هل تريد صدقة جارية

 


جاء في الحديث الشريفستة تلحق المؤمن بعد موته:
ولد يستغفر له، ومصحف يخلفه، وغرس يغرسه، وقليب (بئر) يحفره، وصدقة يجريها، وسُنَّةٌ يُؤخذ بها من بعده
» الوسائل، ج13، ص293. .

موعظة
من خطبة للإمام علي بن أبي طالب :
يَنْتَظِرُ مِنَ اللَّهِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: إِمَّا دَاعِيَ اللَّهِ فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللَّهِ فإِذا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَمَالٍ، وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ.
إ ِنَّ الْمَالَ وَالبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيا، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُما اللَّهُ لأَِقْوامٍ. [خطبة: 23]

تستمر بعد وفاتك!
مَنْ منَّا لا يرغب في أن تكون عنده «صدقة جارية» تَدُرُّ عليه الحسنات حتى بعد وفاته؟! .
لا أظن أنَّ أحداً عاقلاً يزهد في ذلك!

فكلُّنا لا محالة نسير إلى مصيرنا، طال أم قصر.
وكل لحظة من لحظات حياتنا تولد أصلاً «ميِّتة»!
وأفعال الخيرات ووجود الصدقات هي زادنا، ولا زاد لنا غيره إلى الآخرة.
والصدقة الجارية هي خير نعمة تبقى لنا بعد أن نرحل عن هذه الدُّنيا! . وهذا ما سجَّله التاريخ لأهل الخير واليُسْر من المسلمين، فأوقفوا ما وفَّقهم الله سبحانه إليه، فلا ينقطع عملهم بعد موتهم ، للجائع والعطشان والعريان والمحروم والأرملة واليتيم والعُجَّز والجهاد والعلم... وفي وجوه الخير المختلفة.
رُوي عن جابر أنَّه قال: «لم يكن من الصحابة ذو مقدرة إلاَّ وقف وقفاً».
وقد ورد الكثير من النصوص الشريفة من فعل رسول الله وأئمَّة الهدى في الوقف صدقة لوجه الله تعالى «يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، ليصرف الله بها وجهي عن النَّار، صدقة بتَّةٌ بتلة لا رجعة فيها. في سبيل الله تعالى، للقريب والبعيد، في السلم والحرب، واليتامى والمساكين وفي الرقاب» مضمون نصوص. .
الوقف نعمة
والوقف: هو «تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة»، أي حجز الشيء لوجه الله تعالى مؤبداً صدقة جارية وصرف منفعتها في الأُمور المحددة ، فهو صدقة جارية يقفها المرء ويُسبِّلها في حياته لوجوه الخير والبر، فيستمر أجرها ما دامت باقية، وفي هذا عظيم المنفعة للواقف بإجراء حسنات له في حياته وبعد مماته، لما في ذلك من فضائل الوقف النافعة التي تعين على الخير والأعمال الصالحة.
ويجوز وقف كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، سواء كان ثابتاً كالعقار، أو منقولاً كالسلاح والثياب والحلي للبس والإعارة.
وأفضل أنواع الصدقات أنفعها وأدومها، والتي تقوم على أساس وهدف محددين، وترمي إلى غاية شرعية خيِّرة.
قال رسول الله : إنَّ ممَّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علماً علّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته.
وعن أيُّوب بن عطية الحذاء قال: سمعت أبا عبد الله يقول: قسَّم نبي الله الفيء، فأصاب علياً أرضاً، فاحتفر فيها عيناً، فخرج ماء ينبع كهيئة عنق البعير، فسمَّاها «ينبع»، فجاء البشير يبشر، فقال : بشر الوارث هي صدقة بتاً بتلاء بتلة: مقطوعة، أي مقطوعة عن صاحبها لا رجعة له فيها. في حجيج بيت الله، وعابري سبيل الله لا تُباع، ولا تُوهب ولا تُورَّث فَمَنْ باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.
وأوقف علي بن أبي طالب عيوناً من الماء في ينبع. كما أوقف ضيعتين تُسمَّى إحداهما عين أبي نيزر، والثانية تُسمَّى البغيبغة، حيث انثالت بين يديه عينٌ كأنَّها عنق جزور، فخرج مسرعاً وقال: أشهد أنَّها صدقة، عليَّ بدواة وصحيفة، فكتب:
هذا ما تصدَّق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدَّق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغيبغة على أهل المدينة وابن السبيل، ليقي الله وجهه حرّ النَّار يوم القيامة، لا تُباعان ولا تُرهنان حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين، إلاَّ أن يحتاج الحسن والحسين فهما طلق لهما، وليسا لأحد غيرهما.
فركب الحسن دين فحمل إليه معاوية بعين نيزر مائتي ألف دينار، فقال: إنَّما تصدَّق بها أبي ليقي الله بها وجهه حرّ النَّار، ولست بائعها بشيء.

