حواسم من نهج البلاغة

 

 

 

المقدمة

بات شائعاً في السنوات الأخيرة توجيه الإسلام من خلال وسائل الإعلام والمواقف باتجاه واحد فقط يُعبَّر عنه: بأنّه دين السلام والمحبة... ومرادفاتها.
وهذا الكلام وإن كان لا شك فيه، إلاَّ أنَّه ليس كافياً قطعاً، وليس وافياً صدقاً... فالإسلام هو الإسلام بما فيه الجهاد والقتال والحق قولاً وفعلاً والشهادة والنُّصرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقارعة الظلم بأشكاله... وهو بكل ذلك، دين محبةٍ وسلام، شهد مَن شهد أم لا، ولا يكون كذلك إلاَّ بذلك.
 

فما معنى أن يُسلَّط الضوء على جانبٍ، مؤيَّداً بآيات كريمة من كتاب الله المجيد، دون جانب آخر، غضّاً أو تجاهلاً أو سكوتاً أو إخفاءً عن آيات أُخر مع أنَّ {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}.
ونفس الكلام ينطبق على سائر النصوص والروايات الشريفة... في إظهارها أو إغفالها!
حتى وصلت «الجرأة» مؤخّراً، والأمثلة كثيرة، أن أصبح البعض «يُطوِّع» الأدلة والنصوص الشرعية لتناسب رأيه، فأصبح يستدلّ عجباً:
«فالمؤمن» أصبح الإنسان... و «النصرانية» مجرَّد خيار!
و «كلمة سواء» أصبحت حواراً وانفتاحاً وإقراراً للآخرين على ما هم عليه من الضلالة.
و «لا إكراه في الدين» تخيير بين الإسلام وغيره، بل بين وجوه الكفر، بل اللادين كما صرّح البعض... مع تحصينه بحجة «قبول الآخر المختلف»!!!
وأعمال البر وأحكام الجيران والأخوان وصلة الأرحام وأفعال الخير وإطعام الطعام والصدقة والوقف.... أصبحت أعمالاً «إنسانية» دون قيد أو شرط... مع أنَّ أحكام المسلم وغيره لا يُمكن إخفاؤها في المصادر والأمهات مهما بلغ الجهد، وذلك لشمولها كلَّ أبواب الفقه والحديث... وهذا يُربك مَنْ هواه لَيُّ الرقاب.

نفهم أنَّ زعماء الكفر في العالم يستغلّون بعض المناسبات لمدح «الإسلام» دين المحبة والسلام... ليكون مدحه مدخلاً لإدانة الإرهاب والتخلُّف!
نفهم ذلك، بل نستهجن خلافه...
لكنْ، ما لا نفهمه هو تكلُّف بعض المسلمين ذلك!
من هنا أحببتُ تسليط الضوء على بعض النصوص من كتاب نهج البلاغة، وهي تكاد تكون مجهولة أو مهجورة... أحببت إظهارها هداية وسنداً لنا في هذا الزمن الفتنة...
وإن كنت أعلم مسبقاً بأنَّ البعض، وللأسف، سيعتبرها نصوصاً «متعصِّبة متزمِّتة» لا تحاكي الواقعية والحضارة والتعايش والانفتاح!

حسبي أنّه كلام «علي بن أبي طالب»... وكفى.
الساعي لنهج الحسم السيد سامي خضرة
الزهد بالمنصب
أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز نهج البلاغة، الخطبة 3. .

هذا الكلام يُستشهد به على وجوب تحمل المسؤولية أمام الله تعالى تبرئة للذمة ونُصرة للإسلام...
فلولا المبايعون الحاضرون، والمجاهدون القائمون، وعهد الله على العلماء بعدم السكوت على الظلم ... لكان الزهد بالمنصب والمسؤولية هو الأولى والخيار، حيث إنَّ الدنيا بكل مغرياتها لا تساوي ما تـنثره العنزة من أنفها.

