والمفاهيم والألفاظ، وما زلت تنتشي من خمر الطبيعة، وتهرب إلى زخارف الدنيا؟!

ويا مَنْ يدَّعي المعرفة والمحبة، إذا كنت من أصحاب القلوب، فهنيئاً لك، أما إذا كنت من أهل الادعاءات والشطحات، فأنت كاذبٌ عابدٌ لهواه ألم تسمع بــ"إنَّ أوليائي تحت قبابي لا يعرفُهُم غيري"؟!... فالله سبحانه يعرف محبيه، فلِما تُظهرُ مقامَك ومنزلَتَك للناس، تريدُ قلوبَهم الضعيفةَ أن تتحول من جهة الخالق إلى جهة المخلوق، فتغتصبَ بيت الله تعالى "وإنَّ للبيت رباً".

لنكتف بهذا، فلا يجدرُ بي الاسهابُ وأنا ذو الوجهِ المظلم.

اللهم لا تجعلنا واعظين غيرَ متَّعظين، وأيقظنا من السكرة والغفلة، وارحم حالنا، وأعِنَّا على النجاة من مخالب الشيطان وأهواء النفس بحق أوليائك محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

الحديث العاشر

إتباع الهوى وطول الأمل

قال أمير المؤمنين عليه السلام "إنَّما أخافُ عليكم اثنتين: إتِّباعُ الهوى وطول الأمل، أما اتِّباعَ الهوى فإنَّه يصُدُّ عن الحق، وأما طولُ الأملِ فإنَّه يُنْسي الآخرة".

المقدمة

"الهوى": حبُّ الشيء واشتهاؤه أكان شيئاً ممدوحاً أو مذموماً، والنفس بطبيعتها تميل للشهوات الباطلة والأهواء النفسية.

"الصد": المنعُ عنه.

الإنسان عند ولادته حيوان بالفعل

إعلمْ أن النفس الإنسانية، مفطورة على التوحيد والعقائد الحقَّة، وتنمو معها الميولُ النفسية إلا مع الاستثناء النادر...

والإنسان عندما يولد يكون حيواناً بالفعل له قابليَّةٌ إنسانية، فإذا لم يتربَّ عند معلم أو مربِّي، أصبح عند كِبَرِهِ حيواناً عجيباً متفوقاً على سائر الحيوانات والشياطين، ويتوسل بالكذب والخديعة والنفاق والنميمة... فإذا بقي معتمداً على الشهوة والغضب والهوى، تنطفىء فيه جيمعُ الأنوار الفطرية، ولا يعرفُ الأخلاق الفاضلة والأعمالَ الصالحة، لأن ظلام النفس ذهب بأنوار العقل والإيمان، ولن تُتاحَ له الولادةُ الإنسانيةُ مرةً أخرى، فيعيشُ ممنوعاً مصدوداً عن الحق حتى يرحلَ إلى عالَمِ كشف السرائر بهذه الحال، حيواناً أو شيطاناً.

هذا الإنسان لو استطاع أن يتعلَّمَ من الأنبياء والعلماء والمرشدين لاستسلم شيئاً فشيئاً إلى هديهم حتى يؤمنَ شيطانُ نفسه على يديه كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "إنَّ شيطاني آمن بيدي"... ويُصبحُ غضبُهُ وشهوتُه تحت تصرف العدل والشرع، وفي كل خطوة يخطوها في اتباع هوى النفس، يمنع نفسه بمقدارها عن الحق، وفي كل خطوة يخالفُ هواه، يكون قد اقترب من الحق، وأزاح حجاباً جديداً، وتحلَّى بنور إضافي.

ذمُّ اتِّباعِ الهوى

يقول الله تعالى في ذمِّ اتباع هوى النفس {ولا تتَّبع الهوى فيُضِلَّكَ عن سبيل الله}[27] {... ومَنْ أضلُّ ممَّنْ اتَّبَعَ هواهُ بغير هدى من الله}[28].

وجاء عن الإمام الباقر عليه السلام: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "يقول الله عز وجل: وعزَّتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني، لا يؤثرُ عبدٌ هواهُ على هوايَ، إلا شتَّتُّ عليه أمرَهُ، ولبَّسْتُ عليه دنياه، وشغلتُ قلبَهُ بها، ولم أُوته منها إلا ما قدَّرتُ له، وعزَّتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني، لا يُؤثِرُ عبدٌ هوايَ على هواه إلا استَحْفَظَتْهُ ملائكتي وكفَّلْتُ السمواتش والأرضينَ رزقَهُ، وكنتُ له من وراء تجارة كلِّ تاجر، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغمةٌ".

وعن الإمام علي عليه السلام "إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم اثنان، إتِّباعُ الهوى وطولُ الأمل".

وفي الكافي الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام "إحذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكُم، فليس شيءٌ أعدى للرجال، من اتِّباعِ أهوائهم، وحصائِد ألسنتهم".

اعلمْ أيها العزيز أن رغباتِ النفس لا تنتهي عند حد، فالخطوةُ تتبعُها خطواتٌ.

لقد جاء في القرآن الكريم في سورة هود {فاستقمْ كما أُمرتَ ومن تاب معك...}[29] وعلَّق النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في حديث شريف "شيبتني سورةُ هود لمكان هذه الآية".

يقول العارف الكامل الشيخ الشاه آبادي، روحي فداه، تعليقاً على الرواية والآية: "هذا على الرغم من أنَّ هذه الآية جاءت في سورة الشورى أيضاً، لكن من دون "ومَنْ تاب معك" إلا أنَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم خصَّ سورة هود بالذكر، لأن الله سبحانه أراد الاستقامة للأُمة أيضاً، ويخشى أن لا يتحقق الطلب، فالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مثالُ العدل والاستقامة".
إذاً يا أخي، لا تكن عاقاً لأبيك النبيِّ الكريم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ولا تضَعَهُ بموضِعِ خجلٍ بقبيح عملك وسوء فعلك، فالرسولُ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وعليٌّ عليه السلام هما أبوا هذه الأُمة، بنص ما قاله النبيُّ الكريم "أنا وعليُّ أبوا هذه الأُمة"... أتريدُ لهما سلام الله عليهما، أن يخجلا في حضرة الله عز وجل والملائكة والأنبياء بسبب هواكَ وأعمالِك الخبيثة؟!

ألم يتحمَّلوا عليهم السلام من أجل هدايتك المصائبَ والقتلَ والسبي والأسى والتشريد؟! فبدلاً أن تشكرَهم تقوم بظلمهم؟! إخجلْ من نفسك، واستيقظ من نومك أيها الغافل الجاهل، فظلمُ أعدائهِم كثير، من دونِ أن تُضيفَ ظلمَكَ الذي هو من ظلم الحبيب الأشدُّ ألماً والأكثرُ قُبْحاً!!!

تنوُّعُ هوى النفس

إعلمْ أنَّ أهواءَ النفس متنوعةٌ بحسب المراتب والمتعلِّقات، وقد تخفى على صاحبها ما لم يُنبَّهَ على ذلك، فهناك الأهواء النفسية في العقائد والأخلاق الفاسدة، وهناك أصحاب المعاصي والمهلكات، وهناك مَنْ قال الله عز وجل فيهم {أفرأيتَ مَنْ ا تَّخذَ إلهَهُ هواه}[30]، وهناك أ÷ل الأهواء المباحة المنشغلون فيها عن سبيل الحق،... فعلى كلِّ واحد أن يُراقبَ بدقةٍ حالَه، تطهيراً من الأهواء، وخوفاً من الضلالة والتخلُّفِ عن طريق الله عز وجل، والله جلَّ وليُّ الهداية.

طولُ الأمل يُنْسي الآخرة

إعلمْ، هداك الله سبحانه، أن المنزل الأول هو منزل اليقظة، في طريق السالكين، ولا بُدَّ للإنسان أن ينتبه أنه مسافر، ولا بد من السير والحركة نحو الهدف، وأن البلوغَ والوصول إلى المقصد ممكن، حتى يحصل له العزمُ والإرادة... وهناك شرحٌ ومحطاتٌ كما يقول أهلُ السلوك، لسنا الآن بصدد تعدادها.

ومن أهم أسباب عدم التيقظ والسهو عن مستلزماته... ظنُّ سَعَةِ الوقت للتحرك غداً أو بعدَه أو بعد شهر... وهذا يمنعُ من التفكير في الآخرة، بل على نسيانها، ونسيانِ اتخاذِ الصديق، وزادِ الطريق، والغفلةِ عن المخاطر، وإعمالِ العُدَّة، رغم ضرورتها، وتعذُّرِ السفرِ من دونها... فإذا حان الوقتُ الموعودُ، الذي لا محالةَ منه، شعر بتعاسةٍ وتعثَّرَ وسقط، ثم هلك.

إعلمْ أيها الحبيب، أن الرحلةَ خطرةٌ، وزادَها وراحِلَتَها العِلمُ والعمل الصالح، وأن موعدَها معيَّنٌ، وإن لم تعرفه، ووقتها ضيِّقٌ وإن جهلتَهُ، وأن طولَ أملِكَ من حبِّ النفسِ ومكائدِ الشيطان.

أين التوبةُ والإنابةُ والرجوعُ إلى الله جلَّ ذكره؟

وما نفعُ عملِكَ إذا كان مغشوشاً؟

وما نفعُ عملِكَ إذا كان مانعاً عن طريق الآخرة؟

ما الذي حصل بعلمك وعملك لأربعين أو خمسين سنةً، حتى أصبحت قلوبُنا كالصخر أو أشدَّ قسوةً؟

أين الصلاة والخشيةُ والخوفُ المدَّعى منك منذ سنوات؟

ماذا، أيها العزيز، لو أُجبرتَ على الرحيل وأنت على هذه الحال؟

لعلَّ علمنا كان جهلاً في الحقيقة، وعمَلَنا كان هباءً منثوراً!!!

إنَّ نبيَّنا صلَّى الله عليه وآله وسلَّم روَّضَ نفسه وقام بطاعة الله حتى ورمت رجلاه، حتى قال الله تعالى له {طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}[31].

أيها العزيز تيقَّظْ من سباتِك، وتنبَّهْ من نومك، وقُمْ من غفلتك، واعلم أن لك مقصداً، وأنك راحلٌ عن الدنيا شئتَ أم أبيت... تجنَّب الشقاءَ والتعاسة... أنظر إلى مولاك عليِّ عليه السلام وهو يُناجي الحقَّ تعالى: "وأنت تعلمُ ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها" إلى أن يقول "وهذا ما لا تقوم له السمواتُ والأرض".

تُرى ما هو هذا العذاب الذي لا تُطيقُه السمواتُ والأرض؟

"اللهم إني أسألك التجافِي عن دار الغرور، والإنابةَ إلى دار السرور، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت"[32].

أيها الأعزاء، إنهضوا من نومكم "فقد نودي فيكم بالرحيل"[33].

الحديث الحادي عشر

الفطرة

سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل {فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها} قال: فطرهم جميعاً على التوحيد.

المقدمة

يقول أهلُ اللغة: إنَّ "الفطرة" تعني "الخلق"، أما باقي المعاني اللغوية، فخارجة عن نطاق بحثنا.

والحديث الشريف فيه إشارة إلى الآية المباركة الثلاثين من سورة الروم {فأقمْ وجهك للدين حنيفاً، فطرةَ الله التي فطر الناس عليها...}.

معنى الفطرة

 المقصود من "فطرة الله" حالُ الخلق التي هي من لوازم وجودهم... وتفسيرُ بعض الأحاديث بالتوحيد دون غيره، على سبيل المصداق أو أشرفِ وأبرزِ الأجزاء للشيء، وقد تُفسَّرُ بمصداق جديد بحسب المناسبة، فالآية الشريفة مثلاً تعتبرُ "الدين" هو "فطرة الله" مع أنَّ فيه التوحيد ومبادىءَ أخرى، وورد في جملة نصوص أنها "الإسلام" أو "المعرفة" أو جاءتْ في مقابل "التهودِ والتنصُّرِ والتمجُسِ" كما في الحديث المعروف "كل مولود يولدُ على الفطرة".

فالفطرة ليست "التوحيد" فقط، بل هي كلُّ المبادىء الحقَّة التي فطر الله تعالى الإنسانَ عليها.

أحكام الفطرة

يجب أن نعرفَ، أن أحكام الفطرةِ، لا يختلف فيها اثنان من الجاهل والمتعلم والمتحضر والمدني والقروي... بل لا تؤثرُ في أحكام الفطرة اختلافُ العاداتِ والمأنوسات والمألوفات... لذا تقولُ الآية المباركة {فطر الناسَ عليها}[34] ْي لا تختص بفئة أو جماعة، ويقولُ سبحانه {لا تبديلَ لخلق الله}[35] ْي لا يُغيِّرُهُ شيءٌ من العادات والمجتمعات.

وعلى الرغم من ذلك، يغفلُ كثيرٌ من الناس عن أنهم مُتَّفقون، ويظنون أنهم مختلفون، حتى يُنبَّهوا إلى ذلك، تقول الآية المباركة {ولكنَّ أكثر الناسِ لا يعلمون}[36].

انطلاقاً مما تقدم نقول: إن أحكام الفطرة أوضحُ من أيٍ من البديهيات أو الضروريات وجميع الأحكام العقلية.

ومن الفطرة ولوازمها: التوحيدُ أو وجودُ الملائكةِ، والنبوَّةُ، وإنزالُ الكتب، والمَعَادُ، ويومُ القيامة...

أصلُ وجودِ المبدأ جلَّ وعلا من الأُمور الفطرية

لا تَجدُ خلافاً قط، وإنْ تعدَّدتْ العاداتُ والأخلاقُ والمذاهبُ، في المقدمة التي تقول: "الفطرةُ التي تعشق الكمال"، فالإنسانُ مهما كانت ملَّتُهُ وانتماؤه، يندفعُ بكل جُهْدٍ وعناء نتيجةَ حبِّ الكمال، وإن اختلف الناسُ فيما يرونَه من الكمال، وأين يوجدُ الحبيبُ ويُشاهدُ المعشوق؟

جميعُهم يسعون نحو الكمال، لكنَّ أهلَ الدنيا يرون كمالَهم في الثروة والجاه، وأهلَ العلوم والصنايع يرون كمالهم في أشياءَ أُخرى، ومعشوقَهم فيها،... وأهلَ الآخرةِ والفكر يرون غيرَ ذلك... فإذا وجدوا ما هو أسمى وأكمل تركوا الدرجة الدنيا وانتقلوا إلى العليا... أو على الأقل تطلبُ الإثنين معاً، ولا تخمدُ نارُ الاشتياقِ عندك، حتى لِما تتخيَّلَهُ أو تحتملُ وجودَهُ، فيطيرُ قلبُكَ إلى الحبيب، ولسانُ حالك يقول: أنا بين الجمع وقلبي في مكانٍ آخر.

وهكذا مَنْ كانوا يرونَ كمالَهم في السلطة والمُلْك، فيبسطون سلطانَهم على قرية أو حي، ثم يتوجَّهون للسيطرة على قطر بكامه، فإذا حصل ذلك، اشتاقوا للاستيلاء على الأقطار الأُخرى، بل يزدادون شوقاً وعشقاً، فإذا بسطوا سلطانهم على الأرض كلها، تخيَّلوا بسطَ سلطتِهِمْ على الكواكب الأُخرى لو كان بالإمكان أن يطيروا إليها.

وقِسْ على ذلك كلَّ أفرادِ الجنس البشري، مهما تكن مهنتُهم وعملُهم، كُلَّما تقدموا في مرحلة، تطلَّعوا إلى ما هو أسمى منها وأكمل... وهكذا قلوبُ جميع أبناء البشر من أقصى المعمورة العامرة، إلى شعوب البوادي والغابات، تتَّجهُ قلوبُهم بالفطرة إلى الكمالِ، الذي لا عيب فيه، والقدرةِ التي لا تعجزُ عن شيء، والحياةِ التي لا موت فيها.

وبكلمةٍ واحدة نقول: "الكمالُ المطلق معشوقُ الجميع".

فيا أيها الهائمون في صحارى الضلالات، يا أيتها الفراشات الهائمةُ في وادي الحسرات، يا عُشَّاقَ الحبيب الخالي من العيوب، عودوا إلى فطرتكم وإلى ذاتكم وقد كُتب فيه: {إني وجَّهتُ وجهيَ للذي فَطر السموات والأرضَ}[37].

فلِما التوجُّهُ نحو الخيالاتِ الباطلة، أو نحوَ مخلوقاتِ الله تعالى؟ سوف ترى أن اشياقك لا يخمد، لأن محبوبك جمالٌ ناقص، وكمالٌ محدود!!!

تيقظْ أيها الحبيب، وتوجهْ نحو المحبوب المطلق الذي لا يزولُ ولا عيبَ فيه ولا نقصَ، {الله نورُ السمواتِ والأرض}.

توحيدُ الحقِّ المتعالي وصفاتُه فطريةٌ

توحيدُ الحقِّ تعالى شأنه، واستجماعُهُ لكل الكمالات من الأمُور الفطرية.

فالفطرة تتوجه إلى الواحد الأحد، لأن الكثيرَ مركب، والكثرةُ محدودية، والمحدوديَّة نقصٌ وعيب، والناقصُ مرغوب عنه وليس بمرغوب فيه... فنقول:

"فطرةُ حبِّ الكمال" تُضاف إلى "فطرةِ النفورِ من النقص" تُثبتُ التوحيد.

يقول شيخُنا الجليل الشاه آبادي روحي فداه في شأن سورة التوحيد المباركة، ما معناه:

{هو} برهانٌ للصفات الست المذكورة بعدها، فالذات المقدَّسة مطلقة كاملة، فهو {الله} الذي يستجمعُ كلَّ الكمالات فيكون بسيطاً فهو {أحد} منزهٌ عن جميع النقائص فالذاتُ المقدَّسة هي {الصمد} ولأنها مطلقة، لا ينفصلُ عنها شيءٌ، ولا ينفصلُ هو عن شيء، {لم يلدْ ولم يولدْ} فهو مبدأُ كلِّ شيء ومرجعُ الموجودات {ولم يكن له كفوا أحد} إذ لا يُمكنُ التكرارُ في الكمال الصرف.

المعاد فطري

"المعَادُ" أو يومُ القيامة من الأمور الفطرية، فإنك ترى كلَّ الناس بجميع درجاتهم يتحمَّلون المشقاتِ والصعوبات من أجل الراحة المطلقة الخالية من كل تعب وألم ونِقْمةٍ وهي معشوقةُ الجميع، مع العلم أن الراحةَ المطلقة، لا وجود لها في كل أرجاء العالم، وكلُّ النِعم معها عناءٌ وعذاب، وما من لذَّةٍ إلا وفيها ألم، بل ترى الحزنَ والهمَّ والغمَّ والتعبَ يملأ الأرض.

فأين الراحةُ المطلقة؟! ويقيناً أنها ليست موجودة في هذه الدنيا وهي في عالَمِ كرمِ ذاتِ الله المقدَّسة حيث الراحة المطلقة في "دار نعيم الله".

فالعشق للراحة والعشق للحرية، يُحلِّقُ بهما الإنسان في عالَمِ الملكوت الأعلى متقرباً إلى الله عز وجل.

ولا يتَّسعُ المقامُ للحديث حولَ المعارفِ الحقَّة، وإثباتِ النبوة، وإنزالِ الكتبِ السماوية وغيرِها وإثباتِها عن طريق الفطرة، لئلا نخرجُ عمَّا نحن فيه والحمد لله سبحانه.

الحديث الثاني عشر

التفكر

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "كان أميرُ المؤمنين عليه السلام يقول: نبِّه بالتفكر قلبَك، وجافِ عن الليل جَنْبَك، واتَّقِ الله ربَّك".

التَّنْبيه: الإخراجُ من الغفلة والإيقاظُ من النوم.

التفكر: إعمالُ الفكر في الأمور المعلومة للوصول إلى النتائج المجهولة.

القلب: المقصودُ هنا بعضُ مقامات النفس {... لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعيُنٌ لا يُبصرون بها}[38]... وليس القلبَ اللحميَّ الصنوبري، أو الذي يُطْلقُ على مقامات النفس كما عند أهلِ العرفان.

الجفاء: البُعْد، وتجافي جنبُهُ عن الفراش، أن نبا... هنا كنايةٌ عن النهوض عن فراش النوم في الليل من أجل العبادة.

أما التقوى فيأتي بيانُها ومراتبُها إن شاء الله عز وجل.

فضيلةُ التَّفكُّر

إعلمْ أن للتفكر فضائلَ كثيرةً، فهو مفتاحُ أبواب المعارف والعلوم والكمالات، ومقدمةٌ حتميةٌ للسلوك، وتاركُهُ مذموم.

ورد عن الصادق عليه السلام "أفضلُ العبادة، إدمانُ التَّفكُّر في الله وفي قُدْرته" وفي حديثٍ آخر "تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلة" وفي حديثٍ عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "إنَّ تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سنة" وفي حديث "إنَّ تفكُّرَ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ ستين سنة" وفي رواية "سبعين سنة".

وللتفكر مراتبُ ونتائج:

منها، التفكر في الحقِّ تعالى وأسمائِه وصفاته، وهذا أفضلُ مراتبِ التفكر، وأعلى مراتبِ العلومِ، وأتقنُ مراتبِ البرهان، ويُسمَّى "برهان الصِّدِّيقين".

التفكُّرُ في المصنوع

ومن مراتب التفكر، التفكرُ في روائع الصنع وإتقانه ودقائق الخلق التي عن طريقها يتُمُّ العلمُ بالمبدأ والصانع.

أيها العزيز، تفكَّر في الشمس والأرض والليل والنهار والفصول والمسافة والحركة بينها... وفكِّر في خلقك وأعضائك وما فيها من الدقةِ والترتيب المحيرَيْنِ للعقول.

{أفي الله شكٌ فاطِر السمواتِ والأرضِ}[39].

إن كلَّ هذا الخلقِ المتقن لم يكن عبثاً وتلقائياً، فَلْتَعْمَ عينُ القلب التي لا ترى الله، بينما تُعجب بشيء بسيط صنعه الناس {قُتل الإنسانُ ما أكفره}[40].

التَّفكُّر في أحوال النَّفس

ومن مراتب التفكر، التفكرُ في أحوال النفس، مما يؤدي إلى المعارف كثيرةٍ، منها:

1-    العلم بيوم المعاد.

2-    العلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبتعبير آخر بالنبوة العامة والشرائع الحقَّة. فقد أولى الحكماءُ تجرُّدَ النفس أهمية استثنائية خاصة، حيث اتفق أهلُ الخبرة أن القوى الجسمانيةَ البدنيةَ للإنسان تأخذُ بالضعف والنقصان في سن الخامسة والثلاثين تقريباً، بينما تزدادُ القوى الروحية والعقلية كمالاً ورُقيّاً، مما يُثْبتُ أن هذه القوى ليست جسمانيةً أبداً، وإلا لضعفت وانحدرت.

ويُلْحظُ أن النفس وهي من القوى المنتمية إلى عالَمِ التجرد تقوى وتزدادُ شدةً عندما يزدادُ عُمُرُ الإنسان، بينما القوى التي تنتمي إلى عالم الجسم، تُسرع إلى الضَعْف والوهن.

ونرى أيضاً أن الجسم لا يتقبَّلُ إلا صورةً واحدةً، وكما تبُت ذلك في جميع الأجسام بالضرورة العقلية... ولا يمكنُ أن يقبلَ صورةً أخرى حتى تُفارقَه الأولى.

أما النفس فتقبلُ في آن واحد أكثر من صورة، حتى المضاد منها.

ولو أسهبنا لأطلنا وخرجنا عن الموضوع في أن النفس تختلف عن البدن في خصائصها وآثارها وأفعالها... وبالضرورة ثبت أن المجردات لا تفسد، بل الفسادُ ملازمٌ للأجسام.

من هنا نستنتج أن النفس لا تفسد بفساد البدن، بل تبقى في عالم آخر، وهذا هو المعادُ الروحيُّ للنفوس والأرواح قبل يوم القيامة.

وبهذا ثبت المعادُ المطلق.

ولا بد أن نعرف أن للنفوس صحةً ومرضاً، وصلاحاً وفساداً، وسعادةً وشقاء... وهناك طرقٌ هادية إلى الصلاح والفساد، وعلاج النفوس.

وهنا نتيجتان:

1-      الشريعةُ وهي الوصفةُ لإصلاح الأمراض النفسية، لا توجد إلا عند ذات الحق المقدَّس المنزَّه الكامل الحكيم... ولا يُمكنُ أن يُهملَ هذا الجانب لأن في ذلك اختلالاً للنظام.

2-      إن الله تعالى يعلنُ الشريعة حتماً عن طريق الوحي والإلهام، وفي الحديث الشريف "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه"، فلا تظهرُ حُجَّةٌ ودليلٌ في العالم ضدَّ الإسلام إلا وينتصرُ عليه.

وأغُضُّ الطرفَ عن الخوض في أنواع أُخرى من التفكر، لأن القلم أفلت من يدي في المقالات السابقة.

فضيلة صلاة الليل

نرى في الحديث المبارك عن الأمير عليه السلام ربطاً بين التفكر وإحياء القلب وتقوى الله تعالى، وبين إحياء الليل.

وصلاة الليل من العبادات العظيمة والرياضات الشريفة، وورد في حقِّها عشراتُ الأحاديث عن أهل البيت عليهم السلام ممجِّدةً لها، وكراهةَ تركها، وكان الأولياء والمشايخُ العظام والعلماء الأعلام مثابرين على إقامتها، في الهزيع الأخير من الليل.

وللتَّيمُّن والتبرُّك نذكر بعضَ الأحاديث، حيث ورد عن مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: كان في وصيَّةِ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لعليٍ قولُه "يا علي، أوصيك في نفسك بخصالٍ فاحفَظْها، ثم قال، اللهم أعِنْه... إلى أنْ قال: وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل".

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لجبرئيل: "عِظْني فقال: يا محمَّد، عِشْ  ما شئتَ فإنك ميتٌ، وأحببْ ما شئتَ فإنك مفارقُهُ، واعمل ما شئتَ فإنك ملاقيه، واعلمْ أن شرفَ المؤمنِ قيامُهُ بالليل، وعزَّهُ كفُّه عن أعراض الناس".

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "فمن رُزقَ صلاةَ الليل، من عبد أو أمةٍ، قام لله مُخْلصاً، فتوضَّأ وضوءاً سابغاً، وصلَّى لله عز وجل بنيةٍ صادقة، وقلب سليم، وبدنٍ خاشع، وعين دامعة، جعل الله تعالى خلفَهُ سبعةَ صفوفٍ من الملائكة، في كلِّ صفٍ ما لا يُحْصي عددُهُم إلا الله، أحدُ طرفَيْ كلِّ صفٍ بالمشرق، والآخرُ بالمغرب، فإذا فرغ، كتب الله عزَّ وجل له بعددهم درجات".

وسُمعَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقول "الركعتانِ في جوف الليل، أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها".

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "ما من عملٍ حَسَنٍ يعملُهُ العبدُ إلا وله ثوابٌ في القرآن إلا صلاةَ الليل، فإنَّ الله لم يُبيِّنْ ثوابَها لعظيم خطرها عندَهُ فقال: {تتجافى جنوبُهم عن المضاجع يدعون ربَّهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم يُنفِقون، فلا تعلمُ نفسٌ ما أُخفي لهم من قُرَّةِ أعينٍ جزاءٌ بما كانوا يعملون}".

يا ترى ما هي قرةُ العينِ، المخفيَّةِ التي لم تُذكرْ؟ إنما جاءتْ بسياق التعظيم ولم تُقارنْ بالأنهار الجارية والقصور العالية..

كم نن غافلون، نعانقُ النومَ حتى الصباح، وبعده نبقى في سُكْر الطبيعة غارقين، نزدادُ غفلةً، مُكْثرين من المأكل والمشرب والمنكح... هل صلاةُ خليل الرحمن كصلاتنا؟

لعلَّ بعد مدةٍ من سهر الليالي، يرحمُنا الله... وتذكرْ الفقيرَ العاصي الحيواني السيرة، الذي اكتفى من كل المراتب، بالحيوانية، وقُلْ بإخلاص: اللهم ارزقني التجافيَ عن دار الغرور، والإنابةَ إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت".

التقوى

لا يُمكنُ بلوغُ أيَّ درجةٍ من الكمال، من دون التقوى، التي يُقصدُ فيها، "وقايةُ النفس من عصيانِ أوامرِ الله ونواهيه وما يمنع رضاه"، وعُرِّفت أيضاً بأنها "حفظُ النفس حفظاً تاماً عن الوقوع في المحظورات بترك الشُّبُهات".

فالنفس الملوَّثةُ بالمحرمات، ليستْ داخلةً في الإنسانية، وما دامت تميلُ إلى المشتهيات، فلن تصلَ إلى أول مقامات الكمال الإنساني...

وتقوى العامةِ عن المحرَّمات، وتقوى الخاصة عن المشتهيات، وتقوى الزاهدين من حبِّ الدنيا، والمخلصين من حبِّ الذات... {فاستقمْ كما أُمرت}[41].

وهناك شرحٌ وتفاصيل، ولا يحصلُ لأمثالنا منه سوى الحيرةُ والضَّياعُ في المصطلحات وحُجُب المفاهيم، إذ لكل معركة رجال.

فقط نذكر التقوى بمعناها الأوَّلي لأهميَّتها لعامة الناس.

التقوى عند عامة الناس

اعلمْ أيها العزيز، أنه كما للجسد صحةً ومرضاً وعلاجاً، كذلك للنفس أيضاً... فصِحَّةُ النفسِ اعتدالها، ومرضُها انحرافُها.

والأمراضُ النفسية أشدُّ فتكاً من الأمراض الجسمية التي تنتهي آلامُها بالموت، أما تلك، إن وُجدت، لا سمح الله، فما أن تُفارقَ الروحُ البدنَ، حتى تظهرَ آلامَها وأسقامُها، قال الله تعالى {يوم يُحمى عليها في نار جهنَّمَ فتُكوى بها جباهُهُم وجنوبُهم وظهورُهم}[42].

إنَّ الأنبياء عليهم السلام بمنزلة الأطباء، والأعمالَ الروحيةَ القلبيَّةَ والظاهريةَ والبدنيةَ هي بمثابةِ الدواءِ للمرضى.

وفي بعض الأحيان تغلبُ الطبيعة على المرض الجسمي، أما في الأمراض النفسية، لا يمكنُ ذلك، لأن الطبيعة تتغلب على النفس، فتزدادُ فساداً وانتكاساً {إنَّ النفس لأمَّارةٌ بالسوء}[43].

فالراغبُ في صحَّةِ نفسه عليه بأمرين:

1-    عملُ ما يُصْلحُ النفس.

2-    الامتناعُ عمَّا يضرُّها.

فالمحرَّمات فيها ضررٌ عظيم، ولذا حُرِّمت، والواجباتُ فيها مصلحةٌ جليلة، ولذلك كانت واجبةً، ولا بُدَّ من الأمرين معاً، وإن كانت التقوى عن المحرمات مقدَّمةٌ عند أهل السلوك على الواجبات، كما يُفهمُ الاعتناءُ الشديدُ في الأخبار والروايات بهذا.

إذاً أيها العزيز، ثابرْ على هذه المرحلة بدقة شديدة، وكان شيخُنا العارفُ الجليلُ يقول: إنَّ المثابرة على تلاوة آخر آيات سورة الحشر المباركة من {يا أيها الذين آمنوا اتْقوا الله ولتنظُرْ نفسٌ ما قدَّمتْ لغد}[44] إلى آخر السورة، في تعقيبات الصلوات، ومع تدبُّرِ المعاني، خاصةً في أواخر الليل... مؤثرةٌ جداً في إصلاح النفس، وفي الوقاية من شر النفس والشيطان.

وكان يوصي بدوام حال الوضوء قائلاً: إنَّ الوضوءَ مثلُ بزَّةِ الجندي.

واعلمْ أن البداية لتحصيل التقوى صعبةٌ جداً، لكن مع المثابرة يتحولُ العسرُ إلى يسر، والمشقةُ إلى راحة، بل إلى لذَّةٍ روحية، وبعد المواظبة تنتقلُ إلى مقاماتٍ متقدمة، وفيها أحوالٌ عالية...

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، والصلاة على محمد وآله الطاهرين.

الحديث الثالث عشر

التوكل

عن أبي الحسن الأول الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام عندما سُئِلُ عن قوله عزَّ وجل {ومَنْ يتوكلْ على الله فهو حسبه} فقال "التوكُّلُ على الله درجاتٌ، منها أن تتوكل على الله في أمورِكَ كلِّها، فما فعل بك كنتَ عنه راضياً تعلمُ أنه لا يألوك خيراً وفضلاً، وتعلَمُ أنَّ الحكمَ في ذلك له، فتوكلْ على الله بتفويض ذلك إليه وثِقْ به فيها وفي غيرها".

المقدمة في معنى التوكل ودرجاتِه

التوكل: إظهارُ العجز والاعتمادُ على طرفٍ آخر.

وقيل في معانيه، معاني متقاربة منها: "التوكُّلُ كِلَةُ الأمرِ كُلِّهِ إلى مالِكِهِ، والتعويلُ على وكالته" ومنها "التوكُّل طرحُ البدنِ في العبوديَّة، وتعلُّقُ القلب بالربوبية" ومنها "التوكُّلُ على الله انقطاعُ العبدِ في جميع ما يأملُهُ من المخلوقين".

وللتوكُّل درجاتٌ بحسب اختلاف مقامات العباد:

فمنهم الموحِّدون عموماً الذين يقولون بأنَّ الله هو الخالق... لكنْ ليس لهم علمٌ كاملٌ بربوبية الله سبحانه، بل توحيدهُم ناقص، وتوكلهم لفظٌ وادعاءٌ وتشبثٌ بالأسباب الظاهرية والمؤثرات الكونية، والظاهر أننا من هؤلاء الناس.

وإذا صودف أحياناً أن توجهوا إلى الحق تعالى لطلب حاجة، فذلك تقليد منهم حيث لا ضرر من ذلك، أما إذا رأوا الأسباب الظاهرة مطابقةً لأهوائهم، غفلوا عن الحق تعالى تماماً وكما ثبت بالبرهان والنص، في أن التوكل لا يتنافى مع العمل والتكسب، وهذا مُسلَّمٌ به، لكنَّ الاحتجاب عن ربوبية الحق تعالى، وتصريفه للأمور، واعتبارِ الأسبابِ مستقلةً، يتنافى والتوكل.

ومنغريب هؤلاء أنهم لا يتمسَّكون بأدنى درجات التوكل، في أعمالهم الدُنيوية، ويحرصون على السعي والعمل وتهيئة الظروف... أما أمور الآخرة، فإذا ظهر منهم ضعفٌ أو تهاونٌ، أظهروا توكُّلَهم على الحق تعالى وفضله بزهو ومباهاة... كما لو قصَّروا في العبادات والطاعات وتهذيب النفس وطلب العلم... ويدَّعون أن السعي والعمل ينافيان الاعتمادَ والتوكل... هذا فقط في شؤون الآخرة.

وما هذا منهم إلا من مكائد النفس والشيطان.

وهؤلاء في الحقيقة ليسوا متوكلين على الحقِّ تعالى، لا في الأمور الدُّنْيوية، ولا في الأمور الأُخْروية، ولا يعتمدون عليه سبحانه بشيء، ولكنَّهم لاهتمامهم بأمور الدنيا، يتشبَّثون بالأسباب لتصريف أمورهم... وأمورُ الآخرة يتركونها للأعذار والتصنع الكاذب.

ومن المتوكلين مَنْ اقتنعَ بالبرهان أو النقل، وأن الله سبحانه مُسبِّبُ الاسباب، والمؤثرُ في الوجود، ويقيمون الدليلَ على لزوم التوكل بعد أن أثبتوا أركانه وهي:

1-    أن الحقَّ تعالى عالمٌ بحاجات العباد.

2-    أنه قادرٌ على تلبية تلك الحاجات.

3-    أنه ليس في ذاته المقدَّسة بخلٌ.

4-    أنه رحيم رؤوفٌ بالعباد.

وهؤلاءُ متوكلون عملياً، لكنَّهم بعض الأحيان تتصارع عقولُهم مع قلوبهم لأنها بالأسباب متعلقةٌ، وعن تصرف الحقِّ محجوبة.

والطائفة الثالثة من المتوكلين، الذين آمنوا بأنَّ الحقَّ تعالى مقدَّرُ الأمور والسلطانُ على كل شيء، وكتبوا أركان التوكل بقلم العقل على ألواح القلوب، فلا يتعلَّقون بالأسباب بل يتشبَّثون بمقام الربوبية، فيطمئنون إليه كاملاً سبحانه ويعتمدوه، وكما تقدَّم معنا في قول بعضهم! "طرحُ البدنِ في العبودية، وتعلُّقُ القلب بالربوبية".

وجاء في الحديث الشريف "إنَّ في درجات التوكل، أن تتوكَّل، على الله تعالى في كل أمورك".

الفرق بين "التوكل" و"الرضا"

اعلمْ أن "الرضا" أرفعُ وأسمى من "التوكل"، لأن الأخيرَ طلبُ الخير والصلاحِ لنفسه، من فاعل الخير سبحانه، أما الإنسان "الراضي" فهو الذي أفنى إرادتَه في إرادة الله، ولقد سُئل أحدُ أهل السلوك:

ما تريد؟ فقال: أريدُ أن لا أريد.

القرق بين "التفويض" و"التوكل" و"الثقة"

وكلُّ مفردة منها تختلف عن الأخرى، كما أظهره السالكون.

يقول الخواجه عبدُ الله الأنصاري "التفويضُ ألطفُ إشارةً، وأوسع معنىً من التوكُّل، ثم قال: التوكُّلُ شعبةٌ منه" لأنَّ التفويض أنْ لا نرى لأنفسنا حولاً ولا قوةً ولا تصرفاً، بل كلُّ ذلك لله تعالى، أما التوكلُ إنَّما يكون بجعل الحقِّ سبحانه قائماً مقامه في جلب الخير والصلاح.

والتوكلُ يكون في المصالح، التفويضُ يكون في الأمور كافة، لذا كان الأولُ فرعاً للثاني.

والتوكل يكون بعد وقوع سببٍ يستوجبُهُ، مثلُ توكلِ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأصحابِه على الله تعالى لحفظهم من المشركين {إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشَوْهم فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل}[45] والتفويضُ يكون قبل وقوع السبب، كما في دعاء النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "اللهم إني أسلمتُ نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوَّضتُ أمري إليك" وقد يكون بعد وقوع السبب، كتمثيل مؤمنِ آل فِرعون في قوله تعالى: {... وأُفوِّضُ أمري إلى الله، إنَّ الله بصير بالعباد}[46].

وأما "الثقة" فكما يقول الخواجه الأنصاري "الثقة سوادُ عين التوكل، ونقطةُ دائرةِ التفويض، وسويداءُ قلب التسليم".

فالمقامات الثلاثة لا تحصُلُ من دون ثقة، ومع عدم الثقة به سبحانه، لا يمكنُ نيلُ شيءٍ من المقامات.

 

الحديث الرابع عشر

الخوف والرجاء

عن مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام عند سُئل عمَّا كان في وصيَّة لقمان؟ فقال عليه السلام "كان فيها الأعاجيبُ، وكان أعجبُ ما كان فيها، أنْ قال لابنه: خَفِ الله عز وجل خيفةً لو جئتَهُ ببرِّ الثقلين لعذَّبك، وارجُ الله رجاءً، لو جئتَهُ بذنوب الثقلين لَرَحِمَكَ، ثم قال عليه السلام، كان أبي يقول: إنه ليس من عبدٍ مؤمنٍ إلا وفي قلبه نوران، نورُ خيفةٍ ونورُ رجاءٍ، لو وُزِنَ هذا لم يزد على هذا، ولو وُزِنَ هذا لم يزدْ على هذا".

المقدمة

الأعجوبة: ما يكون حسنُه أو قبحُه مثيراً للتعجب، وفي الحديث قُصد المعنى الأول.

البِّرُّ: خلاف العُقوق.

الثقلان: الجن والإنس.

والحديث الشريف يدلُّ على ما جرى تأكيدُه في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة، من أنَّ الخوفَ والرجاء يجب أن يصلا إلى مرتبة الكمال، هذا من جهة، وأن اليأس من رحمة الله تعالى غيرُ جائزٍ أبداً، وكذلك الأمانُ من مكره سبحانه.

نظرتا الإنسان العارف

الإنسانُ العارفُ المطَّلعُ له نظرتان:

1-                             نظرة إلى نقصه ونقص جميع الممكنات والغرق في بحر الظلام والفقر والاحتياج، ولو تقدَّم إلى أعتاب الربوبية بالعبادات والطاعات والمعارف، فليس له إلا أن يُطأطئ رأسَهُ خجلاً وتذلُلاً وخوفاً، فما هذه العبادةُ والطاعة؟ وممَّن؟ ولمن؟ فكلُّ المحامدِ تعود إليه تعالى حيث يقول سبحانه {ما أصابك من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك...}[47] ويقول سبحانه {قُلْ كلٌ من عند الله}[48] وفي هذا المقامِ يستولي على الإنسان الخوفُ والحزنُ والخجل.

2-                             نظرةٌ إلى كمال الواجب ورحمته ولطفه وعنايته، ويرى أنه لا يُمْكنُ الإحاطةُ بِنعَمِهِ سبحانه وحصرها وإحصائها، وأنه فتح أبوابَ لطفِهِ وعفوِه على العباد دون استحقاق، ودون البدءِ بالطلب والسؤال.

ويظهر هذا كثيراً في أدعية الإمام زين العابدين عليه السلام... فيقوى رجاؤه وأملُهُ، بالكريم اللطيف مالكِ الملوك وواهب العطايا المعجزة للعقول عن إدراكها وعدِّها، وهو جلَّ جلالُه لا يُنقصُ من ملكه معصيةُ العاصين، ولا تزيدُه طاعةُ المطيعين،... بل من عناياته وآلائه هدايتُنا إلى الطاعات، ومنعُنا عن المعاصي.

ومع كل هذا نأتيه مثقلين بذنوب الثقلين، فماذا يا تُرى سيفعلُ بقبضةِ تُرابٍ لا تُساوي شيئاً سوى الشًمولِ بالرحمة واللُطْف؟

فعلى كلِّ إنسان أن يكون له كهاتين النظرتين، فلا يغفلُ عن نقصه وقُصوره، ولا ينسى سعةَ رحمةِ الله جلَّ جلالُه وتعالى ذكرُه.

مراتبُ الخوفِ ودرجاتُه

اعلمْ أيها العزيز، أن للخوف والرجاء درجاتٍ، فخوفُ العامةِ من العذاب، وخوفُ الخاصة من العتاب، وخوفُ خاصةِ الخاصة من الاحتجاب...

وفي كل الأحوال ليس لأيٍ من المخلوقات قدرةٌ أو قابليَّةٌ لعبادة الحقَّ تعالى حقَّ عبادته، وأنَّى هذا واليد قصيرةٌ عن معرفة الله سبحانه، والعبادةُ والثناءُ فرعُ معرفته تبارك وتعالى، واعترف بذلك أشرفُ الخلائق وأعرفُ الكائنات، قال "ما عبدناك حقَّ عبادتِك، وما عرفناك حقَّ معرفتِكَ".

والجملةُ الثانيةُ تعليلٌ للجملةِ الأولى، ثم قال "أنت كما أثنيت على نفسك".

فالقصور الذاتيُّ من حق الممكن، والعلوُّ الذاتي خاصٌ بالله جلَّ جلالُه.

فالعباد قاصرون عن الثناء والعبادة، والعامةُ غافلون عن ذلك، ففتح سبحانه بلطفه ورحمته لهم بابَ العبادة والمعرفة ليُخفِّفوا من نقائصهم قدرَ الإمكان، للوصول إلى جنَّات النعيم، ورضوانٍ من الله أكبر.