ومن وصية له بما يُعمل في أمواله، كتبها بعد منصرفه من صفين:
هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، لِيُولِجَهُ يولجه: يُدْخله. بِهِ الْجَنَّةَ، وَيُعْطِيَهُ الأَمَنَةَ، منها: فَإِنَّهُ يَقُومُ بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ، يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُنْفِقُ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ، فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَثٌ الحادث، أي الموت. وَحُسَيْنٌ حَيٌّ، قَامَ بِالأَمْرِ بَعْدَهُ، وَأَصْدَرَهُ أجراه كما كان يجري على يد الحسن. مَصْدَرَهُ، وَإِنَّ لابْنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلَيٍّ مِثْلَ الَّذِي لِبَنِي عَلِيٍّ، وَإِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيامَ بِذَلِكَ إِلَى ابْنَيْ فَاطِمَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَقُرْبَةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليْهِ وَآلِهِ، وَتَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ، وَتَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ أن لا يباع منه شيء. ، وَيُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ لَهُ، أَلاَّ يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ نَخِيلَ هَذِهِ الْقُرَى وَدَيَّةً كهديَّة، وهي صغار النخل، أي الفَسِيل. حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً، وَمَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي اللاَّتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ التي وطأها. لَهَا وَلَدٌ، أَوْ هِيَ حَامِلٌ، فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظِّهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ، قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُّ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ نهج البلاغة كتاب (24). .

بعض أحكام الوقف
لا بدّ في الوقف أن يكون دائماً، فلا يُقيَّد بمدة، وأن يكون في أشياء يُمكن الاستفادة منها حلالاً مع بقائه ولو لمدة معقولة كالأراضي والبيوت والدكاكين والعقارات المختلفة، بل حتى السلاح والثياب والآلات والأشجار والمصاحف والكتب وحُلي الزينة.

ويُمكن أن يكون الوقف:

أ ـ خاصّاً كشخص معيّن أو أشخاص كأولاده وذريته أو أولاد فلان أو أفراد معينين، قد تكون لهم صفات خاصة كطلب العلم أو الجهاد أو المبلّغين المتفرِّغين للدعوة إلى الله عزّ وجل.
ب ـ عاماً كجهة أو مصلحة عامة كالمساجد والمراكز... أو على العناوين العامة كالفقراء والأيتام والمجاهدين...
وهنا إلتفاتة مهمة ومريحة وهي أن الوقف لو كان تحت عنوان «سبيل الله» فإنَّه يُصرف في كلّ ما تقدم لأنَّ المقياس عندئذ «كل ما كان له طريق إلى الثواب».
ونفس الكلام لو قال: «وقفاً في وجوه البر».