قوة العقيدة
عَزَبَ (بَعُد) رَأْيُ امْرِىءٍ تَخَلَّفَ عَنِّي! مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ! لَمْ يُوجِسْ مُوسَى عَلَيْهِ الْسَلاَمُ خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الجُهَّالِ وَدُوَلِ الضَّلالِ! اليَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَالباطِلِ. مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ! نهج البلاغة، الخطبة 4. .

هذا الكلام يُستشهد به على قوة العقيدة والثقة بالموقف ، والإيمان بما هو عليه، والحرص على عامة المسلمين من الفتنة ، فهو يخاف عليهم من كيد الأعداء وخططهم ومكرهم... لا على نفسه، وذلك في إشارته لقوله تعالى عن سيدنا موسى _ج، وهو المبرَّأُ من الشك والوَهَن في الدين:
{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى *} سورة طه المباركة، الآية 20. .
أي أوجس على إيمان الناس من أن يُفتـنوا عند إلقاء السَّحرة عصيهم... أمَّا الواثق بوعد الله ونصره وأجره، فلا يخاف ولا يخشى.
تواقف الجميع (وقف الجميع) على الحق والباطل، فالأمور واضحة، ومَنْ لجأ إلى ركن وثيق وعقيدة راسخة، لا يخاف.

سياسة التهمة والتشكيك
فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ مِنَ المَوْتِ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي! وَاللهِ لاََبْنُ أَبي طَالِبٍ آنَسُ بالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاََضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الأَْرْشِيَةِ (الحبل في البئر البعيدة) فِي الطَّوِيِّ البَعِيدَةِ! نهج البلاغة، الخطبة 5. .

يُستشهد بهذا الكلام على طبع الناس الشائع في الاتِّهام والتشكيك دوماً بأهل الحق ، مهما كان قرارهم وموقفهم وخيارهم:
فمن جاهر بالحق وعمل له وأعلنه... اتُّهم بحب السلطان والطمع...
ومَنْ سكت لسبب ما، ولو كان شرعياً أو بعذر أو تربصاً أو انتظاراً لسانحة.... اتُّهم بالخوف والجبن!
كما يُستشهد بهذا النص لِمَنْ عاين وَخَبِر الوقائع والأحداث، وأثبت إخلاصه، فلا يُرمى بحب السلطان ولا خوفٍ في الجنان... ودليل ذلك أنَّه باذل لأغلى ما يملك في سبيل عقيدته، بل فوق البذل..الأنس بالموت والاطمئنان... كركون الطفل لثدي أمه.
وهل باستطاعة عامة الناس تحمُّل مسؤولية كشف الحقائق لهم... ولا يُؤثر ذلك على درجة إيمانهم؟!

لا يُسكت عن العدو
وَاللهِ لاَ أََكُونُ كالضَّبُعِ: تَنَامُ عَلى طُولِ اللَّدْمِ (ضرب الأرض بالعصا) ، حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلَهَا (يخدعها) رَاصِدُها، وَلكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الْحَقِّ المُدْبِرَ عَنْهُ، وَبِالسَّامِعِ المُطِيعِ الْعَاصِيَ الْمُريبَ أَبَداً، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي نهج البلاغة، الخطبة 6. .

هذا الكلام حجةٌ على الساكت عن توالي ضربات الأعداء ، واحدة بعد أخرى، الراكن إلى ذلك بظنه أن سكوته يُنجيه!
وما اعتقاده هذا، كما تشهد التجارب، إلا نتيجة جُبن ووَهن، ثم لا يلبث أن يرى عدوه الراصد إلاَّ وقد اصطاده.
فلا بد من المبادرة إلى صد العدوان فوراً، مستعينين بأهل الإسلام المطيعين، لردع تمادي المخالفين العاصين... إلى أن يأتيَ يوم الممات.

المكثرون للتهديد والوعيد!
وَقَدْ أَرْعَدُوا وَأَبْرَقُوا، وَمَعَ هذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ الْفَشَلُ، وَلَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ، وَلا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ نهج البلاغة، الخطبة 9. .