ففتحُ باب العبادة نفسه لطفٌ من الله، والشكرُ على ذلك هو بابُ كرامةٍ جديد... ولو أتيتَ بعبادةِ الجن والإنس والملائكة المقربين، لبقي الخوف والتقصيرُ والخشيةُ... يقول أحدُهم: الناس تخافُ النهاية، وأنا أخاف البداية.

سبحان الله ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، يجب على مَنْ سمع هذا الكلام، أنْ يتقطعَ قلبُه، ويذوبَ خوفاً، ويهيمَ على وجهه في البراري.

فلنعترفْ أن عباداتنا وطاعاتِنا لمصلحة شخصية ولحبِّ النفس، ولتعمير البطن والفرج... مع أنه سبحانه دعانا إلى مقام قربه وأنسه، قال "وخلَقْتُك لأجلي" نحن أهلُ العيوب والنواقصِ والموبقات، كم نحن تافهون عندما نتكلُ على أعمالنا والوليُّ من أوليائك يعترف ويقول "أفَبِلِساني الكالِّ هذا أشكُرُك!" مقراً بعجزه وقصوره، فكيف بنا نحن الغارقون المحجوبون بالمعاصي والآثام؟!

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "قال الله تبارك وتعالى: لا يتَّكلُ العاملون لي على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنَّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسَهم في عبادتي كانوا مُقصِّرين غيرَ بالغين في عبادتهم كُنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي، والنعم في جنَّاتي، ورفيع الدرجاتِ العُلى في جواري، ولكن برحمتي فَلْيثقوا، وفضلي فَلْيُرجوا، وإلى حسن الظنِّ بي فليطمئنوا، فإنَّ رحمتي عند ذلك تُدْركُهُمْ، ومنِّي يُبلِّغُهُمْ رضواني، ومغفرتي تُلبِسُهُم عفوي، فإني أنا الله الرحمنُ الرحيم، وبذلك تسمَّيتُ".

ومن أسباب الخوف أيضاً التفكُّرُ في دقة سلوك الآخرة، والأخطارُ المحيطةُ بالإنسان في حياته وعند موته، ويوم القيامة، والحساب، والميزان، مع التأمل في الآيات والأخبار التي تتناولُ هذه الأمور، وما وعد الله تعالى عبادَه ممَّا يُحيي الأملَ والرجاءَ.

وفي بعضها أن رحمةَ الله في يوم القيامة يطمع فيها حتى الشيطان، وأنَّ كلَّ ما يُحيطُ بنا ممَّا لا يُعدُّ ولا يُحْصى، ما هو إلا ذرة من رحمته سبحانه، فكيف بعالَم الكرامة، ودارِ الضيافة، ثِقْ {إن الله يغفرُ الدنوبَ جميعاً}[49] {ورحمتي وسعت كل شيء}[50].

الفرق بين الرجاء والغرور

أيها العزيز انتبه ولا تخلط بين الرجاء والغرور كما يقعُ لكثيرٍ من الناس، فهذا الذي تظنُّ أنه رجاء، فإذا كان نتيجة الاعتقادِ بسعة رحمةِ الله عز وجل، فهو رجاءٌ صادق، أما إذا كان ناشئاً عن التهاون في أوامره سبحانه، فهذا غرورٌ بعينه.

وتستطيعُ التفريق بين الرجاء والغرور فيما لو لم تكن في عملك وعبادتِك وطاعتِك، معتمداً على أعمالك بل كنت آملاً رحمةَ الله وفضلَه وعطاءَه، ولا تستحق بعدله إلا اللوم والسخط، فأنت من أهل الرجاء، فاشكرْ الله تعالى، وأسألْه التثبيتَ والزيادة... وأما إذا كنت لا سمح الله متهاوناً في أوامره ومستخفاً بها، وتراها كثيرةً وجليلةً تستحق الثوابَ، فاعلمْ أنك مغرورٌ واقعٌ تحت سلطة الشيطان ونفسك الأمَّارة بالسوء.

وفي الحديث الشريف عن مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قيل له قومٌ يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهُمُ الموتُ، فقال عليه السلام: "هؤلاء قومٌ يترجَّحون في الأماني، كذبوا ليسوا براجين، إنَّ مَنْ رجا شيئاً طلبه، ومَنْ خاف من شيء، هرب منه".

وفي نص آخر عنه عليه السلام قال: "لا يكون المؤمنُ مؤمناً، حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخافُ ويرجو".

فالرجاء المحبوب يكون في تهيئة كافة الأسباب التي يقدرُ عليها الإنسانُ، بحسب ما زوَّدَهُ الله تعالى من القدرة، ثم يرجو الله في الأسباب التي ليست هي تحت قدرته وإرادته.

يقول الحقُّ المتعالي {إنَّ الذين آمنوا والذين هاجروا في سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله}[51].

لماذا تعادُلُ الخوفِ والرجاء؟

عندما يُدْركُ الإنسانُ أنَّه عاجزٌ عن القيام بالعبودية، ويرى صعوبةَ الفوزِ بالآخرة، وشدةَ هوى النفس، ومكرَ الشيطان، وعظيمَ الذنوب، يحصُلُ عنده خوفٌ كبير، ثم يذكرُ أناساً كان يعرفُهم ماتوا دون عملٍ صالح أو إيمان، مع حسنِ أحوالهم في بادئ أمرهم، فيشتدُّ عنده الخوف، وورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "المؤمنُ بين مخافتين: ذنبٍ قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه، وعمرٍ قد بقيَ لا يدري ما يكتسبُ فيه من المهالك، فهو لا يُصبحُ إلا خائفاً، ولا يُصلحُهُ إلا الخوف".

وعندما يرى الإنسانُ تقصيرَه، ويرى الحَقَّ سبحانه في منتهى العظمة، وسعةِ الرحمة، تحصُلُ عنده حالةُ الرجاءِ المتوازية مع الخوف.

وقيل إن الخوف أحياناً يكون أنفع كأيام الصحة والعافية لكسب الكمالِ والعملِ الصالح، ويكونُ الرجاءُ أحياناً أفضل كساعاتِ ظهور علاماتِ الموت.

لكنَّ الخوفَ المحبوب والرجاءَ المطلوب يدفعان الإنسانَ نحوَ العملِ واكتسابِ الآخرة.

الحديث الخامس عشر

البلاء

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال "إنَّ في كتاب علي عليه السلام: إنَّ أشدَّ الناس بلاءً النَّبيُّون ثم الوصيُّون ثم الأمثلُ فالأمثل، وإنَّما يُبتلى المؤمنُ على قدر أعماله الحسنة، فمن صحَّ دينهُ وحسُنَ عملُهُ، اشتدَّ بلاءه، وذلك أن الله تعالى لم يجعلْ الدنيا ثواباً لمؤمنٍ ولا عقوبةً لكافر، ومَنْ سخُفَ دينُهُ وضعُفَ عقلُهُ، قلَّ بلاؤه، وإنَّ البلاءَ أسرعُ إلى المؤمن التَّقي من المطر إلى قرار الأرض".

المقدمة

المقصود بالناس عمومُ البشر، والبلاءُ هو الاختبارُ والامتحان إن كان في الحسن أو في القبيح، في الخير أو الشر، يقول الحقُّ تعالى {وليُبْلِيَ المؤمنين منه بلاءً حسناً}[52].

وكلُّ ما يمتحنُ الله جلَّ جلالُهُ عباده يُسمى بلاءً وابتلاءً كالأمراض والفقر وإدبار الدنيا... وكثرة الجاه والزعامةِ والمال والمسؤولية والاتباع.

ومتى ذُكر البلاءُ مطلقاً انصرف إلى المعنى الأول.

الأمثَل: الأفضلُ والأشرف، فمراتبُ الابتلاءِ على قدر درجات الفضل عند الله سبحانه.

السُخْف: هو ضعفُ العقل وخفَّتُهُ.

قرار: مستقرُّ الأرضِ ومحلُّ الأمطار.

الامتحانُ وآثارُهُ

النفوسُ البشريَّةُ منذ أن وُجدت فيها من الأهلية والقابلية في الأمور الحسنة والسيئة، ما يُمكنُ تحصيلُهُ ليتدرَّج نحو الفعلية شيئاً فشيئاً، وذلك في العلوم والمعارف والملكات... فإن لم يوجدْ ما يُفَجِّرُ الطاقاتِ الخيِّرة، كان لا بد من تغلُّبَ الخبائث والمفاسد والقبائح لأن الدواعي الداخلية تسوقُ الإنسانَ إلى الظلم والفجور... ولا تنفعُ الملكاتُ الموجودةُ بالقوَّة.

ومن نعمة الله سبحانه على البشر جعلُ نوعين، من التربية والتهذيب يتخلَّصُ بهما من الجهل والقُبْح والشقاء إلى المعرفة والجمال والسعادة، وهما:

1-    العقل المميِّزُ بين الحسن والقبيح.

2-    والأنبياء الأدلاءُ لطرق السعادة والشقاء.

وكلٌّ منهما يُكَمِّلُ الآخر لجعل الطاقات والاستعدادات المستورة تخرج من القوة إلى الفعلية، كامتحانٍ واختبار لبني البشر لتمييز السعيد والشقي والمطيع والعاصي، قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام لمنصور "يا منصورُ إنَّ هذا الأمرَ لا ياتيكُم إلا بعد إياسٍ، لا والله حتى تُميِّزوا، ولا والله حتى تُمَّصوا، ولا والله حتى مَنْ يشقى، ويَسْعَدَ مَنْ يسعَدُ".

وعنه عليه السلام "ما مِنْ قبضٍ ولا بَسْطٍ إلا والله مشيئةٌ وقضاءٌ وابتلاءٌ" و"القبضُ" في اللغة هو الإمساكُ والمنعُ و"البَسْطُ" هو العطاءُ، فكلُّ منعٍ أو عطاءٍ، وكلُّ أمرٍ أو نهي فيه تكليفٌ وامتحان، لفصل السعيد عن الشقي على صعيدِ الخارج الواقعي، كما ذكر الحكماء.

والله جلَّ جلالُه محيطٌ بكل شيءٍ قبل إيجاده.

فلسفةُ ابتلاءِ الأنبياء والأوصياء والمؤمنين

من المعروف أن كلَّ عملٍ من الأعمال الحسنة أو السيِّئة، يتركُ أثراً لدى النفس، وعُبِّر عنه في الروايات بنقطةٍ بيضاء ونقطةٍ سوداء.

هذا الأثرُ من اللذائذ والمشتهيات والأطعمة والأشربة يزيدُ من تعلُّق النفسِ بالدنيا، فيركُنُ إليها ويعتمدُ عليها ـ وكُلَّما كان العيش والعشرة والراحةُ أوفى، كُلَّما أقبلت النفسُ على الدنيا أكثر، وغفلت عن عالم الآخرة أكثر، وإذا ركنتْ النفسُ إلى الدنيا كُلِّياً انصرفت عن الحق المتعال نهائياً {أخْلَد إلى الأرض، واتَّبَعَ هواه}[53].

لذا مَنْ انهمك باللذائذ والمشتهيات انصرف إلى حبِّ الدنيا قهراً ومن دون اختيار، وبالتالي انصرف عن الآخرة بسوء عمله.

ومَنْ عاش همومَ الدنيا وآلامَها ومشاكلَها وفتَنَها نفر عنها وخفَّ تعلُّقُه بها، وأحبَّ الارتحالَ إلى الحقِّ المتعال، إنْ لم يكن بجسمه فبروحه وقلبه.

فإذا رحم الله تعالى عبداً أبعده عن زخرف الدنيا وزركشتها ووجَّهه إلى عالَمِ الآخرة بحسب مستوى إيمانه.

ولو لم يكن من نفعٍ من تحمُّلِ المحنِ والمصائب إلا الإعراضُ عن الدنيا وبُغْضُها والإقبالُ نحو الآخرة، لكفى.

ورد عن أبي جعفر الباقر عليه السلام "إنَّ الله تعالى ليتعاهَدَ المؤمنَ بالبلاء كما يتعاهدُ الرجلُ أهلَهُ بالهدية من الغَيبة، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيبُ المريض".

وكُلَّما تقدَّم الإنسانُ نحو الآخرة، بعُدَ عن الدنيا، وغمرته عناياتُ الحقِّ تعالى، تماماً، كالإنسان الذي يحملُ مصباحاً في طريقٍ مظلم، كُلَّما تقدَّم خطوةً، اهتدى للخطوة اللاحقة.

ولعلَّ إيثار الأنبياء والأولياء للفقر على الغنى، والابتلاء على الراحة، والمعاناةِ على الرفاهية لعلمهم أن الله تعالى لا ينظر إلى الدنيا وزخرفها، ولذلك امتنع رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن قبول مفاتيح خزائن الأرض مع ضمان درجاته الأُخْروية.

وعن الإمام الصادق عليه السلام "إنَّ الكافر ليهونُ على الله لو سأهل الدنيا بما فيها أعطاه ذلك" لهوان الدنيا في عينه تبارك وتعالى، الذي لم ينظر إليه نظرة لطف وعناية منذ خلقه، كما ورد في الخبر.

وهناك درجاتٌ لا تُنالُ في الآخرة إلا بالمصائب والآلام، حيث ورد عن الإمام الصادق عليه السلام "إنَّه ليكونُ للعبد منزلةٌ عند الله فما ينالُها إلا بإحدى الخصلتين، إمَّا بذهاب ماله أو ببليَّةٍ في جسده".

وفي رواية شهادة الإمام الحسين عليه السلام أنه رأى جدَّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في المنام وأخبره بــ"أ، لك درجةً في الجنَّة لا تنالُها إلا بالشهادة".

وعن الصادق عليه السلام قال: "إنَّ عظيمَ الأجر لَمَعَ عظيمَ البلاء، وما أحبَّ الله قوماً إلا ابتلاهم".

ولو لم يُبتلَ الأنبياءُ والأوصياءُ بالأمراض الحسيَّة والجسمية كغيرهم، لقيل فيهم ما قالت النصارى في نبيِّهم... وما كان ذلك إلا تعظيماً لأجرهم وتثبيتاً لأمرهم.

الدنيا ليسَتْ بدار حساب

هذه الدنيا ليست محلاً للثواب والعقاب، لأن دار كرامةِ الحقِّ تعالى فيه نعمٌ خالصة؟ وراحةٌ من دون تعب، بينما في هذه الدنيا كلُ نعمةٍ محفوفة بأنواع العذاب والمحن، أما الذين يتوقَّعون من الحقِّ سبحانه أن ينتقم من العاصين والمعتدين، فيقطع أيديهم ويُخرسَ ألسنَتَهم، غافلون عن أن هذا العقاب خلافُ السنَّةِ الإلهية، فهذه الدار دارُ امتحانٍ وتفريق بين الشقي والسعيد والمطيع والعاصي، ورُبَّما يُستدرجُ الظالمُ باستمرار ظلمه كما يقول الله سبحانه {سنستدرجُهُم من حيث لا يعلمون، وأُمْلي لهم إنَّ كيدي متين}[54].

ويقول عزَّ وجل {ولا يحسبَنَّ الذين كفروا أنَّما نُمْلي لهم خيرٌ لأنفسهم، إنَّما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مهين}[55].

وعن الإمام الصادق عليه السلام "إذا أحدث العبدُ ذنباً، جُدِّدَ له نعمةٌ، فيدعُ الاستغفارَ فهو الاستدراج".

البلاء على قدر الإيمان

يبدو أن الضعاف في عقولهم في أمانٍ من المعاناة كثيراً، على خلاف صاحبِ العقلِ الكامل، حيث تزدادُ مصائبُه ومعاناتُه.

هذا ما يُفهمُ من آخر الحديث "ومَنْ سَخُفَ دينُه، وضعُفَ عقلُهُ، قلَّ بلاؤُه".

وكلُّ مَنْ يعظُمُ إيمانُهُ ويشفِقُ على عباد الله، يتألَّمُ ويتعذَّبُ نتيجةَ عصيانِ الناس وانحرافهم وعيوبهم، وقطعاً كان خاتمُ النبيين صلَّى الله عليه وآله وسلَّم الأكملَ من كل بني البشر في هذه المقامات والدرجات، فمحنُهُ وآلامه أعمق، ورُوي عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "ما أوذيَ نبيٌ مثلَ ما أوذيتُ".

والله العالِمُ وله الحَمد.

الحديث السادس عشر

الصبر

عن أبي عبد الله عليه السلام "إنَّ الحرَّ حرٌّ على جميع أحواله، إنْ نابَتْه نائبةٌ صبر لها، وإنْ تداكَّتْ عليه المصائبُ لم تكسِرْه، وإنْ أُسِرَ وَقُهِرَ واستُبْدلَ باليُسْر عُسْراً، كما كان يوسُفُ الصدِّيقُ الأمينُ لم يُضْررْ حرِّيَّتَهُ أنْ استُعبدَ وقُهِرَ، وأسر، ولم تُضْررْهُ ظُلْمةُ الجُبِّ ووحْشَتُهُ وما نالَهُ أنْ مَنَّ الله عليه، فجعَلَ الجبَّار العاتي له عبداً، بعد إذْ كان له مالكاً، فأرسَلَهُ ورحِمَ به أمَّهُ، وكذلك الصبرُ، يُعقِّبُ خيراً، فاصبروا، ووطِّنُوا أنفسَكُمْ على الصَّبْر تُؤجَروا".
المقدمة

نائبة: هي الحادثةُ والكارثة.

دكَّ: ضر به وكسره أو بمعنى الاجتماعُ والازدحام.

إنْ: في "إنْ أُسِرَ" وصلية.

أسيرُ الشهوة وعبدُ الدنيا

إذا كان الإنسان مقهوراً لهيمنة شهوته، كان عبداً منقاداً للنفس الأمَّارة، خاضعاً مطيعاً لها، حتى يصل إلى درجة، نعوذ بالله تعالى، يُفضِّلُ طاعتَها على طاعة خالق السموات والأرض، ومالِك الملوك، ولم يعد له عزَّةٌ ولا كرامةٌ، بل ذلٌ وعبوديَّةٌ وخضوعٌ لأهل الدنيا والجاه، للترفيه عن بطنه وشهواته، ولو كان هؤلاء من أتفه وأحطِّ الناس.

وكلُّ حديث لهؤلاء الساقطين عن التعفُّف والعزَّةِ، تُكذِّبُه أعمالُهم ورسنُ الشهوةِ في رقابهم، ولا يخرجون إلا بالعلاج المؤلف من العلم والعمل.

والعلمُ يتمّ بتلقين النَّفس والقلب أنَّ الآخرين من بني البشر أيضاً هم فقراءُ وضعافٌ ومحتاجون وعاجزون عن إنجاز حتى حاجاتهم الشخصيَّة، وهم أقلُّ من أن يخضع لهم القلبُ، لأن الذي منحهم السلطانَ والمالَ، قادرٌ على منحه لمن يشاء من غيرهم.

أما العمل فيكونُ بالعبادات الشرعية ومخالفةِ النفس عن الشهوات والأهواء، حتى تتعوَّدَ على الخيرات والكمالات.

كم من الذين يُظهِرون قدرة وتسلُّطاً، هم في الحقيقة أذلاءُ وعبيدٌ للشهوة والنفس الأمارة بالسوء، متزلِّفون لمخلوق تافه، لا يملك من أمره شيئاً.

نُقل عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام "إني لآنَفُ أنْ أطلُبَ الدُّنْيا من خالقها، فكيف من مخلوقٍ مثلي".

أيها العزيز، إذا كان لا بد لك من طلب الدنيا، فعلى الأقل لا تطلُبْها من إنسان ضعيف ومخلوقٍ عاجزِ...

ولو فرضنا أنك كسِبْتَ رأيَه، فَمنْ يضمنُ إرادَتَه، وهل لها قُوَّةٌ وفاعليَّةٌ في مُلْك الله سبحانه.

فلا تكن عبدَ دنياكَ الفانية، والمخلوقِ المعدم، وكُنْ حراً من الأغلال والأسر ما دمتَ مطيعا لربِّك، وكما ورد في الحديث الشريف "إنَّ الحرَّ حرٌ على جميع أحواله".

إنَّ اليهود من أغنى شعوب الأرض، لكنَّهم أشقياءُ تُعساءُ تبدو على ملامحهم الحاجةُ والفقر والذُلُّ، نتيجةَ فقرهم وذُلِّهم النفسي... وبالمقابل رأينا بعضَ أهلِ الزهدِ والبساطة، وقلوبُهم مُفْعمةً بالغنى والكفاف، لا يُبالون بالدنيا، ولا يجدون أحداً أهلاً للاستعانة به من بني الإنسان.

أنظرُ أيها الحبيب، فيمن حولَكَ من أهل الدنيا الطالبين للرئاسة والزعامة الدُنيوية، كيف ذُلُّهم وتزلُّفُهم أمام عبادٍ لا يضرُّون ولا ينفعون ولا يمنعون عن أنفسهم ما لا يرغبون، ولا يضمنون ويرجون.

يقول الله تعالى {ووجدوا ما عمِلوا حاضراً}[56] ويقول {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}[57].

تذكرة

لا تضجر أيها العزيز من التكرار الوارد في هذه الأوراق، لأنَّ تذكيرَ النفسِ وقولَ الحقِّ أمرٌ مطلوب، ولهذا يستحبُّ تكرارُ الأذكار والأورادِ والعباداتِ والمناسك، ثم وما دامت القوة الجسديةُ سالمةً، تأمَّلْ في أحوال الماضين، وفي سوء عاقبة بعضهم، وفي أيامك القليلة الباقية، وفي ما نُقل عن الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "الدُّنْيا مزرعةُ الآخرة" وماذا ينفعك إذا جاءك الموتُ، قبل الزرع والعمل الصالح، وأنت عبدُ الشهوات، وأسيرُ القيودِ والأهواءِ النفسية؟!

فيا أيتها النفسُ الدنيئةُ، ويا أيها القلبُ الساهي، استيقظا وانهضا واتركا الذُلَّ والعبودية، للكرامة والحرية "إنَّ الحرَّ حرٌّ على جميع أحواله".

معنى الصَّبْر

من أهم نتائج تحرُّرِ الإنسان من عبودية النفس، الصبر في البلايا والنوائب، فما هو الصبر؟

قيل، إنَّ الصَّبْر هو كفُّ النفس عن الجزع عند حلول مكروه.

والصبرُ مقامُ عالٍ للسالكين، وليس هو منتهى الدرجات، وما دامت النفسُ تكرهُ المصائبَ والبليَّات، فهذا دليلُ ضعفها، مع العلم أن درجةَ الرضا بالقضاء، والابتهاجَ من إقبال المصائب، مقامٌ أرقى من مقام الصبر.

نُقل عن العبد الصالح، صاحبِ المقامات والكرامات علي بن طاووس، قدَّسَ الله نفسَه، أنه كان يحتفلُ في كل عامٍ بيوم ذكرى بلوغه الشرعي، وينثُرُ الهدايا على الأهل والأصدقاء، وذلك لِما شرَّفه الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم من التكليف بالعبادات والطاعات.

هل صحيحٌ منَّا نحن المساكين أن نعتقد الصبرَ على المعصية والطاعة؟! وهل هذا إلا نتيجةً لنقص المعرفة بأسرار العبادة, وصور الطاعات والمعاصي؟

نعم لو أدركنا حقيقة العبادات وصورها البرزخية، وحقيقةَ المعاصي، وصورِها الموحشة، لما كان معنى للصبر عليها.

للأسف، إن الكثير منَّا يعتبرُ أن الله سبحانه كلَّفنا وشدَّدَ علينا بالأحكام الشرعية المختلفة، من أوامرها ونواهيها، وكم منَّا إذا قام بصلاته أو بمطلق تكليفه، لقالَ أنه فرضٌ عليَّ، وأريدُ أن أرتاح منه، ومن عبئه؟!

وما ورد في الأنبياء والأئمةِ عليهم السلام، ونعتهم بالصبر، ما هو إلا الانفعالاتُ الطبيعيةُ لأيِّ إنسان... ولا معنى لصبرهم على الطاعات أو المعاصي أو النوائب... ولا حتى لشيعتهم!!!

يقول العارف الكاشاني، في شرح "منازل السائرين" ما مضمونه: إنَّ الصبرَ عن الشكوى أي الشكوى إلى المخلوق، وأما الشكوى إلى الحقِّ تعالى، وإظهارُ الجزع والفزعِ له عز وجل، فلا تتنافى مع الصبر، كما اشتكى أيوبُ عليه السلام لربِّه تعالى فقال {إني مسَّني الشيطانُ بنُصبٍ وعذاب}[58] رغم أن الله تعالى أثنى عليه بقوله {إنَّا وجدناه صابراً، نِعمَ العبدُ إنَّه أواب}[59].

وقال يعقوبُ عليه السلام {إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله}[60] مع أنه كان عليه السلام من الصابرين.

ونرى أن الأنبياء والأئمة عليهم السلام، لم يمتنعوا عن الدعاء والتضرع والمسألة، مع أن مقامهم أرفعُ من مقام الصبرِ والرضا والتسليم، وذلك من باب المناجاة والعبودية أمام الخالقِ تعالى، غايةِ آمالِ العارفين.

 

نتائجُ الصَّبْر

إذا حصل الإنسانُ على مقام الصبر حتى أصبحَ ملكةً راسخةً في النفس، أصبح مؤهلاً للمقامات العليا، لأن نفسَهُ أصبحت معتادةً مرتاضةً على الصعاب والآلام والشدة والمشاق والمفاجآت والمرارات في العبادات والطاعات والنوائب والمصائب... ومن نتائج الصبر:

1-    الصبر على المعصية يبعث على تقوى النفس.

2-    الصبر على الطاعة يسبِّبُ الاستئناسَ بالحقِّ عز وجل.

3-    الصبر على البلايا يوجب مقام الرضا، وهو من المقامات الشامخة.

ورد عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام، قال "الصَّبْر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأسُ، ذهب الجسد، وكذلك إذا ذهب الصبر، ذهب الإيمان".

والأحاديث كثيرةٌ في هذا الباب، ويردُ بعضُها بحسب المناسب إن شاء الله تعالى.

والصبرُ يُخفِّفُ الصِّعابَ، ويُقوِّي العزم، والإرادة، أما الفزع والجزع فإنَّه يورثُ الضعفَ والاضطراب والوهن، ويُضاعفُ المصيبةَ، ويسلُبُ الراحة والطمأنينةَ.

وفي هذا يقول المحقق الخبير الشيخ الطوسي "وهو (أي الصبر) يمنعُ الباطنَ عن الاضطراب، واللِّسانَ عن الشكاية، والأعضاءَ عن الحركات الغير المعتادة".

وغيرُ الصابرِ، كثيرُ الشكايةِ والتبرُّمِ، ساقطُ من أعين الناس، مشهور بالفيض بينهم، مفضوحٌ في كرامته وقلَّةِ جَلَدِه.

نعم، من لا صبرَ له لا إيمان له، وأيُّ مؤمنٍ هو هذا الذي ينسى آلافَ آلافِ النِعَمِ والبركات النازلة عليه، ثم لا يتحمَّلُ مصيبةً واحدةً، فيشكو وليَّ نعمتِهِ لمخلوق ضعيف؟! وأيُّ تسليم لك بالقدرة الإلهية وأنت تشتكي حوادثَ الأيام والبليَّاتِ، وكان الشرفُ لك أن تستقبلها بالتكريم والشكر؟!!! وأيُّ وقاحةٍ لك وأنت تشكرُ ربَّك في الظاهر طمعاً في الزيادة، وعند أول مصيبةٍ نازلة تشكيه سبحانه وتعالى للناس، وتعترضين عليه، ليتحوَّلَ ذلك إلى بغضٍ، نعوذ بالله تعالى، للقضاء الإلهي، بل إلى عداءٍ للذات المقدَّسة سبحانه وتعالى؟!

يا مسكين أتُريدُ أن تموتَ وأنت مبغضٌ لمالك النعم؟! نعوذ بالله سبحانه من سوء العاقبة، والإيمان المستعار "لا إيمان لمن لا صبرَ له".

وهل جزعُك يقضي على المصائب، ويردُّ البليَّات؟! والقدرُ نافذٌ رضيتَ أم لم ترضى!!!

ورد عن سَمَاعة بن مُهران، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: قال لي، ما حَبًسك عن الحج؟ قال: قُلْتُ، جُعلتُ فداك، وقع عليَّ دينٌ كثيرٌ وذهب مالي، وديني الذي قد لزمني، هو أعظمُ من ذهاب مالي، فلولا أنَّ رجلاً من أصحابنا أخرجني ما قدَرْتُ أنْ أخرُجَ، فقال لي: إن تصبْر تُغتبط، وإلاَّ تصبِرْ يُنْفِذِ الله مغاديره، راضياً كنت أم كارهاً.

وعن الإمام الصادق عليه السلام "إذا دخَلَ المؤمنُ في قبره كانت الصلاةُ عن يمينه، والزَّكاةُ عن يساره، والبِّرُّ مُطلٌّ عليه، ويتنحَّى الصبرُ ناحيةً، فإذا دخل عليه الملكان، اللذان يليانِ مَساءَلَتَهُ، قال الصبرُ للصلاة والزكاة والبِرِّ، دونَكُمْ صاحِبَكم، فإن عجِزتُم منه، فأنا دونَه".

درجات الصبر

إعلم، أن للصبر درجات، يختلفُ الأجرُ والثوابُ على أساسها، كالصبر عن المعصية الذي هو أفضلُ درجاتِ الصبر، ويليه الصبرُ على الطاعة، ثم الصبر على المصيبة.

ورد عن أمير المتقين والمؤمنين عليٍّ عليه السلام قال "قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، الصَّبْرُ ثلاثة: صبرٌ عند المصيبة، وصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يُردَّها بحُسْن عزائها، كتب الله له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، ومَنْ صبر على الطاعة، كتب الله له سِتّمائةِ درجةٍ، ما بين الدرجةِ إلى الدرجةِ، كما بين تُخومِ الأرض إلى العرش، ومَنْ صبرَ عن المعصية، كتب الله له تِسْعَمِائةِ درجةٍ ما بين الدرجة إلى الدرجة، كما بين تُخومِ الأرض إلى مُنْتهى العرش".

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، سيأتي على الناس زمانٌ، لا يُنالُ فيه المُلْكُ إلا بالقتل والتجبُّر، ولا الغنى إلا بالغضب والبُخْل، ولا المحبَّةُ إلا باستخراج الدِّين واتِّباعِ الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان، فصبر على الفقر، وهو يقدرُ على الغنى، وصَبَرَ على البُغْضة، وهو يقدرُ على المحبَّة، وصبر على الذُلِّ، وهو يقدر على العِزِّ، أتاه الله ثواب خسمينَ صِدِّيقاً مِمَّنْ صدَّقَ بي.

الدرجات العالية للصبر

ما تقدَّم كان حولَ درجاتِ الصبر لعامة الناس، لكن هناك درجات أخرى ترجع إلى أهلِ السلوك والعرفان والكُمَّلين والأولياء، نشيرُ إلى بعضها:

-        "الصبرُ في الله" وهو الثبات والمجاهدةُ وتركُ المتعارفِ لدى الناس في سبيل الحبيب.

-        "الصبر مع الله" حين الخروج من الإنسانية إلى الحضور والأُنس، بعيداً عن التلونات.

-        "الصبر عن الله" هو درجاتُ العُشَّاق، والمشتاقين حين عودتِهم إلى عالَمِهِمْ كما قال الأمير عليه السلام في دعاء كميل "فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي صبرتُ على عذابك، فكيف أصبرُ على فراقك".

وهذا من أصعب وأقسى وأعلى درجات الصبر.

ورُوي أن شاباً من المحبين سأل الشبليَّ عن الصبر، فقال: أي الصبر أشدُّ؟ فقال: الصبر لله، فقال: لا، فقال: الصبر بالله، فقال: لا، فقال: الصبر على الله، فقال: لا، فقال: الصبر في الله، فقال: لا، فقال: الصبر مع الله، فقال: لا، فقال: ويحكَ فأيُّ؟ فقال: الصبر عن الله، فشهق الشبْليُ وخرَّ مغشياً عليه.

والحمد لله أولاً وآخِراً وصلَّى الله على محمد وآله الطاهرين.

الحديث السابع عشر

التوبة

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، سُمع يقول: "إذا تاب العبدُ توبةً نصوحاً، أحبَّهُ الله فستر عليه في الدنيا والآخرة، فقلتُ: وكيف يستُرُ عليه؟ قال: يُنْسي ملكَيْهِ ما كتبا عليه من الذنوب، ثم يوحي إلى جوارحه: اكتُمي عليه ذنوبَه، ويوصي إلى بقاع الأرض: اكتُمي عليه ما كان يعملُ عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه، وليس شيءٌ يشهد عليه بشيءٍ من الذنوب".

مقدمةٌ في التوبة

التوبة هي الرجوع من عالَم المادة، نتيجةَ الذنوب والمعاصي، إلى روحانية النفس ونور الفطرة.

وعندما يقترف الإنسانُ سيئةً، تتركُ سواداً في القلب، يزادُ مع تكرار المعاصي والإصرارِ عليها، حتى يغشاه كلَّه، فإذا التفت المرءُ وتاب قبل هذه المرحلة، وقام بما يجب عليه، يكون قد عاد إلى حالة الفطرة النورية.

ورد في الحديث الشريف "التائب من الذنب، كمن لا ذنبَ له".

وتعتبرُ التوبةُ من المنازل المهمة والصعبة.

خطرُ التسويفِ عن التوبة

أثبتت التجربة أن شجرة المعاصي كُلَّما تجذَّرتْ في النفس صعُب اقتلاعُها، لذا كانت أفضلُ أيام التوبة فترة الشباب، أما في سن الشيخوخة قد يكثرُ الحرصُ والطمعُ وحبُّ المال وطولُ الأمل.

وهنيئاً لمَنْ يُوفَّقُ لتوبةٍ صحيحةٍ كاملة... وقليلٌ هم الواصلون.

ثم مَنْ قال أنك ستُمهلُ لتصل إلى سن الشيخوخة؟

ألا ترى أن قلةَ عددِ المسنين دليلٌ على قرب الموت إلى الشباب، فلا يبقى إلا القليل؟

وهل التوبةُ مجردُ كلامٍ يُقالُ أم هي رجوعٌ وعزمٌ وعودةٌ ورياضةٌ علمية وعملية شاملة وصعبة؟

موعظة: في اجتناب المعاصي أصلاً

يجب تجنُّبُ ارتكاب المعاصي والذنوبِ أصلاً، لأن الإصلاح بعد الإفساد صعبٌ، كما تجب المسارعةُ إلى التوبة لأن إصلاحَ القليل أسرعُ وأيسرُ من إصلاح الكثير.

وهل تعود الصفحةُ المسودَّةُ إلى سابق بياضها الناصع بالمعالجة؟

وهل يعود الإناءُ المكسور إلى سابق عهده بالإصلاح؟

أليس الفرقُ واسعاً بين صديقٍ مخلص طوالَ عمرهِ، وبين صديقٍ خائنٍ يعتذرُ ويطلبُ الصفحَ؟!

أيها العزيز، لا تكنْ غافلاً عن التوبة وعن عاقبة أمرك، واطلبْ من الله عز وجل التوفيقَ والتيسيرَ لتوبةٍ مقبولة وإنابةٍ ميسورة.

أركان التوبة

للتوبة أركان، لا تكون إلا بها، وهذه أهمُّها:

1-    الندامة على الذنوب والتقصير في الواجبات الشرعية.

2-    العزمُ على عدم العودة إلى المعصية أبداً تجنُّباً للنقطة السوداء المظلمةِ لجزء من القلب...

وإذا ابتُلي بالمعصية، لا سمح الله، تأذَّى وتضجَّر وندم بسرعة وعزم على ترك معصيةِ رب العالمين جلَّ اسمه.

فكر أيها المسكين، كيف تعصي وتُعادي وليَّ نعمتِك سنين طويلة، مع أنه سخَّر لك الراحة والرزقَ وهو الغنيُّ سبحانه.

فكِّرْ بأن تُصبحَ محبوباً لرب العالمين عز وجل بندَمِك وعزمك وصدقك وإخلاصك {إنَّ الله يُحبُّ التوابين}[61].

اعتذرْ عن قلَّةِ حيائك، ووقاحتك وتجرؤك على مولاك تعالى، وحلمه بك، سبحانك "أنت كما أثنيت على نفسك".

فكِّرْ كيف تحرقُ قلبَك بنار الندامة حتى تحترقَ مع هذه النار جميعُ المعاصي {نار الله الموقدة، التي تطَّلعُ على الأفئدة}.

وحتى تكون التوبةُ مقبولةً لا مفرَّ من إرجاع حقوق المخلوق، وردِّ حقوقِ الخالق سبحانه.

ولا تسمحْ للشيطان والنفسِ الأمَّارة بثنيك عن التوبة، واعلمْ أن إنجازَ القليل، أفضلُ من لا شيء، فارجعْ حقوقَ الناسِ إليهم، واقضِ الفرائضَ الإلهية من صلاة وصيام وكفارات وخمسٍ وغيرها... ولا تيأس من رحمة الله عز وجل، فإنَّه من أعظم الذنوب، تقدَّمْ إلى ربِّك بخطوة من رحمته ومغفرته، ليرى صدقك، فلعلّضه سبحانه يتنازلُ عن حقوقه، إن لم تؤدِها كاملةً، ويُجبرُ حقوقَ الناس، إنْ لم تردَّها.

منه الرجاء وعليه الاتكال سبحانه.

لا شك أن الإبطاء والتسويف، يضاعفُ المعاصي، والإقبال والعزمَ يُقرِّب الطريقَ، ويُسهِّلُ العمل.

أما إذابةُ اللحم بالأحزان، وإذاقةُ الجسم ألَمَ الطاعة، حسب ما ذُكر في الروايات الشريفة، فهذان من شروط التوبة الكاملة، لمنزلةٍ عاليةٍ من منازل السالكين، تداركاً لِما لحق من آثامٍ ومعاصي وترك آثاراً في الجسم والروح.

فقد مرَّ معك مراراً أن لكل معصيةٍ ومتعةٍ أثراً على الروح كما في الجسم، فلا بد من الرياضات الجسمية كالإمساك عن الطعام والصيام... والرياضات الروحية كالعبادات والمناسك والقيام وطولِ السجود وتلاوة القرآن...

رُوي في نهج البلاغة المبارك قولُه عليه السلام لِمَنْ قال بحضرته: أستغفرُ الله "ثكلتْك أُمُّك أتدري ما الاستغفارُ؟ إنَّ الاستغفارَ درجةُ العلِّيين، وهو اسمٌ واقعٌ على ستة معانٍ:

أولُها: الندم على ما مضى.

الثاني: العزمُ علىترك العود إليه أبداً.

والثالث: أن تؤدِّيَ إلى المخلوقين حقوقَهم حتى تلقى الله سبحانَه أملَسَ ليس عليك تبعة.

الرابع: أن تعمد إلى كلِّ فريضة عليك ضيَّعْتَها فتُؤدِّي، حقَّها.

والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السُّحْت فتُذيبُهُ بالأحزان حتى تُلْصِقَ الجلدَ بالعظم، وينشأ بينهما لحمٌ جديد.

والسادس: أن تُذيقَ الجسمَ ألَمَ الطاعةِ كما أذقْتَهُ حلاوةَ المعصيةِ، فعند ذلك تقولُ أستغفر الله".

التوبة النصوح

قيل إن التوبة النصوح هي "نصحُ الناسِ ودعوتُهم إلى أن يأتوا بمثلها، لجميل أثارها في صاحبها".

وقيل إنها "الخالصةُ لوجه الله تعالى، كقولهم عسلٌ نصوحٌ، إذا كان خالصاً من الشمع".

وقيل إنها "النصاحةُ وهي الخياطة، فتنصحُ من الدين ما مزَّقْته الذنوب أو تجمع بين التائب وأولياء الله، كما تجمع الخياطةُ بين قطع الثوب".

الحديث الثامن عشر

الذكر

عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال "مكتوب في التوراة التي لم تُغيَّرْ، أن موسى عليه السلام سأل ربَّه فقال: يا ربِّ أقريبٌ أنت مني فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى أنا جليسُ مَنْ ذكرني، فقال موسى: فمن في سترك يوم لا سِتْرَ إلا سِتْرُكَ، فقال: الذين يذكرونني فأذكُرُهُم، ويتحابُّونَ فيَّ فأُحِبُّهم، فأولئك الذين إذا أردتُ أنْ أُصيبَ أهلَ الأرضِ بسوءٍ ذكَرْتُهُمْ فدفعتُ عنهم بهم".

المقدمة

يُفهمُ من النص المبارك أن التوراة الموجودة بين يدي اليهود محرَّفةٌ، وأن الصحيح منها عند أهل البيت عليهم السلام.

أما سؤالُ موسى عليه السلام فلعلَّه إشارةٌ إلى قرب الله أكثر من كلِّ قريب، أما العبدُ ففي غاية البعد، فلا أدري في دعائي، أأنظر إلى حالي أو إلى حالك سبحانك؟!

ذكر الله تعالى

كأنَّ نبيَّ الله موسى عليه السلام يشير إلى تنزيه الله سبحانه عن القرب والبعد، ولا يجدُ دعاءً يليق بالخالق وعظمته وجلاله... ويأتي الجوابُ من ربِّ العزَّةِ جلَّ جلالُهُ أنَّ كلَّ الأشياء حاضرةٌ عندي، وأنا جليس مَنْ ذكرني.

فالله تعالى مُنزَّهٌ عن القرب والبعد... وما ذُكر في بعض الآيات فمن باب المجاز والاستعارة، كما في قوله تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}[62] وقولِهِ عزَّ من قائل {نحن أقرب إليه من حبل الوريد}[63].

ويستفادُ من بعض الأحاديث استحبابُ ذكر الله تعالى في السر، إلا لدى أهل الغفلة، لكي ينتبهوا كما ورد في الحديث المبارك "الذاكرُ لله عزَّ وجل في الغافلين، كالمقاتل في المحاربين".

كذلك يستحب الإجهارُ بالذكر في أذان الإعلام والخطبة وفي السوق عند غفلة الناس وشُغْلِهِمْ وغيرها...

كرامة الذاكرين

من رحمة الله سبحانه على العباد أنه يَذْكُرُ عبادَهُ إذا ذكروه، ولا ينساهُم كما نسوا آياتِهِ، قال سبحانه {كذلك أتَتْكَ آياتُنا فنسيتَها، وكذلك اليوم تُنسى}[64].

فاللازمُ تذكُر آيات الله سبحانه، ليُصْبِحَ ملكةً راسخةً في الإنسان، ويجعلَ كبصيرته قوةً، ترفع الحُجْبَ لمشاهدة الحبيب من لون غشاءٍ وحجاب... ومن جملة ما يرفعُ الحجبَ، التحابُبُ بين الناس في الله وهو سببٌ قائمٌ بحدِّ ذاته لمحبة الله سبحانه، ونرى أن جوابَ الحقِّ سبحانه لموسى عليه السلام، في طائفتين:

1-    الذين يذكرونني ابتداءً.

2-    والذين يتحابون لأجلي حيث يكونُ تذكُّراً.

فهذان الصنفان في مأمني وجلسائي وأنا جليسُهم... ولكرامتهم يُرفعُ العذابُ عن العباد.

التفكر والتذكر

يقول العارف الأنصاري "التذكُّر فوق التفكُّر، فإن التفكُّر طلبٌ، والتَّذَكُّرَ وجود". فالتفكُّرُ طلبٌ للمحبوب، والتذكُّرُ حصولٌ للمطلوب.

واعلمْ أيها العزيز، أن التفكر والتذكر لهما نتائجُ كثيرةٌ، منها:

-        عند الأولياء والعرفاء، تذكُر الحبيبِ، غايةٌ في نفسه.

-        عند عموم الناس، أفضلُ مصلحٍ للأخلاق والسلوك ولردع النفس عن الطغيان، لأنهم يعيشون مع الحق سبحانه، وتعالى في كلِّ حال.

أما المعاصي والأمورُ التي تُسْخطُ الله فآتيةٌ من الغفلة عن ذكر الحق وعذابه وعقابه.

فيا أيها العزيز، روِّضْ قلبَك على تذكُّر المحبوب؟ جلَّ وعلا، لتكون "لا إله إلا الله" الطيبة، الصورة النهائية للنفس، فإنه لا زاد أفضل منه للسلوك إلى الله تعالى، ولا مصلح أحسنَ منه لعيوب النفس...