الصدقة خير... وأسرار
الصدقة خير على كلِّ حال:
فهي الظل للمؤمن من نار أرض القيامة الوسائل: ج6، ص256. .
وهي التي تُطفىء عن أهلها حرَّ القبور كنز، خ15996. .
والله تعالى يأخذها ولا يُوكِّل بها أحداً، ولا يُحبُّ أن يُشاركه فيها أحد راجع سورة التوبة، الآية 104 وأحاديث عديدة. .
وهي التي «يُربِّيها» سبحانه، مهما كانت صغيرة حتى يجعلها عشرات الآلاف أضعافاً مصادر عديدة. .
وبها يُدفع البلاء، وهي أنجح دواء، كما تردُّ القضاء.
وبالصدقة يُداوى المرضى، وتُسدُّ أبواب الشرور مصادر عديدة. .
وهي السبيل لزيادة الرِّزق والكثرة ومَحْوِ الذُّنوب...
وهي فعل الصباح والمساء لدفع النحس عن ذلك اليوم وتلك اللَّيلة.
كل معروف صدقة حديث مشهور.
وبما أنَّ «كل معروف صدقة» فكل فعل قُصد به وجه الله سبحانه، فهو سبيل قربة إليه... ولو كان صغيراً!
ويشمل ذلك بعض الأفعال: كالنهي عن المنكر، وردِّ السلام، ومنع الأذى عن الطريق، والكلمة الطيِّبة، وإسماعِ الأصمِّ من غير تضجُّر، والبسمة، والإرشاد... ليشمل كافة أفعال الخير المادية والمعنوية...
فماذا يُضيرك لو عزلتَ من مالك نسبةً تبقى مِعْطاءةً من بعدك، إلى ما شاء الله تعالى... نسبة لا يُغني وجودها الورثة، ولا يُفْقرهم عدمها؟
وقد يكون ذلك بوقف أرض أو عقار لتكون بذاتها لفعل مُعيَّن بذاته، أو استثمارها، أو تأجيرها والاستفادة من مالها... والمهم «أن لا تُباع ولا توهب ولا تُورَّث».
وسيأتي الحديث عن ذلك بوضوح.

الحذر... من فُجْأة الأجل
ولا بدَّ من التنبيه إلى مسألة فائقة في الأهمية، وهي المبادرة فوراً إلى فعل الصدقة أو الوصية بها بتدوينها أو الإشهاد جَعْلُ شهودٍ عليها. عليها من الثّقات المقرَّبين ... لأنَّ حلول الأجل ومنع العمل، يأتي دائماً بغتة!
وهذه هي توجيهات النبي المصطفى للصحيح الشحيح الذي يأمل البقاء، ولن يُمهل إذا بلغت الحلقوم إذا بلغت الرُّوح مُؤْذنِة بحلول الموت. ليقول: لفلان كذا أو افعلوا كذا مضمون نص شريف. .
فالأموال التي بأيدينا هي أمانة عندنا، وما نُقدِّمه منها، إنَّما نُقدِّمه لأنفسنا أي لآخرتنا ندَّخره عند الله عزَّ وجلَّ.
وكم من مسكين جمع الملايين وأنفق على المظاهر والفساتين ثم أورثها الطامعين ، ونسي حال «قارون» الذي أهلكته أمواله {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ} سورة القصص، الآية 81. .

هَدْيُ الصدقة الجارية
ومن أفعال الخير، هَدْيُ الآخرين وحثُّهُم ومعاونتهم على فعل الخير والتعجيل به ، فالأكثرية الساحقة من الناس إمَّا تجهل أو تغفل أو تلهو أو تتهاون أو تتثاقل... وليس شيءٌ من هذا يُؤخِّر الأجل!
فكل مَنْ يسعى لذلك، ولو كان واسطة، يكون له الأجر كصاحب فعل الخير، دون أن ينقص الأجر من كليهما.
ومهما تعدَّدت الوسائط، لا ينقص الأجر.