يُستشهد بهذا الكلام بمن يُكثر من التهديد والوعيد والصراخ ، على اعتقاد منه بأنه بذلك يغلب ويُسيطر.
وهذه الفئة ليست قليلة في المجتمعات.
وعاقبة هذه الاستعراضات الفشل، أما الجريء حقاً فهو الذي يُقدِّم الفعل على القول، فيُعرف عنه أنه مُهاب من أعدائه في أمسه، فيهابه أعداؤه في يومه وغده، فلا يُرعد حتى يُوقع في العدو، وهذه سُنَّة حياتية، فالسيل لا يكون إلاَّ بعد المطر، وعكس ذلك محال، وهو وَهْم وعدم.

الثبات والقوة
تَزُولُ الْجِبَالُ وَلاَ تَزُلْ! عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ، أََعِرِ اللهَ جُمجُمَتَكَ، تِدْ في الأًَْرْضِ قَدَمَكَ، ارْمِ بِِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وَغُضَّ بَصَرَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ نهج البلاغة، الخطبة 11. .

يُستعان بهذه الكلمات للتثبيت والقوة ، فالمؤمن لا يزول، وإن زالت الجبال التي ترمز إلى القوة والشموخ والمنعة.
أما العضُّ على الأضراس فهي عادة للإنسان عند الشدَّة.... ومنها الانقضاض على عدوِّه، وإعارة الجمجمة، وهي مجاز، إشارة إلى الاستهانة بكل شيء لنصرة المبدأ، ولو كانت النتيجة الموت.
وكذلك التعبير عن الثبات بالوتد الذي لولاه لا تثبت الخيمة في مواجهة العواصف.... وفي نفس وقت الإحاطة بتحركات الأعداء (ارم ببصرك)، لا يهولنَّك منهم شيء (وغُضَّ بصرك).
يقول الله تعالى {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ *} سورة البروج المباركة، الآية:20. .

تطفل منافق
مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي، عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللهِ وَلَعْنَةُ اللاَّعِنِينَ! وَاللهِ لَقَدْ أَسَرَكَ الكُفْرُ مَرَّةً وَالإِْسْلامُ أُخْرَى! فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَلاَ حَسَبُكَ! نهج البلاغة، الخطبة 19. .

يُمكن الاستشهاد بهذا الكلام لِمَنْ نافق وتدخل في ما لا يعنيه ، ذلك أنَّ المضمون موجَّه لرجل (الأشعث بن قيس) وهو في أصحاب علي كعبد الله بن أبي سلول في أصحاب رسول الله _ا، كل منهما رأس نفاق في زمانه.
وللكلام قصة لا مجال لذكرها في هذا المختصر... وهو ردٌ على هذا المنافق، ودعاء عليه، وتعيـير به وبأصله وماضيه.

التهديد بالحرب
فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ البَاطِلِ، وَنَاصَراً لِلْحَقِّ! وَمِنَ العَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ! وَأَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلادِ! هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ! لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلاَ أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ! وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي، وَغَيْرِ شُبْهَة مِنْ دِيني نهج البلاغة، الخطبة 22. .

أ ـ هذا الكلام للتهديد بالحرب، ولجعل السيف يحسم الأمور بعد إقامة الحجج واستنفاد كافة الطرق.
وكذلك ردٌ على التحدي والادِّعاء، بما هو أعظم.
والهَبول، هي المرأة التي لا يبقى لها ولد، فالسياق دعاءٌ عليهم بالموت.
ب ـ الشطر الأخير يُستعان به للإشارة إلى التاريخ الغني بالشجاعة والمواقف المشهودة:
فلم أكن يوماً، ولا أزال... لا أُهدَّد بِحَرْبٍ وَلاَ ضَربٍ (ضرب السيوف) .