وإذا كنت سالكاً لطريق الآخرة، ومهاجراً ومسافراً إلى الله سبحانه؟ اجعلْ قلبَكَ معتاداً على تذكر المحبوب عز وجل.

ذكرُ اللِّسان وذكرُ القلب

إنَّ ذكر الحقِّ من صفات القلب، والأفضل أن يتبع بالذكر اللساني، وأكملُ مراتبه الذكرُ الجاري على ظاهر الإنسان وباطنه، وسرِّه وعلنه، ليصلَ إلى الأعمال القلبية والقالبية (الظاهرية)، وليجري حكمُ الذكرُ في كل الممالك والأقاليم (القوى الجسمية الظاهرية والباطنية) في حركة سكون العين واللسان واليد والرجل... مبدءَّةً ومختومةً بذكر الحقِّ تعالى {بسم الله مجراها ومرساها}[65].

وكلما انخفضت وتراجَعَ الذكرُ عند الإنسان، انتٌقصَ من كماله بنفس النسبة.

وهنا إشارةٌ لا بد منها، وهي: أن الذكر اللساني الذي هو أقلُّ مراتب الذكر، يُمكنُ أن يؤدي، مع التكرار والمواظبة، إلى تفتُّح لسان القلب.

وقال شيخنا العارفُ الكاملُ الشاه آبادي، روحي فداه، بما مضمونه: ان الذاكر يجب أن يكون كالمعلِّم للطفل الصغير نطق الكلمات، فمع التكرار، ينطقُ الطفلُ بلسانه، ويرتاح المعلِّم لذلك، فلسانُ الفم يذكرُ أولاً، ثم يتبعُهُ لسان القلب،... هذا في المراحل الأولى، ثم بعد ذلك، ينفتح لسانُ القلب بالذكر، ويتبعُهُ لسانُ الفم...

ودائماً قبولُ الأعمال على قدر توجُّهِ القلب.

ولا بد من التأكيد، على أنَّ الآياتِ والروايات فيها مدحٌ عظيم وثناءٌ كبير على ذكر الله سبحانه باللسان، فهو محبوبٌ ومستحب بذاته، لعلَّه يقودُ في النهاية إلى الذكر القلبي أو الذكر مع الروح، كما تشيرُ الآياتُ المباركات.

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام "ما من جليسٍ يجتمعُ فيه أبرارٌ وفُجَّارٌ فيقومون على غير ذكر الله عز وجل، إلا كان حسرةً عليهم يوم القيامة".

فالمرحومُ من الذكر حُرم من نِعمٍ كثيرة لا تُدْرك.

وعن أبي جعفر عليه السلام "مَنْ أراد أن يكتالَ بالمكيال، فَلْيقُلْ إذا أراد أن يقوم من مجلسه: سبحان ربِّك ربِّ العِزَّةِ عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين".

وفي الكافي الشريف "قال الله عزَّ وجل ليعسى عليه السلام: "يا عيسى أُذْكُرْني في نفسك، أذكُرُك في نفسي، واذكُرْني في مَلَئِكَ، أذكُرُك في ملءٍ خيرٍ من ملءِ الآدميين، يا عيسى، ألِنْ لي قَلْبَكَ، وأكثِرْ ذكري في الخلوات، واعلم أن سروري أن تُبصبصَ إليَّ، وكنْ في ذلك حيَّاً ولا تكنْ ميِّتاً".

وإنَّ الأحاديثَ المأثورة في فضل ذكر الله وكيفيَّتِهِ وآدابه وشرائطه، تفوق استيعابَ هذه الصفحات.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

 

الحديث التاسع عشر

الغيبة

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: الغيبةُ أسرعُ في دين الرجلِ المسلمِ من الأكلة. في جوفه".

وعن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "الجلوسُ في المسجد، انتظارَ الصلاةِ عبادةٌ ما لم يُحدثْ، قيل: يا رسولَ الله وما يُحْدِثُ، قال: الاغتيابُ".

المقدمة

الغيبة بحسب القيود الشرعية، سوف نتحدث عنها بعد قليل بحول الله تعالى وقوته.

أما الأكْلَةُ فهي داءٌ في العضد يأتكِلُ اللحمَ بسرعة، كذلك الغيبة تأكُلُ دينَ الإنسان بسرعة وتقضي عليه.

تعريفُ الغيبة

يقول الشهيد السعيد في "كشف الريبة" حول تعريف الغيبة "هو ذكرُ الإنسان حالَ غَيْبتِهِ بِما يكرهُ نِسْبَتَهُ إليه مما يُعدُّ نُقْصاناً في العرف بقصد الانتقاص والذم".

وفي تعريفٍ آخر يقول "التنبيه على ما يكرهُ نسبته إليه، وهو أعمُّ من الأول" لأنه قد يشمُلُ القولَ والكتابةَ والحكايةَ وغيرَها من سائر طرق التفهيم.

وهذا ما يُستفادُ من الأخبار، كما في وصية النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لأبي ذر، وفيه "قلت: يا رسولَ الله ما الغيبةُ؟ قال: ذُكرُك أخاك بما هو فيه، فقد اغتبته، وإذا ذكَرْتَهُ بما ليس فيه فقد بهتَّهُ".

وورد في الحديث الشريف "هل تدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: ذكرك أخاكَ بما يكره...".

والغيبة غالباً ما تكونُ باللفظ، ولا خصوصية لذلك، فقد تكونُ بأي من أساليب التفهم.

ويستفادُ من أخبار الغيبة حرمةُ إظهار عيوب المؤمنين المستورة، أكانت خَلْقيةً أو خُلُقيةً أو سلوكيةً، سواء رضي الشخصُ بكشف عيبه أو لا، بقصد الانتقاص أم لا.

حرمة الغيبة

وحرمةُ الغيبة من ضروريات الفقه، ومن المعاصي الكبيرة المهلكة، قال الله تعالى {ولا يغتبْ بعضُكم بعضاً، أيُحبُّ أحدُكُم أن يأكلَ لحمَ أخيه ميتاً فكرهتُموه}[66].

إنَّ المغتاب كالكلاب الجارحة في افتراسه لأعراض الناس ولحومهم، وستكونُ صورتُه في الملكوت، كلباً ينهش لحمَ الميت في نار جهنَّم.

وقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لرجلين وقعا في الغيبة "إنهشا منها" عندما مرُّوا بجيفة، فقالا: يا رسول الله، ننهشُ جيفة؟ فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "ما أصبتُما من أخيكُما أنتن من هذه".

ونهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن الغيبة قال: "مَنْ اغتاب امرءاً مسلماً بَطَلَ صومُهُ، ونُقض وضوءه، وجاء يومَ القيامة يفوح من فيه رائحةٌ أنتنُ من الجيفة، يتأذَّى به أهلُ الموقف، وإن مات قبل أن يتوبَ، مات مستحلاً لما حرَّمَ الله عز وجل".

وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "مررتُ ليلة أُسريَ بي على قومٍ يخمشون وجوهَهُمْ بأظافيرهم، فقلتُ: يا جبرئيل! ما هؤلاء؟ قال هؤلاء الذين يغتابون الناس، ويقعون في أعراضهم".

وفي نصٍ آخر يشير إلى أن كشف عوراتِ المؤمنين اعتداءٌ على الحرمة الإلهية، نعوذ بالله ولا بد من عقاب مماثلٍ في الدنيا فضلاً عن عقاب الآخرة.

سُمع أبو عبد الله الصادق عليه السلام يقول: "قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: يا مَعْشَرَ مَنْ أسلم بلسانه، ولم يخلُصْ الإيمانُ إلى قلبه، لا تذمُّوا المسلمين ولا تتَّبعوا عوراتهم، فإنَّ مَنْ تتبَّعض عوراتِهم، تتبَّعَ الله عورَتَه، ومَنْ تتبَّعَ الله عورتَهُ يفضحُهُ ولو في بيته".

وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال "ومَنْ اغتابَهُ بما فيه، فهو خارجٌ من ولاية الله تعالى، داخلٌ في ولاية الشيطان".

والغيبةُ من الذنوب الكبرى، لأنها مسٌّ بحقوق الله تعالى، وحقوق الناس أيضاً، ولا يغفر الله للمغتاب حتى يرضى صاحبُ الغيبة.

ورد عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في وصيَّته لأبي ذر "يا أبا ذر إيَّاك والغيبة، فإنَّ الغيبة أشدُّ من الزنا، قلتُ: ولمَ ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنَّ الرجلَ يزني فيتوبُ إلى الله؛ فيتوبُ الله عليه، والغيبةُ لا تُغفرُ حتى يغفرَها صاحبُها".

أما مصيرُ المغتاب، فيكفيك للموعظة والاعتبار ما رُوي عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "يؤتى بأحدٍ يومَ القيامةِ، يوقفُ بين يدي الربِّ عز وجل، ويُدْفعُ إليه كتابُهُ، فلا يرى حسناتِهِ فيه، فيقولُ إلهي ليس هذا كتابي فإني لا أرى فيه حسناتي، فيُقالُ له إنَّ ربَّكَ لا يضلُّ ولا ينسى، ذهب عملُك باغتياب الناس، ثم يؤتى بآخرَ ويُدفعُ إليه كتابُهُ فيرى فيه طاعاتٍ كثيرةً، فيقولُ إلهي ما هذا كتابي، فإني ما عملتُ هذه الطاعات، فيُقالُ له: إنَّ فُلاناً اغتابَك، فدُفعَ حسناتُهُ إليك".

وعن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "أدنى الكفر، أن يسمَعَ الرجُل من أخيه كلمةً، يحفظُها عليه، يُريدُ أن يفضحَهُ بها، أولئك لا خلاق لهم".

وهناك معاصي أُخْرى تنطبقُ على الغيبة، أعرضنا عنها للاختصار، والتي منها: إهانةُ المؤمن، وإذلالُه، واحتقارُهُ وإحصاءُ عثراتِهِ...

المَفْسَدَةُ الاجتماعيةُ للغيبة

إضافةً لما تقدم عن هذه المعصية الكبيرة، هناك مفاسدُ اجتماعيةٌ ونوعيةٌ للغيبة، حيث أننا نرى هدفاً للأنبياء عليهم السلام كبناء المدينة الفاضلة، لا يتحقق إلا في ظل الوحدة والتآلف والتآخي، حتى يتحوَّلَ المجتمعُ إلى فرد واحد يتجه نحو الهدفِ الكبير حيث مصلحةُ الفردِ والمجتمع.

وعندما تتحققُ الوحدةُ والأُخوَّةُ ولو في جماعة محدودة لتغلبت على أعدائها... والتاريخ الإسلامي الذي فيه شيء من الوحدة وخلوص النية خير شاهد على هذا، حيث انتصر المسلمون وبفترة قصيرة، على القوى الجبارة آنذاك المتمثلة بإيران والروم.

كان ذلك عندما قام نبيُّ الإسلام صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بجمع المؤمنين كما أمرت الآيةُ الكريمة {إنَّما المؤمنون إخوة}[67].

رُوي أن الإمام الصادق عليه السلام كان يقول لأصحابه: اتَّقوا الله وكونوا إخوةً بررةً في الله مُتواصلين متراحمين، تزاورُوا وتلاقوْا وتذاكروا أمْرَنا وأحيُوهُ".

وعنه عليه السلام قال "تواصَلُوا وتبارُّوا وتراحموا، وكونوا إخوةً بررةً، كما أمركُمُ الله عزَّ وجل".

فكلُّ ما يؤدي للأُخُوَّةِ والمحبة، يكونُ مرغوباً، وكلُّ ما يؤدي للتمزق والتناحر، يكون مبغوضاً مذموماً... وواضحٌ أن الغيبة سببٌ للحسد والعداوة والبغض، وتؤدي إلى تدمير المجتمع والفساد...

من هنا يجب على كلِّ مسلمٍ غيورٍ على نفسه وأهل دينه ومجتمعه، أن يبتعد عن هذه الرذيلة، ويُبْعدِ الناسِ عنها، ويقطعَ أساسها عن مجتمع المسلمين.

علاجُ الغيبةِ

يجب أن يُفكِّرَ الإنسانُ بعواقب هذه الشنيعة وأضرارها، وليس فيها له شيءٌ سوى إرضاءُ رغباتِهِ الحيوانيةِ الشيطانية ثم يسقط من أعين الناس، ويُفْضحُ قبل موته في هذه الدنيا، كما صُرِّح في الروايات... وعندما يتكشَّفُ له ما وراءَ الحجب، قبلموته، فقد يكرهُ الحقَّ سبحانه لتأييده للذين ظُلموا... فيخرجُ من الدنيا كارهاً لمولاه ووليِّ نعمته جلَّ وعلا.

أيها العزيز: أحِبَّ المؤمنين الأولياءَ أحبَّاءَ الحقِّ سبحانه، ولا تُعاديهم فتُعادي شفعاءَ يوم القيامة "ويلٌ لمَنْ شفعاؤُهُ خصماؤُه".. هل من أجل ربحِ ساعةٍ من اللغو والثرثرة تُغضبُ ربَّك سبحانه، وتتعرضُ لنار جهنَّم؟

ألا تؤمنُ بالأحاديث التي تذكر أن حسناتِ المستغيب، تنتقل إلى المستغاب، وسيئاتِ المستغابِ تنتقلُ إلى المستغيب؟

عليك أيها الحبيبُ أن:

1-    تلجمَ لسانكَ عن المعصية.

2-    وتُراقبَ نفسَكَ وتُحاسبَها حساباً شديداً عند الوقوع في هذه المعصية لا سمح الله.

الأحسن ترك الغيبة في الموارد الجائزة

ذكر العلماء والفقهاءُ رضوان الله عليهم، العديد من الحالات التي تجوزُ فيها الغيبة... لكن لا تجعلْ من ذلك ذريعةً وعذراً وباب للغيبة، ولا تعيشْ الاطمئنان من مكائد النفس الخادعة... فمرةً يكون الدافعُ للغيبة فعلاً النهي عن المنكر، فيجب ذلك، ولك الأجر إن شاء الله... ومرةً يكون الدافع التشفي والانتقام فيحرم ذلك.

وعليك أيضاً أيها الحبيب أن لا تتذرَّعَ بالجواز، فتتمادى في الغيبة, لأن النفسَ بطبعها تميل نحو الشرور، فلرُبَّما عبرت الجواز إلى الحرام، لا سمح الله، ولا تنسى أن الدخول في الشبهات لا تُحْمدُ عُقْباهُ دائماً.

وعلى كل حال، وخاصةً في موارد وجوب الغيبة، حيث لا بد منها، عليك بإخلاص النيَّة عن الهوى وتبعيَّةِ الشيطان.

ورد في الحديث أن عيسى بنَ مريم عليه السلام مرَّ ومعه الحواريون على جيفة كلب، فقال الحواريُّون، ما أنتنَ ريحَ هذا الكلب، فقال عيسى عليه السلام ما أشدَّ بياضَ أسنانِه.

لقد شاهدوا عيبَه، بينما لوَّحَ سلامُ الله عليه إلى كماله.

ورُوي عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: طوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عيبُهُ عن عيوب الناس.

فكمْ قبيحٌ على الإنسان الذي يغفلُ عن آلاف عيوبه، وينتبِهُ إلى عيوب الآخرين، فيُضيفَ عيباً إلى عيوبه الكثيرة؟!

ولا يوجد عيبٌ أعظم من أن لا يلتفتَ الإنسانَ إلى عيوبه، وما الإنسانُ إلا مجموعةُ عيوبٍ ونقائص.

حرمةُ الاستماع للغيبة ووجوبُ ردِّها

الاستماعُ إلى الغيبة محرمٌّ، هذا ما يُفهمُ من الروايات الشريفة، وهو من الكبائر.

وعن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "المُسْتمعُ أحدُ المغتابَيْن" بل يظهر من روايات كثيرةٍ وجوبُ ردِّ الغيبة، وفي النص الشريف عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، أنه نهى عن الغيبة والاستماع إليها، إلى أن قال "الا ومَنْ تطوَّلَ على أخيه في غِيْبةٍ، سَمِعُها فيه في مجلسٍ، فردَّها عنه، ردَّ الله عنه ألف بابٍ من الشرِّ في الدنيا والآخرة، فإنْ هو لم يرُدَّها، وهو قادرٌ على ردِّها، كان عليه كوزر من اغتابَهُ سبعينَ مرةً".

وفي وصايا النَّبي لعلي عليه السلام "يا علي! مَنْ اغتيبَ عندَهُ أخوهُ المسلمُ، فاستطاع نصرَهُ، فلم ينصُرْهُ خذلَهُ في الدنيا والآخرة".

وعن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال "مَنْ ردَّ عن أخيه غيبةً سمِعها في مجلسٍ، ردَّ الله عنه ألف بابٍ من الشرِّ في الدنيا والآخرة، فإنْ لم يرُدَّ عنه، وأعجبَهُ، كان عليه كوزرِ مَنْ اغتاب".

يقول علامةُ علماءِ المتأخرين، الجامعُ لفضيلتي العلم والعمل الشيخُ الأنصاري، بما مضمونه "المرادُ بردِّ الغيبة، الانتصارُ للغائب: فإن كان العيبُ دُنْيوياً، وانتصر له، بأن العيبَ ما عابَهُ الله من المعاصي، ومن أكبرها، ذكرُكَ أخاكَ بما لم يعبأ الله سبحانه به، وإن كان عيباً دينياً، تحرَّى له محملاً حسناً، فإنْ لم يتيسَّرْ ذلك، انتصر له، بأنَّ المؤمنَ قد يُبتلى بالمعصية، فينبغي الاستغفارُ له وهدايتُهُ لا تعييرُه، فقد يكون التعيير أعظَمَ عند الله سبحانه من معصيته".

ويحصُلُ أحياناً أن المستمع لا يكتفي بالسكوت عن الغيبة، بل يعمدُ إلى تحريض المستغيب ورُبَّما تشجيعِهِ، من خلال المشاركة أو تأييده على غيبته.

وبعضُ المستمعين يشجِّعون المستغيبَ بانشغالهم بذكر الله سبحانه أو الاستغفار، ويتركون ردَّ الغيبةِ، وما هذا، إلا وسيلةٌ من وسائل الشيطان للإيقاع في المعصية الكبيرة المستَّرةِ بذكر الله تعالى.

نعوذ بالله.

ونختم بما قاله الشيخُ الجليل الشهيدُ السعيد الشهيد الثاني رضوان الله عليه، قال بما معناه: من أفحش أنواع الغيبة، غيبةُ أهلِ الرياء ممن يوصف بالعلم، بإظهار التعفف والنجاة، ولا يدرون أنهم جمعوا كبيرتين، الرياء والغيبة، فإذا ذُكر إنسانٌ عندهم قالوا: الحمد لله الذي لم يبتلينا بما ابتلاه، أو بحبِّ الدنيا والجاه، أو نعوذ بالله من قلة الحياء، ومن الوقاحة مثلاً... فهذه غيبةٌ متستِّرةٌ بلفظ الدعاء، وشَمْتِ أهلِ الصلاح.

وقد يَمْدحُ مَنْ يردُ غيبتَه تمهيداً لذمِّه، كأنْ يقول ما أحسن فلان هو من أهل الخير، ولكن أصابه كذا وكذا... أو لم لم يكن يفعلُ كذا... أو أصابه ما يُصيبنا جميعاً من كذا... فيذمُّ نفسَهُ قاصداً ذمَّ غيرِه...

هذه بعضُ طرقِ الشيطان ومكائدِه فيمن يدَّعي العلمَ والعمل وهو لعبةٌ في يدِ الشيطان والهوى.

ومن أصناف هؤلاء، مَنْ يذكُرُ الله سبحانه ويستعملُ اسمَهُ الشريف، للفت الأنظار إلى ما يريدُ قولَهُ من الغيبة... فيسبقُ غيبتَهُ بذكر الله جهلاً وغروراً لتحقيق ما يخطر في سوء سريرته...

وأحياناً يذكر أخاه مظهراً صداقَتَه وصحبَتَهُ وغيرتضهُ عليه... ثم يُتبعُ ذلك بقوله، تاب الله عليه، ان غفر الله له... ومنهم مَنْ يُظهرُ التعجب ليزيدَ من كلام المغتاب، فيقول مثلاً، ما أعجب هذا، أو هل حصل هذا؟ أو عجباً لما يجري، أو خبرٌ يكادُ لا يُصدَّق... إلى آخر أساليب الشيطان...

أعوذ بالله تعالى من شر لساني ونفسي الأمَّارة..

والحمد لله أوَّلاً وآخِراً.

الحديث العشرون

النية

ورد عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى {ليَبْلُوَكُمْ أيُّكُم أحسنُ عملاً}، قال: ليس يعني أكثَرَكُمْ عملاً، ولكنْ أصوبكُم عملاً، وإنَّما الإصابةُ خشيةُ الله، والنيةُ الصادقةُ والخَشْيَةُ، ثم قال: الإبقاءُ على العمل، حتى يَخْلُصَ أشدُّ من العمل، والعملُ الخالصُ الذي لا تريدُ أن يحمِدَكَ عليه أحدٌ إلا الله تعالى، أفضلُ من العمل، ألا وإنَّ النيَّةَ هي العملُ، ثم تلا قولَهُ عزَّ وجل: {قُلْ كلٌُ يعملُ على شاكلِتِهِ}، يعني على نيَّته.

الشرح والمقدمة

"البلاء"، هو الاختبار والتمحيص، و"الإبقاء على العمل" أي مراعاتُهُ والمحافظةُ عليه، و"الشاكلة" أي الطريقةُ والأُسلوبُ والشكل.

والغايةُ من اختبار الناس، تمحيصُ السعيدِ والشقيِّ من النفوس، ولا مجال للتفصيل بين علم الله الذاتي قبل الإيجاد، وعلمِهِ الفعلي لدى الإيجاد، حتى لا نخرجَ عن الاختصار.

الخشية من الله، والنيَّةُ الصادقة أساس قبول الأعمال

الحديث الشريف ربط صوابَ وحسنَ العملِ بأمرين شريفين:

1-    الخوف والخشية من الحق تعالى.

2-    النيَّةُ الصادقة الخالصةُ.

فالخوف والفزع من الله تعالى يوجبُ خشيةَ النفسِ وتقواها ويؤدي إلى قبول العمل، والعملُ بدوره سيئاً كان أو حسناً له تأثير مباشرٌ على النفس، كما تقدَّم معنا.

فالتقوى وتطهيرُ النفس من المعاصي، يُظْهرُها خاليةً من الحجب، ويساعدُ على تحقُّقِ سرِّ العبادات في ترويض الجانب المادي للإنسان، كما يقول الله تعالى {إنَّما يتقبَّلُ الله من المتقين}[68].

أما الأمر الثاني، وهو النيَّةُ الصادقة، فليس في العبادات شيءٌ أهمُّ منه، حيث يكون كمالُها وصحَّتُها تابعاً لها، وكلَّما كانت العبادات أصفى من الشرك في النية، كلما كانت أكمَلَ وأسمى، لأن سنبة النيَّاتِ إلى الأعمالَ كنسبةِ الأرواحِ إلى الأبدان، والنفوسِ إلى الأجساد.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه لا ملازمة بينصحة العبادة في الظاهر وقبولها في الواقع، فحتى ولو كانت النيةُ خالصةً من الرياء الظاهري، بحسب ما ذكره الفقهاء إلا أنها لا تكون صحيحةً مع الشرك الباطني في الواقع، وغير مقبولة لدى الله سبحانه.

وبتعريفٍ جامع للشرك في العبادة نقول: هو إدخالُ رضى غيرِ الحق في العبادة، فإذا كان إدخالٌ للناس، فهو شركٌ ظاهريٌ، ويُسمى رياءً في عرف الفقهاء، وأما إذا كان رضا نفسِهِ، فهو شركٌ باطني خفي، ولا تُقبلُ العبادةُ عندئذٍ لدى الحقِّ سبحانه.

قيل في هذا "إن أم الأصنام صنمُ النفس"، فيجب أن لا يكون في قلبك سوى الله تعالى كما ورد في الحديث الشريف:

"سألتُه عن قول الله عز وجل: إلا مَنْ أتى بقلب سليم، قال: القلبُ السليمُ الذي يلقى ربَّه، وليس فيه أحدٌ سواه، قال: وكلُّ قلبٍ فيه شركٌ أو شكٌ فهو ساقط، وإنَّما أراد بالزهد في الدنيا، لِتَفْرغَ قلوبُهم للآخرة" وفي هذا إشارةٌ إلى أن الهدفَ من الزهد في الدنيا، إنصرافُ القلب شيئاً فشيئاً عنها، لينصرف إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يكونُ القلبُ سليماً إلا بعد فراغه تماماً من الشرك والشك، فلا ينتبهُ إلى غيره سبحانه.

إعلمْ أيها الحبيب أن جنَّةَ اللقاء هي أعلى مراتبِ ا لجنَّة.

تعريفُ الإخلاص

 قال العارف السالك الأنصاري قُدس سرُّه الشريف "الإخلاصُ تصفيةُ العملِ من كل شوب" وقيل عن الإخلاص أنه "تنزيه العملِ أن يكونَ لغير الله فيه نصيب".

وقيل "هو أن يريدَ عامِلُهُ عليه عوضاً في الدارين".

ونُقل عن الشيخ المحقق محي الدين العربي أنه قال "ألا لله الدينُ الخالصُ عن شوب الغَيْريَّة والأنانية، لأنَّك لِفَنَائِكَ فيه بالكلية، فلا ذاتَ لك، ولا صفةَ، ولا فَعْلَ، ولا دين، وإلا لَمَا خَلُصَ الدينُ بالحقيقة، فلا يكون لله".

إعلمْ: أن عبادةَ أرباب القلوب والإخلاص لا تكون بالتفكر، بل بالتجلي، فلا يوجدُ في قلوبهم سوى الله تعالى.

دوامُ الإخلاص بعد العمل

كما هو مهمٌ جداً الإتيانُ بالعمل من دون عيب أو نقصٍ أو رياء أو عجب، كذلك مهمٌ أيضاً، المحافظة على الأعمال بعد إنجازها، فالشيطان والنفسُ الأمَّارة قد يُسولان لك إظهار ذلك ولو بالإيماء والتلويح، ولا تأمنْ ذلك حتى نهايةِ حياتك.

فمن أراد أن يتحدث عن صلاة الليل، ربَّما تحدَّثَ عن جو السحر وعن أهمية المناجاة وعن تعبه أو نُعاسه... فضيَّعَ عملَه بالمكائد الشيطانية {إنَّ النفسَ لأمَّارةٌ بالسوء إلا ما رحم ربي}[69].

إعلم أيها الحبيب: أن إخلاص النية من جميع مراتب الشرك والرياء وغيرها، والمحافظةَ عليها، ومراقبتها، من الأمور الصعبة والمهمة جداً... فمن كان حبُّه للرئاسة والجاه طاغياً، غدا هذا الحبُّ ملكةً له، وأصبحت كلُّ أفعالِه تصدُرُ عنه وتَتْبَعُ هذه الغاية، وهكذا...

فإخلاصُ النِّيةِ عملٌ صعبٌ جداً، وفي الحديث الشريف تلميحٌ إلى هذا عندما يقول "والنيَّةُ أفضلُ منا لعمل، ألا وإنَّ النيَّة، هي العملُ".

ألا ترى معي أنَّ صلاة علي عليه السلام تُضاهي ظاهرَ صلاةِ المنافق، في أجزائها وشرائطها وشكلها الخارجي؟!

نعم!!! ألا انَّ هذا يعرج بعمله إلى الله سبحانه، وذاك يغور في جهنَّم وبئسَ المصير.

إنَّ تقديمَ أهلِ بيت العصمة عليهم السلام رغيفاً أو أقراصاً من الخبز للفقير، بعد تحمُّل جوعِ يومين أو ثلاثة، قد تفعَلُهُ أنت من دون صعوبة ومشقَّة... لكن هيهات لأمثالنا من النيَّة الخالصة الصادقة!!!

فالأشياء ليست بشكلها بل بروحها وقصدها ـ ولقد قالوا في العلوم العقلية، أن شيئيَّة الشيء بصورته لا بمادته، وهذا هو معنى الحديث المشهور "نيَّةُ المؤمنِ خيرٌ من عمله" "ألا وإنَّ النِّيةَ هي العمل" وجميعُ الأعمالِ فانيةٌ في النيَّة، ولا استقلالية لها.

إنَّ تخليص الأعمالِ من جميع مراتب الشرك والرياء... ينحصر في إصلاحِ النفس، وإلا يبقى الإنسانُ يعيشُ في البيت المظلم للنفس، ولا يكون مسافراً إلى الله تعالى، بل يبقى مُخلَّداً في الأرض.

إنَّ خُطوتِكَ الأولى نحو الله سبحانه، تبدأ بترك حبِّ النفس والوطء بقدمك على الأنانية والذاتية، فتكون فعلاً مسافراً إلى الله جلَّ وعلا {ومن يخرجْ من بيته مُهاجراً إلى الله ورسوله، ثم يُدْرِكْهُ الموتُ، فقد وقع أجرُهُ على الله}[70] أي مَنْ يخرجْ من بيت نفسه، ويهاجرْ إلى الحقِّ سبحانه، كان أجرُهُ عليه عزَّ وجل.

الحديث الحادي والعشرون

الشكر

عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال "كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، عند عائشةَ ليلتها، فقالت: يا رسول الله لِمَ تُتْعبُ نَفسَكَ، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشةَ ألا أكونُ عبداً شكوراً؟ قال: وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقوم على أطرافِ أصابع رجلَيْه، فأنزل الله سبحانه وتعالى: {طه، ما أنزلنا عليكَ القرأن لِتَشْقى}.

مقدمة وتوجيه

قيل أن المراد من {ليغفِرَ لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر}[71] أي ما تقدَّم من ذنب أمَّتِكَ، وما تأخر بشفاعتك، وذلك لمنعِ تنافي الآية مع عصمة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

وفي دلالة على شدَّةِ اتصال الأمةِ بالرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ورد في النص المبارك عن مولانا الصادق عليه السلام عندما سُئِلَ عن هذه الآية فقال "والله ما كان له ذنبٌ، ولكنَّ الله، ضمِنَ له أنْ يغفرَ ذنوبَ شيعةِ علي عليه السلام، ما تقدَّم من ذنبهم وما تأخَّر".

وفي نص آخر عند سُئل عن نفس الآية، قال "ما كان له ذنبٌ، ولا همَّ بذنب، ولكنْ حمَّلَهُ ذنوبَ شيعتِهِ ثم غفرها له".

وفي حديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال "أنا شجرةٌ، وفاطمةُ فرُعها، وعليٌّ لِقاحُها، والحسنُ والحسينُ ثمرتُها، ومُحبُهم من أمتي ورقُها" فزينة شجرةِ الولايةِ الطيِّبةِ بمظهرها، وما يرِدُ من نقصٍ عليه ينعكس على الشجرة الطيِّبة.

وقد يكون المقصودُ ذنوبَ الأمم السابقة، لأن كلَّ الأنبياء دعوا إلى الشريعة الخاتمة، وآدم عليه السلام ومن دونَه من أوراق شجرة الولاية، حيث ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال: "آدمُ ومَنْ دونَه، تحت لوائي يومَ القيامة".

وقد يُقالُ أن الآية للتعظيم وحسنِ الخطاب، كما تقول غفر الله لك.

وقيل ان المقصود من "ذنبك" ذنوبُه في رأي المشركين وزعمهم الفاسد، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليماً كثيراً.

حقيقةُ الشكر

الشكر هو تقديرُ نعمةِ المنعم، ويظهر هذا التقديرُ في:

1-    القلب على صورة الخشوع والخشية والمحبة..

2-    اللسان على صورة المدحِ والثناء والحمد والحديثِ حولَ النِعم...

3-    الأفعال والأعمال على صورة الطاعة وامتثالِ الأوامرِ الإلهية واستعمالِ الجوارح فيما يُرضيه سبحانه وتعالى.

وقال المحققُ الطوسي، قُدِّس سرُّه الشريف: الشكرُ أشرفُ الأعمالِ وأفضلُها، والشكرُ أيضاً، مقابلةُ النعمةِ بالقول والفعل والنية، ولذلك أركان ثلاثة:

الأول: معرفةُ المنعمش والنعمةِ وأنها كلَّها ظاهرَها وباطنَها من النعم الحقيقي من الله تعالى.

الثاني: ثمرةُ المعرفةِ يتمثَّلُ في الخضوع والتواضعِ والسرور بالنعم؟ وهي هديَّةُ الله تعالى لك، فلا تفرحْ من الدنيا إلا بما يوجبُ القربَ منه.

الثالث: ثمرةُ الركن الثاني، العملُ المقربُ منه تعالى، حيث يتعلَّقُ:

أ‌-      بالقلب من خلال القصد إلى تحميده وتعظيمه والتفكر في صنائعه وآثار لطفه، والعزمِ على إيصالِ الخير إلى كافة خلقه.

ب‌-  باللسان من خلال التحميد والتسبيح والتهليل والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر،...

ج – بالجوارح من خلال استعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته وعدم الاستعانة بها على معصيته ومخالفته... بل بالعين يتلو كتابه الشريف وعلوم الأنبياء... وكذلك سائرُ الجوارح..

كيفيةُ الشكر

إعلمْ أن شكرَ المنعم تعالى من تمام العبودية الصحيحة... رغمَ أن أحداً لا يستطيعُ تأديةَ حقِّ شكرِهِ سبحانه، ويكونُ منتهى الشكر بمعرفة الإنسانِ بعجزه عن تأدية شكره سبحانه.

وأنَّى لنا أن نشكرَ ربَّنا حقَّ شكرِهِ وكما ينبغي لوجهه الكريم، ورسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يعترف بعجزه عن ذلك؟!

يجبُ علينا أن نُرجعَ النعَم إلى الحقِّ تعالى حيث "لا مؤثِّرَ في الوجود إلا الله"... أما مَنْ كانت غيرةُ الشك والشرك عالقةً في قلبه، ويلتفت إلى الأسباب، ويرى تأثيرَ الموجودات بصورة مستقلة، ولا يُرجعُ النعمَ إلى وليِّ النعم، بل نحن أصناماً ينسبُ لها دوراً، والتجأ إلى الأرباب الظاهرين الصوريين... من كان كذلك فهو كافرٌ بنعم الله جلَّ جلالُه، ويعتقدُ عملياً، نعوذ بالله، بأنَّ الله مغلولةً عن التصرف في سائر الأنبياء، {غُلَّتْ أيديهم ولُعِنوا بما قالوا}[72].

الشُّكْرُ كما في النصوص الشريفة

ونختم ببعض أحاديث الشكر تبركاً وتشريفاً.

سُمع أبو عبد الله عليه السلام يقول: "ثلاث لا يضُرُّ مَعَهُنَّ شيءٌ: الدعاءُ عند الكَرْب، والاستغفارُ على الذنوب، والشُّكرُ عند النِّعمة".

وعنه عليه السلام قال: "إنَّ الرجل منكم، ليَشْربُ الشربَةَ من الماء، فيُوجبُ الله له بها الجنَّةَ، ثم قال: إنَّهُ لَيَأخُذُ الإناءَ فيَضَعُهُ على فيه فيُسمِّي ثم يشربُ، فَيُنحيِّه وهو يشتهيه، فَيَحْمِدُ الله، ثم يعودُ فَيَشْرَبُ، ثمَّ يُنحيِّه، فيحْمِدُ الله ثم يعودُ فَيَشْرَبُ، ثم يُنحيِّه، فيَحْمَدُ الله، فيوجبُ الله عزَّ وجلَّ بها له الجنَّة".

وعنه سلامُ الله عليه قال "شُكْرُ النِّعْمةِ اجتنابُ المحارمِ، وتمامُ الشُكْر قولُ الرجلِ: الحمد لله ربِّ العالمين".

ويُفْهمُ من النصوص أن حمدَ الله عز وجل، من أفضل مصاديق الشُكْر باللسان.

وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "مضنْ أُعطيَ الشُّكْرَ، أُعْطيَ الزيادةَ؟ يقول الله عزَّ وجل: {لئِنْ شكرتُمْ لأزيدَنَّكم}".

الحديث الثاني والعشرون

الإنسان وكراهية الموت

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "جاء رجلٌ إلى أبي ذر فقال: يا أبا ذر، ما لنا نكرهُ الموت؟ فقال: لأنَّكم عمَّرْتُمْ الدُّنيا وأخربتم الآخرة، فتكُرَهونَ أن تُنْقلوا من عُمْران إلى خراب، فقال له: فكيف ترى قُدُومنا على الله؟ فقال: أما المُحْسنُ منكم، فكالغائب يقدُمُ على أهله، وأما المُسيءُ منكُمْ، فكالآبقُ يُرَدُّ على مولاه، قال: فكيف ترى حالنا عند الله؟ قال: إعرضوا أعالَكُمْ على الكتاب، إنَّ الله يقول: إنَّ الأبرارَ لفي نعيم، وإنَّ الفجَّار لفي جحيم، قال: فقال الرجل: فأين رحمةُ الله؟ قال: رحمةُ الله قريبٌ من المُحْسنين.

قال أبو عبد الله عليه السلام "وكتب رجلٌ إلى أبي ذر، رضي الله عنه، يا أبا ذر: أطْرفني بشيءٍ من العلم، فكتب إليه: إنَّ العلمَ كثيرٌ، ولكنْ إنْ قدَرْتَ أن لا تُسيءَ إلى مَنْ تُحِبُّهُ فافعلْ، فقال له الرجلُ: وهل رأيتَ أحداً يُسيءُ إلى مَنْ يُحبُّهُ؟ فقال له: نعم، نَفْسُكَ أحبُّ الأنفُسِ إليك، فإذا أنت عصيتَ الله فقد أسأت إليها".

المقدمةُ في كراهية الموت

يختلف الناسُ في كراهية الموت والخوف منه وسببِ ذلك، وهناك موقفُ الناقصين والمتوسطين والكاملين.

فنحن الناقصون نكره الموتَ بحسب فطرتنا حيث أن الإنسان بطبعه يُحبُّ البقاء والحياة ويكرهُ الموت والفناء، ولأننا لا نؤمنُ بعالم الآخرة والحياة الأزلية بقلوبنا، وإن كان ذلك موجوداً بعقولنا، فإننا نحبُّ هذا العالمَ الدُنيويَّ، ونهربُ من الموت.

فلقد مرَّ معنا أن الإدراك العقلي يختلفُ عن الإيمان والاطمئنان القلبي، ولو أننا آمنَّا بعالَم الآخرة الأبديَّة عُشرُ إيماننا بالحياة الدنيا، لتعلَّقت قلوبُنا به ولعشِقْنَاه، أكثر، لكنْ، وللأسف، إنَّ إيماننا ينضبُ ويتزلزلُ، ويورثُ خوفاً من الموت والفناء، ولا بدَّ من علاجٍ حاسم في دخول الإيمان إلى القلب عبرَ التفكُّرِ والذكر النافع والعلمِ والعملِ الصالح.

وأما المتوسِّطون، فيكرهون الموت لأنهم استغرقوا عُمُرَهَم في تعمير الدنيا ونسيانِ الآخرة، فلا يُحبُّون الانتقال من دار العمران إلى دار الخراب، كما يفترضون!!! وهذا ما ذكره أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، وهو الناتج عن نقصٍ في الإيمان والاطمئنان، وعن سوء الأعمال وانحرافِ السلوك، ولو كُنَّا من أهل المحاسبة لرغبنا في الآخرة، وعدالتها، ولتشوَّقنا إليها... فالداءُ منَّا والدواءُ منَّا أيضاً، كما نُسب ذلك إلى الأمير عليه السلام شعراً حيث قال:

دواؤك فيكَ وما تشعُرُ                وداؤكَ منكَ وما تُبْصِرُ

فكلُّ إنسانٍ عندَه أعمالٌ وأخلاقٌ فاسدةٌ، ولديهِ أدويةٌ من رسالات الأنبياء وأنوارِ الفطرةِ والعقل، ليُصْلحَ نفسَه بالأدوية المناسبة الناجحة.

وأمَّا الكُمَّلونَ، المؤمنون المطمئنون، فلا يخافون الموتَ كما نحن المتعلِّقونَ بالآمالي والدنيا الفانية، لكنَّهم يستوحشونَه خشيةً من عظمة الخالق سبحانه، كما ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "فأين هولُ المطلع؟".

فخٌّ وتغرير

من جملة مكائدِ الشيطان اللعين، والنفس الأمَّارة بالسوء، تغريرُ الإنسانِ برحمة الله سبحانه والاستغناء عن العمل الصالح، ونتيجةُ ذلك أننا:

1-                              في القضايا الدُّنْيويَّة، لا نعتمد على الرحمة الإلهية، بل على الأسباب الظاهرية، وكأنَّ الأمور كلَّها راجعةٌ إلى عوامل الطبيعة وسلاطين الدنيا، وبذلك تكون من المفوِّضة.

2-                              وفي الأمور الأخرويَّة، نتكلُ، حَسْبَ ادِّعائنا، على رحمة الله عز وجل، دون الائتمار والالتفات إلى أوامره سبحانه وتوجهات رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وبذلك نكونُ من الجبريَّة.

فهل كان الأنبياءُ والأولياء من المفوِّضةِ أو الجبرية نعوذ بالله؟ ألم يعملوا ويقوموا بواجباتهم كاملةً دون التهاونِ ولو للحظةٍ واحدة؟! ألم تر الإمامَ السجاد عليه السلام، وهو مَنْ هو، يُظْهرُ اعتذارَه من التقصير؟ ومَنْ نحن بالنسبة إليه؟

نسألُ الله سبحانه الرحمة والهداية والتسديد، والحمد لله أوَّلاً وأخِراً.

الحديث الثالث والعشرون

المراء والجدل

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام "طَلَبَةُ العلم ثلاثة، فاعرفُهُمْ بأعيانهم وصفاتهم: صِنْفٌ يطلُبُهُ للجهلِ والمِراء، وصِنْفٌ يطلُبُهُ، للاستطالة والخَتْلِ، وصِنْفٌ يطلُبُهُ للفقه والعقل، فصاحبُ الجهل والمراء موذٍ مُمارٍ مُتعرِّضٌ للمقال في أندية الرجال، بتذاكر العلمِ وصفةِ الحلْم، قد تسَرْبَلَ بالخشوع، وتخلَّى من الورع، فدقَّ الله من هذا خيشومَه، وقطع منه حُيْزومَهُ، وصاحبُ الاستطالةش والخَتْلِ، ذو خِبٍّ وملقٍ، يستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضعُ للأغنياءِ من دونِهِ، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمء الله على هذا خبْرَهُ، وقطع من آثارِ العلماء أثرَهُ، وصاحبُ الفِقْهِ والعقل، ذو كآبةٍ وحُزْنٍ وسهرٍ، قد تحنَّك في بُرْنُسِهِ، وقام الليلَ في حنْدِسِهِ، يعملُ ويخشى وجلا داعياً مُشْفقاً مُقْبلاً على شأنه، عارفاً بأهل زمانه، مُسْتَوحشاً من أوثق إخوانه، فشدَّ الله من هذا أركانَهُ، وأعطاهُ يومَ القيامةِ أمانَهُ".

شرح ألفاظِ الحديث

المقصودٌُ بالجهل هنا، إخفاءُ الحقِّ أو رفضُ قبولِ الحق، وقيل، إنه السفاهةُ وتركُ الحِلْمِ.

و"المراءُ" هو الجدالُ في الرأي والحديث.

و"الاستطالة" طلبُ الرفعة، أما "الخَتْلُ" فهو الخدعةُ والمكر، والتعرُّضُ للمقال، أي يُظْهرُ المقالَ.

و"الأندية" جمع "النادي" وهو محلُّ اجتماع القوم، ومجلِسُ التداوُلِ لقضاياهم.

والمقصودُ "بتذاكر العلم، وصفةِ الحلم" أنهم يتذاكروان العلمَ مُدَّعينَ الانتماء إليه، ويصفون الحِلْمَ ويستحسنوه حتى يُقالَ أنهم حكماء.