اقتراحات للصدقات الجارية
هذه جملة اقتراحات عملية ومناسبة للصدقات الجارية والأوقاف... وهي بالطبع مجرَّد أمثلة، فَمَرْوَحَةُ الخير تتَّسع وتتَّسع، ولا حدود لها.
حقيقةً لا حدود لها... والمهم المبادرة الفورية وبحزم.
وهي أمثلة لوجوه البرِّ كتفصيل بعد إجمال... لتأنس بها النُّفوس القاصدة للخير.
وأقترح على نفسي أولاً، ثم الآخرين أحبَّتي ثانياً الأُمور التالية:
بناء مسجد: ولو صغير بقدر عشرات الأمتار المربَّعة فليس بالضرورة أن يكون ضخماً كبيراً لكل القرية أو المحلَّة.
وهذا نافع جداً كرمز للمنطقة ولعابري السبيل عندما يحين وقت صلاتهم.
ويكون ذلك طبعاً مع مرافقه التامة.
أبنية لمجالس ذكر: تُنشر فيها العلوم الإسلامية وتُقام فيها الدروس المذكِّرة بمآثر وفضائل رسول الله وأهل بيته ، ويدخل تحت هذا العنوان الحسينيات والتكايا والزوايا والنوادي...
وقد تكون أيضاً معاهد لتحفيظ القرآن الكريم.
حفر آبار المياه: لحاجة الناس الماسَّة إليها في كل مكان وزمان... وسوف تزداد هذه الحاجة مستقبلاً، ولا يشرب منها ذو كبد وحتى الطير والوحوش إلاَّ آجره الله يوم القيامة.
وفي الحثِّ على ذلك العديد من النصوص.
وقد تكون الآبار صغيرة لبضع عائلات وقد تشمل قرية أو قرى بتمامها، وهو المعروف في مدننا الإسلامية «بتسبيل المياه»، وقد كانت كثيرة جداً بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة بما يكفي المسافرين.
تفطير الفقراء في شهر رمضان: فالأموال التي تجمع من تلك الصدقات الجارية، تُنفق إمَّا:
أ ـ بطعام جاهز يُوزَّع ساخناً للتناول فوراً.
ب ـ بتوزيع الخضار واللحوم والحبوب وسائر الاحتياجات، ليستهلكها أصحابها في منازلهم بأنفسهم.
ومن الأوقاف «كان رسول الله يأخذ منها ما يُنفقه على أضيافه ومَنْ يمرُّ به» الوسائل: ج13، ص311. .
لصيانة أسماء الجلالة المباركة: عن التوهين، فنحن في زمن تدخل علينا المطبوعات التي تحمل الآيات القرآنية والأسماء المباركة بكثرة، حيث يجد الكثيرون حرجاً أو مشقة في كيفية إتلافها أو صونها...
وهناك عدَّة طرق لهذا الموضوع فيه الصيانة أو التدوير أو التلف، من خلال الاستعانة بأفراد أو آلات أو وسائل بيئية طبيعية مناسبة وثواب ذلك عظيم.
معاهد تعليم السُّنن النبويَّة الشريفة: التي يأتي إمام الزمان مهدي هذه الأُمَّة لإحيائها والعمل بها مُجدَّداً بعد أن أُهملت أو خولفت أو استُبدلت أو نُسيت في زماننا هذا.
وهذا يُمكن أن يكون من خلال دورات موسمية أو مستمرة على مدار أشهر السنة، وتشمل الكبار والصغار.
فَمَنْ يُطبِّق الآداب والسُّنن النبويَّة إن لم نُطبقها نحن؟!
لبس العباءة للنِّساء: فالعباءة الإسلامية النسائية المعروفة بين أوساطنا، هي اللباس الأكمل لنسائنا، ونعمل دوماً للتشجيع على الالتزام بها، مقابل الهجمات المثبِّطة والمتحاملة في السنوات الأخيرة.
ولبس العباءة ليس ميسوراً ولأسباب مادية، لكثير من النساء، فمن توفيق الله عزَّ وجلَّ جعل بعض موارد صدقاتنا وأوقافنا لستر نسائنا.