ترك المجاملات والنفاق
وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الحَقَّ، وَخَابَطَ الغَيَّ، مِنْ إِدْهَانٍ وَلاَ إِيهَانٍ. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَفِرُّوا إِلَى اللهِ مِنَ اللهِ، وَامْضُوا في الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ نهج البلاغة، الخطبة 24. .

أ ـ يُستعان به على ترك المجاملات والنفاق ، ففي كل مجتمع وزمن هناك أهل المصانعة والضعف.
ب ـ كذلك دعوة للتقوى واللجوء إلى الله جل جلاله باتِّباع شرعه.
والفرار هنا إنما يكون إلى رحمة الله عزَّ وجل من عذابه... يقول سبحانه:
{إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} سورة العنكبوت المباركة، الآية:26. .

المتخاذلون الخائفون
لَبِئْسَ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَلاَ تَكِيدُونَ، وَتُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ؛ لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ في غَفْلَةٍٍٍ سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَخَاذِلُونَ... أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ،فَأَمَّا أَنَا فَوَاللهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَتَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَالأَْقْدَامُ، وَيَفْعَلُ اللهُ بَعْدَ ذلِكَ مَا يَشَاءُ نهج البلاغة، الخطبة 34. .

أ ـ يُقال للمتخاذلين الخائفين ، الذين لا تُخاض الحرب بأمثالهم، حيث يتعرَّضون للأذية والاعتداء، فيسكتون ويستسلمون... ولا يغضبون كما أمرهم الله تعالى.
ب ـ كذلك يُقال للغافل المتخاذل الساهي الذي يظن النجاة...... والعدو يتربَّص به ولم يَنَمْ عنه !
ج ـ (أنت فكُنْ ذاك......) هذا الكلام يُقال لكل مَنْ سكت أو رضي بتمكين العدو من نفسه... وهؤلاء في مجتمعنا كثير!
أمَّا أنا فلا أُمكِّنُه من نفسي، بل أواجه بالسيوف (المشرفية)، ولو أدَّى ذلك إلى تطاير العظام (فراش الهام) وسقوط السواعد والأقدام... والأمر في النهاية لله تعالى.

النهوض بالحق
فَقُمْتُ بِالأَْمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا، وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلاَهُمْ فَوْتاً، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا، كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلاَ تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ نهج البلاغة، الخطبة 37. .

في هذا الكلام مُضيٌ على الحق ، ونهوضٌ بالواجب، وتحملٌ للمسوؤلية دون شك أو ضعف.
والتـشبيه بالجبال للدلالة على الصمود والقوة مهما كانت الهجمات المضادة.
فالقيام بالأمر، أي أمر النهي عن المنكر، حيث تراجع الناس وجبنهم(حين فشلوا).
والتطلع، إعزاز الحق والدعوة إليه والإجهار به... بينما البعض يختبئ رهبة وفراراً (حين تقبَّعوا).
والنطق بالحق، إعلان له حين كان الناس يترددَّون .
وخفض الصوت والمحافظة على وتيرته الاعتيادية، دليل رباطة جأش، وبذلك تجاوزهم وسبقهم ولم يخنع كما فعلوا (وأعلاهم فوتاً)، ففاتهم بسرعة كما يفعل الفرس الأصيل، غير ملتفت للعواصف والشدائد.

لا خيار إلاّ القتال
وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هذَا الأَْمْرِ وَعَيْنَهُ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطنَهُ، فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ نهج البلاغة، الخطبة 43. .

شاهد لَمِنْ لم يجد خياراً من الجهاد والقتال ... مع كره الناس لذلك بطبعهم:
وترك الجهاد هذا كفرٌ بالدين من أساسه...
وكم هي كثيرة مثل هذه في حياتنا. ...
وكم هم الفارون المبرِرون لفعلهم...
وذِكْرُ الأنف والعين لأنَّهم الأكثر إلفاتاً في صورة الوجه... وضرب الأنف والعين، مَثَلٌ عن الاستقصاء والبحث والتفكر... وتقليب الأمر تفحصاً وتأملاً.