والمقصود بــ"تسَرْبَلَ" أنه ارتدى لباس الخضوع، وليس فيه شيءٌ منه،..

و"الورعُ" تجنُّبُ المحرَّماتِ والمشتهياتِ.

و"دقَّ" بمعنى قرع أو أنه اسمُ صوت.

و"الخَيْشوم" هو أعلى الأنف، وفيه كناية في أن الله سبحانه سيُذِلُّهُم.

و"الحَيْزوم" وسط الصدر، والعَظْمُ الذي يُحيطُ به.

و"الخِبْ" هو الخدعةُ والغُشْ.

و"مَلِقٌ" بمعنى التزلُّفِ بإظهار التودُّدِ بالتَّخضُّع على خلاف حقيقة قلبه...

و"لحَلْوائهم" المقصود به الرشوة التي تُدفعُ له ليتنازلَ عن مواقفه.

و"الحَطْم" هو الكسر.

و"خُبْرَهُ" بمعنى الخِبْرةِ والبصيرة..

و"الكآبة" سوءُ الحالِ من شدِّةِ الهمِّ والحُزْن.

و"البُرْنُس" قُلُنْسُوِةٌ طويلةٌ، كان أهلُ العبادة في صدر الإسلام يضعونَها على رؤوسهم.

و"الحِنْدِسْ" هو الليلُ الشديدُ الظلام.

طَلَبُ العلم

إعلمْ أن العلومَ والمعارفَ من العوالم الغيبيَّة، وكلُّ نفسٍ ترتبط بالملكوت الأعلى، وعالم الملائكة المقرَّبين، تفيضُ عليها العلومُ الحقيقيَّة، وورد في الحديث الشريف "ليس العلمُ بكَثْرةِ التَّعْليم، بل هو نورٌ يقذِفُهُ الله في قلب مَنْ يشاءُ".

وكلُّ نفسٍ تنشدُّ إلى عالمَ الملكوتِ السُّفْلي، وعالمِ الجن والشيطانِ والنُّفوسِ الخبيثة، تكونُ الإلقاءاتُ إليهَا شيطانيةً.

يقولُ أربابُ المعارف وأصحابُ العلوم الحقيقيَّة أن تطهيرَ النُّفوس، وإخلاصَ النِّيات، وتصحيحَ الغاياتِ والأهدافِ في تَحصيل العلوم الحقَّة والمعارفِ الشرعية، هو الشرطُ الأوَّلُ في ذلك، ويقول الله سبحانه {اتَّقوا الله، ويُعلِّمُكُمُ الله}[73] فالتقوى وتزكيةُ النفس أولاً، ثمَّ يأتي التعليمُ الإلهيُّ والألقاءُ الرحماني.

وإذا كان تحصيلُ العلمِ للمأكل والمشرب والأنانيَّة، فالهدفُ غيرُ إلهي بل شيطاني، وليس العلمُ تجميعَ المفاهيم والقواعدِ والاصطلاحات العلمية، بل رفعُ الحُجُبِ، وفتحُ باب معرفة الله، حيث الصراطُ المستقيم إلى الله سبحانه.

فطلابُ العلمِ ينقسِمونَ إلى طائفتين:

الأولى: هدَفُهُم من طلب العلم إلهي.

الثانية: هدفُهُم ذاتي، وعلومُهُم جهلٌ مُركَّبٌ، وحجبٌ غليظةٌ.

و"الجهلُ" الذي ذُكر في الحديث، غير "الجهلِ" المتعارفِ بين الناس، بل هو دفعُ الناسِ إلى الجهالة، أو، عدمُ الإذعانِ للحق، وهذا من صفات أهل المراء والجدال، ليُثْبتوا أباطيلهم، وينشروا فسادَهُمْ.

وحَديثُ الإمام عن ثلاثة أصناف، وليس صنفين، لأنه، صلواتُ الله وسلامُهُ عليه، أراد التحذيرَ من هذين الصنفين بالذات لعودة معظمِ أهلِ الجهل والضلال إليهِما...

وفي نصٍ آخر يُصنِّفُ عليه السلام طُلابَ العلومِ إلى صِنْفين فيقولُ "مَنْ أرادَ الحديثَ لِمَنْفعةِ الدُّنْيا، لم يكنْ له في الآخرةِ نصيبٌ، ومَنْ أرادَ به خيرَ الآخِرَةِ، أعطاهُ الله خَيْرَ الدَّنيا والآخرة".

نتيجةُ الراءِ والخصومة

لا ريبَ أن المراء والخصومة، يُمْرضان القلب، ويبعثان على النفاق، ويُسيئان إلى الناس، وفيما يلي، بعضُ الأحاديث المناسبة:

ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام "إياكم والمراءَ والخصومة، فإنَّهما يُمْرِضانِ القلوبَ على الأخوان، ويَنْبُتُ عليهِما النِّفاق".

وعن أبي عبد الله عليه السلام؛ قال "إيَّاكُمْ والخصومةَ، فإنَّها تشغُلُ القَلْبَ، وتورثُ النِّفاقَ، وتُكْسِبُ الضغائن".

وعنه عليه السلام قال "قال جبرئيلُ للنَّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: إيَّاكَ ومُلاحاةَ الرجال".

وذكر النهيُ عن مخالطةِ أهل المعاصي، وحضور مجالسهم التي يُعصى الله فيها، والتحابُب لأعداء الله سبحانه... لِما في ذلك من تأثير خطير على نفسيَّةِ الإنسانِ وروحه، تبقى آثارُها لسنوات طويلة، ظُلْمةً موحشةً في القلب.

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال "قال أميرُ المؤمنين عليه السلام: لا ينبغي للمرءِ المسلم، أن يُواخي الفاجر، فإنَّهُ يُزيِّنُ له فعْلَهُ، ويُحبُّ أن يكونَ مِثْلَهُ، ولا يُعينُهُ على أمرِ دُنْيَاه، ولا أمْرِ معادِهِ، ومَدخَلُهُ إليه، ومخرْجُهُ من عنده، شَيْنٌ عليه".

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام "لا ينبغي للمرء المسلم أن يُوافِيَ الفاجِرَ ولا الأحمقَ ولا الكذَّابَ".

وذَكَر الإمامُ الصادقُ عليه السلام علاماتٍ لصاحب الجهل والمراء، منها:

1-    إيذاءُ الناس، وفي الحديث الشريف "مَنْ آذى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة".

2-    سوءُ مجلسه.

3-    التصدِّي للبحث العلمي لأجل التغلُّب على الآخرين... وأمَّا جعلُ المراءِ علامةً على المراء، فيُمكنُ أن يكونَ اللفظُ الأول للصفة القَلْبيَّة، والثاني الأثر الظاهر.

4-    يُظهرُ الحلمَ ولا يلتزمُ به، وهذا هو النفاق، تماماً كالذي يُظهرُ الخشوعَ وهو غيرُ ورعٍ.

وكلَّ واحدةٍ من هذه الموبِقات المهلكات، سببٌ مستقلٌّ لهلاك الإنسان.

ويُلْحظُ أن الإمامَ عليه السلام، بعد ذِكْره لهذه العلامات، قال "فدقَّ اللهُ من هذا خُيْشومَهُ، وقطع منه حُيْزومه" فينحطُ قدرُهُ أمامَ من كان يأملُ الوجاهةَ عليهم، ويصبحُ مهاناً ذليلاً أمامَ من سعى للتفوُّقِ عليهم.

نتيجةُ التَّكبُّر وحبِّ الرئاسة

من كانت له مَلَكةُ الاستطالةِ وحبِّ الرئاسة وخِداعِ الناس، كانت له علاماتٌ يُعْرفُ بها، منها:

1-                             خِدْعةُ الناسِ بالتظاهر بصفات أهلِ الصلاح، وهو ليس منهم؛ بل هو ذئبٌ في زي الغنم، وشيطانٌ على شكلِ إنسان.

2-                             التزلُّفُ والطمعُ والتملُّقُ تجاهَ من يطمعون فيه من الناس... فيشترون الدنيا بالدين والإيمان...

3-                             التَّكبُّرُ على الخَلْق ممَّنْ يظنُّون أنه عثرةٌ في طريقهم، فيحتقرونَهُ في سلوكهم وأقوالهم، لأنهم يخشون منافَسَتَهُ يوماً ما.

ومن أصعبِ الأمور، محافظةُ العلماءِ والزهادِ والمتَّقين على دينهم، ومراقبةُ قلوبِهم.

علاماتُ أهل الفقهِ والعقل

لأهل الفقه والعقل، علاماتٌ، منها:

1-                             الحزنُ والهمُّ والكآبةُ والسهر، الناجمُ عن الخوف من المَعَاد والتقصير... ومَنْ أراد السكونَ والقرار سلك سبيلَ العابدين المتهجِّدين، كما قال عليه السلام: "قد تحنَّكَ في بُرْنُسِهِ، وقام الليلَ في حنْدسِهِ".

2-                             الخَشْيةُ من التقصير بالرغم من صَلاح أعماله... وخوفُهُ من عدمِ تأديةِ حقِّ الشكر {إنَّما يخشى الله من عباده العلماء}[74].

3-                             الاطلاعُ على أحوال الناس... ويبقى مستوحشاً غريباً في هذه الدنيا، حتى من أقرب إخوانه.

فيا ليتنا كُنَّا معهم، فنفوز فوزاً عظيماً، والحمد لله أوَّلاً وأخراً، وصلَّى الله على محمدٍ وآله الطاهرين.

 

الحديث الرابع والعشرون

العلم

عن أبي الحسن، موسى عليه السلام، قال: "دخَلَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم المسجدَ؛ فإذا جماعةٌ قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل: علاَّمة، فقال: وما العلاَّمة؟ فقالوا له: أعلَمُ الناسِ بأنسابِ العرب ووقائِعها، وأيَّام الجاهليَّةِ والأشعار العربية، قال: فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: إنَّما العلمُ ثلاثةٌ: آيةٌ مُحْكَمَةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، أو سُنَّةٌ قائمة، وما خلاهُنَّ فهو فَضْلٌ".

الشرح

استعمل صلواتُ الله عليه وآله "ما هذا" لأجل التحقير، و"العلاَّمة" صيغة مبالغة، بمعنى كثيرٌ العلم.

العوالمُ الثلاثُ وعلومُها

بما أن للإنسانِ عوالم ثلاث، كانت جميعُ العلوم النافعة تلك التي تصُبُّ في كمالِ وتربيةِ كلِّ عالَمٍ من هذه العوالم الثلاث، وبما يتناسبُ، معه.

والعوالمُ الثلاثُ هي:

الأول: نشأةُ الآخرة، وعالَمُ الغيب، وأما العلمُ النافع له، ما يرجعُ إلى الكمالات العقلية، والوظائفِ الروحية، والملائكةِ والأنبياءِ والأولياء ومقاماتهم، والكتبِ المُنْزَلة، وعودة الموجودات إلى عالَمِ الغيب...

وتُعْلمُ هذه الأمور من الأنبياء والأولياء ومن بعدهم الفلاسفةُ والحكماءُ...

الثاني: نشأةُ البرزخ، وأما المعلمُ النافعُ لها، الذي يرتبطُ بتربية القلب وترويضه، والعلم بما يُنجي أو يُهلِك من الأخلاق، وكيف تُكتسبُ أو تُجْتنبُ هذه المحاسنُ والرذائل،.. والمقصود بالمنجيات الأخلاقية، كالصبر والشكر والتواضع والشجاعة والزهد والورع والتقوى وغيرهما من المحاسن، أما القبائحُ الأخلاقيةُ كالحسد والكِبْرِ والرياء وحبِّ الرئاسة والجاه وحبِّ الدنيا وغير ذلك.

وتُعلمُ هذه الأمور من الأنبياء والأوصياء ثم علماءُ الأخلاق وأصحابُ الرياضةِ الروحية...

الثالث: نشأةُ الدنيا، وعالَمُ المُلكِ والشهادة، والعلمُ النافعُ له، ما يُساهِمُ في تربية الظاهر وترويضه، كعلم الفقه وآدابِ المعاشرة، وتدبيرِ المنزل، وسياسةِ المدنِ والمجتمعات، وما يحتاجونه، في أمورهم ونظامهم...

ويُعْلمُ ذلك من الأنبياء والأولياء عليهم السلام، ثم الفقهاءُ والمُحدِّثين.

وكلُّ واحدةٍ من هذه المراتب، ترتبطُ وتنعكسُ على الأخرى، مثلاُ، القيامُ بالوظائف العبودية، ينعكسُ على القلب، وتحسين الأخلاق، وتهذيب النفس، ثم بدوره يؤثر على القيامة... كذلك، قوةُ العقيدة، تؤثر على الأعمال القلبية والغالبية الخارجية...

فاللازمُ على طالب السفر إلى الآخرة، أن يُشدِّدَ في المراقبة والترويض والإصلاح للمراتب الثلاث، ولا يتهاونُ في أيٍّ من الكمالات العلمية والعملية.

ومن اهتمَّ بواحدةٍ فقط من المراتب الثلاث، فهو على الباطل.

شرحٌ لمعاني الحديث

إنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قسَّم في هذا الحديث الشريف العلومَ إلى ثلاثة أقسام... وتشهدُ بذلك العلومُ الإلهية، وسننُ الأنبياء والأولياء وأحاديثُهم عليهم السلام.

وفي توضيحٍ للحديث الشريف المتقدِّم يقولُ العارفُ الكاملُ الشاه آبادي، دام ظلُّه: انَّ "الآية المحكمة" تدلُّ على العلامة، وهذا يتناسبُ مع العلوم العقلية الاعتقادية، لأن هذه العلوم هي آياتٌ وعلاماتٌ على الذات والأسماء، ولم نعهدْ أنْ استُعْملتْ الآيةُ أو العلامةُ في علوم أخرى، وكما يقولُ الله تعالى {إنَّ في ذلك لآية}[75]. أو {كذلك نُفصِّلُ الآياتِ لقومٍ يتفكَّرون}[76] أو {إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون}[77].

فتبيَّن أن الآية أو العلامة من مختصات العلوم الإلهية، بل لو استُعملت في مسألة فقهية أو أخلاقية لكان ذلك مُسْتهجناً ومستغرباً.

كما أن وصفَ "محكمة" دالٌ على الموازين العقلية، والبراهين المُحْكمة، وأما بقيةُ العلومِ فلا يوجدُ لها دليلٌ قاطعٌ ومتين، كما هو الغالب.

وتعبيرُ "الفريضة العادلة" إشارةٌ واضحةٌ على ما ذُكر في علم الأخلاق، من أن الخُلُقَ الحسن هو الخارجُ عن حدِّ الإفراط والتفريط المذمومين، والعدالةُ بينهما، هي الحدُّ المقبول.

ألا ترى أن الشجاعة هي الحالة المعتدلةُ بين الإفراط، المعبَّرِ عنه بالتهوُّر، والتفريط المعبَّرِ عنه بالجُبْن؟ وأن السخاءَ هو الاعتدالُ بين الإسراف والبخل؟

وأمَّا "السُنَّةُ القائمة" فتعودُ إلى العلوم التعبُّدية، والآداب الشرعية، التي تُسمَّى "السُّنة"، والتي تعجز العقولُ غالباً عن إدراكها... والتعبيرُ عنها بالسُّنة القائمة من التعابير الشائعة في الواجبات من الصلوات والزكوات، في حين أنها لم تُستعملْ في العلمين الآخرين.

والعلم عند الله سبحانه.

مَنْ هم العلماء الإلهيُّون؟

يجبُ أن يُعْلَمَ أنَّ مَنْ حصَّلَ العلومَ العقلية والاعتقاديَّة، فقظ لأجل تجميعِ المفاهيم والمصطلحات، وزخرفةِ العبارات، وتركيب الجمل والكلمات، لنقلها إلى العقول الضعيفة، وللحصول على المقامات الدُّنيوية... مَنْ كان كذلك لا تكونُ علومُهُ آياتٍ محكمةً، بل هي حُجبٌ غليظةٌ وأوهامٌ واهية، تعمي البصيرةَ، قال الله تعالى {ومَنْ أعرض عن ذكري، فإنَّ له معيشةَ ضنكاً، ونحشُرُهُ يومَ القيامةِ أعمى، قال ربِّ لِما حَشَرْتني أعمى وقد كنتُ بصيراً، قال كذلك أتتك آياتُنا، فنسيتها، وكذلك اليوم تُنْسى}[78].

لا يظنُّ علماءُ المفاهيم والمصطلحاتِ والعبارات، أنهم من أهل الله واليوم الآخر، وأهل البصيرة... وعلومُهم ليستْ آيةً ولا علامةً، وهذا ليس له أيُّ أثرٍ في قلوبهم، فمن لا يخشى ولا يخافُُ اللهَ تعالى لا يُعدُّ عالماً، قال سبحانه: {إنَّما يخشى الله من عباده العلماء}.

هل لنا من آثار العلم الحقيقي والخشية، أثرٌ في قلوبنا؟!

قال أمير المؤمنين عليه السلام "يا طالبَ العلم، إنَّ للعلم فضائلَ كثيرةً، فرأسُهُ التواضُعُ، وعينُهُ البراءةُ من الحسد، وأذنُهُ الفهمُ، ولسانُهُ الصِّدقُ، وحِفْظُهُ الفحصُ، وقلبُهُ حسنُ النيَّة، وعقلُهُ معرفةُ الأشياء والأمور، ويدُهُ الرحمةُ، ورجْلُهُ زيارةُ العلماء، وهِمَّتُهُ السلامَةُ، وحِكْمَتُهُ الورع، ومُسْتقرُّه النَّجاة، وقائِدُهُ العافيةُ، ومَرْكَبُهُ الوفاء، وسلاحُهُ لينُ الكلمةِ، وسيفُهُ الرضا، وقوسُهُ المداراة، وجيشُهُ محاورةُ العلماء، ومالُهُ الأدبُ، وزخيرتُهُ اجتنابُ الذنوب، وزادُهُ المعروف، وماؤهُ الموادَعَةُ، ودليلُهُ الهدى، ورفيقُهُ محبَّةُ الأخيار".

فهذه علاماتُ العلماء الربانيين، ومَنْ كان خالياً منها، فهو من أهل الجهالةِ والضلالَ وكان علمُه وبالاً عليه، وحُجباً مظلمةً وحسراتٍ يومَ القيامة.

وكم من الأشخاص الذين يخوضون في البراهين والأدلَّة، ويتفوَّقون على أقرانهم، دون أن يكون لقلوبهم حظٌ من الاطمئنان، بل شكٌ وحيرةٌ وقساوةُ قلب وأنانيَّة؟!!!

أيها العزيز، عندما تدرسُ أيَّ علمٍ، بادر إلى مجاهدة نفسك بالرياضة الروحية، لِتُخْلِصَ النِّيةَ، فمَنْ أخلص لله أربعين صباحاً، جرَتْ ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه، ولا تَتلهَّى بجمع المصطلحات والقواعد، ليُقالَ لك علامة دون أن ترى أثراً لِعلْمِكَ في قلبك.

درجةُ العلوم المختلفة

إعلمْ أنَّ العلوم المختلفة، كالطب والنجوم والتشريح والفلك، إذا جعلناها آية وعبرةً وموعظةً، كانت "آياتٍ محكمة" لأنها تُرشدُ إلى العلم بالله سبحانه والمعاد،.. وقد تندرجُ تحت عنوان "الفريضةِ العادلة" أو السُّنةِ القائمة"... وأمَّا إذا درسناها لأجل ذاتها أو لأهدافٍ أخرى، تُشغِلُنا عن علوم الآخرة، لأصبحت مذمومةً بالعرض.

ويُعلمُ بذلك أن العلوم ثلاثة:

الأول: ما كان نافعاً للإنسان في نشأته وغايةِ تكوينه.

الثاني: ما يضرب بالإنسان، ويصرفُهُ عن واجباته، فهو علمٌ مذموم تماماً كالسحر والشهوة.

الثالث: ما لا ضررَ فيه نفع، بل للتلهِّي والتسلِّي، كعلم الأنساب والشعر... والأفضل إدخالُ هذا النوع من العلم تحت واحدٍ من العلوم النافعة، وإلا فعدمُ الاشتغالِ بها يكون أحسن، لأن العمر قصير، والوقت قليل، والحوادث كثيرة، والجمعَ بين كل العلوم والفضائل مستحيل.

والعلومُ الثلاثة هي العلوم التي أمَرَ بها الأنبياءُ والأولياء، لأنها نافعةٌ لحياته الأبدية... وما يُمْكنُ أن يندرجَ تحتها من علم الحساب والهندسة والفلك والطب والتاريخ وغيرها.

والحمد لله تعالى.

 

الحديث الخامس والعشرون

الشك والوسوسة

عن عبد الله بن سنان أنه ذكر لأبي عبد الله عليه السلام رجُلاً مُبْتلى بالوضوء والصلاة، وهو رجلٌ عاقل، فقال أبو عبد الله عليه السلام مجيباً "وأيُّ عقلٍ له وهو يُطيعُ الشيطان؟" فقال السائل: وكيف يُطيعُ الشيطان؟ فقال سلامُ اللهِ عليه: "سَلْهُ هذا الذي يأتيه، من أيِّ شيءٍ هو؟ فإنه يقول لك: من عمل الشيطان".

المقدمة

القلب بمثابة مرآة لها وجهان:

أ‌-      وجهٌ نحو عالَمِ الغيب، وتنعكسُ فيه الصور الغيبيَّة، من باطن القلب والعقل.

ب‌-   ووجهٌ نحو عالَمِ الشهادة، وتنعكسُ فيه الصورُ الدُّنْيوية، من خلال القوى الحسيَّة الظاهرية، وبعضِ القوى الباطنية كالوهم والخيال الباطل والخبيث، في عالم الجنِّ والشياطين، هذا عند الالتفات الكلي للتعلُّقش بالدنيا، والاستغراقِ في شهوات البطن والفَرْج، فوق حدِّ الاعتدالِ ضمنَ ضوابط الشرع.

وعندما تنتبهُ النفسُ إلى الدنيا، وتشتاقُ إلى التخيُّلات الباطلة، تُصْبحُ الأعمالُ شيطانية من قبيل الوسوسة والشك والترددِ والوهم والخيال الباطل والخبيث.

وعندما تتوجه النفسُ نحو تعمير الآخرة، والمعارفِ الحقَّة. وعالم الغيب، تصيرُ الخواطرُ إلهيَّةُ في عالَمِ الملائكة وعالَمِ النفوس الطيِّبة السعيدة وتتطهرُ من الشك والشرك، وتتنزَّهُ عنهما.

وفي خلاصة مفيدة نقول:

1-    إنَّ الوسوسة والشكَّ والتزلزلَ وأشباهها من الخطرات الشيطانية.

2-    وأنَّ الطمأنينة واليقين والثبات والإخلاص وأشباهها من الإفاضات الرحمانية.

ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قولُه "ما من مؤمنٍ إلا ولقَلْبه في صدره أُذُنان: أُذُنٌ ينفُثُ فيها لمَلَكُ، وأُذنٌ ينفثُ فيها الوسواسُ الخنَّاسَ، يؤيِّدُ الله المؤمِنَ بالمَلَكِ، وهو قولُهُ سبحانه: {وأيَّدهم بروحٍ منه}.

صُورٌ عن أعمال المَوسْوسين

بعد أن علِمْنا، وطبعاً لذوق أهل المعرفة وأصحاب القلوب، أن الوسوسة من الأعمال الشيطانية، نبيِّنُ ذلك بأسلوب أسهل، فنقول:

الشاهدُ على أنَّ هذه الوساوس والاعمال من إلقاءاتِ الشيطان اللعين، انَّها مخالِفةٌ لأحكام الشريعة وأخبارِ أهل بيت العصمة عليهم السلام.

مثلاُ: وردت في الأحاديث المتواترة أن وضوءَ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان بغسلةٍ واحدة، وهذا من ضروريات الفقه، غَرْفةٌ واحدة للوجه، وأخرى لغسل اليد اليمنى، وغَرْفةٌ لغسل اليد اليُسْرى، أما الغَرْفَتين، فهو محل خلاف، والثلاث بدعةٌ وحرام بلا أي محذور، وكلُّ بدعةٍ في النار... ثم ترى الجاهلَ المبتلى بالوسوسة، يغسِلُ أعضاءَ الوضوءِ أكثرَ من عشر مرات، وفي كل مرَّةٍ يوصلُ الماء إلى كلِّ عضوٍ بدقة متناهية، فيُبْطِلُ وضوءَهُ، وبالتالي صلاتُهُ وطوافَهُ، بينما يتظاهرُ أمامَ الناسِ بالقدسية والاحتياط.

فهل مخالفةُ النصِّ المتواتر، وإجماعِ العلماء، عملٌ شيطاني أو احتياطٌ وتقوى؟ ولماذا لا يحتاط هؤلاء في مواردِ وجوب الاحتياط؟ وهل يحتاطون في شؤونهم المالية فيُخمِّسون ويُكفِّرون مثلاُ عدة مرات؟

لماذا يأخذون بأصالة الحليَّة في الأطعمةِ المشتبهةِ، ولا يأخذون بأصالة الطهارة في شكوك النجاسة؟

مع أن مشكوكَ الحليَّةِ راجحُ الاجتناب.

وكان أحدُ المعصومين عليهم السلام إذا تطهَّرَ، ترك الماءَ على فخذيه، حتى لا يتوسوس، فهل هذا المسكين، أفضلُ من إمامه؟

بعضُهُم يأكل من الطعام المشبه، حتى إذا انتهى غسل فَمَهُ ويديه، مُدَّعياً الصلاة بالطهارة الواقعية، مع أننا لا نعرفُ ميزةً للصلاة مع الطهارة الواقعية، ولم يُنقلْ عن أحدٍ من الفقهاء اشتراطُهُ ذلك.

وأيُّ شيءٍ يحتاجُ للطهارة عشرَ مرات مثلاً؟ لكنَّ الحقيقة أن هذا لا يتطلَّبُ منَّا جُهْداً لنظهر بالقداسة والورع!!!

وأسوأُ من ذلك، الوسواسي في نيَّة الصلاة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة السورة... فقد يرتكب عدة محرَّمات دفعةً واحدة، وينسبُ إلى نفسه القداسة... فيُرائي ويُضيِّعُ الوقتَ ويُؤذي مَنْ حولَهُ، ويُشوِّهُ سمعةَ الدين والمتدينين، وينصرفُ عن بعض الواجبات، ويقطعُ الصلاةَ عدةَ مرات... هل هذا من أعمال الشيطان أم أنَّه طهارةٌ وتقوى؟!

ومن مظاهر الوسوسة، أن لا يُحكمَ بالعدالة على مَنْ حَكَمَ عليهم النصُّ والفتوى بذلك، بل لا يجب التدقيقُ والتفتيش، بل لا يجوز التحرِّي عنهم والتجسسُ عليهم،... ومع ذلك، نراه ينزوي عن جماعة المسلمين في زاوية المسجد، مُدَّعياً الاحتياطَ والتقوى، لكنَّهُ لو كان إماماً لفرح بذلك وحرِصَ عليه، مع أن الإمامة أصعب، والتباسها أكثر، لأن ذلك موافقٌ لرغباته النفسيَّة.

ومن مظاهر الوسوسة التي يكثُرُ الابتلاءُ بها، الوسوسةُ في قراءة الفاتحة في الصلاة، حيث قد تخرجُ الكلمةُ غيرَ صحيحة، أو غريبةً عن اللغة، وتتحولُ إلى مصطلحات عجيبةٍ، تُفسدُ الصلاة، فهل هؤلاء، يعيشون حالةٍ قدسيةً؟ وأين الصلاةُ التي هي معراجُ المؤمن، وعمودُ الدين، وقربانُ المتقين، وأين أسرارُها المعنوية، وآثارُها الإلهية؟

أين الرواياتُ الكثيرةُ الداعيةُ إلى حضور القلب، والتوجهِ في العبادات، عند هذا الوسواسيِّ المسكين؟

وماذا يفعلُ بصلواته لسنين طويلةٍ، قد تبلُغُ العشرات، وهو مطيعٌ للشيطان، غافلٌ عن حضور قلبه، مُشْتغِلٌ بأباطيل الخنَّاس اللعين؟

وماذا يفعلُ بفتاوى الفقهاء ببطلان صلاته؟!

فهل هذا من شؤون القدسية والطهارة؟

والملاحظةُ الهامَّةُ جداً، أن بعضَ الجهلةِ يمدحونَ هذا الوسواسيَّ، ويعتبرون أعمالَهُ علامةً على التقوى والورع والدين، مع أن الوسوسة لا دخل لها بهذه الأمور مطلقاً، بل هي مخالفةٌ للدين... كان يجب أن يعظوهُ ويؤنِّبوه، ليكفَّ عن عمله الشنيع، ويبتعدَ عن شيطانه.

أيها العزيز، إنَّ الشيطانَ، إنْ لم يقدرْ عليك بالفسق والفجور، جاءَكَ من العبادات والمناسك، ليُبْطِلَ أعمالَكَ التي يُفترضُ أن تتقرَّب بها إلى الله سبحانه، فلا تُهْملْ علاجَ نفسِك سريعاً بالعادة والترويض.

 

علاجُ الوسوسة

لا بد كخطوةٍ أولى في طريق العلاج من هذه الآفة المهلكة، أن تعلم أنك مريضٌ بحاجة إلى علاجٍ ودواءٍ ومراقبة بالعلم والعمل.

ثم عندما تسمعُ من الفقهاء ذماً وقدحاً بعمل الوسواسي، وأنَّ بعض أعماله باطلةً، ماذا سيكونُ شعورُك وموقفُك؟

أنت تعلمُ أن الفقهاء يستخرجون الأحكام الشرعيَّة من الكتاب والسُّنَّة والقواعدِ الفقهية، لماذا لا تقتدي بهم، وتعرضُ نفسَكَ عليهم، فهل جميعُهم، والعياذُ بالله، منحرفين متهاونين بأمور الدين؟

هل أنت الوحيدُ المهتمُّ بأحكام الله سبحانه، وهناك مراجعُ المسلمين وعلماؤهم وحكماؤهم وأهلُ المعارف والعلوم الشرعية والرياضاتِ الروحية والمجاهداتِ النفسية؟

لا تهتمْ بالوسوسة الشيطانية، وقُمْ بما كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم والأئمة الطاهرون، يقومون به، ألم يتوضَّأوا بهذه الكيفية حالي ثلاثمائة سنة؟ فإذا كان عملُهُم باطلاً، لا سمح الله، فليكنْ عمُلك باطلاً أيضاً.

وإذا كنتَ تُقلِّدُ مجتهداً، فلن يؤاخِذَكَ ربُّكَ على عملك.

أيها العزيز، إذا خالفت الشيطان مراتٍ، وعملتَ على خلاف رأيه، فلا بدَّ أن ييأس منك أخيراً، كما ورد هذا في الأحاديث الشريفة:

فعن زرارة وأبي بصير قالا: "قُلْنا له: الرَّجُلُ يشكُّ كثيراً في صلاته، حتَّى لا يدري كم صلَّى ولا ما بقيَ عليه؟ قال: يُعيدُ، قُلْنا له: فإنَّه يكثُرُ عليه ذلك، كُلَّما أعاد شكَّ، قال: يمضي في شكِّه، ثم قال: لا تُعوِّدوا الخبيث من أنفسكم بنقْضِ الصلاة، فتُطمعوه، فإنَّ الشيطانَ خبيثٌ، يعتادُ لِما عُوِّد، فَلْيَمْضِ أحدُكُم في الوهم، ولا يُكْثرنَّ نقضَ الصلاةِ، فإنَّه إذا فعل ذلك مراتٍ، لم يعُدْ إليها لشَّكُّ، قال زُرارة: ثم قال: إنَّما يُريدُ الخبيثُ أن يُطاعَ، فإذا عًصيَ، لم يعُدْ إلى أحدِكُم".

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال: "إذا كَثُرَ عليك السَهْوُ، فامضِ في صلاتك، فإنَّهُ يوشِكُ أنْ يَدَعَكَ، إنَّما هو من الشيطان".

أيها العزيز: خالفْ الشيطان فترةً من الزمن، حتى ينقطعَ طمعُهُ عنك، ويعودَ السكونُ إلى قلبك.

أيها العزيز: قُلْ، بسم الله وبالله، توكَّلْتُ على الله، أعوذ بالله السَّميعِ العليم من الشيطان الرجيم، فإنَّك تنحَرُ الشيطانَ وتطرُدُهُ إن شاء الله تعالى.

الحديث السادس والعشرون

طالب العلم

رُوي في الخبر عن سيِّد البشر صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "مَنْ سَلَكَ طريقاً، يطلُبُ فيه علماً، سلَكَ اللهُ به طريقاً إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكةَ لَتَضَعُ أجنحَتَها لِطالبِ العلم رضاً به، وإنَّه يستغفرُ لطالب العلم مَنْ في السماء ومَنْ في الأرض، حتى الحوتَ في البحر، وفَضْلُ العالِم على العابد، كفضلِ القمر على سائرِ النجوم ليلةَ البدر، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا ديناراً ولا دِرْهماً، ولكنْ ورَّثوا العِلْمَ، فمنْ أخَذَ منه، أخذ بحظٍّ وافر".

المُقدمة

العلومُ تنقسمُ إلى قِسمين:

1-    العلوم الدُنْيويةُ التي تهدُفُ الوصولَ إلى المكتسبات الدُنْيوية، بِنيَّةٍ أنانية أو نيَّةٍ إلهية.

2-    العلوم الأُخروية للوصول إلى الدرجات والمراتب الأُخروية، بِنيَّة حقيرة أو جليلة.

أما المقصود بالعلم في هذه الرواية فهو علم الآخرة.

إلتفاتةٌ لطيفة

يُلْحظُ في النصِّ المبارك، نسبةُ السلوكِ العلمي إلى العبد "مَنْ سَلَكَ طريقاً يطلُبُ فيه علماً" ونسبةُ السلوكِ إلى الجنَّة، إلى الله سبحانه وتعالى "سلك اللهُ به طريقاً إلى الجنَّة" وما هذا إلا توفيقٌ وتسديدٌ ورحمةٌ من الله عزَّ وجل {ووَجَدُوا ماعملوا حاضراً}[79] {فمنْ يعملْ مثقال ذرَّةٍ خيراً يره، ومَنْ يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ شراً يره}[80] وَعلى كلِّ حال، وفي نهاية المطاف {قُلْ كلٌ من عند الله}[81].

الملائكةُ تضعُ أجنحتَها لطالب العلم

إعلمْ أنَّ ملائكةَ الله سبحانه على أنواع كثيرة، وكلُّهم جندُهُ تعالى {وما يعلَمُ جنودَ ربَّكَ إلا هو}[82] ومنهم المجذوبون المستغرقون في جمال الحقِّ وجلاله، لا يلتفتون إلى عالَمِ الوجود، ولا يعرفونَ بأنَّ الله خلقَهُ.

ومنهم المقرَّبون بأنواعهم، ولكلٍ منهم شأنٌ وتدبير.

ومنهم ملائكةُ الجناتِ العليا.

ومنهم ملائكةُ عالَم الطبيعة، ولكلٍ منهم أمرٌ وشأن...

ومن فضل الله ورحمته أن بعض الملائكة يفترشونَ أجنحتَهم تواضعاً وابتهاجاً، لبعض السالكين والمطيعين، كما في هذا الحديث الذي نحن بصدده، وكما في الحديث الشريف عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، حيث قال "إنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنِحَتَها لطالِبِ العلمِ حتى يَطَأ عليها، رَضاً به".

فالخطوةُ الأولى إلى الله سبحانه لطالب العلم، وضعُ قدمِهِ على أكتاف الملائكة، ويستمرُّ هذا ما دام يطلُبُ العلم، وإن كانت الدرجاتُ تختلفُ والملائكةُ يتبدَّلون.

الإستغفارُ لطالبِ العلم

إعلمْ أنَّ ما من شيءٍ إلا ويُسبِّحُ الله سبحانه، كما ذُكر ذلك في الأحاديث الشريفة بكل صراحة ووضوح، لكنَّ ذوي الحجاب عن المعارف الإلهيَّة، أوَّلوا الكلام تأويلاً باهتاً ضعيفاً مرفوضاً، يُخالفُ نصوص القرآن الكريم، وتلكَ الواردةَ عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، قال الله جلَّ جلالُهُ {يُسبِّحُ لله ما في السموات وما في الأرض}[83] {وإنْ منْ شيءٍ إلا يُسبِّحُ بحمدِهِ، ولكن لا تفقهون تسبيحَهُم}[84].

ومن الواضح أن التسبيحَ والتقديسَ والثناء، يتطلَّبُ العلمَ والمعرفة، وإلا لا يُمكنُ التسبيحُ والتقديسُ والتحميد...

فتسبيحُ الموجودات لله تعالى يكون عن وعي وشعور، وفي الحديث عن الباقر عليه السلام، قال "قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: إني كنتُ أنظُرُ إلى الإبلِ والغَنَم وأنا أرعاها، وليس من نبيٍ إلا وقد رعى الغَنَمَ، فكنت أنظرُ إليها قبل النُّبوَّة وهي مُتمكنَةٌ في المكينة، ما حولَها شيءٌ يُهيِّجُها حتى تذعَرَ فتطير، فأقول: ما هذا؟ وأعجبُ حتى جاءني جبرئيلُ، فقال: إن الكافرُ يُضْربُ ضربةً، ما خلق الله شيئاً إلا سمِعها ويذعرُ لها إلا الثَّقَلَيْن".

والإنسانُ أكثرُ الموجودات بُعْداً وحجاباً، ما دام مُنْهمكاً بعالَمِ المُلْك، ولأنَّ شُغْلَهُ أكثر، يكونُ احتجابُهُ أكثر عن الوصول إلى عالَم الملكوت.

بعد كلِّ هذا، لا مانع من القول، باستغفار كلِّ، ما في السماء والأرض للإنسان السالك لطريق العلم، وتسمعُها الآذانُ الملَكُوتية... ولجميع الموجودات وجهةٌ ملَكوتية، نتيجة علمها ومعرفتها...

والله العالم.

فضلُ العالِمِ على العابد كفضل البدرِ على النجوم

ثبت بالبرهان والعرفان والنصوص والأخبار، أنَّ حقيقة، النور ثابتةٌ للعلم والإيمان، مصادقةٌ عليه حقيقةً، لأن النورَ عبارةٌ عن الظاهر والمكشوف بالذات؟ المظهرِ والكاشفِ للغير، أما الأنوارُ الحسيَّةُ، فالتعبيرُ فيها مجازيٌّ، قال الله سبحانه {الله نورُ السماواتِ والأرض}[85] وقال تعالى {ومَنْ لم يجعلْ اللهُ له نوراً، فما له من نور}[86].

وقد فُسِّرَ النورُ بالعلم، فعَنْ الصادق عليه السلام: {اللهُ نورُ السمواتِ والأرض} قال: كذلك اللهُ عزَّ وجل {مَثَلُ نورِه} قال: محمدٌ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم {كمشكاة} قال: صدرُ محمدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم {فيها مصباحٌ} قال: فيه نورُ العلم، يعني النبوة {المصباحُ في زجاجة} قال" عَلْمُ رسولِ الله صَدَرَ إلى قلب علي".

وعن الباقر عليه السلام، قال "فالمؤمِنُ ينقلِبُ في خمسةٍ من النور: مَدْخَلُهُ نور، ومَخْرجُهُ نور، وعلمُهُ نور، وكلامُهُ نور، ومصيرُهُ إلى الجنَّّة يومَ القيامةِ نور".

وورد في الحديث المعروف "العلمُ نورٌ، يقذِفُهُ الله في قلب مَنْ يشاءُ".

وهذا النورُ الحقيقيُّ موجودٌ في قلوب أهل الإيمان والعلم، وله مراتب، فقد يكونُ للبعض كنور الشمس، وللبعض الآخر كنور القمر... حتى ينتهي عند البعض إلى نورٍ يُضيءُ أمَامَهُ فقط.

أما نحن المساكين الذين نعيشُ في حُجُب الظُّلمات، محجوبون عن العلم الذي هو نورٌ وظهور، وعن الشمس الحقيقية، ونتصوَّرُ بأنَّ هذا مجازٌ واستعارةٌ ومثال... وما زلنا في سكراتٍ وسُباتٍ عميقين، في هذه الحياة المستعارة و"الناسُ نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا".

والعابدُ له نورٌ مخصوصٌ به، يُضيءٌ لنفسه وتحت أقدامِهِ، فقط، كالنجوم ليلةَ البَدْر، تختفي أنوارُها قياساً مع البدر، وتَضيءُ لنفسها فقط، وهكذا العالِمُ والعابد، لهنورٌ ظاهر، وغيرُ مُظْهِرٍ.

العلماءُ ورثةُ الأنبياء

كلُّ إنسانٍ له أبٌ جسماني، وكلُّ عالِمٍ له أبٌ روحاني، هم الأنبياءُ عليهم السلام.

والتربيةُ والتعليمُ بعد الأنبياء، من شؤون العلماء، الورثة الحقيقيين للأنبياء، فهم لا يملكون درهماً ولا ديناراً، فتَرِكَتُهُم علمٌ ومعارف.

الحديث السابع والعشرون

حضور القلب

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال "في التوراة مكتوبٌ: يابنَ آدم، تفرَّغْ لعبادتي، أملأ قلبَكَ غِنى، ولا أكِلُكَ إلى طَلَبِكَ، وعليَّ أن أسُدَّ فاقَتَكَ، واملأ قلبَكَ خوفاً مني، وإنْ لا تَفرَّغْ لعبادتي، أملأ قلبَكَ شُغْلاً بالدنيا، ثم لا أسُدَّ فاقَتَكَ، وأكِلُكَ إلى طَلَبِكَ".

التَّفرُّغُ للعبادة، وحضورُ القلب

العبادةُ من الأمور الهامة، بل أكثرُ أهميَّةً من سائر الأمور، ولا بدَّ من تخصيص وقتٍ معينٍ في كل يومٍ وليلة لتوطين النَّفسِ على العبادة فقط، دون أيِّ عملٍ آخر.

هذا الوقت يُسمَّى تفرُّغاً، يبعث على حضور القلب وإفهامه أهميَّة العبادة، يُحافَظُ فيه على أوقات الصلوات، وقتِ الفضيلة، وعلى عباداتٍ أخرى، فلا يُفضِّلُ شيئاً عليها، ومضنْ لم يفعلْ ذلك، قام بعبادةٍ فاترةٍ ناقصة، لا نورانية لها.

وللاعتبار والموعظة، أذكُرُ ما ورد عن مولانا أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال "لا تتهاونْ بصلاتك، فإنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال عند موته: ليس مِنِّي مَنْ استخفَّ بصلاته، ليس مني مَنْ شرِبَ مُسْكِراً، لا يرِدُ عليَّ الحوضَ لا والله".

وعن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال "لما حضرتْ أبي الوفاةُ، قال لي: يا بُني، لا ينالُ شفاعَتَنا مَنْ استخف        َّ بالصلاة".

مَنْ منَّا يرضى بتبرَّء رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، والحرمانَ من شفاعته؟

وعليك أن تعلمَ أنَّ تفريغَ القلب أهمُّ من تفريغ الوقت، بل هذا مُقدِّمةٌ لذاك، فلا تُفكر بهموم الدنيا وأعمالها عندما تدخُلُ في صلاتِك، فإنَّ بعضنا وبمجرد أن يُكبِّرَ تكبيرة الإحرام، فكأنه فتح بابَ متجره أو دفترَ حسابِه أو نزاعاته مع الآخرين، ولا ينتبهُ من غفلته، إلا في نهاية صلاته.

هل يرضى شخصٌ أو صديقٌ أن تنصرف عنه إلى غيره، أثناء تحدُّثِكَ معه؟! فلا تجعلْ احترامَكَ وتوقيرَك للعباد، أ÷م من ربِّهم وخالِقهم ووليِّ نعمتهم تبارك وتعالى، وما هذا إلا ضعفٌ في اليقين والإيمان.