توزيع منشورات إسلامية أصيلة: هي تلخيص لمضمون بعض محتويات أُمَّهات الكتب المرجعية عندنا، خاصة في السلوك والأخلاق، فقد شاعت في السنوات الأخيرة كتابات وكتب أقل ما يُقال في شأنها ومع التحوُّط، أنَّها سطحية جوفاء أو لا يُعلم مستندها أو تعجُّ بالمصطلحات والمفاهيم الطارئة على ثقافتنا.
فمن الضروري جداً العمل على توزيع هذه المنشورات الأصيلة والمختصرة بعد أن استنكف الناس عن الرجوع إلى الأُمَّهات المرجعية والمصادر الأساسية.
جمع الثياب: الزائدة أو الفائتة أو التي لا نحتاجها... وغسلها وتوضيبها بشكل لائق لتوزيعها على أهلنا وأحبائنا.
فكل واحد منَّا يُلاحظ، أنَّ عنده في منزله «مخزناً» صغيراً من الألبسة التي لا يستعملها إلاَّ نادراً ، للأطفال والكبار، فَلِمَ تبقى، وهناك مَنْ يحتاجها؟!
نحن نختزنها، وهناك مَنْ يتضوَّر برداً وفاقة؟!
جمع الأثاث والاحتياجات المنزلية: وقد تكون أواني مطبخية أو أثاثاً أو أدواتٍ كهربائية أو أغطية وبطانيات أو مُعلَّقات... والتي تضيق بها بيوتنا، بل تُحدث فوضى واختناقاً فيها...
فلا بدَّ أن تكون هناك جهة مع الإمكانيات والمستلزمات لتوزيع هذه الأُمور على مَنْ يحتاجها.
وهو باب سهل من أبواب الخير المتشعِّب البركة وبكلفة «لا شيء»!
سقاية الماء: في الأماكن العامة، خاصة في المناسبات وفصل الصيف، وهو ما يُطلق عليه «سبيل».
فيُمكن تأمين مياه الشرب بحسب الحاجة والمناسبة والظرف... وبشكل عام فإنَّ تضييف الماء البارد، هو من الآداب المباركة.
وهذا ما نراه في دمشق والقاهرة وطهران... وينبغي تعميمه على كلّ الحواضر الإسلامية.
أُنْسُ المرضى: فالأمراض التي يصعب أو يطول شفاؤها، وفضلاً عن حالة أصحابها، فإنَّ أهلهم وأرحامهم يُرهقون بعد الأيام الأولى بسبب الالتزامات الوظائفية والتجارية والعائلية والحياتية... فمشاركة المريض واجب، أكان في المشفى أم البيت، لكنَّه مرهق خاصة بعد فترة.
فاللازم تفريغ مجموعة من الرجال والنساء، عملهم فقط مجالسة المريض والأُنس معه ومصاحبته، ثم تُصبح لديهم خبرة في التعامل معه.
فمن جملة علاج المريض، الناحية النفسية التي تُطمئنه وتُخفِّف عنه وتؤنس وحدته وتنفي وحشته، وهذا أمر هام ومؤثر، وفيه عون للمريض وأهله، وفي تاريخنا أوقاف لهذا السبيل من بعض الخيِّرين، رحمة الله تعالى عليهم.
تعليم ركوب الخيل: وذلك بإقامة نوادي خاصة لذلك، وتدريب أولاد المسلمين، فركوب الخيل من الأُمور المنصوص عليها، وحُرمنا منها في هذه الأيام لأسباب عديدة يُمكن تزليلها.
ونفس الكلام يُطلق على السباحة وأُمور مشابهة.
وهذا الأمر متعدِّد الفوائد.
مقابر لدفن المسلمين: وهذا النوع من الصدقة الجارية شائع منذ فجر الإسلام وإلى يومنا، ومنتشر في كل الأصقاع.
لكن ظهرت بدعة جديدة في بعض بلاد المسلمين ، وخاصة في المدن الكبيرة، ومع ندرة الأراضي وغلائها، وامتلاءِ المقابر...قضت هذه البدعة بدفع «أثمان» متفاوتة للقبر إذا كان جديداً أو مستعملاً...!