إنَّ السيد بنَ طاووس أعلى الله مقامه، احتفلَ بيوم بلوغه، لأنَّ الله سبحانه كرَّمه بالتكليف والخطاب، فكيف كان إيمانُهُ، وكيف إيمانُنا؟

إنَّ تفريغَ القلب وحضورَه، من الأمور الهامة التي يجب أن تتحقَّق، ومع قدرٍ قليل من المراقبة والعزم، ترى الامرَ ميسوراً وسهلاً، إن شاء الله سبحانه، ولا تنسى أنَّ الخيرَ عادة.

ورد عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، أنَّهما قالا "إنَّما لك من صلاتك، ما أقبلتَ عليه منها، فإنْ أوَهَمها كلَّها، أو غَفَلَ عن آدابها، لُفَّتْ فضُربَ بها وجهُ صاحِبِها".

وعن الثُمالي قال: رأيتُ عليَّ بنَ الحسين عليهما السلام، يُصلِّي، فسقط رداؤهُ عن مَنْكبِهِ، فلم يُسوِّه حتى فرغ من صلاته، قال: فسألتُه عن ذلك، فقال: ويحكَ أتدري بين يدي مَنْ كنتُ؟ إنَّ العبدَ لا يُقبلُ منه صلاةٌ، إلا ما أقبلَ عليه منها"، فقلتُ: جعلتُ فداك، هلكنا، قال "كلاَّ، إنَّ الله مُتممٌ ذلك للمؤمنين بالنوافل".

وفي توجُّهِ القلب، قال أبو عبد الله عليه السلام لعبد الله بن أبي يعفور "يا عبد الله إذا صلَّيتَ، فصلِّ صلاةَ مُودِّعٍ يخافُ أن لا يعودَ إليها أبداً، ثم اصرفْ ببصرك، إلى موضع سجودك، فلو تعلَمُ مَنْ عن يمينكَ وشمالِكَ، لأحسنتَ صلاتَكَ، واعلمْ أنَّك بين يدي مَنْ يراك ولا تراه".

وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "لأُحِبُّ للرَّجُلَ المرمنِ منكم، إذا قام في صلاة فريضة، أن يُقبلَ بقلبه إلى الله، ولا يشغُلَ قلبَهُ بأمر الدنيا، فليس من عبدٍ، يقُبلُ بقلبه في صلاته إلى الله تعالى، إلا أقبلَ الله إليه بوجهه، وأقبلَ بقلوب المؤمنين إليه بالمحبَّة بعد حبَّ اللهِ إيَّاهُ".

والأخبار والآثارُ في هذا المضمار كثيرة.. ولا نُفوِّتُ المناجاةَ الشعبانية الواردة عن الأئمة عليهم السلام، قالوا: "إلهي هَبْ لي كمالَ الانقطاع إليك، وأنِرْ أبصارَ قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتَّى تخرقَ أبصارُ القلوب حُجُبَ النورِ، فتصلَ إلى معدِنِ العظمة، وتصيرَ أرواحُنا مُعلَّقةً بعزِّ قدسك".

هل نُفكِّرُ نحن أو نطلبُ كما يُفكِّرُ الأئمةُ عليهم السلام ويطلبون؟! وهل لنا عملٌ آخر غيرَ طعامِنا وشرابنا وراحتنا وعبثنا وكثرةِ لَغَطنا؟!!! إنَّ أهل المعرفة والتقوى يكتفون بنصٍ واحدٍ مما تقدَّم، حتى يُكرِّسوا كلَّ عمرِهم لتحصيل الحبِّ الإلهي.

حضورُ القلب بنظر أهل الإيمان

بعد أنْ تبيَّنَ أنَّ روحَ العبادةِ ومراتبَها ونورانيَّتها متوقِّفةٌ على حضور القلب، كان لا بد من معرفة مراتبِ هذا الحضور، وهو قِسْمان:

1-    حضور القلب في العبادة.

2-    حضورُ القلبي في المعبود.

وحضور القلبِ في العبادة، له مرتبتان:

أ‌-      الحضور الإجمالي بمعرفة أنَّ العبادة هي الثناءُ على المعبود، فعندما يتوضّأُ أو يغتسِلُ أو يُصلِّلي أو يصوم، يعرفُ أنه يثني على خالقه تعالى، وإنْ لم يُدْرك التفاصيلَ.

ويضربُ الشيخُ العارف الكامل الشاه آبادي روحي فداه، مثلاُ على ذلك، ما لو نظم شخصٌ قصيدةً ما في مدح رجل، ثم أُعطيت هذه القصيدةُ إلى طفل ليُلْقِيَها على ذاك الرجل، وهو يعلمُ أنها مدحٌ من جهة، لكنه لا يستوعبُ معانيها من جهة أخرى... وهكذا نحن بمثابة الأطفال نمدحُ الله سبحانه بعباداتنا، من دون أن نُدْركَ أسرارَ هذه العبادات، فقط نُثني عليه سبحانه، بنفس الكيفية التي أمرنا بها، واتضاها، ولا يحقُّ لنا أن نُشرِّع من عندنا، بإبداع العبادات، نعوذ بالله سبحانه.

ب‌-  الحضور التفصيلي، وهذا لا يكون في مراتبه الكاملة، إلا لأهله... اما المراتبُ الدُّنْيا، فقد تتيسَّر، بالالتفات إلى معاني الألفاظ في مثل الصلاة والدعاء.. وبمعرفة أسرار العبادة قدرَ الإمكان، كما استفادَها أهلُ المعرفة من أخبار المعصومين عليهم السلام، وأما فهمُ الحقيقة بتمامها، فلا يكون إلا لقليلٍ من الناس، وهو غنيمةً لهم.

وأما حضور القلب في المعبود، فعمدةُ مراتبه ثلاث، ولكلِّ واحدة أربعُ مراتب.

فالثلاث العمدة هي: حضور القلب في تجليات الأفعال ثم تجليات الأسماء والصفات ثم تجليات الذات...

وأما المراتب الأربع لكل واحدة فهي: المرتبة العلمية والإيمانية والشهودية والفنائية...

وأتركُ هذا الموضوع على إجماله، حيث لا حظَّ لي فيه إلا الألفاظ... فقط نُشيرُ إلىما رُوي عن مولانا الصادق عليه السلام عندما كان يتلو القرآن في صلاته فغُشِيَ عليه، فلما أفاق سُئِلَ: ما الذي أوجب ما انتهتْ حالُك إليه؟ فقال ما معناه: ما زلتُ أُكرِّرُ آياتِ القرآنِ حتى بلَغْتُ إلى حالٍ كأنني سمعتُها مشافهةً مِمَّنْ أنزلها على المكاشفة والعِيان، فلم تقُمْ القوَّةُ البشريَّةُ بمكاشفة الجلالة الإلهية.

حضورُ القلب في الأخبار والآثار

إعلمْ أنَّ حضورَ القلب في العبادات لا يكونُ إلا بعد فهم القلب لأهميَّتها، والفهم لا يتيسَّرُ إلا باستيعاب أسرارها وحقائقها، وهذا لا يتمُّ لنا إلا بقدر ما نستفيدُ بتوفيق الله تعالى من أخبار أهل بيت العصمة عليهم السلام ومن أهل العرفان.

وقد أصبح واضحاً، أن الأعمالَ الحسنة والعبادات لها صورٌ باطنيةٌ، وآثارٌ في قلب العابد... يقول الله سبحانه {فمن يعمل مثقالَ ذرَّةٍ خيراً يره، ومَنْ يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ شراً يره}[87] وقال عزَّ وجل {ووجدوا ما عمِلوا حاضراً}[88]. بل عالَمُ الملكوت كلِّه حياةٌ وعلم، قال سبحانه {وإنَّ الدار الآخرةَ لهي الحيوان}[89].

وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال "مَنْ صلَّى الصلوات المفروضات في أوَّلِ وقتها، وأقام حدودَها، رَفَعَها المَلَكُ إلى السماء، بيضاءَ نقيَّةً، تقول: حفظك اللهُ كما حفِظْتَتي، استودعني مَلَكٌ كريم، ومَنْ صلاَّها بعد وقتها من غير عِلَّةٍ، ولم يُتمْ حدودَها، رَفَعَها المَلَكُ سوداءَ مُظْلِمةً، وهي تهتفُ به، ضيَّعْتَني، ضيَّعَكَ اللهُ كما ضيَّعْتني، ولا رعاك اللهُ كما لم تَرْعَني".

وعنه عليه السلام في حديث طويل "إذا بعث اللهُ المؤمنَ من قبره، خرج معه مِثالٌ يقدُمُ أمَامه، كُلَّما يرى المؤمنُ هولاً من أهوال يوم القيامة، قال له المثال: لا تفزْع ولا تحزنْ وأبشرْ بالسرور والكرامة من الله عزَّ وجل، حتى يقفَ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، فيُحاسِبُهُ حساباً يسيراً، ويأمُرُ به إلى الجنَّةِ، والمثالُ أمامه، فيقولُ له المؤمنُ، يرحمُكَ اللهُ نِعْمَ الخارجُ، خرجتَ معي من قبري، وما زِلْتَ تُبشِّرُني بالسرور الذي كنتَ أدخَلْتَهُ على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني الله عزَّ وجل منهُ لأُبَشِّرَكَ".

وليس من المستَحسن صرفُ أمثالِ هذه الآيات والروايات عن ظاهرها لأجل عدم انسجام مضمونها مع عقولنا.

وكلُّ عملٍ مقبول له صورةٌ بهيَّةٌ حسنة، وكلُّ عملٍ يفقدُ شرائِطَ قبولِهِ، له صورةٌ بشِعةٌ مُشوَّهةٌ في عالَم الآخرة[90].

إذاً، أيها الإنسانُ المؤمنُ بعالَمِ الغيب، وأحاديث المعصومين عليهم السلام ويا أيها الراغبُ في الحياة الأبديَّة، كما تسعى لتكون أعمالُك موافقةً للقواعد الاجتهادية وفتاوى الفقهاء، رضوانُ الله عليهم، عليك السعيُ ايضاً لإصلاح نفسِك وسريرتك، وقد شرَّع الله بلطفه النوافل لتجبرَ بها النسيانَ والسهوَ والغفلة التي تتنافى مع كمال الصلاة.

رُوي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال "إنَّما جُعلتْ النافلةُ لِيَتمَّ بها ما يفسُدُ من الفريضة".

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام "يُرْفعُ للرجل من الصَّلاة، رُبْعُها أو ثُمْنُها أو نِصْفُها أو أكثرُ بقدرِ ما سها، ولكنَّ الله تعالى، يُتمُّ ذلك بالنوافل".

أيها العزيز:

استيقظْ من الغفلة، واتق اللهَ ربَّك، ولا تكن من المُغْترِّين، وانظر إلى أعمالك خائفاً من عدل الله سبحانه طالباً رحمته... فلعلَّك تُحاسبُ على ما كنتَ تعتبرُهُ صالحاً من صلاة وصومٍ وحج، فيكونُ وبالاً وذلاً عليك.

أنظر إلى هذا الحديث الشريف، وتأملْ به، واتَّعظْ من تفاصيله... رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "واللهِ ما أكَلَ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام من الدنيا حراماً قط، حتى مضى لسبيله، وما عَرَضَ له أمران كلاهما لله رضا، إلاَّ أخذ بأشدِّهما عليه في بدنه، وما نزلتْ برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم نازلةً قطُّ، إلا دعاهُ ثِقَةً به، وما أطاق أحدٌ عَمَلَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من هذه الأمة غيرُهُ، وإنْ كان لَيَعْمَلُ عَمَلَ وَجِلٍ، كان وجهُهُ بين الجنَّةِ والنار، يرجو ثواب هذه، ويخافُ عقابَ هذه،... وما أشبههُ من وُلدِهِ، ولا أهلِ بيته أحدٌ، أقربُ شَبَهاً به في لباسه وفِقهه من عليِّ بن الحسين عليهما السلام، ولقد دخل أبو جعفر عليه السلام، ابنُهُ عليه، فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلُغْهُ أحدٌ، فرآه قد اصفرَّ لونُهُ من السَّهر، وومَضَتْ عيناهُ من البكاء، ودبِرَتْ جبهتُهُ، وانحزم أنفُهُ من السجود، وورمَتْ ساقاهُ وقدماه من القيام في الصلاة" تابعَ أبو جعفر عليه السلام، قال: "فلمْ أملِكْ حين رأيتُهُ بتلك الحال إلا البُكاءَ، فبكيتُ رحمةً له، فإذا هو يُفكِّر، فالتفتَ إليَّ بعد هنَيْئةٍ من دخولي، فقال: يا بُنيَّ، أعطِني بعضَ تلك الصُحُفِ التي فيها عبادةُ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام، فأعطيتُهُ فقرأ فيها شيئاً يسيراً، ثم تركها من يده تضجُّراً، وقال: مَنْ يقوى على عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام؟".

فإذا كانت هذه حالةُ الإمام الباقر عليه السلام لمَّا رأى أباه، وحالةُ الإمام السجَّاد عليه السلام لمَّا قاس عمله مع جدِّه، وهم مَنْ هم في الكمَال والرفعةِ والعصمة، فأين نحن، وكيف يجب أن نكون؟ أليسوا هم قدوتنا ومثالنا الأسمى؟!

سبحانك اللهم غمرتنا برحمتك قبل أن نسألها، فأدمْ فضلَكَ علينا، أين رحمتُكَ الواسعة؟ أين أياديك الشاملة؟ أين فضلُكَ العميم؟ أين كرمُك يا كريم؟

 

التفرُّغُ للعبادة والقلبُ الغني

إعلم أنَّ الغنى ن الأوصاف الكمالية للنفس، وإنَّ الثروة والمالَ لا يوجبُ غنى، بل حرصاً أكثَرَ على فانيات الدنيا، ومَنْ كان غنياً في نفسه استغنى عن كلِّ شيء، ومَنْ لم يكن كذلك، افتقر إلى كلِّ شيء.

والله سبحانه هو الغني المطلق، والغنى من صفاته الذاتية، وكلُّ الموجودات بمَنْ فيهم الخلق، إليه فقراءٌ محتاجون.

وكلَّما توجَّه الإنسانُ نحو الدنيا أكثر، كُلَّما زاد ذُلُّهُ وفقرُه، أما إذا ركل الدنيا بقدميه، وتوجَّه نحو الغنيِّ المطلقِ سبحانه، وسلَّم بفقره الذاتي، وعرف أنَّ أحداً سوى الله سبحانه لا يملكُ من الأمر شيئاً، كلما استغنى عن العالمين، حتى لا يرى لملكِ سليمانَ قيمةً، ولا يأبهَ بكل خزائن الأرض,... وما ذلك إلا لأنه سمع من الهاتف الملَكوتي {يا أيها الناس، أنتم الفقراءُ إلى الله، والله هو الغنيُّ الحميد}[91].

يقول عليُّ بن أبي طالب عليه السلام "وإنَّ دنياكم عندي، لأهونُ من ورقةٍ في فمِ جرادةٍ تقضُمُها"[92].

ويقول الإمام عليُّ بن الحسين عليهما السلام "استنكِفُ أن أطلُبَ الدُّنْيا من خالِقها فكيف بطَلَبِها من مخلوقٍ مثلي".

أيها العزيز، إعطِ القلب إلى أهله، والبيت إلى صاحبه، وليس الغاصبَ المعتدي، عندها يتجلَّى فيه صاحِبُهُ الغنيُّ المطلق، وتصبحُ غنياً مطلقاً غارقاً في بحر العزِّ والغنى، {ولله العزَّةُ ولرسوله وللمؤمنين}[93] ويقومُ صاحبُ البيت سبحانه بإدارة أموره، وكلِّ شؤونِ عبده، بل يُصبحُ سمعَهُ وبصرَه ويدَه... كما ورد في الحديث الشريف عن الكافي الشريف عن أبي جعفرعليه السلام، قال: "وإنَّه ليتقرَّبُ إليَّ بالنافلة حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبصرهُ الذي يُبصرُ به، ولِسانَهُ الذي ينطِقُ به، ويَدَهُ التي يبطِشُ بها".

هكذا يصبحُ العبدُ غنياً عن كلِّ العالمين، ويرتفعُ عنه الخوفُ من جميع الكائنات، ويُدركُ حقيقةَ "لا مؤثرَ في الوجود إلا الله" وما ذُكر في هذا الحديث "تفرَّغْ لعبادتي أملأُ قلبَكَ غِنى"...

أما القلبُ الغافلُ، فهو مَنْبَعٌ لكافة الأمراضِ النفسيَّة، والحُجب الغليظة، والأنانية، وكما في الحديث الشريف "وإنْ لا تفرَّغْ لعبادتي، أملأ قلبَكَ شُغْلاً بالدنيا، ثم لا أسُدُّ فاقَتَكَ، وأكِلُكَ إلى طلبك".

الحديث الثامن والعشرون

لقاء الله

عن عبد الصمد بن بشير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلتُ، أصلحك الله، مَنْ أحبَّ لِقاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومَنْ أبغض لقاءَ الله أبغض اللهُ لقاءَه، قال: نعم، قلتُ: فوالله إنَّا لنَكْرَهُ الموت، فقال: ليس ذلك حيث تذهب، إنَّما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يُحبُّ، فليس شيءٌ أحبَّ إليه من أن يقدِمَ على الله، والله تعالى يُحبُّ لقاءَه، وهو يُحبُّ لقاءَ اللهِ حينئذٍ، وإذا رأى ما يكرهُ؟ فليس شيءٌ أبغضَ إليه من لقاء الله، واللهُ يُبْغِضُ لِقاءَه".

قوله "أصلحك الله" دعاءٌ في الخير، ولا يلزمُ في الدعاء أن يكون المدعوُّ له فاقداً لمضمون الدعاء، بل الدعاءُ مستحبٌ مطلقاً، كقولك "غفر الله لك" أو "عفا الله عنك" وقولُهُ "إنَّا لنكرهُ الموتَ" لتصوُّره إن الموتَ ملازمٌ للقاء الله.

أما قولُه "ليس ذلكحيث تذهب" أي حيث يذهبُ وهمُك.

معنى لقاءِ الله عزَّ وجل

الآيات والأخبار التي تذكُرُ لقاء الله سبحانه صراحةً أو كنايةً كثيرةٌ جداً، ولا يُمْكنُ لنا أن نذكُرَها جميعاً، ولعلَّ بعض العلماء والمفسرين استبعدوا ذلك نهائياً تنزيهاً لله تعالى، إلا أن بعضَ الأدعية، المعتبرة، والأحاديث المأثورة والمشهورة التي أخذ بها علماؤنا العظام، لا تقبلُ هذا التوجيه.

وليس المقصودُ بلقاء الله، التعرُّفَ على الذات المقدَّسة والمشاهدة العينيَّة، فهذا ممتنعٌ بحسب البرهان كما ثبت عند الفلاسفة وأهلِ العرفان، بل المقصودُ بلقاء الله تعالى، صفاءُ القلب لدى السالك، وارتفاع الحُجُبِ... ولا يكون هذا إلا بعد حصول التقوى الكاملة، وانصرافِ القلب عن العوالم، ووطأ الأنانيَّة، والانصهارِ في عشق الذات المقدَّسة وترويض النفس والقلب والصبر على ذلك.

ذكر أبو بصير أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: "... إنَّ روحَ المؤمن لأشدُّ اتَّصالاً بروح الله، من اتصال شعاعِ الشمس بها".

وفي المناجاة الشعبانية التي يُدلّ مضمونُها على أنها صادرةٌ من الأئمة المعصومين عليهم السلام "إلهي هبْ لي كمالَ الانقطاع، وأنرْ أبصارَ قلوبنا بضياء نظرِها إليك، حتى تخرِقَ أبصارَ القلوب حُجُبَ النورِ، فتصلَ إلى معدِنِ العظمة، وتصيرَ أرواحُنا مُعلَّقةً بعزِّ قُدْسِك، إلهي واجعَلْني مِمَّنْ ناديتَهُ فأجابَكَ، ولاحَظْتَهُ فصعِقَ لجلالك، فناجيتَهُ سراً، وعمِلَ لكَ جهراً"[94].

وفي الكتاب الكريم، حكايةً عن معراج رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، {ثم دنى فتدلَّى، فكان قابَ قوسينِ أو أدنى}[95].

ولا تتنافى هذه المشاهدةُ الحضوريةُ الفنائية، مع البرهان على عدم الإحاطة بالذات المقدَّسة، ومع الآيات والأخبار عدلَ تنزيهِ اللهِ سبحانه عن كلِّ عيب ونقص... بل تكونُ مؤكدةً ومؤيَّدةً لها.

ولا يُمكنُ الأخذُ بالتأويلات المستهجنة، وإلا كيف نوجِّهُ كلامَ أمير المؤمنين عليه السلام عندما يقول "فهبني صبرتُ على عذابك، فكيف أصبر على فراقك" فهل فراقُ الأمير عليه السلام وألَمُهُ للبعد عن الحور العين؟ وكيف نُفسِّرُ "ما عبدتُك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنَّتِكَ، بل وجدتُك أهلاً للعبادة فعبدتُك عبادةَ الأحرار" فهل في هذا شوقٌ إلى طعام الجنَّة؟!!! هل ما ظهر في ليلة المعراج، وتجلياتِ الأنبياء عليهم السلام، من المأكول والمشروب والبساتين والقصور؟

للأسف نحن المسجونين في الحُجُب المظلمة نُفكِّرُ بهذه الطريقة، ولو حاول فيلسوفٌ أو عارفٌ مساعدتَنا ولَفْتَنا، اعتبرنا عَمَلَهُ خطأً وانحرافاً.

إنَّ البعضَ لا يستوعبُ هذه الكلمات، فيُكذِّبُها بلسانه أو بقلبه أو يؤولُ ويُفسِّر... ويا ليته يعترفُ بأنَّه ليس من رجال تلك الساحات، وفرسانِ تلك الميادين، فيقولُ عارفٍ هائم أو سالك حزين أو فيلسوفٍ متألِّه لن يكون لغواً بل رحمةً إلهية تُساقُ على لسانه عبدٍ صالح، فلا يجوز لنا أن نتصدَّى بالطعن واللعن والتكفير والتفسيق والتهمة... فقط لأن الكلام فوق طاقة قدراتنا.

للأسف الشديد بعضُهم يوقفُ كتابَةُ ويشترطُ على كلِّ مضنْ يستفيدُ منه، أن يلعن الملا محسن فيض الكاشاني يومياً مئة مرة، وهو صاحبُ كتب الأخبار والأخلاقِ والكلام والتفسير، وبعضُهم نعوذ بالله يرمي صدر المتألِّهين بالزندقة وهو قمَّةُ التوحيد، ويتَّهمونه بالصوفية من دون أي دليل وبالرغم من تأليفه لكتاب: كسرُ أصنامِ الجاهلية، في الردِّ على الصوفية.

إنَّ هذا اللعن لأهل الإيمان بالله ورسوله والأئمة عليهم السلام، لا يُسيءُ إلى مقامهم بل قد يُضاعفُ حسناتِهم، ويرفعُ درجاتِهم.

الإنسانُ في حالة الاحتضار وسكرات الموت

عندما يُصْبحُ الإنسانُ مشرفاً على الموت والرحيل، تنكشفُ له بعضُ مقاماتِهِ وأحواله، لأنه ونتيجةً لسكرات الموت، يبتعدُ قليلاً عن عالَم الطبيعة الذي قد أسكره بشهواته وغضبه، وسلَبَهُ شيئاً من عقله، وحجبه عن صور أعماله وأخلاقه، ليُشرفَ على عالَمِ البرزخ، الذي هو وسطٌ بيت هذا العالَم وعالَمِ القيامة، وهو النموذجُ لحالته يومَ القيامة، وفي الحديث النبوي المعروف "القبر إمَّا روضةٌ من رياضِ الجنَّة، أو حُفْرةٌ من حُفر النيران".

فالإنسانُ عند سكرات الموت والاحتضار، يُشاهِدُ صورَ أعمالِه، ويسمعُ من مَلَكِ الموت بشارةَ الجنة أو وعيد النار، نستجير بالله، فإذا كان من أهل الإيمان، انشرح صدرُه واشتاق إلى الموت واللقاء، وارتحلَ ببهجة وسرور وفرح، وإذا كان من أهل الضلالة والفساد والجحود، أي ظُلْمةً وضغطاً وضيقاً في الصدر، ودخل الذعرُ والهلعُ إلى نفسه، حتى يبغُض السفر واللقاء والرحيل عن هذا العالم، ثم يُرحَّلون بعنف وقسوة وعذاب وحسرة.

عند الاحتضار والمعاينة، لا نلقي إلا ما أعددنا لأنفسنا من الأعمال الصالحة، والخلق الحسن، والعقائد الصحيحة، أو لا سمح الله، من الكفر أو النفاق أو الأعمالِ القبيحة والسيئة.

لا بد لك أيها العزيزُ السالكُ المشتاقُ إلى لقاء بارئك سبحانه، أن تحافظَ على الطاعة ولا تعتمد علىنفسك وعملك بل تستعين به جلَّ جلالُه، خاصةً في حالات الخلوة معه، بكلِّ تذلل وتضرع وبكاء... أطلب من بارئك تعالى أن يُخرجَ حبَّ الدنيا من قلبك، ومع كون الأمر صعباً في بداية الطريق، لشدة تعلقك بالدنيا، لكن بعد فترةٍ من المراقبة والمثابرة والعزم والصدق، لا بدَّ أن يأتيك المددُ الإلهي، والنصرُ المبين، والشوقُ والرغبةُ للقاء الحقِّ عزَّ إسمُهُ.

وفيما نحن فيه، يوجدُ حديث شريف، نذكره بتمامه، لأهميته ولِما فيه من بشارةٍ لأهل الولاية، ايَّهم الله تعالى، حيث ورد عن مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: "منكم والله يقبل، ولكم والله يغفر، إنه ليس بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى السرور وقرة العين إلا أن تبلغ نفسه ههنا وأومى بيده إلى حلقه ثم قال عليه السلام: إنه إذا كان ذلك واحتضر حضره رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وعلي والأئمة وجبرئيل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام، فيدنو منه جبرئيل عليه السلام فيقول لرسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم:

إن هذا كان يحبكم أهل البيت فأحبه، فيقول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يا جبرئيل إن هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيته فأحبه، فيقول جبرئيل يا ملك الموت إن هذا كان يحب الله ورسوله وآل رسوله فأحبه وأرفق به فيدنو منه ملك الموت عليه السلام فيقول: يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك؟ أخذت أمان براءتك؟ تمسكت بالمهمة الكبرى في الحياة الدنيا؟ فيوفقه الله فيقول: نعم، فيقول له. وما ذاك؟ فيقول: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام فيقول: صدقت، أما الذي كنت تحذر فقد آمنك الله وأما الذي كنت ترجو فقد أدركت، أبشر بالسلف الصالح مرافقة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وعلي والأئمة من ولده عليهم السلام.

ثم يسل نفسه سلاً رفيقاً ثم ينزل بكفن من الجنَّة. وحنوطه حنوط كالمسك الاذفر، فيكفن بذلك الكفن، ويحنط بذلك الجنوط، ثم يكسى حلة صفراء من حلل الجنة، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب الجنة يدخل عليه من روحها وريحانها ثم يقال له: نم نومة العروس على فراشها، وأبشر بروح وريحان وجنة نعيم ورب غير غضبان.

قال: وإذا حضرت: الكافر الوفاة حضره رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وعلي والأئمة وجبرئيل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام: فيدنو منه جبرئيل فيقول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم:

يا جيرئيل إن هذا يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فابغضه فيقول جبرئيل: يا ملك الموت إن هذا يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله عليهم السلام فابغضه واعنف عليه، فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك؟ أخذت براءة أما تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا، فيقول لا فيقول له: أبشر يا عدو الله بسخط عذابه بالنار أما الذي كنت ترجو فقد فاتك، وأما الذي كنت تحذر فقد نزل بك، ثم يسل نفسه سلاً عنيفاً، ثم يوكل بروحه ثلاثمائة شيطان يبزقون في وجهه ويتأذى بريحه، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار يدخل عليه من فيح ريحها ولهبها.

 

 

 

الحديث التاسع والعشرون

وصية النبي لعلي بخصال

عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان في وصيَّة النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لعليٍّ عليه السلام أنْ قال: يا علي، أوصيك في نفسك بخصالٍ فاحفَظْها عني، ثم قال: اللهم أعِنْهُ، أما الأولى فالصدقُ ولا يُخْرُجَنَّ مِنْ فيك كِذْبةٌ أبداً، والثانية الورعُ، ولا تجترئْ على خيانةٍ أبداً، والثالثة، الخوف من الله عزَّ ذِكرُهُ، كأنك تراه، والرابعةُ كثرةُ البكاءِ من خشية الله تعالى، يُبنى لك بكل دمعةٍ ألفُ بيتٍ في الجنَّة، والخامسةُ بذلُكض مالك ودمك دون دينك، والسادسةُ، الأخذُ بُسنَّتي في صلاتي وصومي وضَدَقتي، أما الصلاةُ فالخمسون ركعة، وأمَّا الصيامُ، فثلاثةُ أيامٍ في الشهر، الخميس في أوَّله، والأربعاءُ في وسطه، والخميسُ في آخره، وأمَّا الصدقةُ فجُهْدُك حتى تقول، قد أسرفتُ، ولم تُسرف.

وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الزوال، وعليك بصلاة الزوال، وعليك بصلاة الزوال، وعليك بتلاوة القرآن على كلِّ حال، وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما، وعليك بالسِّواك عند كلِّ وضوء، وعليك بمحاسن الأخلاق، فارْكبْها، ومساوئ الأخلاقِ فاجتنبها، فإنْ لم تفعل، فلا تلومنَّ إلا نفسَك".

المقدمة: الأهميةُ البالغةُ للوصيَّة

وصايا النبيِّ للأمير عليهما السلام، فائقةُ الأهميَّة كما يظهرُ من خلال أمور:

أولاً: بالرغم من أنَّ الأمير عليه السلام لا يتهاونُ في الأحكام الشرعية، وجَّه النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إليه الوصيَّة للإشارة إلى أهمي         َتها، حتى لِمَنْ يعرفْ أنه لا يتساهلُ بها.

وهذا ليس مستغرباً بين الكبار من الناس، ومنهم الأئمة عليهم السلام... وعلى أيِّ حال إنَّ كونَ الأمير سلامُ الله عليه مخاطباً بالوصية، يُظهرُ عظَمَتَها وأهمِّيَّتها.

ثانياً: تأكيدُ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، مع أنَّ علياً عليه السلام، لن يُهْمِلَها... ثم قولُه "يا علي أوصيك" وقولُه "فاحفَظْها عني" ودعاؤه قائلاً "اللهم أعِنه" إضافة إلى التكرار ونون التوكيد... كلُّ ذلك يشير إلى أهميَّة وخطورة الوصيَّة, ليس في حقِّ المخاطب، فقط، وبالأصالة، ولكنْ لجميع الأجيال الآتية.

أضرارُ الكذب

أولُ الوصيَّةِ، الصدقُ، ومجانبةُ الكذب، وفيه دلالةٌ على الأهميَّة الاستثنائية للصدق "فالصدقُ، ولا يُخْرُجَنَّ من فيك كِذبةٌ أبداً".

فالكذب من الفواحش الكبيرة، التي رُبَّما تؤثر على الإنسان إلى آخِرِ عمره، عندما يكتشفُ الناسُ له ولو كِذْبةً واحدة... فكيف لو اشتُهر عنه كَذِبُهُ؟

فالكذب من القبائح المشهورة والمعروفة كما ثبُت ذلك بالعقل والنقل والأخبار والآثار، التي نذكُرُ بعضها اجتناباً عن الإسهاب والتطويل:

ورد عن محمد بن يعقوب بأسناده عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "إنَّ الله عزَّ وجل جعل للشرِّ أقفالاً، وجعلَ مفاتيح تلك الأقفالِ الشَّراب، والكذب أشرُّ من الشَّراب".

وإعلمْ، أنَّ حملَ هذه الأخبار على المبالغة، باطلٌ بل جهلٌ وضعفُ في الإيمان، ولخطورة الكذب أشارتْ بعضُ النصوص إلى أنه يذهبُ بالإيمان، الذي هو رأسُ مالِ الآخرة، لأن المؤمن حقاً وصدقاً لا يكون كذَّاباً.

سُئِلَ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، "يكون المؤمنُ جباناً؟ قال: نعم، قيل: ويكون بخيلاً؟ قال: نعم، قيل: ويكونُ كذَّاباً؟ قال: لا".

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال "الكذب هو خرابُ الإيمان".

ومن كلام رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "أربى الرِّبا الكذب".

ومن الأمور الهامة التي يجب الالتفاتُ إليها، حرمةُ الكذب حتى في هزله ومزحه كما أفتى العلماء بذلك وكما ذكر صاحبُ الوسائل في عنوان الباب، الذي يُعتبرُ فتوى له، قال: بابُ تحريمِ الكذبِ في الصغير والكبير والجِدِّ والهَزْلِ عدا ما استُثْني.

وكان عليُّ بن الحسين صلواتُ الله عليه، "يقول لوَلَدهِ، اتَّقوا الكذِبَ، الصغيرَ منه والكبير، في كلِّ جدٍّ وهزل، فإنَّ الرجلَ إذا كذب في الصغير، اجترأ على الكبير، أما علمتم أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: ما يزالُ العبدُ يصدقُ حتى يكتُبَهُ صدِّيقاً، وما يزالُ العبدُ يكذبُ، حتى يكتُبَهُ اللهُ كذَّاباً".

وفي وصايا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لأبي ذر "يا أبا ذر، ويلٌ للذي يُحدِّثُ فيَكْذِب ليُضْحِكَ به القومَ، ويلٌ له، ويلُ له".

وقال أميرُ المؤمنين عليه السلام "لا يجدُ عبدٌ طَعْمَ الإيمانِ، حتى يترُكَ الكَذِبَ هزلَهُ وجدَّه".

وبعدَ هذه النصوصِ المباركةِ النقولةِ عن النبي وأهله الكرام، هل لمرءٍ يدَّعي الإيمان، أن يتجرَّأ على هذه المعصية الكبيرة؟ وهل يبقى له بعد ذلك إيمان؟

وبعد أن أصبحَ واضحاً خطورةُ الكذب، لا بد من الثناء على الصِّدق والاستقامة في الحديث، كما جاء ذلك عن أهل بيت العصمة عليهم السلام.

رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام "كونوا دُعاةً للناس بالخير بغير ألسنتكم، لِيُرَوا منكُمً الاجتهادَ والصِّدْقَ والورعَ".

وعن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "إنَّ أقربكم مني غداً وأوجبكم عليَّ شفاعةً، أصدَقَكُمْ لساناً، وأدْاكم للأمانة، وأحسَنكم خُلُقاً، وأقربَكم من الناس".

الوَرَعُ ومراتِبُهُ

الورعُ من منازل السالكين والسائرين إلى الله سبحانه، وله مراتب:

أ‌-      ورع العوام، الاجتنابُ عن الكبائر.

ب‌-  ورع الخواص، الابتعادُ عن الشُّبهات خوفاً من الحرام.

ج- ورع أهلِ الزهد، الابتعاد عن المباحات.

د- ورع أهل السلوك، تركُ النظر إلى الدنيا، رغبةً في المقامات العالية...

ويُعتبرُ الورعُ أفضلَ زادٍ للمسافرِ إلى الآخرة، وهو الأساسُ في تهذيب النفس واجتناب المحرَّمات.

ورد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "أوصيك بتقوى الله، والورعِ والاجتهاد، واعلمْ أنَّه لا ينفعُ اجتهادٌ لا ورعَ فيه".

وعنه عليه السلام أنه وَعَظَ وزهَّدَ ثم قال "عليكم بالورع، فإنَّه لا يُنالُ ما عند اللهَ إلا بالورع".

وفي هذا السِّياقِ، ما رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام "لا تُنالُ ولايتُنا، إلا بالعمل والورع".

فمن دون الورع، لا يأملنَّ أحدٌ بالكرامات والدرجات الوعودةِ من الله تعالى لعباده.

خطورةُ الخيانة وسموُّ الأمانة

يُلاحَظُ في النصِّ الشريف، بعد أن أوصى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بالورع، وهو الاجتنابُ عن كلِّ المحرَّمات، أتبعه بعدم الخيانة، فيكونُ قصدُه، والله العالم، أن كلَّ معصيةٍ تمنعُ السيرَ إلى الله تُعتبرُ خيانةً ومخالفةً للأمانة، قال سبحانه {إنَّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض...}[96] فالأعضاءُ والجوارحُ والقوى، أماناتٌ، واستعمالُها على خلاف الطاعة، خيانةٌ.

ورد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "لا تنظروا إلى طول ركوعِ الرَّجُلِ وسجودِهِ، فإنَّ ذلك شيءٌ اعتادَه، فلو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدقِ حديثه، وأداءِ أمانته".

وعن أحدهم قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: عبدُ الله بن أبي يعفور، يُقْرئك السلام، قال: "عليك وعليه السلام، إذا أتيْتَ عبد اللهِ، فأقرئه السلام، وقُلْ له: إَّ جعفرَ بنَ محمدٍ يقولُ لك، انظرْ إلى ما بلغ به عليٌّ عند رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فالزَمْه، فإنَّ علياً عليه السلام، إنَّما بَلَغَ به عندَ رسولِ الله بصدق الحديث، وأداءِ الأمانة".

وسُمع سيِّدُ العابدين عليِّ بن الحسين عليه السلام يقول لشيعته "عليكم بأداء الأمانة، فوالذي بعث محمداً صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، بالحقِّ نبيّاً، لو أنَّ قاتِلَ أبي الحسينِ بن علي عليهما السلام، إئتمنني على السَّيْف الذي قتلهُ به، لأدَّيْتُهُ إليه".

وعن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، في حديث المناهي، أنه نهى عن الخيانة، وقال "مَنْ خان أمانةٌ في الدنيا، ولم يرُدَّها إلى أهلها، ثم أدركه الموتُ، مات على غيرِ ملَّتي، ويلقى اللهَ، وهو عليه غضبان، ومَنْ اشترى خيانةً، وهو يعلَمُ، فهو كالذي خانَها".

فهل يرجو شفاعةً، مَنْ كان مغضوباً عليه عند الله سبحانه؟! أو هل يرجوها من كان خارجاً عن أمَّةِ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؟ وقد ورد في حديث "ليس منَّا مَن خان مؤمناً".

على كل حال أصبح واضحاً من خلال الأحاديث المباركة المتقدمة، أنَّ الخيانة بجميع أنواعها، المادية والمعنوية، من المهلكات العظيمة، والموبقات الكبيرة، التي تُخرجُ صاحبَها، نعوذ بالله سبحانه، من دين الإسلام.

ونختمُ زيادةً في التبرُّك، وتذليلاً للنفس الأمارة بالسوء، بما رًوي عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال "مَنْ خان أمانةً في الدنيا، ولم يردَّها، على أهلها، مات على غيرِ دينِ الإسلام، ولقِيَ اللهَ، وهو عليه غضبانٌ، فيُؤمرُ به إلى النار؟ فيُهوى به في شفير جنَّم، أبَدَ الآبدين".

بعضُ الأماناتِ الإلهيَّة

لا بد من العلم، أنَّ الله سبحانه، وهبنا جوارحَنَا وأعضاءَنا الظاهرية والباطنية، كأمانةٍ نُحافظَ عليها، ولا نعصيه سبحانه بها، فإذا حفظنا الأمانة، كنا أهلاً للرحمة الإلهية، وإنْ لم نفعل، أصبحنا خائنين خارجين عن الملة، نعوذ بالله تعالى.

ورد في الحديث القدسي "لا يسعني أرضي ولا سمائي، ولكنْ يَسَعُني، قلبُ عبديَ المؤمن" وفي الحديث المشهور "إنَّ قلبَ المؤمنِ عرشُ الرحمن".

وكما فُسِّرتْ الأمانة في الآية بالولاية {إنَّا عرضنا الأمانةَ على السموات والأرض...} فالشيعيُّ المحافظُ على الولاية، هو المتَّبِعُ لعلي أمير المؤمنين عليه السلام، إتباعاً كاملاً وشاملاً، وإلا ايضاً أُعتُبر خائناً.

مَنْ لم يكن محافظاً على تشيُّعه حقاً، لا بد أن ينسى أمير المؤمنين عليه السلام، عند سكرات الوت، كما ينسى الإنسانُ أشياءَ كثيرةً ضرورية، عند شِدَّةِ المرض.

كم ممن يدَّعي الودَّةَ والولايةَ، يُمكنُ أن يتحول، نعوذ بالله إلى عدوِّ لله سبحانه، ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأهل بيته عليهم السلام، نتيجة انحرافه وخيانته...

ورد في الحديث "إنَّنا شفعاؤكم يومَ القيامة، ولكنْ تزوَّدوا لبَرْزَخِكُمْ".

الخوف من الله تعالى

إنَّ الخوفَ من الله سبحانه، وخشيتَهُ، من أهم العوامل لإصلاح النفس، وعلاجِ الأمراضِ الروحية.

والسالكُ المهاجرُ إلى الله تعالى، يجب عليه الاهتمامُ بكل ما يؤدِّي إلى خشيته من خالقه عزَّ وجل.

ورد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال "يا إسحاقُ، خَفِ الله كأنَّك تراه، وإنْ كنت لا تراهُ فإنَّه يراك، وإنْ كنتَ ترى أنه لا يراك، فقد كفرت، وإنْ كنتَ تعلمُ أنه يراك، ثم برزتَ له بالمعصية، فقد جعلتَهُ من أهون الناظرين عليك" فالسالكُ إلى الله سبحانه وفي أيِّ مقامٍ كان، يراعي حضورَ الحقِّ تعالى، ويمتنعُ عن مخالفة أوامره عزَّ وجل، ويُفرِّقُ بين حضوره وغيابه... وهو حاضرٌ لا يغيب سبحانه.

درجاتُ الناس في مراعاتهم لحضور الله تعالى

إعلمْ أيها الحبيب، أنَّ مراعاة حضورِ الله سبحانه، تختلفُ بحسب درجات السالكين المسافرين إليه جلَّ جلالُهُ:

1-                              فالمؤمنون المتَّقون يراعون حرمةَ حضورهِ جلَّ وعلا، بامتثال الأوامر، وترك النواهي.

2-                              والمجذوبون يراعون بعدم الالتفات إلى الغير، والانقطاع التام له سبحانه.

3-                              والأولياءُ وأهلُ الكمال تكون مراعاتُهم، بنفي الغير من أساسه، ونفي الأنا والذات.

فالجميعُ يعلم أنهم في محضر الله سبحانه، كذلك الموجودات لدى ساحة قُدْسه، فيُراعون محضَره، كلٌّ بحسب مقامه، ودرجاتِ وصوله، وسلوكِهِ، وترويضِهِ لنفسه،... كما أشيرَ في الحديث الشريف الذي نحن بصدده "الخوفُ من الله عزَّ ذكرُهُ، تراه" وإلى بعض المراتب، أشار الإمامُ الصادق عليه السلام بقوله "وإن كنتَ لا تراه، فإنَّه يراك" وكما في قوله "وإنْ كنت تعلَمُ أنه يراك".

وختاماً:

مَنْ كان مثلَنا، يعتبرُ أنَّ هذا من مقامات الخوف والخشية، وهي درجةٌ عالية، طوبى لمَنْ يصلُ إليها... أمَّا السابقون المقرَّبون فلهم، رأيٌ آخر، قد لا تحتمِلُهُ نفوسَنا، قال في "منازل السائرين":

"وليس في مقامِ أهل الخصوص وَحْشةُ الخوفِ إلا هيْبَةُ الإجلال".

فضلُ البكاء

للبكاء من خشية الله سبحانه، فضلٌ لا يُعبَّرُ عنه بكلمات الآدميِّيين، خاصةً المثقلين بذنوبهم وبُحبِّ الدنيا... والصمتُ في مثل هذه الحال أجدى، لنرى ماذا يقول أهلُ بيتِ النبوَّة عليهم السلام، في البكاء من خشية الله تعالى.