فالمطلوب «وقف مقبرة» في كل منطقة لدفن أيٍّ من المسلمين، وأَحْسَبُ أنَّ هذا الأمر ميسور وسهل على الكثيرين، فقطعة أرض من عدَّة دونمات، لا تزيد لهم ولا تُنقص منهم شيئاً.
شؤون الجهاد والمجاهدين: وسائر مستلزماتهم التي لن تتوقف إلى يوم القيامة بحول الله وقوَّته.
ويشمل ذلك السلاح بأنواعه والتموين ووسائل النقل والاتصال والصيانة والحفظ وتكفُّل العوائل ... وكل ما يُصلح شؤون المسلمين العسكرية والأمنية.
الاعتكاف: واحتياجاته من فراش وأغطية وطعام ووسائل تدفئة.
فإنَّ سُنَّة الاعتكاف عُطِّلت... وهناك بوادر خير لإحيائها في السنوات الأخيرة... يُرجى تشجيعها وتعميمها ... لتشمل أيضاً اليافعين والنساء مع تأمين الأجواء المناسبة.
العمرة: لِمَنْ لم يكن ذلك ميسوراً له، فنُدخل السرور إلى قلبه، ونكسب دعاء أصحاب القلوب المكسورة، والنِّيات الخالصة ... ونَعْمر بها بيت الله جلَّ جلاله بالطائفين والعاكفين والرُّكع السجود والناظرين إلى الكعبة إجلالاً وتعظيماً.
فكم من الفقراء هي «أمنية عمرهم» زيارة البيت ورؤية الكعبة الشريفة؟
الدعوة للإسلام: بكافة أشكال المنشورات والتبليغات والاستفادة من طرق التواصل المختلفة.
إطعام الطعام لأهل الميت: في اليوم الأول للوفاة، فالمستحب إطعامهم وليس الأكل عندهم كما يحدث اليوم، وهي عادة أهل الجاهلية.
فبإمكان أي واحد منَّا أن يُوقف بستاناً أو عقاراً بحسب العنوان المتقدم، لأهل قريته خاصة أو عائلته... وهكذا.
فكلَّما حدثت وفاة، يُؤمَّن تلقائياً الطعام لأهل الميت ومَنْ يحوط بهم.
الإنفاق على المحتاجين من أرحامه خاصة... فهذه أجرها مُضاعف، وهي أول ما يوضع في ميزان العبد ، خاصة الأُمّ والأب والجد والجدة والأخت والابنة والأخ... ثم أدناك فأدناك.
فلا صدقة وذو رحم محتاج راجع ميزان الحكمة: ج5، ص329. .
والمهم «مَنْ نرضى بهداه وإسلامه وأمانته» حتى لا يكون لغير المهتدين الوسائل: ج13، ص313. .
وهذه تستمر حتى وفاة هؤلاء ثم تُحوَّل إلى مورد آخر ممَّا تقدَّم.
إلى عشرات الموارد الأُخرى... وكلها بحسب التوفيق الإلهي، وقد كان أهل الخير واليُسْر يتنافسون على ذلك كما يقول مصطفى السباعي في كتابه «من روائع حضارتنا»...
ولنتخيَّر الأغراض (الأهداف) الشريفة التي نَقِفُ لها أموالنا ونرجو أن تُنفق في سبيلها.
وأخيراً
يستحبّ لمن ظهرت عليه أمارات الموت أن يوصي بشيء من المال في أبواب البرّ والخير والوقف والصدقة، كما يستحبّ له فعل الخير إذا شفاه الله الشافي.
رُوي أنَّ الله تبارك وتعالى يقول:
«ابن آدم، تطوّلت عليك بثلاثة: سترتُ عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، وأوسعتُ عليك فاستقرضت منك فلم تقدم خيراً، وجعلت لك نَظِرَة عند موتك في ثُلُثك، فلم تقدم خيراً».
وعن مولانا الإمام جعفر الصادق : «إذا اشتكى العبد ثمَّ عُوفِي، فلم يُحدث خيراً، ولم يكفَّ عن سوء، لقيت الملائكة بعضها بعضاً (يعني حَفَظَتَه) فقالت: إنَّ فلاناً داويناه، فلم ينفعه الدواء».