ورد عن النَّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "ومن ذرُفَتْ عيناه من خشية الله، كان له بكلِّ قطرةٍ من دموعه، قصرٌ في الجنَّة، مُكلَّلٌ بالدر والجوهر، فيه ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر".

وعنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "ليس شيءٌ إلا وله شيءٌ يعدِلُهُ، إلا اللهُ، فإنَّه لا يعدِلُهُ شيءٌ، ولا إلهَ إلا الله، لا يعدِلُهُ شيءٌ، ودمعةٌ من خوف الله، فإنَّه ليس له مثقالٌ، فإنْ سالتْ على وجهه، لم يرهَقْه قترٌ ولا ذِلَّةٌ بعدها أبداً".

وعن مولانا الصادق عليه السلام "إنَّ الرجلَ ليكونُ بينَهُ وبين الجنَّة أكثَرَ مما بين الثرى والعرش لكثرة ذنوبه، فما هو إلا أن يبكي من خشية الله عزَّ وجل ندماً عليه،حتى يصيرَ بينَهُ وبينَها، أقربُ من جِفْنه إلى مُقْلتِهِ".

وعنه عليه السلام الله الرحيم، قال "ما منْ شيء إلا وله كيلٌ ووزنٌ إلا الدموعَ، فإنَّ القطرة تطفي بحاراً من نار، ولو أنَّ باكياً بكى في أمَّةٍ لرُحِموا".

وكلامُ المعصومين، عصمةُ الكلام، نكتفي به، وبه الاكتفاء.

الثواب العظيم علىا لعمل البسيط

بعضُ الأشخاص من أصحاب النفوس الضعيفة يتعجَّبون كيف تكون المكافآت الجليلةُ المبهرةُ للعقول على أعمالٍ يعتبرونها بسيطةً أو تافهة؟!!!

لكنْ هل ما نظنُّهُ بسيطاً أو صغيراً أو حقيراً... هو كذلك في علم الغيب والواقع الملَكوتي؟ وهل ظنُّنا دليلٌ على ذلك؟ وهل قيمةُ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مثلاً، تُقاسُ بشكله أو بحجمه؟

إنَّ مَنْ يريدُ الحكمَ على مثل هذه الأشياء، لا بد أن يكون عالماً ومطَّلعاً على الغيب والأسرار والخبايا... فهل نحن كذلك؟

أليس الحقُّ أن نأخذَ ما جاء به الأنبياءُ والأولياء، العارفون بقدرة الله بشؤون الغيب بما أذِنَ سبحانه؟

أيها الضعيف، هل هناك حدودٌ للرحمة الإلهية؟! كلا، بل لا حدودَ لتفضُّلِهِ وكرمه عزَّ ذكره.

إنَّ النعم التي وهبنا إياها، والتي لا تُعدُّ ولا تُحصى، إنَّما وُهبت من دون مسألة ولا طلب... وما المانعُ أن تتضاعفَ أضعافاً، وهو القائلُ سبحانه {فيها ما تشتهي الأنفُسُ، وتَلَذُّ الأعين}[97].

أيها العزيز، ليس من الحقِّ إنكارُ هذه النصوص التي تتحدث عن المكافآت والعطايا العظيمة، لأن الأحاديث والأخبارَ في هذا المجال، تفوقُ حدَّ التواتر، في الكتب المعتمدة، حتى كأنَّنا سمعناها مشافهةً من المعصومين عليهم السلام... فالتأملُ والتفسيرُ يُدُلاَّن على ضعف الإيمان والجهل، والتسليمُ والإذعانُ لأقوال الأنبياء والأولياء يدلان على منتهى الإيمان والتصديق... حيث لا مجالَ لتحكيم العقل في مثل هذه الأمور.

وورد نظيرُ ذلك في القرآن الكريم، في قوله تعالى {ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر}[98] وفي قوله سبحانه {مثلُ الذين يُنفقون أموالهم في سبل الله، كمثل حبَّةٍ أنبتت سَبْعَ سنابِل في كلِّ سُنْبُلَةٍ مائةُ حبة، والله يُضاعفُ لمن يشاء}[99].

نوافل الصلاة

هناك فضلٌ كبير للإتيان بالنوافل اليومية، وفي بعض النصوص الشريفة، أنَّ من المعاصي تركَ النافلة، وأنَّ الله سبحانه يُعذِّبُ مَنْ ترك السُّنة، وأنها واجبة... وما هذه التعابير في الحقيقة إلا للتأكيد على إتيانها.

لذا ينبغي أن لا نترك، لأنَّها عملُ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ولأنَّها من صفات شيعة ومحبِّي آلِ محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، ومن علاماتهم.

صومُ ثلاثةِ أيام من كلِّ شهر

السُّنةُ الثانيةُ للحبيب المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الشهر، والنصوص في ذلك بالعشرات..

والمشهور في كيفية اختيار الأيام الثلاثة، طبقاً لعمل الرسول المصطفى وأئمة الهدى عليهم السلام، أن تكون:

1-                              أول خميس من الشهر، بصرف النظر عن رقمه التسلسلي، وهو يومُ عرض الأعمال.

2-                              الأربعاء الأول من العشرة الثانية، من دون التفات إلى تاريخ اليوم من الشهر، وهو يومُ نحسٍ مستمر، ويومُ نزولِ العذاب.

3-                              آخر خميس من الشهر، من دون لحاظ لتاريخه، وهو يومُ عرضِ الأعمال أيضاً.

وفي روايةِ أبي عبد الله عليه السلام، مُعلِّلاً اختيارَ هذه الأيامِ بعينها، قال "... لأنَّ مَنْ قَبْلَنا من الأمم، كانوا إذا نزل على أحدهم العذاب، نزل في هذه الأيام، فصام رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، هذه الأيَّام، لأنَّها الأيامُ المخوفة" وفي نفس الرواية، أن صيام الأيام الثلاثة، تعدُلُ صومَ الدهر، وفي روايةٍ إشارةٌ إلى الآية الكريمة {مَنْ جاء بالحسنة فلهُ عشرُ أمثالِها}[100] فكأن الأيامَ الثلاثة تساوي تمامَ الشهر، وبالتالي كلَّ العمر.

وعلى كل حال لصيام هذه الأيام الثلاثة فضلٌ عظيم عند ربِّ كريم.

فضيلَةُ الصَّدَقَةِ

وأمَّا السُّنةُ الثالثةُ في حديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فهي الصدقةُ حيث قال "أمَّا الصدقةُ فجُهدُك حتى تقولَ قد أسرفتُ ولم تُسْرف" وهي من المستحبات المؤكدة التي قلَّ أنْ يبلُغَ أجرَها عملٌ آخر... حتى ولو كانت لغير مَنْ في ملَّتنا، بل حتى على الحيوانات البرية والبحرية... فكيف بالصدقة للمؤمنين والمحتاجين والمساكين والمرضى والأيتام والمعوزين؟!...

وإليك بعضُ الأخبار المناسبة لما نحن فيه، تُليِّنُ القلبَ، وتُرغبُ النفس... اللهم أعنَّا.

رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام "ليس شيءٌ أثقَلَ على الشيطان، من الصدقةِ على المؤمن، وهي تقعُ في يد الربِّ تبارك وتعالى، قبلَ أن تقع في يد العبد".

وفي نصٍ آخر عنه عليه السلام قال: "إنَّ الله لم يخلُقْ شيئاً، إلا وله خازنٌ يخزُنُهُ، إلا الصدقَةَ، فإنَّ الربَّ يليها بنفسه، وكان أبي إذا تصدَّق بشيء، وضعَهُ في يدِ السائل، ثم ارتدَّهُ منه، فقبَّلَهُ وشمَّهُ ثم ردَّهُ في يدِ السائل".

ثم إنَّ المتدبِّر في مثل هذا الحديث المبارك، يجدُ التفاتةً فائقةَ الأهميَّةِ، وهي:

عندما يتصدَّقُ المرءُ بيده، ويُتْبعُ ذلك بمنٍ أو أذى، نعوذ بالله، كان منُّهُ هذا أو إساءتُهُ لله تعالى أولاً وللفقير ثانياً، أمَّا إذا كان في صدقته خاشعاً راغباً راهباً متواضعاً، كان مُقْبلاً في عمله هذا لله سبحانه أولاً وللفقير ثانياً.

وهذا عند أصحاب القلوب، وأهلِ العرفان، نوعٌ من المغازلة مع المعشوق جلَّ وعلا، يرتدُّ نفعُها عليهم قبل غيرهم.

ورُوي عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قولُه "أرضُ القيامةِ نارٌ، ما خلا ظِلَّ المؤمنِ، فإنَّ صدَقَتَهُ تُظِلُّهُ".

وعنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "الصَّدقةُ تدفعُ ميتةَ السوءِ".

وعن أبي الحسن عليه السلام "استنزلوا الرزْقَ بالصدقة".

وعن مولانا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال "إن الصَّدقةَ وصِلَةَ الرحِم، تُعمِّران الدِّيار، وتزيدان في الأعمار".

وعنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "ومَنْ أحبَّ، أنْ يُذْهِبَ اللهُ عنه نَحْسَ ليلتِهِ، فَلْيَفْتتحِ ليلَتَهُ بصدقة، يدفعُ اللهُ عنه نَحْسَ ليلته".

وفي نصٍ أن الإبكار في الصدقة عند الصباح، يُدفَعُ بها شرُّ ذلك اليوم.

التفاتةٌ هامة

حول الإنفاق مما يُحبُّ المرءُ، أو ما تعلَّقَ قلبُهُ به، وهذا فيه تزكيةٌ للنفس، وقمعٌ للهوى، وقناعةٌ وإيثار... قال الله سبحانه في الآية الشريفة {لن تنالوا البِرَّ حتى تُنفِقوا مما تُحبون}[101].

وعن الحسين بن علي والصادق، صلواتُ اللهِ عليهما، أنَّهما كانا يتصدَّقان بالسُّكر، ويقولان، إنَّه أحبُّ الأشياء إلينا، وقد قال الله تعالى {لن تنالوا البرَّ حتى تُنفِقوا ممَّا تُحبُّون}.

وعن علي عليه السلام أنَّه اشترى ثوباً، فأعجَبَهُ، فتصدَّقَ به وقال: سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقول: مَنْ آثَر على نفسه، آثَرَهُ اللهُ يومَ القيامة بالجنَّة، ومَنْ أحبَّ شيئاً، فجعلَهُ لله، قال الله تعالى يومَ القيامة، قد كان العِبادُ يُكافِئون فيما بينهم بالمعروف، وأنا أُكافيك اليوم بالجنَّة.

ورًوي أنَّ صحابياً، قسَّمَ أفضلَ بساتينه بين أقاربه عند نزول الآية الكريمة، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "بَخٍ بَخٍ ذلك مالٌ رابحٌ لك".

ولا بد أخيراً من الإشارة، بأنَّ الإنسانَ تربَّى على حبِّ المال وزخارف الدنيا، مما أدَّى به إلى التمادي في المفاسد الخُلُقية، والانزلاقِ في الانحرافات السلوكية... ودورُ الصدقات والإيثار على النفس، استئصالُ أو تخفيفُ أو حصارُ هذه المفاسدِ والانحرافات.

صدقةُ السرِّ وصدقةُ الرَّحم والإكثارُ منها

إعلمْ أيها الحبيب، أن صدقة السر أفضلُ من صدقة العلن، ولعلَّ ذلك راجع إلى:

1-    أنَّ صدقةَ السِّرِ أبعدُ من الرياء، وأقربُ إلى الإخلاص.

2-    أنَّ صدقةَ السِّرِ تحفظُ كرامةَ الفقراء، ولا تُحْرجُهم.

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، قال "يا عمَّارُ، الصدقةُ في السر، واللهِ أفضلُ من الصَّدقةِ في العلانية، وكذلك واللهِ العبادةُ في السر، أفضلُ منها في العلانية".

وعن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "صدقةُ السرِّ تُطفئُ غضبَ الربِّ تبارك وتعالى".

واعلمْ، أنَّ الصدقة على الأرحام والأقرباءِ أفضلُ من غيرهم، وتكونُ بذلك جمعت بين أمرين محبَّبين إلى الله سبحانه: صلةُ الرحم، والصدقة، ورُوي عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، أنَّ صلةَ الأخوان بعشرين، وصلةَ الرحم بأربعةٍ وعشرين، وورد في النص المبارك عن مولانا الباقر عليه السلام، قال "لا صدقَةَ وذو رحم محتاج".

وأخيراً: مهما أكثرَ الرءُ من الصدقات، فلا يُسمَّى ذلك إسرافاً، ما دام لديه فائضٌ يُنفِقُ منه على الأهل والعيال، ولا يؤثُرُ على عيشِهِ الكريم، وهذا المقصود بقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "وأمَّا الصدقة، فجُهْدُكَ حتى تقولَ قد أسرفتُ، ولم تُسْرف".

وورد عن أبي عبد الله عليه السلام، أن الحسنَ بنَ علي عليه السلام قاسَمَ ربَّه، ثلاثَ مراتٍ، حتى نعلاً ونعلاً، وثوباً وثوباً، وديناراً ديناراً.

 

 

فضيلةُ صلاةِ الليل

في الحديث الشريف، الذي نحن بصدد شرحه، تأكيدٌ كبير على صلاة الليل، وصلاة الظهر.

أمَّا صلاةُ الليل فقد مرَّ معنا شيءٌ عنها، كما أنَّ الأحاديث عنها كثيرةٌ جداً، نكتفي بإثنين منها تبرُّكاً، وأما صلاةُ الظهر فتتحدَّث عنها في فصلٍ مستقل.

ورد أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال لجبرائيل، عِظْني، فقال يا محمَّد: "عِشْ ما شِئتَ، فإنَّك ميِّتٌ، وأحبْ ما شئتَ، فإنك مفارِقُهُ، واعملْ ما شئتَ، فإنَّك ملاقيه، واعلمْ أن شرفَ المؤمنِ صلاتُهُ بالليل، وعزَّه كفُّهُ عن أعراض الناس".

وعنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال "إذا قام العبدُ من لذيذ مضجعه، والنُّعاسُ في عينه، لِيُرضِيَ ربَّه بصلاة ليله، باهى اللهُ به الملائكةَ وقال: أما ترونَ عبدي هذا، قد قام من لذيذ مضجعه، لصلاةٍ لم أفرُضْها عليه، اشْهدوا أني قد غفرتُ له".

المحافظة على أوقات الصلوات

يبدو أن التأكيد على صلاة الزوال، إنْ كانت صلاة الظهر أو نوافِلَها، لأمرٍ خاصٍ فيها لا يعلَمُهُ إلا اللهُ سبحانه، قال الله سبحانه {حافظوا على الصلوات والصلاةِ الوسْطى، وقوموا لله قانتين}[102] وبشكل عام، الأحاديثُ المباركةُ أكَّدت على إقامة الصلوات في وقتِ فضيلتها، وهذا دليلٌ اهتمام بها وبإنجازها في أسرعِ وقت، وأفضلِ صورة... لأنَّ تأخيرها عن أوَّلِ وقتها، قد يؤدي إلىالتهاون بها، لا سمح الله تعالى، والتمادي في الاستخفاف بها، رُبَّما يؤدي إلى تركها.

ورد عن أبي جعفر عليه السلام، أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان جالساً في المسجد، إذ دخل رجلٌ، فقام يُصلي، قلم يُتمَّ ركوعَهُ ولا سجودَه، فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "نقرٌ كنقر الغراب، لئِن مات هذا، وهكذا صلاتُه، ليموتَنَّ على غيرِ ديني".

فالإنسانُ بطبعه يهتمُّ بأموره المهمة الجالبة له نفعاً، فلو ضُرب لك موعدٌ مع شخص سوف يُعطيك مالاً عظيماً، أو سوف تلتقي فيه مع ملكٍ من ملوك الدنيا، لاحتسبت الموعدَ المضروب، ساعةً فساعة، ودقيقة فدقيقة، بفارغ الصبر والاستعداد... أمَّا إذا كان الأمرُ لا يعنيك كثيراً، فلا تنتظرُهُ ولا تهتمُّ، وقد لا تتذكَّرُهُ أصلاً.

إذاً الإهمالُ الموعودِ ومواقيت الصلواتِ والعباداتِ ناشىءٌ عن ضعفِ الإيمان بالغيب، والوعودِ الإلهية، وبشائر الأنبياء.

فيا أيُّها العزيز: إيَّاك ثم إيَّاك، واللهُ معينُك في أولاك وأخراك، أن تتهاونَ وتستخفَ، لا سمح الله، بأمور دينك وخاصةً صلواتِك... فأنت الفقيرُ إليها، واللهُ سبحانه والأنبياءُ مستغنون عن أعمالك، ولا ينتظرون انتفاعاً منها أبداً.

فضلُ تلاوةِ القرآن

من جملة وصايا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، الأمرُ بتلاوة القرآن الكريم دائماً، وأينما كنتَ، وكلَّما تيسَّرِ لك ذلك، ففيه المعاني والأسرار، التي لا تستوعبُها عقولُنا.

وينبغي أن تكونَ القراءةُ بتدبُّر وتفكُّرٍ وتمعُّنٍ وتأمُّلٍ، وقد ذمَّ اللهُ قوماً، فقال سبحانه {أفلا يتدبَّرون القرآنَ، أم على قلوب أقفالُها}[103].

وورد عن مولانا أبي عبد الله عليه السلام، قال: "القرآن عهدُ اللهِ إلى خلقه، فقد ينبغي للمرءِ المسلم، أن ينظرَ في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آيةً".

وعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام "ألا لا خيرَ في قراءةٍ، ليس فيها تدبُّر".

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "مَنْ قرأ عشرةَ آياتٍ في ليلة، لم يُكْتب من الغافلين، ومَنْ قرأ خمسين آيةً كُتبَ من الذاكرين، ومَنْ قرأ مئة آيةٍ كُتب من القانتين، ومَنْ قرأ مئتي آية، كُتب من الخاشعين، ومَنْ قرأ ثلاثِمَائَةِ آيةً، كُتب من الفائزين، ومَنْ قرأ خمسمائَةِ آيةٍ، كُتب من المجتهدين، ومَنْ قرأ ألفَ آيةٍ، كُتب له قنطارٌ من برٍ، القنطارُ خمسةَ عشَرَ ألفَ مثقالٍ من ذهب، والمثقالُ أربعةٌ وعشرونَ قيراطاً، أصغرُها مثلُ جَبَلش أُحدٍ، وأكبرُها، ما بين السَّماءِ والأرض".

وفي نصٍ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "مَنْ قرأ القرآنَ وهو شابٌ مؤمنٌ، اختلط القرآنُ بلحمه ودمِهِ، وجعَلَهُ اللهً عزَّ وجل مع السَّفرةِ الكرام البررة..." وكأنَّ المطلوبَ من التلاوة، تأثيرُها وانعكاسُها على قلب الإنسان وروحه، فيُصْبحُ باطِنُهُ صورةً لكلام الله المجيد، كما أنَّ علياً والأئمة عليهم السلام كانوا مثالاً تاماً وكاملاً لحمل آيات القرآن في باطنهم، وهذا هو المطلوب في تكرارالعبادات، ابتداءً من الصلاة وإلى جميع العبادات الإلهية، وفي الحديث "أنَّ علياً عليه السلام، صلاةُ المؤمنين، وصيامُهم".

آدابُ تلاوةِ القرآن

إنَّ من أهم آداب قراءةِ القرآن وأفضلِها وأعظمِها التفكُّرَ والتدبُّرَ في آياته، وفهمِ أسرار النزول، وحقيقةِ الأوامرِ والنواهي، والأخلاقِ الفاضلة... وليس التلهي بما هو معروفٌ عند بعض القراء بمخارج الألفاظ، وأداء الحروف، الذي يُخرجُ كثيراً من الكلمات، عن حالتها الطبيعية، ولتُصْبحُ غريبةً مستَهْجنة.

ينبغي من خلال التدبُّر في معاني القرآن الكريم، أن يتحوَّلَ كلُّ عضوٍ وجارحةٍ لدى الإنسان، إلى آية من الآيات الإلهية، على قاعدة "إقرأ واضعه"، ليصلَ إلى مرحلةِ سماعِ الكلام من المتكلم، مباشرة، من دون واسطة.

إنَّ الآداب الظاهرية لتلاوة القرآن الكريم، الواردةِ عن أهل بيت النبوَّة عليهم السلام، ما كانت إلا لتساهمَ في فهم القرآن، وإدخاله إلى القلوب،... وليس التَّلهِّي عنه لصالح بعضِ المظاهرِ والقشور.

ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، فيوصف المتَّقين "وإذا مرُّوا بآيةٍ فيها تخويفٌ، أصغَوْا إليها مسامعَ قلوبِهم وأبصارِهم، فاقشعرَّت منها جلودَهُم، ووجلتْ قلوبُهُمْ، فظنُّوا أنَّ صهيلَ جهنَّمَ وزفيرها وشهيقَها في أصول آذانهم، وإذا مرُّوا بآيةٍ فيها تشويقٌ، ركنوا إليها طمعاً، وتطلَّعتْ أنفُسُهم إليها شوقاً، وظنُّوا أنَّها نصبُ أعيُنهم".

وعن الإمام الصادق عليه السلام "أنَّ هذا القرآن فيها منارُ الهدى، ومصابيحُ الدُّجى، فليجُلْ جالٍ بَصَرَهُ، ويفتح للضياء نظرهُ، فإنَّ التَّفكُّر حياةُ قلبِ البصير، كما يمشي المستنيرُ في الظلمات بالنور".

إخلاصُ النِّيَّةِ في قراءةِ القرآن

ومن الآداب الهامةِ المؤثِّرةِ في القلب في التلاوة القرآنية، الإخلاصُ، وهو رأسُ مالِ التَّجارة إلى الآخرة.

ورد عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال "قُراءُ القرآن ثلاثة:

رجلٌ قرأ القرآن، فاتَّخَذَهُ بِضاعةً، واستدرَّ به الملوكَ، واستطال به على الناس.

ورجلٌ قرأ القرآن، فحفظَ حروفَهُ، وضيَّعَ حدودهُ، وأقامه إقامة القرح، فلا كثَّرَ اللهُ هؤلاءِ من حملةِ القرآن.

ورجلٌ قرأ القرآن، فوضع دواءَ القرآنِ، على داءِ قلبه، فأسهَرَ به ليلَهُ، وأظمأ بها نهارَهُ، وقام به في مساجده، وتجافى به عن فراشه، فبأولئك يدفعُ اللهُ العزيزُ الجبَّار البلاءَ، وبأولئك يقبلُ الله من الأعداء، وبأولئك يُنزِلُ اللهُ الغيثُ من السَّماء، فواللهِ لهؤلاءِ في قراء القرآنِ، أعزُّ من الكبريت الأحمر".

وعن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال "مَنْ تعلَّمَ القرآن، فلمْ يعملْ به، وآثَرَ عليه حُبَّ الدُّنْيا، وزينَتَها، استوجبَ سَخَطَ اللهِ، وكان في الدَّرجةِ مع اليهودِ والنصارى الذين ينبذونَ كتاب اللهِ وراءَ ظهورهم.

ومَنْ قرأ القرآن، يريدُ به سُمْعةً والتماسَ الدنيا، لقي الله يوم القيامة، ووجهُهُ عظمٌ، ليس عليه لحمٌ، وزجَّ القرآن في قفاهُ، حتى يُدْخِلَهُ النارَ، ويهوي فيها مع مَنْ هوى.

ومَنْ قرأ القرآن، ولم يعملُ به، حشرهُ اللهُ يومَ القيامة أعمى، فيقولُ: يا ربِّ لِما حشرتني أعمى، وقد كنتُ بصيراً، قال: كذلك أتتكَ آياتُنا، فنسيتها، وكذلك اليوم تُنسى، فيؤمَرُ به إلى النار.

ومَنْ قرأ القرآن إبتغاءَ وجهِ الله، وتفقُّهاً في الدين، كان له من الثوابِ مثلُ جميع ما أُعْطيَ الملائكة والأنبياءُ والمرسلون.

ومَنْ تعلَّمَ القرآن يُريدُ به رياءً وسُمْعةً، ليُمارِيَ به السفهاءَ، ويُباهيَ به العلماءَ، ويطلُبُ به الدُّنْيا، بدَّدَ اللهُ عِظامَهُ يومَ القيامة، ولم يكنْ في النار، أشدُّ عذاباً منه، وليس نوعٌ من أنواع العذاب، إلا سيُعذَّبُ به من شِدَّةِ غضب اللهِ عليه وسَخَطِهِ.

ومَنْ تعلَّم القرآن، وتواضَعَ في العلم، وعلِّمَ عبادَ الله، وهو يُريدُ ما عند الله، لم يكنْ في الجنَّة، اعظمُ ثواباً منه، ولا أعظمُ منزلةً منه، ولم يكن في الجنَّةِ منزِلٌ، ولا درجةٌ رفيعةٌ ولا نفيسَةٌ، إلا وكان له فيها، أوفرُ النَّصيب، وأشرفُ المنازل".

الترتيلُ في التلاوة

ينبغي لقارئ القرآن الكريم، الترتيلُ أثناءَ قراءته، وهو عبارةٌ عن التأنِّي، فلا يُسْرعُ ولا يتباطأ، ليتفهَّم ويتدبَّرَ ويتَّعظَ قَدْرَ الميسور.

بعض منَّا، للأسف الشديد، قد يتوجَّهُ ويرغب في قراءة القصص والمجلات، أكثَرَ من رغبته وإقبالِهِ على الآيات المجيدة وأوامرِها ووعظها وزجرها وبشائرِها... فالمحافظةُ على الآداب الظاهرية، ومنها التلاوةُ ترتيلاً، يُساعِدُ على حُسْنِ الفهم والتَّأثُّر.

سُئِلَ أبو عبد الله عليه السلام، عن قوله تعالى {ورتِّل القرآن ترتيل} قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام، تُبيِّنُهُ تَبْياناً، ولا تُهدِّهُ هدِّ الشِّعر، ولا تُنْثُرْهُ نَثْرَ الرَّمل، ولكنْ أفرِغوا قلوبَكُمْ القاسيةَ، ولا يكُنْ هَمُّ أحدِكُمْ آخِرَ السُّورة.

وتُسْتحبُّ التلاوةُ بصوتٍ حزينٍ وجميل، وكان عليُّ بنُ الحسين عليه السلام، يقرأُ، فرُبَّما مرَّ به المارُّ، فصُعِقَ من حسنِ صوته.

رفعُ اليدين في الصلاة وسِرُّهُما

ما ورد في النصِّ الشريف من قوله "وعليك برفع يديك في صلاتك وتَقْليبِهِهما". فلعلَّهُ يُقصدُ به، رفعُ اليدين استحباباً لدى التكبير، وجعلُ باطنِ الكفنين نحو القبلة الشريفة، وإنْ قال البعضُ بالوجوب استناداً إلى ما ورد في تفسير قوله سبحانه {فصلِّ لربِّك وانحرْ}[104].

والاحتياطُ بعدم ترك رفع اليدين، حين التكبير، مهما أمكن، لأنَّه زينةُ الصلاة، وطريقةُ الملائكة، كذلك؛ في السموات السبع.

رُوي أنه لَمَّا نزلت {فصلِّ لربِّك وانحر} قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: يا جبرائيل ما هذه النُحَيْرةُ التي أمر بها ربي؟ قال يا محمَّدُ، إنَّها ليست بنُحَيْرةٍ، ولكنَّهُ يأمُرُك إذا تحرَّمتَ للصلاة، أن ترفَعَ يديك، إذا كبَّرْتَ، وإذا ركعتَ، وإذا رفعتَ رأسَكَ من الركوع، وإذا سجدت، فإنَّها صلاتُنا، وصلاةُ الملائكة في السموات السَّبْع، وأنَّ لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وإنَّ زينةَ الصلاةِ، رفعُ الأيدي عند كلِّ تكبيرة".

ونُقل عن الإمام الرضا عليه السلام، قال: "إنَّما تُرفعُ اليدان بالتكبير، لأنَّ رفعَ اليدين ضربٌ من الابتهال، والتَّبتُّلِ، والتضرُّع، فأحبَّ اللهُ عزَّ وجلَّ، أنْ يكونَ العبدُ في وقتِ ذكرهِ له، مُتبتِّلاً، مُتضرِّعاً، مُبتهلاً، ولأنَّ في رفع اليدين، إحضارَ النِّيَّةِ، وإقبالَ القلب".

ويقولُ بعضُ العارفين، في رفع اليدين لدى التكبير، أنَّه إلقاءٌ لغير الله سبحانه وراءَ الظهر، وإظهارُ الاستسلام الكامل له، جلَّ جلالُهُ.

نسألُ اللهَ سبحانه أنْ يُقوِّيَ إيماننا الفطريَّ الخامدَ تحت رمادِ الرغبات والشهوات الفاسدة، ليَشْمِلَنا بالهداية والتسديد.... والحمد لله.

إستحبابُ السِّواك

من الآداب الشرعية المعروفة التي أوصى بها رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، واعتُبرت من سنن المرسلين: السواك، خاصةًن قبل الوضوء، وقبل الصلاة، وعند قراءة القرآن الكريم، وفي وقت السحر المبارك...

ورد في الكافي الشريف عن مولانا أبي عبد الله عليه السلام، قال: "وفي السِّواك إثنتا عَشْرَةَ خصلةً: هو من السُّنة، ومطهرةٌ للفم، ومجلاةٌ للبصر، ويرضي الرَّبَّ، ويَذْهبُ بالبلغم، ويزيدُ في الحفظ، ويُبيِّضُ الأسنان، ويضاعفُ الحسنات، ويّذْهبُ بالحَفْر، ويشُدُّ اللِّثةَ، ويَشهيَّ الطعامَ، ويفرحُ به الملائكةُ".

وفي الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال: "أوصاني جَبْرائيلُ بالسِّواك، حتى خِفْتُ على أسناني".

وعنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال "لولا أنْ أشقَّ على أُمَّتي، لأمرتُهُم بالسِّواك عند وضوءِ كلِّ صلاة".

وفي الحديث عن مولانا أبي عبد الله عليه السلام، قال: "ركعتان بالسِّواك، أفضلُ من سبعينَ ركعةٍ بغير سِواك".

هذا، والأخبارُ الشريفةُ فيما نحن فيه، كثيرة، فَلْتُراجَعْ في كتب الأصحاب، رضوان الله عليهم.

الأخلاق

معلومٌ أنَّ الخُلُقَ عبارةٌ عن حالةٍ نفسيَّةٍ، تدفعُ الإنسانَ نحوَ العمل، دون تكلَّفٍ في استحضارٍ المقدِّمات والمرجِّحات، نتيجةَ التفكُّرِ والعزم والترويض والمثابرة والمراقبة ومخالفة الهوى فيكون من أهل الصلاح والخير... وأمَّا مَنْ لم يكن كذلك، يطغى عليه الخُلُقُ السيِّئ، ويصبحُ من أهل الشرِّ والشقاء.

والخُلُقُ، في خيره وشرِّه، قد يكون:

1-    طبيعياً وفطرياً منذ الصِغر.

2-    أو من خلال العادات والعِشْرة... حتى تُصْبحَ مَلَكَةً.

ومن الضروري هنا، الإشارةُ، إلى قاعدة أخلاقية هامة، وهي:

إن جميعَ الملكاتِ والعادات، قابلةٌ للتبديل والتحويل، ما دام الإنسانُ في هذه الدنيا، وهذا ما أُثْبتَ بالبراهين والتجارب والواقع. فضلاً عن دعوة الأنبياء عليهم السلام، للتخلُّقِ بالصفات الحميدة، والابتعادِ عن الأخلاق السيِّئة.

وفي الحديث الشريف المأثور عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "إنَّما بعثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق" يُفهم أن الدافعَ لدعوةِ خاتم الأنبياءِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم هو إكمالُ مكارمِ الأخلاق، لذلك كان الاهتمامُ بها، والتركيزُ عليها، في الشريعة المقدَّسة، كبيراً.

إنَّ الأنبياء عليهم السلام، شرحوا لنا أساليبَ معالجةِ نفوسنا، وكذلك فعل من بعدهم، العلماءُ والحكماء، بكلماتهم وإرشاداتهم وأعمالهم... أما آن الأوان لمعالجة ما عَلَعَ في نفوسنا من أيام طفولتنا، من الخُلُق الذميم، والسلوكِ المنحرف، نتيجةَ عِشْرةِ السوءِ، ورفاقِ الضلالة.

لِما نَضيفُ كلَّ يومٍ صفةً سيئةً جديدةً، فوقَ ما عندنا؟! كأنَّ الذي فينا لا يكفينا!!!

صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، وأن تقول "فإنْ لم تفعلْ، فلا تلومنَّ إلا نفسَك".

أيها العزيز:

إنْ كنتَ راغباً في مراجعة ودراسة الأخبار والأحاديث، لتعرفَ اهتمامَ المعصومين عليهم السلام، بالخُلُق والفضائل، فعليك:

1-    بكتاب "أصول الكافي".

2-    وكتاب طهارة الأعراق، لابن مسْكَوَيْه.

3-    وكتب المرحوم فيض الكاشاني.

4-    وكتب العلامةِ المجلسي.

5-    وكتب المولى النراقي، صاحب كتاب "جامع السعادات"، وكتبِ ابنِهِ أحمد، صاحب كتاب "معراج السعادة".

ورد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "إنَّ الله، خصَّ رسولَهُ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، بمكارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسَكُم، فإن كانت فيكم، فاحمدوا الله، وارغبوا إليه في الزيادة منها، فذَكَرها عشرةً: اليقين، والقناعة، والصبرُ، والشُّكْرُ، والحلم، وحسنُ الخلقِ، والسخاء، والغيرةُ، والشجاعة، والمروَّةُ".

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال "إنَّ أكمل المؤمنين إيماناً، أحسنُهُم خُلُقاً".
وعن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال: "أكثر ما تلجُ به أُمَّتي الجنة تقوى الله، وحُسْنُ الخلق".

وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال "البِرُّ وحُسْنُ الخلق، يُعمِّران الدِّيارَ، ويزيدان في الأعمار".

هذه بعضُ النصوصِ المباركةِ في حسنِ الخلق، وشيءٍ من آثاره وبركاته،.. وأما سوءُ الخُلُقِ، فمساوئُهُ لا تُعدُّ... ويكفي أنه يذهب بالإيمان، نعوذ بالله، وكفى بذلك خسارةً لا تُجبر.

رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام، قولُه "إنَّ سوءَ الخُلُق، ليُفْسِدُ الإيمانَ، كما يُفْسِدُ الخلُّ العسل".

وعنه عليه السلام "إنَّ سوءَ الخلق ليُفْسِدُ العمل، كما يفسِدُ الخلُّ العسل".

والحمد لله أولاً وآخِراً.

الحديث الثلاثون

أقسام القلوب

رُوي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال "إنَّ القلوبَ أربعةٌ: قلبٌ فيه نِفاقٌ وإيمانٌ، وقلبٌ منكوس، وقلبٌ مطبوع، وقلبٌ أزهرُ أجْرد، فقال الراوي: ما الأزهر، قال عليه السلام: فيه كهيئةِ السِّراج، فأما المطبوعُ، فقلبُ المنافق، وأما الأزهر، فقلبُ المؤمن، إنْ أعطاه شكر، وإن ابتلاه، صبر، وأما المطبوعُ، فقلبُ المشرك، ثم قرأ هذه الآية {أفمن يمشي مُكبّاً على وجهه، أهدى، أمَّنْ يمشي سوياً على صراط مستقيم} فأمَّا القلبُ الذي فيه إيمانٌ ونِفاق، فهم قومٌ، كانوا بالطائف، فإنْ أدرك أحدَهُم أجلُهُ على نِفاقه هلك، وإنْ أدركه على إيمانه نجا.

الشرح

المنكوس: هو المقلوب.

والاكباب: هو السقوط على الوجه، كنايةً عن أنَّ قلوبَ أهل الشركِ مقلوبةً، وأنَّ تصرفاتهم على غير الصراط المستقيم.

 

المطبوع: أي المختوم، وفيه كنايةٌ عن عدم تغلغل كلمةِ الحقِّ والحقائق الإلهية في قلوبهم.

الأزهر: هو الأبيض المستنير، يُقالُ رجلٌ أزهر، وامرأة زهراء.

الأجرد: الذي ليس في بدنه شعر، وهو كنايةٌ عن تعلُّقِ قلبِهِ بالدنيا.

إصلاحُ القلوب

الأهمُّ والأساسُ، السعيُ لإصلاح القلب، خوفاً، والعياذُ بالله، من فساده، لأنَّ في ذلك السعادة أو الشقاء... وليس التلهي في المعاني اللُّغويةِ والصطلحاتِ والتفسيرات التي لا جدوى من ورائها، وإلا كان كالخبير في تركيب الأدوية والعالِم بآثارها، والذي لا ينتفعُ من جيِّدها، ولا يمتنعُ عن الضَّارِ منها... فهل يُغْني علمُهُ شيئاً؟! وهل له أن يستغنيَ عن العمل؟

فالعلمُ بأحوالِ القلوبِ وصحَّتها ومرضِها وعلاجِها... ما هو إلا مُقدِّمةٌ للعمل، ولعلاجِ القلب.

قلبُ المؤمن أزهر

إعلمْ، أنَّ قلبَ المؤمنِ أزهر، يسلُكُ به الصراطَ المستقيمَ، وهو بذلك لم يخرجْ عن الفطرة التي فطرها الله سبحانه له.

أما القلوبُ الأخرى، فهي خارجةٌ عن فطرتها والسبيل المستقيم... ونُقل عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، أنه رسم على الأرض خطاً مستقيماً، ثم رسم حولَه خطوطاً أخرى، مشيراً إلى الطريق السوي، مقابلَ الطرقِ المنحرفة الأخرى.

رُوي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال "تجدُ الرجلَ لا يُخطىءُ بلام ولا واو خطيباً مُفْقِهاً، ولقَلْبُهُ أشدُّ ظلمةً من الليل المظلم، وتجدُ الرجلَ لا يستطيعُ، أن يُعبِّرَ عمَّا في قلبه بلسانه، وقلبُه يُزْهِرُ كما يُزْهرُ المصباح.

فالمؤمنون تابعون للإنسان الكامل، للنبي الخاتم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، يسيرون على ضوء هدايته، ولا يعتمدون على أنفسهم في سيرهم إلى الله تعالى، بل يضعون خطاهُم على موضعِ أقدامه، ويُحافظون على صفاء قلوبهم من شياطين الأنانية والذاتي، صادقين في حصر الإعانةِ بربِّهم سبحانه عند قولهم {إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين} والآيةُ الكريمة تقول {إنَّ ربي على صراط مستقيم}[105]

القلوب المنكوسة في عالم الآخرة

إعلمْ، أيها الحبيب، أنَّ القلوبَ التي أعرضت عن الحق، وخرجت عن النظرة، وأقبلت على الدنيا، تكون منكوسة مُتَّجهةً نحو عالَمِ الدنيا... وقد يُفتنُ الإنسانُ بشيخٍ مكَّارٍ، بل بشيطان قاطعٍ للطريق يدَّعي أنه شيخٌ مرشد، ومن المحتمل لهؤلاء أن يمشيَ بعضُهم مكباً على وجهه، وساقاهُ نحو الأعلى، وبعضُهم يمشي على بطنه، وبعضُهم على يديه ورجليه، يقول الله سبحانه {أفمن يمشي مكباً على وجهه، أهدى، أم مَنْ يمشي سوياً على صراطٍ مستقيم}[106] فالاستعمال المجازي في عالَمِ الدنيا، قد يتحولُ إلى حقيقة في عالم الآخرة.

قلبُ المنافق، وحقيقتُهُ

إعلمْ، أنَّ قلبَ المؤمنِ، يبقى على فطرته السليمة، يتلقى حقائقَ الإيمانِ بالقَبول والتسليم، وأما قلبُ المنافق، فإنه يُعاندُ الفطرةَ، ويتمادى في الظلمات، وأخلاق الجاهلية الذميمة، وحبِّ النفس والرئاسة، حتى يُصبحَ مطبوعاً عليه، رافضاً الحقائق الإيمانية المستقيمة، ذو صفحةٍ سوداء لا تظهر فيها الكلماتُ الإلهية...

وما تمسُّكُهُ بالدين ظاهراً، إلا أسلوبٌ شيطانيٌ من أساليبه الكثيرةِ، لتسيير أمورِه الدُّنْيوية.

والمنافق أشدُّ من المشرك، لأنُّه، قد يكونُ كافراً جاحداً لجميع الشرائع، وقد يكونُ مشركاً... وإذا تظاهرَ بموالاة المؤمنين... أما المشركُ، فإنَّه وإنْ توجهِ لعبادة المخلوق الناقص، إلا أنَّه صادقٌ في خضوعه وعبادته.

القلوب الغافلة عن الله سبحانه

وعلى كل حال، فإنَّ القلوب المنكبَّةَ على الدنيا، المقبلةَ على تعميرها، المنصرفةَ عن الحقِّ، تكون منكوسةً، لأنها غافلةٌ عن الحق والحقائق، وإنْ آمنتْ بالمبدأ والمعاد.

وهذا الإيمانُ، إما غيرُ معتبرٍ، وإما إيمانٌ ناقصٌ، لا يدفعُ إلى العمل والخشية، والمؤمنُ حقاً مَنْ كان في ظاهرِهِ وباطنه، وسرِّه وعَلَنِه، من غير تغييرٍ ولا تبديل، حتى تسليمِ هذه الأمانة الإلهية، إلى خالقها سبحانه وتعالى.

والحمد لله أولاً وآخراً.

 

الحديث الحادي والثلاثون

"إن الله عز وجل لا يوصف والنبي.. والأئمة.. والمؤمن"

روي زرارةُ، عن مولانا أبي جعفر الباقر عليه ا لسلام، قالَه "إنَّ الله عز وجل، لا يوصَفُ، وكيف يوصفُ وقال في كتابه {وما قدروا الله حقَ قدره}، فلا يوصَفُ بقدرٍ إلا كان أعظَمَ من ذلك، وإنَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لا يوصف، وكيف يوصفُ عبدٌ، احتجب الله عزَّ وجل بسَبْغٍ، وجعل طاعَتَهُ في الأرض، كطاعته في السماء، فقال {وما أتاكم الرسولُ فخذوه، وما نهاكُم عنه فانتهوا} ومَنْ أطاع هذا فقد أطاعني، ومَنْ عصاهُ فقد عصاني، وفوَّضَ إليه، وإنَّا لا نوصَفُ، وكيف يوصفُ قومٌ، رفع اللهُ عنهم الرِّجْسَ وهو الشَّك، والمؤمن لا يوصف، وإنَّ المؤمنَ ليَلْقى أخاهُ فيُصافِحُهُ، فلا يزالُ اللهُ، ينظر إليهما، والذُّنوبُ تتحاتُ عن وجوههما، كما يتحاتُ الورقُ عن الشجر".

الشرح

معنى {وما قَدروا اللهَ حقَّ قدره}[107] أي ما عظَّموا الله حقَّ تعظيمِهِ، ومعنى "تتحاتُّ" أي تتناثر.

المقصودُ من النهي عن وصف الله عزَّ وجلَّ

يُفهمُ من النصوص المباركة، أنه ليس المقصودُ من نفي التوصيفِ للحقِّ تعالى، عدمَ التفكير في صفاته، وعد توصيفِهِ مُطْلقاً، بل المقصودُ، عدمُ توصيفه سبحانه بما لا يليقُ بذاته، كإثبات الصورة له، وصفاتِ المخلوقين، والتحديدِ والتشبيه، وما يُلازمُ النقصَ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وأما توصيفُهُ سبحانه، بما يليقُ بذاته المقدَّسة، وقامت عليه البراهينُ الفلسفيةُ، فهو أمرٌ مطلوب، وذُكر الكثيرُ من هذا، في كتاب الله وسُنَّةِ نبيه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وأحاديثِ أهل البيت عليهم السلام.

وفي جواب الإمام الصادق عليه السلام، لِمَنْ سأله، قال "... فاعلمْ رحمكَ الله، أنَّ المذهبَ الصحيح في التوحيد، ما نزل به القرآن من صفاتِ اللهِ تعالى، فانفِ عن اللهِ البطلان والتشبيه، فلا نفيَ ولا تشبيه، هو اللهُ الثابتُ الموجود، تعالى عمَّا يصِفُهُ الواصِفون، ولا تعَدْوُوا القرآنَ، فتضلُّوا بعد البيان".

ولا يجوز لأيٍ كان، أن يصفَ اللهَ تعالى بوحي عقله القاصر، لأنه سيقُطُ لا محالة في الضلال والهلاك {وذروا الذين يُلْحدون في أسمائِه}[108]... ومن هؤلاء المساكين، من كان غارقاً في حبِّ الجاه والمالِ والدنيا والنفسِ والأنانية والعادات البشعة والخُلُقِ الغليظ، ولا بُدَّ لأمثال هؤلاء، من نجدةٍ غيبيَّةٍ من اللهعز وجل أو أوليائه الكاملين.

مقامات الأنبياء والأولياء

إعلمْ أيها العزيز، أنه لا يُمْكنُ معرفةُ مقام خاتم الأنبياء صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، حاضرةً، ومقامِ الأنبياءِ والأولياء المعصومين، عامة، مع التفَكُّرِ والتدبُّر، لأنَّهم أصبحوا في درجة {قاب قوسينِ أو أدنى} في سيرهم إلى الله تعالى،... وانَّ الجميع في عروجهم تابعونَ للذاتِ المقدَّسة للنبي الخاتم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

والكاتب وضع كتاباً متواضعاً في الأيام الخالية باسم "مصباح الهداية" وصف فيه ما تيسَّرَ له من مقام النبوة والولاية، مثلَ وصفِ الخفاش الشمسَ المضيئةَ للعالمِ.

توضيح جملة

الجملةُ المباركة في الحديث الشريف "كيف يوصفُ عبدٌ احتجب اللهُ عز وجلَّ بسَبْغ" لها وجوه، منها:

1-                            ما ورد أنَّ لله سبحانه سبعينَ ألفَ حجاب، وأنَّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد ارتفعت الحُجْبُ بينَهُ وبين الله تعالى، حتى بقي من السبعين ألف، سبعٌ.

2-                            أن نعتبرَ "احتجب" بمعنى "حَجَب" وتكونَ متعديةً، والمفعولُ مُقدَّراً محذوفاً، فيكونُ معناه: كيف يوصَفُ عبدٌ، احتجبهُ اللهُ تعالى بحجب سبعة، ابتداءً من عالَمِ مُلكه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وطبيعته حتى مقامِ الغيب.

والعلمُ عند الله سبحانه.

ولا بد من القول أن مثلَ هذه الأبحاث، ومعنى التفويض لِرسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، من الأمور التي نادراً ما يتناولُها الباحثون، حتى يكونَ لها إطارٌ عامٌ ودقيق... وأنا لا أستطيعُ التوغُّلَ في هذه الصحراءِ المتراميةِ الأطرافِ مُفصَّلاً... لكنْ أشيرُ إجمالاً إلى الميسور فلا مهربَ من إظهار الحقِّ.

معنى التفويض

إعلمْ، أنَّ الإحياءَ والإماتة، والإيجادَ والإعدام، وتحويلَ العناصر إلى أُخرى، لا يُمْكنُ أن يُفوِّضَ لموجود، حتى أن تحريكَ قشةٍ، لا يُفوِّضُ إلى مَلُكٍ ولا نبي ولا كائنٍ... ولا استقلالية لها في أيِّ عملٍ أبداً، وأنَّ جميعَ الكائنات في وجودها وكمالها وحركتها وقدرِتها وكلِّ شؤونها محتاجةٌ فقيرةٌ، بل فقرٌ خالص، وخالصُ فقر.

وما يُقالُ من تفويضٍ للنفوس الزكيَّة للأنبياء والأولياء، في القدرة على الإعدام والإيجاد والإماتةِ والإحياء، إنَّما يكون بقدرة الله تعالى، وليس هذا من التفويض المحال أو الباطل.

فالتفويضُ بالمعنى الأول مستحيل، وبالمعنى الثاني جائز، لأنَّ النظام يقومُ على أساس الأسباب والمسبِّبات، وقيل "أبى اللهُ أن تجريَ الأمورَ إلا بأسبابها"... وهذا يتطابقُ مع المقاييس الفلسفية الصحيحة، والمسلك العرفاني، والأخبار الشريفة، والله الهادي.

مقامُ الأئمةِ عليهم السلام

إعلمْ أيها الحبيب، أنَّ أهلَ بيتِ العصمة عليهم السلام، يُشاركون النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في مقامه الروحاني الغيبي قبل خلق العالم، وأنوارُهم كانت تُسبِّحُ وتُقدِّس منذ ذلك الحين.

وهذه يفوقُ قدرةَ استيعابِ الإنسان، حتى من الناحية العلمية.

ورد في النص الشريف "يا محمد، إنَّ الله تبارك وتعالى، لم يزلْ مُتفرِّداً بوَحْدانيَّتِهِ، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمةَ، فمكثوا ألفَ دهر، ثم خلق جميع الأشياءِ، فأشهدَهُم خَلْقَها، وأجرى طاعَتَهُم عليها، وفوَّضَ أمورها إليهم، فهم يُحِلُّون ما يشاؤونَ أو يُحرِّمونَ ما يشاؤون، ولنْ يشاؤوا إلا أنْ يشاءَ الله تعالى، ثم قال: يا محمد، هذه الديانةُ التي مضنْ تقدَّمَها مَرَقَ، ومَنْ تخلَّفَ عنها مُحِق، ومَنْ لزِمَها لَحِق، خُذْها إليك يا محمد".

هذا، وما ورد في حقِّهم عليهم السلام، في الكتب المعتبرة، يبعث على تحيُّر العقول، حيث لم يقفْ أحدٌ على حقائقهم وأسرارهم إلا أنفسَهم، صلوات الله وسلامُه عليهم.

الإيمان الذي لا يوصَف

إعلمْ، أن الإيمانَ من الكمالات الروحية، والمؤمنون لا يعرفونَ شيئاً عن نورانيَّة إيمانهم، ما داموا في الدنيا وعالَمِ الطبيعة.

إننا، ونتيجةً لوجودنا في هذه الدنيا، وأُنْسِنا بالعادات، نُقارنُ جميعَ آلاءِ وآلام الآخرة، مع العالَم الذي نعيش، ونظنُّ أن عطايا اللهِ سبحانه كهدايا السلاطين والملوك، أو أنَّها أفضلُ بقليل، وما هذا القياسُ إلا باطلٌ وقصور.

إنَّ شيئاً من لذَّاتِ الآخرة، لا تُقاسُ بلذَّات الدنيا مُجْتمعةٍ... ومن هذا الباب لا يُمكنُ أن يُقاسَ ما ذُكر من كرامةٍ للمؤمنين في هذا الحديث، بأيِّ مقياس أو ميزان، عند قوله الشريف "وإنَّ المؤمِنَ، ليَلقى أخاه فيُصافِحُهُ، فلا يزالُ الله ينظرُ إليهما".

ولعلَّ السرَّ الواقعي، في هذه العناية الربانية، تحكُّمُ الوُدَّ والمحبةِ في الله سبحانه، وتجدُّدُ عهد الأخوَّة فيه تعالى، وقد أشير إلى هذا في الأحاديث الكثيرة، التي منها ما ورد عن مولانا أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال "إنَّ المؤمنين إذا التقيا وتصافحا، أدخَلَ اللهُ يَدَهُ بين أيديهما، فصافَحَ أشدَّهُما حُبَّاً لصاحبه".

والحمد لله أولاً وآخِراً.

الحديث الثاني والثلاثون

الرزق

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "من صحة يقين المرءِ المسلم، أن لا يُرضي الناس بسخط الله، ولا يلومهم على ما لم يؤتِه الله، فإنَّ الرِّزق لا يسوقُهُ حرصُ حريص، ولا يردُّهُ كراهيةُ كاره، ولو أنَّ أحدكَمْ فرَّ من رزقه، كما يفرُّ من الموت، لأدرَكَهُ رزقُهُ كما يُدْرِكُهُ الموتُ، ثم قال: إنَّ الله بعدله وقِسْطِهِ، جعلَ الرَّوْحَ والراحَةَ، في اليقين والرِّضا، وجعل الهمَّ والحُزْنَ في الشَّك والسَّخَط".

 

الشرح

"السَّخَطَ" معناهُ خلافُ الرضا، وهو الغضب، و"الرَّوْحُ" بمعنى راحةِ اللقاء، و"الراحة" بمعنى استراحةِ البدن.

شرحُ عبارة، والمقصودُ بطلب الرِّزْق

قيل في شرح قوله "ولا يلومَهم على ما لم يُؤْتِهِ الله":

1-                            لا يذمُّ الناسَ، ولا يشكُرُهم على ترك إعطائه المال وغيره، لأن صاحبَ اليقينِ يعلم، أن الله تعالى لم يقدرْ له هذا المال، لمصلحة ما، أو أنَّه سيصلُ إليه، ولو من حيث لا يحتسب، فليس من حقِّه لومُ أحدٍ.

2-                            لا يلومُ الناسَ، على ما لم يؤته اللهُ له... فهذا الأمر بيد الله سيحانه، وأهلُ اليقينِ يعلمونَ أن الحرصَ لا يجلُبُ رزقاً...

ويبدو أن الاحتمال الثاني أرجح، لأن الرزقَ لو كان في أيديهم، ويحصُلُ بسعيهم وجهدهم، لصحَّ عندئذٍ تأنيبُ الناسِ على فقرهم وعُسْرِ معيشتهم!!!

أما الأحاديثُ الشريفةُ في أن الرِّزْقَ مقدَّرٌ ومقسوم، فلا تتنافى مع ما ورد في نصوص أخرى، من الحثِّ على طلب الرزق والتجارة، واللوم على تركِ العملِ والتكسُّبِ، مع القدرةِ على ذلك،... لأنَّ طلبَ الرزق إنَّما يكون من الإنسان، والأمور الأخرى الظاهرية والخفيَّةَ التي تخرجُ ن قدرةِ العباد، تكون بيد الباري سبحانه وتعالى.

وصاحبُ اليقين، الذي يقوم بواجباته كاملةً، يعرفُ أنَّ لا مؤثِّرَ في الوجود، غيرُ اللهِ سبحانه، فبيده مقاليدُ الأمور، وبيده الطالبُ والطلبُ والمطلوبُ... وليس على العباد، إلا طلبُ الرِّزق "ولا يلومَهم على ما لم يؤتِهِه الله". ونذكرُ حديثاً واحداً في طلب الرزق للتبرُّك، وإن كانت نظائرُهُ كثيرةً.

نُقل عن علي بن عبد العزيز، قال: قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: "ما فعل عمرُ بنُ مسلم؟ قلتُ: جعلتُ فداك، أقبلَ على العبادة، وترك التجارة، فقال عليه السلام: ويحه أما علِمَ أنَّ تاركَ الطلب لا يُسْتجابُ له دعوةٌ؟ إنَّ قوماً من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، لمَّا نزلت {ومن يتقِ اللهَ يجعل له مخرجاً، ويرزُقْهُ من حيث لا يحتسب} أغلقوا الأبوابَ، وأقبلوا على العبادة، وقالوا: قد كُفينا، فبلغ ذلك النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فأرسلَ إليهم، فقال: ما حملكُمْ على ما صنَعْتُمْ؟ فقالوا: يا رسول الله، تكفَّلَ الله بأرزاقنا، فأقبَلْنا على العبادة، فقال: مَنْ فعل ذلك، لم يُستجبْ له، عليك بالطلب"..

علامات أهل اليقين

ذكر مولانا الإمام الصادق عليه السلام، علامتين على صحة اليقين وسلامته، هما:

1-    لا يُرضي الناسَ بسخط الله.

2-    لا يلومُ الناسَ، على ما لم يؤته الله.

وهاتان العلامتان، من نتائج كمال اليقين.

ومعلومٌ، أن الراغب في تحصيل رضا الناس، والسيطرةِ على عقولهم وقلوبهم، مُقْتنعٌ بالاستفادة من هؤلاء، للوصول إلى مطامعه ومطامحه... وتبرزُ هنا فئتان:

الأولى: هم الذين يُحبُّون المالَ، فيتخضَّعونَ أمامَ اهلِ الثروات متزلفين.

والثانية: الذين يطلبون الرئاسة، فيتذلَّلون ويتملَّقون أمام أهل الزعامة، لاعتقادهم بأنَّ ذلك يبعث على كسب قلوبهم، والوصولِ إلى مأمولهم.

ويخرج عن هاتين الفئتين، الذين هذَّبوا نفوسهم بدوام ترويضها ومراقبتها ومحاسبَتِها، للوصول إلى رضا اللهِ سبحانه.. ولم تًزلزلُهُمْ الدنيا وزخارَفُها.

وبعد التأملِ وإمعان النظر، نرى:

إنَّ الفئةَ التي هذَّبت نفسَها، هي أهلُ اليقين التي تعتقد أنَّ المالكَ المؤثِّرَ في الدنيا والآخرة، والقابِضَ الباسط، والمعطي المانع، هو الله سبحانه، جلَّ جلالُه، ولا يجدون دوراً لغيره، تعالى وتبارك... ويؤمنون إيماناً تاماً وكاملاً بالآية المباركة {قل اللهمَّ مالكِ الملك، تؤتي الملكَ مَنْ تشاء، وتنزعُ الملكَ ممَّن تشاء}[109].

ومن البديهي أن هؤلاء يتحوَّلون إلى ربَّانيين، لا يطلبون إلا رضا الله سبحانه، ولا يطمعون إلا فيه، ولا يسألون أحداً إلا هو تعالى، على ضوء: إلهي إنْ أعطيتني، فمن ذا الذي يمنعني؟ وإنْ منعتني فمن ذا الذي يعطيني؟.. بل لا يرون شيئاً إلا الله سبحانه، همُّهُم إصلاحُ الناس بكل شفقة ورفق، تماماً، كما كان الأنبياءُ عليهم السلام.

أما الفئةُ الخاضعةُ لحبِّ المالِ والرئاسة، فلا تعرفُ الله أصلاً أو تعرفُهُ بإيمان ناقصٍ، ولا تدري عن مسبِّبِ الأسباب شيئاً، وتعملُ لرضا المخلوق الضعيف، فيوافقون أهلَ المعاصي، ويتركونَ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، ويُفتونَ بالباطل، ويفُتَرونَ على المؤمنين، طمعاً بمودَّةِ أهلِ الدنيا..

وما هذا إلا نتيجةَ ضعفِ الإيمان، بل هو مرتبةٌ من مراتب الشرك، نعوذ بالله جلَّ شأنُه.

آثارُ اليقين وآثارُ الشَّك

إنَّ الله سبحانه جعلَ:

الرَوْحَ والراحةَ في اليقين والرضا، والهمَّ والحزنَ في الشك والسخط، وهذا من عدله سبحانه.

فمَنْ كان عندَه يقينٌ بقدرةِ الحقِّ تعالى ورحمتِه وجواده، تهونُ لديه المصاعبُ والمصائب، بعكس أهلِ الشك الذين يعيشون عند طلب الرزق، القلق والاضطراب، ويُعطِّمون صغارَ المشاكل، لغفلتهم عن مُسبِّبِ الأسباب، تبارك وتعالى، فلا يِذوقون، طَوالَ حياتِهم، الراحةَ والبهجة والاستقرار، بل تراهم دوماً في تعبٍ ونصب، ويرثونَ الهمَّ والحزنَ.

والحمد لله أولاً وآخراً.

الحديث الثالث والثلاثون

ولاية أهل البيت عليهم السلام

عن محمد بن مارد قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: حديثٌ روي لنا، أنَّ قلتَ: إذا عرفتَ، فاعملُ ما شئتَ، فقال "قد قلتُ ذلك" قال: قلتُ: وإن زنوا، وإن سرقوا، وإنْ شرِبوا الخمرَ؟ فقال لي: إنَّ لله وإنَّا إليه راجعون، واللهِ ما أنصفونا أن نكونَ أُخِذْنا بالعمل، ووُضِعَ عنهم! إنَّما قلتُ: إذا عرفتَ فاعملْ ما شئتَ من قليلِ الخير وَكثيره، فإنَّه يُقْبلُ منك".

الجمعُ بين الأخبار الآمرة بالطاعة والعبادة،

 والأخبار المخالفة في الظاهر

إنَّ مَنْ يُراجع حياةَ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وحياةَ الأئمةِ عليهم السلام، ووصاياهم لبعضهم ولمواليهم ولشيعتهم ومحبِّيهم، لوجدها مليئةً بالتضرع والخشية والتحذير من المعصية في أصول الأحكام وفروعها،... ولوجدها لكثرتها أوسعَ من التواتر، ولحصل له العلمُ القطعي، بأنَّ من يخالفُ تلك النصوص، ولم يكن ظاهرُهُ مقصوداً، فلا بد من تأويله، أو جمعِهِ مع النصوص الأخرى عرفاً، أو إرجاعِه إلى قائله.

وبما أنَّنا لا نستطيعُ، في مثلِ هذا الكتاب، ذكرَ عُشْرٍ من أعشار تلك الأخبار، اضطررنا لذكر بعضٍ منها، ومن الصنفين، لعلَّ شيئاً من الحقيقة والوضوح ينجلي.

فمن الروايات التي تتحدث عن علامات الشيعة، ما رُوي عن مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: "إياك والسَّفلةَ، فإنَّما شيعةُ علي عليه السلام، مَنْ عفَّ بطنَهُ وفرجَه، واشتدَّ جهادُهُ، وعمل لخالقه، ورجى ثوابَه، وخاف عقابه، فإذا رأيتَ أولئك، فاولئك شيعةُ جعفر".

وعنه عليه السلام، قال "شيعتُنا، الشاحبون، الذابلون الناحلون، الذين إذا جنَّهم الليلُ، استقبلوه بحزن".

وعن أبي جعفر عليه السلام، قال "لا تذهبْ بكُمُ المذاهب، فواللهِ ما شيعتُنا إلا َنْ أطاع الله".

وعن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال لي "يا جابرُ، أيكتفي مَنْ ينتحلُ التشيُّعَ، أن يقولَ بحبِّنا أهلَ البيت؟ فوالله ما شيعتُنا، إلا مَنْ اتقى الله وأطاعَهُ،... إلى أن قال، فاتَّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله، ولا بين أحد قرابة، أحبُّ العبادِ إلى الله تعالى، وأكرمُهُمْ عليه، أتقاهم، وأعملُهم بطاعته، يا جابر والله ما نتقرب إلى الله تعالى إلا بالطاعة، ما معنا براءَةٌ من النار، ولا على الله لأحدٍ من حجة، مَنْ كان لله مطيعاً، فهو لنا ولي، ومَنْ كان لله عاصياً، فهو لنا عدو، وما تُنالُ ولايتُنا إلا بالعمل والورع".

وعن أبي جعفر، قال: "يا جابر، لا تذهب بك المذاهبُ، حسبُ الرجلِ أن يقولَ أُحبُّ علياً وأتولاه، ثم لا يكونُ مع ذلك فعالاً؟ فلو قال إني أُحبُّ رسولَ الله، فرسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، خيرٌ من علي عليه السلام، ثم لا يتبَّع سيرتَهُ، ولا يعملُ بسنَّتِهِ، ما نفعَهُ حبُّهُ إيَّاهُ شيئاً".

وبتسويله أن مجرَّدَ ادعاءِ التشيُّع وحبِّ أهل البيت، يُجيزُ لك كلَّ المحرمات والفواحش، ويرفعُ عنك التكليف!!!

فأين الأخبارُ الأخرى الآمرةُ بالطاعة والعبادة والعمل الصالح وتركِ المعصية والمحرَّمات؟

وهل ستبقى هذه المحبةُ الفارعةُ المدَّعاةُ لأهل البيت عليهم السلام أو ستُسْلبُ منه، ثم، نعوذ بالله تعالى، يُحشرُ مع النواصب؟!

وما الدليلُ على هذه المحبة، إذا كانت الأعمال مخالفة لِمَا يُريدُهُ أهل البيت عليهم السلام؟!

إنَّ النَّبيَّ الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأهل بيته عليهم السلام، قد بذلوا حياتَهم في نشر الأحكام الشرعية والعقائد والأخلاق، وعملوا لإصلاح الإنسان وتهذيبه، وقُتِّلوا وشُرِّدوا في سبيل نصرة هذا النهج، فالحريُّ بمُحبِّهم حقاً أن يسيرُ على خطاهم، ويحفظَ أهدافَهم، مخلصاً في ذلك، مجاهداً صابراً مُحتسباً... وإلا سقط عند أدنى امتحان، وبُعثَ يوم القيامة صفْرَ اليدين.

ولايةُ أهلِ البيت شرطٌ لقبول الأعمال

من الأمور المسلَّمة المعتبرة من ضروريات مذهب التشيع، ولايةُ أهل البيت ومعرفتُهم كشرط في قبول الأعمال، والأخبار في ذلك تفوقُ حدَّ التواتر، ومنها:

ما رُوي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ذروةُ الأمرِ وسنامُهُ ومفتاحُهُ وبابُ الأشياءِ، ورضى الرحمن، الطاعةُ للإمام بعد معرفته... أما لو أنَّ رجلاً قام ليلَهُ، وصام نهارَهُ، وتصدَّق بجميع ماله، وحجَّ جميعَ دهرِه، ولم يعرفْ ولايةَ وليِّ الله، فيُواليَه، وتكونُ جميعُ أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حقٌّ في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان".

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال "واللهِ لو أنَّ إبليسَ، لَعَنَهُ الله، سجد لله بعد المعصية والتكبرِ عُمْرَ الدنيا، ما نفعه ذلك ولا قَبلَهُ اللهُ، ما لم يسجدْ لآدَمَ، كما أمره اللهُ عزَّ وجل، أنْ يسجدَ له، وكذلك هذه الأمةُ العاصيةُ المفتونةُ بعد تركهم الإمام الذي نصَبَهُ نبيُّهم لهم، فلن يقبلَ اللهُ لهم عملاً، ولن يرفَعَ لهم حسنةً حتى يأتوا الله من حيث أمرهم، ويتولوا الإمامَ الذي أمرهم اللهُ بولايته، ويدخُلوا من الباب الذي فتحه اللهُ ورسولُهُ لهم".

والحمد لله أولاً وأخراً.

ولا ننسى بالطبع، الآيات الكثيرة الواردة في كل صفحة من كتاب الله المجيد، المؤكدةِ على ضرورةِ الورع والعمل، ومنها:

{كُلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة}[110]، وقال سبحانه:

{فمن يعملْ مثقالَ ذرةٍ خيراً يره، ومَنْ يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ شراً يره}[111]، وقال تعالى {لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت}[112].

أما الطائفة الأخرى من الروايات، فلا بد فيها من الجمع أو التأويل، وإلا فلا تُقدَّمُ على النصوص المتواترة الصريحة المؤيَّدةِ بنصوص القرآن الكريم، وبالعقل السليم، والصورة البديهية عند سائر المسلمين، في أن الأساسَ هو العملُ الصالح والورع.

ومنها، ما رُوي عن مولانا أبي عبد الله عليه السلام، قال: "الإيمانُ لا يضُرُّ معه عمل، وكذلك، الكفرُ لا ينفعُ معه عمل".

ومن الأحاديث المشهورة "حبُّ علي حسنةٌ، لا يضرُّ معها سيِّئةٌ، وبُغْضُهُ سيئةٌ، لا ينفعُ معها حسنة".

والأخبارُ فيما نحن فيه، متشابهةٌ في مضمونها ومعناها،... وللأسف فإنَّ كثيراً من الخطباء قد شوَّهوا معانيها للناس.

فيا أيها العزيز، لا يغرَّنك الشيطانُ بترير حبِّك للدنيا والجاه والمال.

قال طاووس الفقيه: رأيت الإمام زين العابدين عليه السلام يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبد، فلما لم ير أحداً رمق السماء بطرفه وقال إلهي غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتحات للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدي محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في عرصات القيامة ثم بكى وقال. وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولكن سولَت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليَّ، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفين جُوزوا، وللمثقلين حطوا، أمع المخفين أجوز؟ أم مع المثقلين أحط؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن أستحي من ربي؟ ثم بكى وأنشأ يقول:

أتحـرقني بالنار يـا غـاية المنـى         فـأيـن رجـائـي ثـم أيـن محبتي

أتيـت بـأعمـال قبـاح زريـة  ومـا في الـورى خلق جنى كجنايتي

ثم بكى وقال: سبحانك تعصى كأنك لا ترى، وتحلم كأنك لم تعصَ، تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيِّدي الغني عنهم ثم خرَّ إلى الأرض ساجداً؟ قال فدنوتُ منه ورفعت رأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خدِّه فاستوى جالساً وقال: من الذي شغلني عن ذكر ربي؟ فقلت: أنا طاووس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل هذا ونحن عاصون جانون، أبوك الحسين بن عليّ، وأُمك فاطمة الزهراء، وجدك رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؟! قال: فالتفت إليَّ وقال: هيهات هيهات يا طاووس دع عني حديث أبي وأمي وجدِّي خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن، ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشياً أما سمعت قوله تعالى {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا هم يتساءلون} والله لا ينفعك غداً إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح.

الحديث الرابع والثلاثون

المؤمن

عن أبي جعفر عليه السلام، قال "لَمَّا أُسرِيَ بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال: يا ربِّ ما حالُ المؤمنِ عندَكَ؟ قال: يا محمد، مَنْ أهانَ لي ولياً، فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرعُ شيءٍ إلى نُصْرة أوليائي، وما تردَّدْتُ في شيء أنا عافِلُهُ، كترددي في وفاة المؤمن، يكره الموتَ، وأكره مساءتَه.

وإنَّ من عباديَ المؤمنين، مَنْ لا يُصْلِحُه إلا الغنى، ولو صرفتُهُ إلى غير ذلك لهلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين، مَنْ لا يُصْلِحُهُ إلا الفقر، ولو صرفتُهُ إلى غير ذلك لهلك، وما يتقرَّبُ إليَّ عبدٌ من عبادي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وإنَّه يتقرَّبُ إليَّ بالنافلة حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ إذاً سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبصرُ به، ولسانَهُ الذي ينطق به، ويدَهُ التي يبطِشُ بها، إنْ دعاني أجبتُهُ، وإنْ سألني أعطيتُه".

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الحديث هو من الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة، وقد رووه في صحاحهم.

 

إلتفاتة

في الحديث الشريف، إلتفاتة هامة، وهي: أن بعضَ الناس قد يتساءلون، كيف يكون المؤمنُ مقرَّباً إلى الله تعالى إلى درجة أن تكون إهانتُهُ حرباً عليه سبحانه، ثم يُبْتلى بالفقر والحاجة؟ وإذا لم تكن الدنيا ذا أهمية، فلماذا يَجْعَلُ بعضَ المؤمنين أغنياء؟

وكان الجواب: أن الحالاتِ النفسية للعباد مختلفة، وبعضُهم لا يَصْلُحُ إلا عند البؤس والفقر، وبعضُهم لا تصلُحُ حالُه إلا بالغنى والثروة، فهاتان الحالتان من كرامةِ المؤمن وعزِّه.

معنى التردُّدِ في حقِّ الله تعالى

تقدَّم في بعض الأحاديث تناولُ إهانةِ المؤمنين، وأنه من الكبائر، فلا ضرورة للإعادة.

وأما المقصودُ بالتردد في حقِّ الله سبحانه، فهو:

1-    أنَّه لو جاز على اللهِ التردد، ما تردَّد في شيء كتردُّدِه في وفاة المؤمن.

2-    جرت العادةُ بأن يتردد المرءُ في الإساءة لمَنْ يحترم، وعدمُ تردُّدِهِ في الإساءة لعدوِّه ومَنْ لا يحترم، وكأنَّ المقصود هنا، أنه لا شيءَ من مخلوقاتي محبَّبٌ عندي، كعبدي المؤمن توقيراً واحتراماً... والتردد في حقِّه هنا من باب الاستعارة التمثيلية.

3-    الترددُ خوفاً من ألم الحبيب المؤمن في أن لا يتفهَّم ما ينتظره بعد موته من الجوائز والنِعمِ العظيمة، واللطف والبشارة بالجنة... فيترددُ حتى يُصْبحَ العبدُ مهيَّئاً للانتقال مسروراً إلى دار الآخرة.

وهناك أيضاً مسلكٌ خاص بأهل العرفان والحكمة، نُسِّطُهُ تسهيلاً للاستيعاب، فنقول:

إنَّ كلَّ الكائنات متعلِّقةٌ بالله تعالى، ومُسخَّرةٌ بأمره، وليس لها شأنٌ مستقل، فعندما يقول سبحانه {وما رميتَ إذْ رميتَ، ولكنَّ الله رمى}[113] يقصدُ، والله العالم، أن الرميَ وقع بقدرة الله تعالى فيك، فأنتَ الرامي، وفي نفس الوقت، الله جلَّ وعلا رمى أيضاً.

وكقوله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتِها}[114] مع أن مَلَكَ الموت هو الذي يتوفَّى النفوسَ.

وكقوله تعالى {يُضلُّ مَنْ يشاء، ويهدي مَنْ شاء}[115] فالله تعالى هو الهادي والمضل، لأنَّ إرادَتَهُ سبحانه نافذةٌ في جميع الأشياء... مع أن جبرائيل والرسولَ صلوات الله عليهم، هم الهادين، والشيطان هو المضل.

فلا يُنسبُ لهؤلاء أمرٌ، في مقابل مُلْكِ الله سبحانه وإرادتِه المطلقة {هو الله في السماء إله وفي الأرض إله}[116].

نعود إلى أصل بحثنا، لنقول: إنَّ الملائكة الكرام، عندما يرون مقامَ المؤمنين، ويرون كراهيَّتَهم للموت، يتردَّدون ويتزلزلون، فنسبَ سبحانه هذه الحالة إلى نفسه، "وما ترددتُ في شيء أنا فاعِلُهُ، كترددي في وفاة المؤمن" كما نسب سبحانه التوفيَ إلى نفسه، والهدايةَ والضلال، والرميَ...

وعلى كل حال، لا شك أنَّ ما نحن فيه، بحاجة إلى ذوقٍ سليم، وقريحة حسنةٍ مؤهلة للتلقي والاستيعاب.. ولتحلظَ أن القرآن والسنة كثيراً ما ينسبان الفعلَ الغيبيَّ لله تعالى وقليلاً ما ينسبان الأفعالَ المادية الطبيعية له سبحانه.

إصلاحُ المؤمنين بالفقر والغنى...

إعلم، أيها الحبيب، إن الله تعالى، يُصْلحُ المؤمنين بالغنى والفقر، والصحةِ والرضى، والأمن والخوف... لأنه سبحانه يُعامِلُ كلَّ فردٍ حسبَ وضعهِ وظروفه، ليكون قلبُهُ خالصاً من حبِّ الدنيا، تماماً، كما الطبيبُ الذي يُعالجُ مرضاه بالأدوية المرَّةِ والمنفِّرة، بقصد علاجهم.

فربَّما كانت المصلحةُ لمؤمنٍ ما، أن يُصْبحَ غنياً، ليتذوَّقَ المصائبَ الدُّنْيويَّةَ ومِحَنَها عن قرب، وبالتالي لينصرفَ عن الدنيا وزخارفها وأنواعِ شهواتها المحرَّمة.

كان يقول أحدُ مشايخنا العظام: يحسبُ البعضُ أن تعدُّدَ الزوجات دخولٌ في الدنيا، وإقبالٌ عليها، مع أن الابتلاءَ بها يجعلُهُ ينصرفُ عنها، عن عزم ويقين.

فالفقرُ للمؤمنين قد يكونُ لإصلاحهم وإبعادهم عن الدنيا، كما قد يكونُ الثراءُ كذلك أيضاً، وإنْ تصوَّرَ البعضُ أن الأثرياءَ في رفاه وبهجة وراحة، وهم في الواقع يعيشون في ضيقٍ ومحنٍ وبلايا.

آثارُ الفرائضِ والنوافل

إعلم أنَّ للسالك إلى الله تعالى، سفراً سلوكياً، أولى مراتبِهِ أن يَطَأَ برجله على رقبة الأنا، ويقطعَ آمالَهُ من كل الموجودات، ويُحطِّمَ الأصنامَ المانعةَ له عن السلوك، وتغيبَ الكواكبُ والأقمارُ والشموس[117] من أفقِ قلبه، ليغدو إلهياً ذا وجهةٍ واحدة، ويبلغَ مستوى {وجَّهتُ وجهيَ للذي فطر السموات والأرض}[118]... فيسمعَ بسمع الحق، ويُبصرَ بعين الحق، ويبطشَ بيد قدرة الحق وينطقَ بلسان الحقِّ جلَّ وعلا.

يرى الحقَّ سبحانه، ولا يرى غيرَه.

"وإنَّه يتقرَّبُ إليَّ بالنافلة حتى أُحِبَّهُ" ويتحققُ له الصحوُ بعد المحو، ويصيرُ مريداً بقدرة الله سبحانه "فإذا أحببتُهُ كنتُ إذاً سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ولسانَهُ الذي ينطق به، ويَدَهُ التي يبطِشُ بها، إنْ دعاني أجبتُهُ، وإنْ سألني أعطيتُهُ".

وهذا الصحو بعد المحو، الذي يصِلُهُ الإنسانُ بالفرائض، يُسمى "القرب"، لأنه يختلفُ عن حالة الغفلة التي نعيشُها... كما يصل أيضاً بالنوافل، إلى بعض المراتب والحالات.

وفي هذا يقول الشيخ الجليل العارف البهائي رضوان الله عليه "لأصحاب القلوب في هذا المقام، كلماتٌ سنيَّة، وإشاراتٌ سريَّة، وتلويحات ذوقية، تُعطِّرُ مشامَّ الأرواح، وتحيي رميمَ الأشباح، لا يهتدي إلى معناها، ولا يطَّلعُ على مغزاها، إلا مَنْ أتعب بدنَه في الرياضات، وعنَّى نفسه بالمجاهدات، حتى ذاقَ مشربَهم، وعرف مطلَبَهم، وأمَّا مَنْ لم يفهمْ تلك الرموز، ولم يهتد إلى هاتيك الكنوز، لعكوفه على الحظوظ الدنيَّة، وانهماكِهِ في اللذات البدنية، فهو عتد سماع تلك الكلمات، على خطر عظيم من التردي في غياهب الإلحاد والوقوعِ في مهاوي الحلولِ والاتحاد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً..".

وهذا مبالغةٌ في القرب، وامتزاجٌ للمحبة باللحم والدم، حتى يذهلَ صاحبُها، ويكونَ اللهُ تعالى، بمنزلة سمعه وبصره، وكما قيل:

جنـونـي فيـك لا يخفـى                  ونـاري منك لا تخبـو

فـأنـت السمـع والأبصـار                والأركـان والقلــب

ونظير ذلك ما ورد عن الخواجه نصير الدين الطوسي، قُدس سرُّه القدوسي، إلى أن ختم قائلاً: "فصار العارفُ حينئذٍ متخلِّقاً بأخلاق الله في الحقيقة".

ويقول مولانا المجلسي في مانحن فيه: "أنه سبحانه أودع في بدن الإنسان وقلبه وروحه، قوى ضعيفة، هي في معرض الانحلال والاختلال، والانقضاء والفناء، فإذا اكتفى بها، وصرفها في شهوات النفس والهوى، تفنى كلُّها، ولا يبقى معه شيءٌ منها ومن ثمراتها إلا الحسرة والندامة، وإذا استعملها في طاعة ربه، وصرفها في طاعة محبوبه، أبدله الله خيراً منها، وأقوى وأبقى، تكون معه في الدنيا والعقبى...".

فإذا صرفها في طاعة ربه، أبدله الله سمعاً لا يذهب بالصم ولا بالموت، ويُصغي إلى خطاب الرب تعالى، في الآخرة والأولى، ويفهمُ كلامَ اللهِ وكلامَ الأنبياء والأولياء عليهم السلام... فما منحه الله تعالى،... لا يضعُفُ بضعف البدن، ولا يذهبُ بالموت... ويناديه الحبيب، كما نادى الرسولُ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أهل القليب.

وكما السَّمَعُ كذلك البصر، إذا صُرف في المشتهيات، ذهب الله بنوره، فهو في الآخرة أعمى، وأضلُّ سبيلاً، وإذا بذله في طاعة ربِّه، نوَّر اللهُ عينَ قلبه، وأعطى بصرضه نوراً أعلى وأقوى، ينظر به إلى الملكوت الأعلى...، ويرى الملائكة،... وكما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم "واتَّقوا فراسة المؤمن، فإنَّه ينظُرُ بنور الله" وقال الله تعالى {إنَّ في ذلك لآياتٍ للمتوسِّمين}[119].

وهكذا كافةُ القوى البدنية الأخرى، إذا صُرفت في طاعة الله، ورُوِّضت، أعطاه اللهُ قوَّةً لا تضعف بالأمراض، ولا تذهب بالموت... وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "ما قلعتُ بابَ خبير بقوةٍ جِسمانية، بل بقوة ربَّانية".

وهكذا النطقُ، إذا كان موافقاً لعمله، تابعاً لرضا ربِّه، فتح اللهُ له ينابيعَ الحكمة من قلبه على لسانه، كما قال سبحانه "كنتُ سمعَهُ وبصَرَهُ وغيرَ ذلك، على ألطف الوجوه، لمن كان له قلبٌ أو ألقى السَّمْعَ وهو شهيد"[120].

والحمد لله أولاً وآخراً.

 

إلتفاتة

ابتداءً من الحديث الشريف الخامس والثلاثين، تقريباً، أخذت الأبحاث تتجه بحدَّةٍ أكثر نحو المواضيع الفلسفية الدقيقة، التي يصعبُ فهمُها إلا من قِبلِ أهلِ الاختصاص، وبمصطلحات مناسبة.

فاقتضى التنويه، وبالله المستعان في البدء والختام.

 

 

 

 

 

 

الحديث الخامس والثلاثون

لا يسأل عمَّا يفعل وهم يسألون

قال أبو الحسن الرِّضا عليه السلام: "قال الله، يابنَ آدم، بمشيئتي كنتَ أنتَ الذي تشاءُ لنفسك ما تشاء، وبقوَّتي أديتَ فرائضي، وينعمتي قويتَ على معصيتي، جعلتُكَ سميعاً بصيراً قوياً، ما أصابَكَ من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك، وذلك أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيِّئاتك مني، وذلك أنني لا أُسألُ عمَّا أفْعَلُ، وهم يُسْألون".

لأسماء الله سبحانه مقامان

في هذا الحديث الشريف، أبحاث سامية من العلوم العالية، نختصرُ نتائِجَها في بعض المسائل وبقدر المستطاع، اجتناباً للإطالة.

واعلم أيها الحبيب أن لكل أسماءِ وصفاتِ اللهِ تعالى، مقامين:

الأول: مقام الأسماءِ والصفاتِ الذاتية، حيث ثبت أنَّ واجبَ الوجود سبحانه، بوجهةٍ بسيطة محضة، مستجمعٌ لجميع الأسماء والصفات، وعينُ كلِّ الكمالات، وكلُّ ما هو وراءَ الوجود، نقصٌ وعدم وقصور، وأنَّ ذاته المقدس صرف الوجود، ووجودٌ صرف "علمٌ كلُّه، قدرةٌ كلُّه، حياةٌ كلُّه".

الثاني: مقام الأسماء والصفات الفعلية، وهو مقامُ الظهور والتجلي بالأسماء والصفات الذاتية، وهو مقام المعية، يقول الله تعالى {هو معكم}[121] ويقول سبحانه {ما من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعُهم}[122].

وهو ممقامُ وجهِ الله عزَّ وجل، يقول سبحانه {أينما تُولُّوا فثمَّ وجهُ الله}[123].

وهو مقام النورية، يقول تعالى {اللهُ نورُ السموات والأرض}[124].

ومقام المشيئةِ المطلقة، يقول تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}[125] وفي الحديث المبارك "خلق الله الأشياء بالمشيَّة، وخلق المشيَّةَ بنفسها".

والخلاصة: إنَّ جميع الموجودات، تكون من تعيناته سبحانه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، تكون من مظاهره، وهذا ما أُريدُ إظهارهُ في الحديث الشريف، من أنَّ ذات ابن آدم وكمالاتِه من مظاهر وتعينات مشيئةِ اللهِ تعالى، يقول سبحانه {وما رميتَ إذ رميت، ولكنَّ الله رمى}.

فكلُّ ما يحصل في هذا العالم، إنَّما يتحقق بقدرة الله وقوته، وبذلك يصبح القول "بقوَّتي أديتَ فرائضي، وبنعمتي قويتَ على معصيتي".

كلام في الجبر والتفويض

في الحديث الشريف، إشارةٌ إلى مسألتي الجبر والتفويض، وإلى المنزلة بين المنزلتين، وهو مذهبُ أهل الحق، حيث أثبتَ عليه السلام المشيئة والقوة للعبد، وهما في نفس الوقت لله تعالى، فقوةَ وقدرةُ ابن آدم، مظهرُ قدرةِ الله سبحانه وقوته.

"يا ابنَ آدم، بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاءُ لنفسك ما تشاء؟ وبقوتي أدَّيتَ فرائضي، وبنتعمتي قويتَ على معصيتي".

لكن هل تُنْسبُ إليه سبحانه الرذائلُ والنقائصُ والمعاصي؟

هذا اشتباه، فالله سبحانه كمالٌ صرف، وخيرٌ محض، فالكمالاتُ والخيراتُ منه، أما النقصً والشر فعائدٌ إلى العدم وإلى التضاد بين الموجودات والكائنات في هذا العالم، وهذا لا يكون مجعولاً، كما قال عليه السلام {ما أصابك من حسنةٍ، فمن الله، وما أصابك، منس يِّئةٍ فمن نفسك}.

فنستخلصُ: أن جميع أنواع السعادة في الدنيا والآخرة، أُفيضت من ينبوع الخير والسعادة، وكل أنواع الشقاء والشرور، ناتجٌ من القصور الذاتي للموجودات ونقصها.

 

 

الحقُّ سبحانه لا يُسْألُ عمَّا يفعل وهم يُسْألون

إعلم، أيَّدك الله سبحانه، أنه لا يوجد هدفٌ أو غاية لأفعال الله عزَّ وجل، لأنه الغنيُّ والكمالُ المطلق، والواجبُ بالذات، من جميع الجهات.

أما غيره، فإنَّما يوجد عملاً بقصد الفائدة أو المثوبة للغير، أو العبادة... فهو مُسْتكُملٌ بهذا القصد، ووجودُ الهدفِ بالنسبة إليه أولى من عدمه، وفيه منفعةٌ وفائدة... وهذا مُحالٌ على الله سبحانه، الغنيِّ بالذات من جميع الجهات، فلا يُسْتفسرُ عن أفعاله، ولا يُوجَّهُ إليه "لِمَ" و"لا يُسْألُ عمَّا يفعلُ" بخلاف كلِّ الموجودات التي يصحُّ السؤالُ عن سبب وجودها وعن أفعالها.

والله تعالى كمالٌ مطلق، والموجودات ناقصة بالذات... وكلُّ كامل مرغوبٌ فيه، وغايةُ جميع الأفعال، وكلُّ ناقصٍ مهروبٌ عنه، لذا كان "لا يُسْألُ عمَّا يفعَلُ، وهم يُسْألون".

والله تعالى لا يُسْألُ، لأنَّ فعله في منتهى الكمال، والكائناتُ الأخرى تُسْألُ، لنقصها الذاتي ولجهلها... لذا كان الله سبحانه أولى بالحسنات، والعبدُ أولى بالسيئات، بل هو علَّةٌ لصدورها.

الحديث السادس والثلاثون

الصفات الذاتية لله سبحانه

عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول "لم يزل اللهُ عزَّ وجل ربَّنا، والعلمُ ذاتُهُ ولا معلوم، والسَّمْعُ ذاتُهُ ولا مسموع، والبصر ذاتُهُ ولا مُبْصر، والقدرةُ ذاتُهُ ولا مقدور، فلمَّا أحدثَ الأشياءَ، وكان المعلوم، وقع العلمُ منه على المعلوم والسَّمْعُ على المسموع، والبصر على المبصر، والقُدْرةُ على المقدور".

قال أبو بصير: قلتُ، "فلمْ يزلْ الله مُتحرِّكاً؟".

فقال عليه السلام "تعالى الله عن ذلك، إنَّ الحركة صِفةٌ مُحْدَثَةٌ بالفعل".

قال أبو بصير: فقلتُ: "فلم يزل الله مُتكلِّماً؟".

فقال عليه السلام "إنَّ الكلام صِفةٌ مُحْدَثَةٌ، ليستْ بأزليَّة، كان الله عزَّ وجل ولا مُتكلِّم".

 

عينيَّةُ الذات مع الصفات

في الحديث الشريف إشارةٌ إلى عينية الذات المقدس للحق مع الصفات الكمالية الحقيقية، كالعلم والقدرة والسَّمْع والبصر، وكل ما هو كمال يعود إلى أصل واحد، وهو حقيقةُ الوجود، الأصلُ لكل الكمالات والخيرات، والشيءُ الوحيدُ الأصيلُ الشريف في هذا الكون.

وحقيقة الوجود، أمرٌ بسيط من جميع الجهات، وبريٌ من التركيب، كما ثبت عند أهل الحق، وفي البراهين الفلسفية لأهل الحق والمعرفة.

أما المركب، ليس بكامل من جميع الجهات، لأنَّ النقص قد تسرَّب إليه... والناقصُ، لا يكون بسيطاً.

والله الحقُّ سبحانه، بعيدٌ عن الفقر والتعلُّق بالغير، كاملٌ من جميع الجهات، مشتملٌ على جميع الأسماء والصفات، ووجودٌ صريح صرف، وهو صرف العلم، وصرف الحياة، وصرف القدرة، والبصر والسَّمع وكافةِ الكمالات، وبناءً عليه يصبح كلامُ الإمام الصادق عليه السلام "والعلمُ ذاتُهُ والقدرةُ، والسَّمْعُ والبصرُ ذاتُه".

علمُ اللهِ سبحانه قبل الإيجاد

إعلم أنَّ عِلْمِ اللهِ سبحانه بمخلوقاته في الأزل، قبل إيجادها، هو علم تفصيلي، وهو عينُ الذات المقدس،حيث قال عليه السلام "والسَّمْعُ ذاتُه ولا مسموع، والبصرُ ذاتُهُ ولا مُبْصر".

وفي إشارة إلى العلم التفصيلي أيضاً، يقول عليه السلام "فإذا أحْدَثَ الأشياءُ، وكان المعلوم، وقع العلمُ منه على المعلوم" لأنه تعالى لم يُجددْ علمَهُ بعد الإيجاد، وإنَّما وقع منه على المعلوم بعد حدوثه.

ولأنَّ العلمَ بالكمال المطلق، علمٌ بمطلق الكمال، من دون نقص، فلا يخرجُ من إحاطة علمه سبحانه، ذرَّةٌ من الموجودات، أزلاً أبداً.

وجميعُ العوالم الموجودة، محاطةٌ بعلمه، وتظهرُ منه، وتعود إليه، ولهذا أشير في الكلام المقدس {إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون}.

 

 

 

ختام وتوضيح

إعلمْ، أيها العزيز، أيَّدك الله الوهاب، أنهذه الأبحاث في منتهى الإتقان والدقة والصعوبة، ويتوقفُ فهمُها على استيعاب الكثير من المبادىء والمصطلحات الفلسفية، والأنس التام بها بحسب العادة، وحُسْنِ الظن الكامل بالعلماء بالله، وإلا لَمَا أُستُفيد شيءٌ منها، بل رُبَّما ازداد التحيُّرُ والتعقيد.

ومن المعتذر في هذا الكتاب المختصر، تبسيطُ الأمورِ أكثر من ذلك، ليقربَ إلى إفهام الناس.

والله سبحانه المستعان، في البدء والختام.

الحديث السابع والثلاثون

عرفت الله بالله وعرفت الرسول بالرسول

قال أميرُ المؤمنين عليه السلام "إعرفوا اللهَ بالله، والرَّسولَ بالرِّسالة، وأولي الأمرِ بالأمرِ بالمعروف والعدلِ والإحسان".

الفرق بينالعلم والعرفان

لا بد من الإشارة إلى ما قيل حول الفَرْقِ بين العلم والعرفان:

في الرأي الأول، قيل أنَّ العلم يختصُ بالكليات، والمعرفةَ تختَصُ بالجزئيات[126].

وفي الرأي الثاني، قيل أنَّ العالم بالله تعالى هو الذي يصل إلى الحق عز وجل، بالبراهين الفلسفية، وأنَّ العارفَ بالله جلَّت قدرتُه، هو الذي يعرفُ الحقَّ سبحانه بالمشاهدة الحضورية.

معنى: إعرِفوا الله بالله

تناول العلماء رضوانُ الله عليهم هذه الجملة المباركة، وشرحوها، وللتبرُّك بكلام الكرامِ الأجلاء، نذكر بعضاً منها:

الأول، قال ثقةُ الإسلام الكليني، رضوان الله تعالى عليه، أن الله عز وجل، لا يُشبهُ جسماً ولا روحاً، وهو خالِقُها، فإذا نفينا عنه الأشياء، فقد عرفنا الله بالله، وإذا شبَّهْناه بها، نعوذ بالله، لم نَعرفْه[127].

الثاني، قال الشيخ الصدوق، رضوان الله تعالى عليه، إنْ عرفنا الله تعالى بعقولنا، فهو خالِقُها وواهِبُها، وإنْ عرفناه بأنبيائه ورسلِهِ فهو باعِثُهم، وإن عرفنا بأنفسنا، فهو عز وجل، واجدُها، فبه عرفناه، تعالت مشيئتهُ.

أمَّا ما خطر على بال الكاتب، فخلاصتُه:

إنَّ الشرط الأول في السير إلى الله سبحانه، الخروج من البيت الظلم للنفس والذات والأنانية، فكما أن الإنسان في سفره الخارجي المحسوس، لا يعتبرُ، مسافراً ما دام في بيته، وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاءِ آثاره، كذلك لا يتحقق السفرُ العرفاني إلى الله جلَّ وعلا، إلا بعد التخلي عن البيت المظلم للنفس واختاء آثاره ومعالمِهِ، ومن دون ذلك، لا يكونُ الإنسانُ مسافراً، بلْ يتخيَّلُ ذلك، ويدَّعي السَّيْرَ والسلوك.

قال الله تعالى {ومَنْ يخرجْ من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم يُدركْهُ الموتُ، فقد وقع أجرُهُ على الله}[128].

لكن، بعد أن يُغادرَ السالكُ إلى الله بيتَ نفسِهِ، بخطوات الترويض والمراقبة والورع والتقوى، ولا يصطحِبُ معه شيئاً من الدنيا، بعد كل هذا، يتحقق منه السفر، ويتجلَّى له الحقُّ سبحانه قبل كل شيءٍ، بحسب سيره وهمَّتِهِ وعزمه وقوةِ قلبه وضعفه، رافضاً كلَّ علائقِ الدنيا، ثم بعد طي المراحل والمنازل، والوصول إلى الرفض المطلق غير المشروط:

يتم التجلي، وتظهر "إعْرِفوا الله بالله"، إلى أن يفنى في هذا التجلِّي.

وفي هذه المنزلة، وبعناية الخالقِ تعالى، يحصلُ الاستئناسُ، ونزولُ وَحْشَةُ الطريق وتعبُ السفر،... وبتوفيق الله سبحانه، يستفيقُ ويستمرُ بخطوات السفر، شوقاً وعشقاً، حيث يكون الحقُّ جلَّ جلالُه:

مبدأ السفر، والباعثَ على السفر، ونهايةَ السفر.

وتتمُّ الخطوات، بعين الله عزَّ وجلَّ، ويسمعُ هاتفاً يقول له "تقدَّم"... ويظهرُ له ما يظهر، ويتجلَّى له ما يتجلَّى... ويتحققُ مقامُ "إعرِفوا الله بالله" في مرتبةٍ عالية...

ولا مجال للحديث حول المقاماتِ الأخرى... أما مقامُ عُرْفانِ الرسولِ بالرسالة، وأولي الأمرِ، بالأمرِ بالمعروف والعدل والإحسان، فله ترتيبُهُ الخاص، ذُكر شيءٌ منه في كتاب "مصباح الهداية".

حملُ الأحاديث على الفهم الرائج غير صحيح

لا يظنُّ أحدٌ أنَّ شرحُ الحديثِ على مسلك أهلِ العرفان، رجمٌ بالغيب وتفسيرٌ بالرأي، بل لتوضيح أنَّ الأحاديث في باب أصول الدين، غيرُ مُنْحصِرٍ في المعاني الرائجة العرفية، فالملمُّ المطَّلِعُ على الأحاديث في العقائد وأصول الدين، يعلمُ أن تفسيرَها وشرحَها على أساس الفهم العرفي الشائع، ليس صحيحاً، لأنها تحتوي على أدق التعابير والمعاني الفلسفية، ولك في أصول الكافي وكتاب التوحيد، خيرٌ برهان.

فكلُّ طائفة من العلماء والحكماء وأهلِ المعرفة، لها مسلكُها وأسلوبُها في قطف شيء من الثمار، من هذه الأشجار المباركة، ولا يحق لأحدٍ حصرُ المعاني في ما استَنْسَبَهُ: فهناك الشرحُ العرفيُّ الرائج، المناسبُ لظاهر الألفاظ وفهم عامةِ الناس، وهناك معنى أدق، يكون بمثابة الباطن، وهناك أدقُّ منه، وهو باطن الباطن.

فمقارنةُ كلامِهم عليهم السلام بكلامنا غيرُ صحيحة.

ومن غريب ما يقوله البعضُ، من أن أحاديثَ الأئمة عليهم السلام لتوجيه الناس، فيجب أن لا تصدُرَ منهم المفاهيمُ الفلسفية والعرفانية... وهذا من دواعي العَجَبِ والاستنكار، فلو لم يُعلّم الأنبياءُ عليهم السلام الناسَ، دقائق التوحيد، وأصنافَ المعارف، فمن بإمكانه أن يقوم بهذه المهمة؟

وهل أن تعليمَ العلومِ المختزَنَةِ عند أهل البيت عليهم السلام، غيرُ ضروري؟

وهل مَنْ بيَّنَ الآدابَ المستحبةَ للنوم والأكل والحديث... غفِلَ عن بيان فنون المعارف، التي هي منتهى أمل الأولياء؟

والأغرب، أنَّ بعضَ المعترضين لهذه المعاني الدقيقة، تناولوا الأخبارَ الفقهيَّةَ المرويَّةَ عن أهل البيت عليهم السلام، بدرجة وتفصيل وافتراضات وردود، يعجزُ عن فهمها العقل، فضلاً عن العرف، بل إنَّهم ينسبون ما استخلصوه من المعاني، إلى الارتكاز العرفي...

والمعلومُ المسلَّمُ به، أنَّ فهمَ الأخبارَ الفقهية، موكولٌ إلى العرف.

وعلى أيِّ حال، قد خرج البحثُ من أيدينا، وتمرَّدَ القَلَمُ علينا... وأُشهِدُ الله عزَّ وجلَّ، على أني لم أقصدْ بهذا الكلام، إلا تعريفَ إخواني في الله سبحانه، المعارفَ الإلهية.

وأستغفر الله من الزلل والفشل والكسل، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.

الحديث الثامن والثلاثون

إنَّ الله خلق آدم على صورته

عن محمد بن مسلم، قال: سألتُ أبا جعفر عليه السلام، عمَّا يروونَ أنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عليه السلام، على صورته، فقال عليه السلام "هي صورةٌ مُحْدَثَةٌ مخلوقة، إصطفاها اللهُ واختارها على سائرِ الصور المختلفةِ، فأضافَها إلى نفسه، كما أضاف الكَعْبَةَ إلى نفسه، والروحَ إلى نفسه، فقال "بيتي" و"نفختُ فيه من روحي".

وهذا الحديث من الأحاديث المشهورة بين السنة والشيعة، ويُسْتَشْهَدُ به دائماً، وقد أيَّدَ الإمامُ الباقر عليه السلام صدورَه وتولَّى بيانَ المقصودِ منه.

الإنسانُ الكامل مظهرُ الاسمِ الأعظم لله جلَّ وعلا

إعلمْ، أنَّ الإنسانَ الكامل، مَظْهرٌ للاسم الجامع المسمَّى "الله"، ومرآةٌ لتجلِّي الإسم الأعظم، وأشيرَ إلى ذلك كثيراً في الكتاب والسنة قال سبحانه {وعلَّمَ آدمَ الأسماءَ كلَّها}[129].

وفي مصطلح العرفاء، أن الأمانةَ هي الولايةُ المطلقةُ التي لا يليقُ بها غيرُ الإنسان، وهي مقامُ الفيض المقدَّس، قال الله سبحانه {إنَّا عرضنا الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال، فأبَيْنَ أن يحمِلْنَها، وأشفَقْن منها، وحَمَلَها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً}[130].

فالمقصود بما ورد في الحديث الشريف "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ على صورته" أن الإنسانَ هو المثلُ الأعلى للحق سبحانه، وآيتُهُ الكبرى، ومظهرُهُ الأتم، ووجهُ الله، وعينُ الله، ويد الله، وجنبُ الله "هو يَسْمعُ ويُبصرُ ويَبْطِشُ بالله، والله يُبصرُ ويسمعُ ويبطِشُ به".

ورَوى أسعد بن سعيد قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام، فأنشأ يقولُ ابتداءً منه، من غير أن أسألَهُ، نحن حُجَّةُ الله، ونحن بابُ الله، ونحن لسانُ الله، ونحن وجهُ الله، ونحن عينُ اللهِ في خلقه، ونحنُ وُولاةُ أمرِالله في عباده".

وورد في دعاء الندبةِ المبارك "أين وجهُ اللهِ الذي يتوجَّهُ إليه الأولياء؟ أين السببُ المتَّصِلُ بين أهلِ الأرض والسماء".

فالإنسانُ الكاملُ، الذي يكون آدمُ ابو البشر فرداً منه، أكبرُ آيةٍ ومظهرٍ لأسماء وصفاتِ الحق سبحانه، ولا بد من تنزيه الله سبحانه عن المِثْل بمعنى الشَّبَه، وليس التنزيهُ عنه المَثَل، الذي هو بمعنى الآية والعلامة، قال سبحانه {وله المثلُ الأعلى}[131].

ومما قدم، يتبيَّنُ السير في تفضيل الحق سبحانه لآدم عليه السلام على الملائكة، وتكريمِهِ دون كافة المخلوقات، قال سبحانه في الآية الكريمة {ونفختُ فيه من روحي}[132].

والحمد لله أولاً وآخراً.

الحديث التاسع والثلاثون

الخير والشر

عن معاوية بن وهب، قال، سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام، يقول: "إنَّ ممَّا أوحى الله إلى موسى عليه السلام، وأنزل عليه في التوراة:

إنِّي أنا اللهُ لا إلهَ إلاَّ أنا، خلقتُ الخلقَ، وخلقتُ الخيرَ، وأجريتُه على يَدَيْ مَنْ أُحب، فطوبى لِمَنْ أجريتُهُ على يديه، وأنا اللهُ لا إله إلا أنا، خلقتُ الخلقَ، وخلقتُ الشرَّ، وأجريتُهُ على يديْ مًنْ أريدُهُ، فويلٌ لِمَنْ أجريتُهُ على يديه".

الخير والشر في قضاء الله سبحانه

إعلمْ أيها الحبيب، أنه ثبت في فلسفة المتعالية، أنَّ نظامَ الكونِ في أسمى مرتبةٍ من الكمال والخير والحسن والجمال، وما كان من نوع ذلك، لا يخرُجُ عن حقيقة الوجود، أمَّا ما يُقابلُ حقيقةَ الوجود فهو العدم، وهو بذاته لا شيء، بل بطلانٌ محض.

فكفةُ الكمالاتِ نتيجةَ الجمالِ المطلق، وأما الكائناتُ الأخرى فهلاكٌ وفقرٌ وبطلان محض ومطلق، من هنا يجب تنزيهُ فيضِ اللهِ سبحانَه عن كلِّ حدودِ الإمكان والتحديدات الراجعةِ إلى النقائص.

والنقصُ نتيجتُهُ التضادُ والاصطدامُ بين الموجودات، ويَنْشأُ عنه جميعُ الشرور والأمراض والمصائب والآلام الموجودة في هذه الدنيا... ولم يكن إطلاقاً نتيجة الجهة الوجودية للموجودات، لأن الوجودَ هو الحقيقةُ المقدَّسةُ البريئةُ من كل الشرور والنواقص المجعولةِ بالعرض لا بالذات.

والخلاصة: أنَّ الخير مجعولٌ بالذات لله سبحانه، والشرَّيكون بالتَّبع، كما أشارت إلى ذلك الآيةُ المباركة {ما أصابك من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن نفسك}[133] وأمَّا قولُهُ سبحانه {قل كلُ من عند الله}[134] فإشارة واضحةٌ إلى أنَّ الخير مجعولٌ بالذات، والشرَّ مجعولٌ بالعرض.

الخير والشرُّ على أيدي العباد

الكلامُ حول كيفية إجراءِ الخير والشر على يدَيْ المخلوق، دون أن يكون ذلك جبراً، بحاجةٍ إلى الكثير من المقدمات الفلسفية... لذا نشيرُ إلى ذلك بشيء من التبسيط والإجمال.

فمن الواضح أن أياً من الكائنات، لا يمكنُ أن يكون مستقلاً في عملٍ من الأعمال، اللهم إلا إذا قام الموجِدُ، بسدِّ كافةِ أبوابِ العدم التي يُمكنُ أن تنفتحَ على المعلول، وإلا لا تكونُ العِلَّةُ مستقلةً في إيجاد المعلول.

ومعلومٌ أن كل الموجودات عاجزةٌ وقاصرةٌ عن القيامة بمثل هذا العمل، لأنَّ ذلك يوجب انقلاب الممكن بِالذات إلى الواجب بالذات، وهذا محالٌ بالبداهة والضرورة لدى العقل. وبتعبير الحكماء:

الشيء ما لم يجب، لم يوجد، والاستقلالُ في الإيجاد يتطلب الاستقلالَ في الوجود، وهذا الشيءُ لا يتحقَّقُ في عالم الممِكنات.

 

حقيقةُ نِسْبةِ الخير والشر

نعلم أن النارَ لا تُوجِدُ الحرارةَ، وإنَّما إرادةُ اللهِ تعالى أن تتحقق الحرارةُ عند وجود النار، ولو شاء سبحانه جَعَلَ البرودةِ عِوَضَ الحرارةِ، لكان ذلك.

وهناك بعضُ الموجودات، تقبلُ الوجودَ استقلالاً، والبعضُ الآخر، لا تقبلُ الوجودَ إلا تبعاً لموجودٍ آخر، فكلامُ زيدٍ لا يتحقق إلا بعد وجودِ زيد، والأعراضُ لا تكونُ إلا بعد وجودِ الجواهر، والأوصافُ لا توجدُ من دون وجود الوصوف، وما هذا إلا نتيجةَ النقصِ الذاتي، والنقصِ الوجودي لهذا الموجود، وليس نقصِ الفاعلِ سبحانه وتعالى.

وهل يُمكنُ سلبُ التأثيرِ عن حقيقةِ الوجود بذاته، وهو عبارةٌ عن عدمِ التأثير؟ فإيجادُ مراتب من الوجود، غيرُ مؤثِّرةٍ أبداً، غيرُ ممكن، وهو نفيٌ للشيء عن ذاته.

فالتفويضُ الذي هو عبارةٌ عن استقلال الموجودات في التأثير، باطلٌ ومرفوض.

والجبر الذي هو عدمُ تأثير الموجوداتِ نهائياً، باطلٌ ومرفوض أيضاً.

والمنزلة بين المنزلتين هو الصحيحة حيث إثباتُ التأثيرِ، ونفيُ الاستقلال في التأثير، وأفضلُ تقريب هو:

إن الإيجادَ كالموجود وأوصافه، فكما الكائناتُ موجودةٌ وليست مستقلةً في الوجود، والأوصافُ ثابتةٌ لها من دون استقلال، والآثارُ والأفعالُ ثابتةٌ وصادرةٌ، من دون استقلالٍ أيضاً في الوجود، كذلك الفاعلُ والموجدُ، يفعلُ ويوجدُ من غير استقلالية في الفاعلية والإيجاد.

بعد كل هذا يتَّضِحُ:

أن الخير والشر يصحُ نسبتُهُهما، إلى كلٍّ من الله تعالى والخلقِ، كما في الحديث الشريف، ويُمْكنُ أيضاً نسبةُ الخيرِ إليه سبحانه، بالذات، وإلى العباد والمخلوقات بالعرض، بعكس نسبةِ الشرور، فهي إلى الموجودات بالذات، وإلى الله سبحانه بالعرض، وفي الحديث القدسي:

"يا بني آدم، أنا أوْلى منك بحسناتِك، وأنت أولى بسيِّئاتِكَ منِّي".

والحمد لله أولاً وآخراً.

 

الحديث الموفي للأربعين

سورة التوحيد والآيات الأولى من سورة الحديد

سُئل عليُّ بنُ الحسين عليه السلام، عن التوحيد، فقال: "إنَّ الله عزَّ وجل، عَلِمَ أنَّهُ سيكونُ في أخرِ الزمان أقوامٌ مُتعمِّقونَ، فأنزل اللهُ تعالى {قل هو الله أحد} والآيات من سورة الحديد إلى قوله {وهو عليمٌ بذات الصدور} فمن رامَ وراءَ ذلك فقد هَلَكَ".

تفسير سورة التوحيد باختصار شديد

إنَّ تفسيرَ سورةِ التوحيد، والآيات الأولى من سورة الحديد، أكبرُ من قُدُراتنا الفكرية، وهل يُمْكنُ أن أتقدَّم على العلماء المحققين؟

كيف يكون ذلك؟ والإمام الباقر عليه السلام يقول بعد عرضه بعضاً من أسرار السورة المباركة "لو وجدتُ لعلمي الذي آتاني اللهُ عز وجل، حملةً، لنشرتُ التوحيدَ والإسلامَ والإيمان، والدينَ والشرائعَ من الصمد".

ويقول الفيلسوف الرباني صدرَ المتألهين عن الآيات الأولى من سورة الحديد:

إعلم، أن كلَّ آيةٍ من هذه الآيات، تحملُ الكثيرَ من علوم التوحيد والربوبية، فلو وُفِّقَ عارفٌ ربانيٌّ من أتباع ممد وآله الكرام عليهم السلام، إلى شرحها والخوض فيها، لكان من الصواب أن يُفسِّرَ كلَّ آيةٍ، بمجلدٍ كبير[135].

أما أنا فلستُ من فرسان هذا الميدان المقدس، لكنْ، الميسورُ لا يُسْقطُ المعسورَ، فأعرضُ ما تيسَّرِ من العلماء العظام، وكتبِ أهلِ الله تعالى:

فليُعْلَمْ، أنَّ {بسم الله} من كل سورة، تتعلَّقُ بنفس سورتها، كما هو مذهبُ الحقِّ، وأهلِ العرفان، وليس بشيءٍ آخر، وبذلك يختلف معنى {بسم الله} في كل سورة عن السورة الأخرى في كتاب اللهِ المجيد، وبحسب اختلاف الاعتبارات في الإسم، يختلف المفهوم من "الله".

بل أكثر من ذلك.

فعلى ضوء اختلاف الأفعال والأعمال الصادرةِ من الإنسان، المسبوقة "بسم الله"، يختلف المعنى أيضاً، لارتباطه بعمل خاص محدد، وفصلٍ معين بذاته، فيأكُلُ ويشربُ ويكتُبُ... بمشيئة الله سبحانه، ورحمانيَّتِهِ ورحيميَّتِهِ..

والخلاصة، أنَّ {بسم الله} من كل سورة، وفي بدء كلِّ عمل، يختلف عن سورة قرآنية أخرى أو عملٍ آخر.

وفيما نحن فيه هنا، في سورة التوحيد المباركة، فإنَّ {بسم الله} مُتعلِّقةٌ بالكلمة الشريفة {قُلْ} ومُوجَّهةٌ إلى القلب التقي النقي الأحدي الأحمدي المحمدي.

أما {هو} فلفظٌ شريف يُشيرُ إلى الله تعالى، من دون تعيُّن الصفات، أو تجلِّي الأسماءِ، بما فيها الأسماءُ الذاتية... من صاحب القلب التقي النقي الأحدي الأحمدي.

{الله} هو الاسمُ الجامعُ الأعظم، للرب تعالى المطلق، فقط، دون أن يكون ذلك لغيره، تعالت مشيئتُه، وهو المقدَّسُ عن كلِّ اسمٍ ورسم، المنزَّهُ عن كلِّ ظهور.

و{الصمد} هو اللفظُ الجامع للأسماء المباركة التالية {لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد}.

وهناك أسرارٌ كثيرة للفظة "الصمد" وما يليها، لن نخوضَ بها، حتى لا نخرج عمَّا نحن فيه، ونكتفي بهذا الاختصار.

تفسير الآيات الستَّةِ الأولى من سورة الحديد باختصار

الآية الشريفة الأولى، قال سبحانه {سبَّح لله ما في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم} فيها إشارةٌ إلى تسبيح كلِّ الكائنات، بما فيها النباتات والجمادات لله الخالق رب العالمين.

وأما مَنْ اقتصر التسبيحَ على ذوي العقول فقط، فهذا نتيجةُ احتجابِ عقولِ ذوي العقول، ويُردُّ عليهم بكلام لا يقبلُ التأويلَ ولا التفسير، وهو قولُهُ عزَّ وجل {ألم تر أن اللهَ يسجُدُ له، من في السموات، ومَنْ في الأرض، والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشَّجر والدوابُّ وكثيرٌ من الناس}[136].

وتقدَّم معنا أنه إن لم يكن لشيءٍ علمٌ ولا حياةٌ، فليس له وجود، وفي بعض منازلِ ترويضِ النفس والحالاتِ المعنوية، أمكنَ المشاهدةُ بأمِّ العين، والسماعُ لتسبيح الموجودات، لكنَّ سُكْرَ الدنيا، أمرض العينَ والسَّمْعَ والحواس.

والأفضل لنا، نحن المحجوبون عن هذه الميادين والمقامات السنية، التسليمُ التام، والتصديق الكامل، لآيات الله الكريمة، وأحاديث أوليائه الشريفة.

ولنخجلْ من تفسير كتاب الله المجيد، بآرائنا الشخصية الموهونة، وعقولنا الضعيفة.

فلا بُدَّ أنْ يثبتَ في الفلسفة العالية، الحياةُ والوعيُ والإدراكُ للكائنات، وأنه من البديهيات والضروريات، ألم يقلْ اللهُ سبحانه {قالت نملةٌ، يا أيها النَّمْلُ أدخُلُوا مساكِنكُمْ، لا يحكِمنَّكُمْ سليمانُ وجنودُهُ وهم لا يشعرون}[137] وقال تعالى {فاقل أحطتُ بما لم تُحطْ به، وجْئتُك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدتُ امرأةً تملكُهُم، وأوتيتْ من كل شيءٍ، ولها عرشٌ عظيم}[138].

ولولا خوفُ الإطالةِ، لأسهبتُ الحديثَ حولَ التسبيحِ والتحميد والسمواتِ والأرض حَسْشَ الذوقِ العرفاني العذب...

لكنْ فضَّلْتُ الاختصارَ والإجمال.

أما الآية الثانية، فقولُهُ تعالى {له ملكُ السمواتِ والأرضِ، يُحْيي ويميت، وهو على كل شيءٍ قدير}.

وفيها إشارة إلى مُلْك الله تعالى وإحاطته ونفوذِ قدرتهِ في الإحياء والإماتة والبسط والقبض... في السموات والأرض.

أما الحديث حولَ الصياغةِ والإحياء والإماتة وإسرافيل وعزرائيل، فهذا بحاجة لبيانات عرفانية فلسفية طويلةٍ ومفصَّلةٍ... لا يتَّسعُ المقامُ للخوض فيها.

وأما الآية الثالثة، فقولُهُ سبحانه {هو الأول والآخِر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم} نَفْهَمها غايةُ آمالِ العارفين، ومنتهى سلوك السالكين، وأُقْسمُ بالله العزيز، أنه لا توجدُ كلمةٌ للتعبير عن حقيقة التوحيد الذاتي، أسمى وأفضل من هذا التعبير، فسبحان الله، ما أعظم شأنَهُ، وأجلَّ سلطانه، وأكرم قَدْرَهُ، وأمْنَعَ عِزَّهُ، وأعزُ جنابَه.

وأما الأيةُ المباركة الرابعة، فقولُ اللهش تعالى شأنُه {هو الذي خلق السمواتِ والأرضَ، في ستة أيَّام، ثم استوى على العرش، يعلمُ ما يلجُ في الأرض، وما يخرجُ منها، وما ينزلُ من السماء، وما يعرُجُ فيها، وهو معكم أين ما كنتم، والله بما تعملون بصير}.

في هذه الآية المباركة، آراءٌ متعددةٌ لأرباب العقول، كلُّ حَسْبَ مسلكِهِ وطريقته، في العلم والحكمة والفلسفة والعرفان...

فقال بعضُهم أن الفترة الزمنيَّةَ لخلق السماوات والأرض، ستةٌ أيام...

وقال بعضهم أنَّ كلَّ يوم يُعادلُ ألفَ سنةٍ من سنواتنا، فتكون الفترةُ الزمنيَّةُ ستةَ آلاف سنة.

وهناك احتمالٌ أن يكون المقصودُ بالأيام الستة، طبقاً لنظام شمسيٍ آخر، خاصةَ بعد أن أُكتُشفَ حديثاً وجودَ عددٍ منها، لا يعلَمُهُ إلا اللهُ عز وجل.

وفي قوله سبحانه {يعلمُ ما يلجُ في الأرض} إشارةٌ إلى علمه سبحانه بكل جزئي في الوجود.

وأما الآيةُ الشريفة الخامسةُ، فقولُهُ سبحانه {له مُلْك السموات والأرضِ، وإلى الله تُرْجَعُ الأمور} ففيها إشارةٌ إلى عودة كلِّ ما في الوجود، إلى مُلْكِ الله جلَّت مشيئته.

والآيةُ الشريفة السادسة، فقولُه تعالى {يولجُ الليل في النهار، ويولجُ النهارَ في الليل، وهو عليمٌ بذات الصُدور} فهو التفاتٌ إلى أنَّ ما ينقصُ من الليل أو النهار يُضاف إلى الآخر، وما يُضافُ ينقص، وفي هذا منافعُ لا تحصى.

وهناك معاني عرفانية أخرى، ولا مجالَ لذكرها في هذا المختصر.

آخر الحديث

إنَّ ما ورد في آخر الحديث الشريف، من قوله عليه السلام "مَنْ رام وراء ذلك فقد مَلَك" إشارةٌ، إلى أنَّ ما في هذه الآيات الشريفة، غايةُ العلوم البشريةِ ومُنْتهاها، ومَنْ ظنَّ أنَّ هناك مرتبةً أعلى، هلك، كما أنَّ الأقلَّ من مستوى هذه الآيات، فيه هلاكٌ أيضاً.

وصحيحٌ أنَّ في الحديث المبارك دعوةً للتأمل والتدبُّر، لكنْ لا يُفكِّرنَّ أحدٌ أنَّ باستطاعته الفهمَ والاستيعابَ اعتماداً على رأيه... لا في هذه الآيات، ولا في غيرها، ولا في الأحاديث والخطب والأدعية والمناجاة المرويَّةِ عن أهل بيت العصمة عليهم السلام.

وما يُمكنُ أن يطرأ في ذهنك، من إمكانيَّةِ فهمِ القرآن اتكالاً على نفسك، ما هو إلا تسويلٌ للشيطان الرجيم.

الله الشهيد على ما أقول، وكفى به إني أقصد من هذا الكلام، دفعُ إخواني المؤمنين، وخاصةً أهلَ العلم، للتزوُّدِ من القرآن الكريم، وعلوم أهل البيت عليهم السلام... والمؤسف أن الإنسانَ صعبٌ أن يستيقظ من غفلته، بالرغم من الإرشادات للأنبياء والأولياء والعلماء... وعندما يستيقظ، بعد فوات الأوان، لا يجد إلا الحسرةَ والندامةَ.

دعاء وختام

إلهي، إليك أشكو نفساً بالسوء أمَّارةً، وإلى الخطيئةِ مبادرةً، وبمعاصيك مولعةً، ولسخطِك متعرضةً، تسلُكُ بي مسالِكَ المهالِك، وتجعلُني عندَكَ أهونَ هالك، كثيرة العلل، طويلة الأمل، إنْ مسَّها الشرُّ تجزع، وإنْ مسَّها الخيرُ تمنع، ميالةً إلى اللعب واللهو، مملوَّةً بالغفلة والسهو.

اللهم، واختم حياتَنا بالإخلاص والحب لمحمدٍ وأهل بيته الطاهرين، صلواتك عليهم أجمعين.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً... وفي البدءِ والختام.

وأخيراً

تمَّ بتوفيق الله تعالى، بعد الغروب، من يوم الإثنين الثاني من شهر رجب، الأصب برحمة الله تعالى، في السنة الخامسة عشرة وأربعمائة وألف، للهجرة القمرية على مُشرِّفها أفضل الصلوات والتسليمات.

مُقْتبساً من ما أفاضه الله عز وجل على عبده المسدد، والحبيب المؤيد، والعبد الصالح، قدوةِ زماننا، ووردِ أيامنا، مولانا الإمام الخميني، حشرنا الله وإياه مع محمد وآله الطاهرين عليهم صلوات الله سبحانه... فمن يجد في هذا الكتاب من خير وصلاح فمنه رضوان الله عليه، ومَنْ يجدْ من تقصير أو قصور أوعيوب فمن قلمي العاثر وفهمي القاصر.

وكان، قُدِّس سرُّه القدوسي، قد أتمَّه بقلمه الشريف، في عصر يوم الجمعة المبارك الرابع من شهر محرم الحرام، عام ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة القمرية، على مشرِّفها وآله أفضل الصلوات والتسليمات.

والحمد لله في كل بداية ونهاية.


 

1... عرف الناس الإمام كقائد ثورة، ورجلٍ سياسي، ومحركٍ للناس لا نظير له... وهو كذلك أستاذٌ من الطراز الأول، في الفلسفة والعرفان والأخلاق...

 

2 كان لي فيما مضى أخٌ في الله، عرفته في عزِّ شبابه وعنفوانه، قبل أن تظهر عليه علاماتُ الكهولة، ومفاجآتُ الزمن، عندما هاجر إلى الله ورسوله، إلى الإمام... وكان حريصاً على توجيهاته ونصائحه، مشافهةً ومكاتبةً واستماعاً، لتزكية نفسه والعروج بها إلى بارئها... ولتعيين أستاذ له لذلك.

فكان، رضوان الله عليه، خيرَ معين، لعبد مسكين... لا يدَّعي الفلاح لأنه ليس من فرسان هذا الميدان: وأنَّى لذرَّةِ التراب أمام شموخ القباب...

في غربته التي طالت... وما زالت... لم يجد أمامه إلا "الأربعين حديثاً"...

مناجاةٌ من خير إمام، إلى غريب في آخر الزمان.

 1 سورة العنكبوت المباركة، اآية: 96. 

2 سورة فاطر المباركة، الآية: 8. 

3 سورة الكهف المباركة، الآيات: 103 ـ 105.

1 سورة المؤمنون المباركة، الآية: 47.

 2 سورة الزخرف المباركة، الآية: 31.

 3 سورة لقمان المباركة، الآية: 18.

 4 سورة الأنبياء المباركة، الآية: 23.

 5 سورة النحل المباركة، الآية: 28.

 6 سورة يس المباركة، الآية: 15.

 7 سورة البقرة المباركة، الآية: 255.

 8 سورة الإسراء المباركة، الآية: 72.

 9 سورة النور المباركة، الآية: 40.

 10 نهج البلاغة: الحكمة 131.

 11 سورة النحل المباركة، الآية: 30.

 12 فالإيمان العقلي لم ينعكس على القلب اطمئناناً كالذي طلبه إبراهيم عليه السلام من ربِّه فأنعم به عليه.

13 نهج البلاغة: الخطبة 193.

 14 سورة الفتح المباركة، الآية: 29. 

15 سورة لقمان المباركة، الآية: 44.

 16 سورة البقرة المباركة، الآية: 74.

 17 كما إذا وجد مَنْ ينافسُهُ فيها أو يُريدُ أن يستوليَ عليها.

 1 سورة الجمعة المباركة، الآية: 5. 

2 سورة الرعد المباركة، الآية: 25.

 3 سورة الزلزلة المباركة, الآيتان: 7 ـ 8. 

4 سورة المؤمنون المباركة، الآية: 99.

 5 سورة ص المباركة، الآية: 26.

 6 سورة القصص المباركة، الآية: 50.

7 سورة هود المباركة، الآية: 112.

 8 سورة الجاثية المباركة، الآية: 23.

 9 سورة طه المباركة، الآيتان: 1 ـ 2.

 10 مفاتيح الجنان دعاء ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان.

 11 نهج البلاغة: الخطبة 204.

 12 سورة الروم المباركة، الآية: 30.

 13 سورة الروم المباركة، الآية:30.

 14 سورة الروم المباركة، الآية: 30.

 15 سورة الأنعام المباركة، الآية: 79.

 16 سورة الأعراف المباركة، الآية: 179.

 17 سورة إبراهيم المباركة، الآية: 10.

 18 سورة عبس المباركة، الآية: 17.

 19 سورة هود المباركة، الآية: 112.

 20 سورة التوبة المباركة، الآية: 35. 

21 سورة يوسف المباركة، الآية: 53.

 22 سورة الحشر المباركة، الآية: 18.

23 سورة آل عمران المباركة، الآية: 173.

24 سورة غافر المباركة، الآية: 44.

 1 سورة النساء المباركة، الآية: 79.

2 سورة النساء المباركة، الآية: 78.

 3 سورة الزمر المباركة، الآية: 53.

 4 سورة الأعراف المباركة، الآية: 156.

 5 سورة البقرة المباركة، الآية: 218. 

6 سورة الأنفال المباركة، الآية: 17. 

7 سورة الأعراف المباركة، الآية: 176.

 8 سورة القلم المباركة، الآيتان: 54 ـ 55. 

9 سورة آل عمران المباركة، الآية: 178.

 

10 سورة الكهف المباركة، الآية: 49.

 

11 سورة البقرة المباركة، الآية: 286.

 

12 سورة ص المباركة، الآية: 41.

 

13سورة ص المباركة، الآية 44.

14 سورة يوسف المباركة، الآية: 86.

 

15 سورة البقرة المباركة، الآية: 222.

 

16 سورة البقرة المباركة، الآية: 186.

 

17 سورة ق المباركة، الآية: 16.

 

18 سورة طه المباركة، الآية: 126.

 

19 سورة هود المباركة، الآية: 41.

 

1 سورة الحجرات المباركة، الآية: 12.

 

2 سورة الحجرات المباركة، الآية: 10.

 

3 سورة المائدة المباركة، الآية: 27.

 

4 سورة يوسف المباركة، الآية: 53.

 

5 سورة النساء المباركة، الآية: 100.

 

6 سورة الفتح المباركة، الآية: 2.

 

7 سورة المائدة المباركة، الآية: 74.

 

8 سورة البقرة المباركة، الآية: 282.

 

9 سورة فاطر المباركة، الآية: 28.

 

10 سورة النحل المباركة، الآية: 11.

 

11 سورة يونس المباركة، الآية: 24.

 

12 سورة الرعد المباركة، الآية: 4.

 

13 سورة طه المباركة، الآية: 124.

 

1 سورة الكهف المباركة، الآية: 42.

 

2 سورة الزلزلة المباركة، الآيتين: 7 ـ 8.

 

3 سورة النساء المباركة، الآية: 78.

 

4 سورة المدثر المباركة، الآية: 31.

 

5 سورة الجمعة المباركة، الآية: 1.

 

6 سورة الإسراء المباركة، الآية: 44.

 

7 سورة النور المباركة، الآية: 35.

 

8 سورة النور المباركة، الآية: 40.

 

9 سورة الزلزلة المباركة، الآيتين: 7 ـ 8.

 

10 سورة الكهف المباركة، الآية: 49.

 

11 سورة العنبكوت المباركة، الآية: 64.

 

12 يقول السيد ابن طاووس، رحمةُ الله عليه "إيَّاك يا مَنْ لا تعرفُ حقيقةَ ذلك، أنْ تستَبْعِدَه أو يجعَلَ الشيطانُ في تجويزه الذي رويناه عندك شكاً، بل كنْ به مصدِّقاً، أما سمعتَ الله جلَّ جلالُهُ يقول: {فلمَّا تجلَّى ربُّهُ للجبل جعله دكاً، وخرَّ موسى صعِقاً} (فلاح السائل: ص108).

 

13 سورة فاطر المباركة، الآية: 15.

 

14 نهج البلاغة، الخطبة: 224.

 

15 سورة المنافقون المباركة، الآية: 9.

 

16 مفاتيح الجنان المناجاة الشعبانية.

 

17 سورة النجم المباركة، الآيتين: 8 ـ 9.

 

1 سورة الأحزاب المباركة، الآية: 72.

 

2 سورة الزخرف المباركة، الآية: 71.

 

3 سورة القدر المباركة، الآية: 3.

 

4 سورة البقرة المباركة، الآية: 261.

 

5 سورة الأنعام المباركة، الآية: 160.

 

6 سورة آل عمران المباركة، الآية: 92.

 

7 سورة البقرة المباركة، الآية: 238.

 

8 سورة محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، الآية: 24.

 

9 سورة الكوثر المباركة، الآية: 2.

 

10 سورة هود المباركة، الآية: 56.

 

11 سورة الملك المباركة، الآية: 22.

 

1 سورة الأنعام المباركة، الآية: 91.

 

2 سورة الأعراف المباركة، الآية: 180.

 

3 سورة آل عمران المباركة، الآية: 26.

 

4 سورة المدثر المباركة، الآية: 38.

 

5 سورة الزلزلة المباركة، الآيتين: 7 ـ 8.

 

6 سورة البقرة المباركة، الآية: 286.

 

7 سورة الأنفال المباركة، الآية: 17.

 

8 سورة الزمر المباركة، الآية: 42.

 

9 سورة النمل المباركة، الآية: 93.

 

10 سورة الزخرف المباركة، الآية: 84.

 

11 راجع الآيات الكريمة من 76 إلى 79،من سورة الأنعام، الحاكية عن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام.

 

12 سورة الأنعام المباركة، الآية: 79.

 

13 سورة الحجر المباركة، الآية: 75.

 

14 بعضُ كلام المجلسي قُدس سرُّه الشريف نُقل بشيء يسير من التصرف، يكادُ لا يُلْحظ.

 

1 سورة الحديد المباركة، الآية: 4.

 

2 سورة المجادلة المباركة، الآية: 7.

 

3 سورة البقرة المباركة، الآية: 115.

 

4 سورة القلم المباركة، الآية: 35.

 

5 سورة الدهر المباركة، الآية: 30.

 

6 قيل: إن مُتعلِّقَ العلم كلي، ومُتعلِّقَ المعرفةِ جزئي.

 

7 نُقلت أقوالهم، رضوان الله عليهم، بتصرف طفيف.

 

8 سورة النساء المباركة، الآية: 100.

 

9 سورة البقرة المباركة، الآية: 31.

 

10 سورة الأحزاب المباركة، الآية: 72.

 

11 سورة الروم المباركة، الآية: 27.

 

12 سورة الحجر المباركة، الآية: 29.

 

13 سورة النساء المباركة، الآية: 79.

 

14 سورة النساء المباركة، الآية: 78.

 

15 بصياغة جديدة مختصرة.

 

16 سورة الحج المباركة، الآية: 18.

 

17 سورة النمل المباركة، الآية: 18.

 

18 سورة النمل المباركة، الآية: 23.