القلق على الإسلام
وَقَدْ قَلَّبْتُ هذَا الأَْمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُني إِلاَّ قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الآْخِرَةِ نهج البلاغة، الخطبة 54. .

هنا قلقُ مَنْ يحمل همَّ الإسلام حرصاً عليه، فيمنعه النوم...
فيـبحث ويفكر ويتأمَّل بين الخيارات، فلا يجد أمامه إلاَّ الجهاد على مخاطره الدنيوية، أو، والعياذ بالله تعالى، الجحود...
وتقليب الأمر: النظر في كل وجوهه واحتمالاته وتداعياته...
وصعوبات القتال ومخاطره، بالغاً ما بلغت، تبقى أسهل من نار الآخرة.

تغليب الإسلام على العاطفة...
وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، نَقْتُلُ آبَاءَنا وَأَبْنَاءَنَا وَإخْوَانَنا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ، وَصَبْراً عَلى مَضَضِ الأَْلَمِ، وَجِدّاً عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ نهج البلاغة، الخطبة 56. .

شاهد على الانحياز لمصلحة الإسلام وتغليبها على سائر الخيارات الأخرى مهما كانت محرجة أو عاطفية...
وهنا يظهر رابط العقيدة والمبدأ و«الخط»... على القرابة والقبيلة..
واللَّقم، هي الطريق الواضحة «صراط الله المستقيم».
ومضض الألم، وجعه.
فَمَنِ انحاز للإسلام... انحاز عن كل ما ومَنْ خالفه.

الخائن ... بالتجربة
أَفَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمانَ؟ لاَ حَاجَةَ لِي في بَيْعَتِهِ! إِنِّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ نهج البلاغة، الخطبة 73. .

شاهد على مَنْ تُخاف خيانته ، فماضيه يشهد على نكثه للعهود، وانقلابه على الوعود.
ومناسبة الكلام، في حق مروان، الذي أُخذ أسيراً يوم الجمل، ثم أُطلق.
ولم يحرص أمير المؤمنين على بيعته، لأنه كان يعلم مسبقاً أنها مورد نكث...
وتاريخه يشهد على غدره!

المنظِّرون للحرب الهاربون منها
فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وَآمِرٍ هُوَ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا نهج البلاغة، الخطبة 84. .

هذا شاهد لِمَنْ يُكثر من الأوامر والنواهي والتنظير للحرب... فإذا... جدَّ الجد، ووقعت الواقعة، تحرَّى شتى الطرق للتنصل.
والكلام وارد عن عمرو بن العاص الذي كان يتَّهم أمير المؤمنين اتِّهامات باطلة، ويكذب، ويخون...
فيتهكَّم عليٌّ على نفاقه وأدواره التمثيلية قبل المعركة، وكيده عند وقوعها.

التساهل والتجويز الشرعي!
وَلاَ تُرَخِّصُوا لاَِنْفُسِكُمْ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الْظَّلَمَةِ، وَلاَ تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الإِْدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ نهج البلاغة، الخطبة 86. .

هذا شاهد فيمن يتساهل في أوامر الله تعالى ونواهيه ، فيتمادى في غفلته، ويتـشاغل عن الموعظة... ويجيـز لنفسه ما يُناسبه.
والترخيص هو التجويز والإباحة، والظَّلمة جمع ظالم، والمداهنة هي التصنُّع في إظهار غير الواقع، فهي نوع من النِّفاق.

صاحب المواقف الجريئة
أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِىءَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا نهج البلاغة، الخطبة 93. .

شاهد لصاحب المواقف الجريئة والتي تحتاج إلى إقدام وتحدٍ
وفي الكلام استعارة في جعل عين للفتـنة فيقلعها... بعد أن امتدت وعمَّت (الغيهب هو الظلام) واشتدَّ أذاها (كَلَبُها).

المدَّعون المتزلفون
يَابْنَ اللَّعِينِ الأَْبْتَرِ، وَالشَّجَرَةِ الَّتي لاَ أَصْلَ لَهَا وَلاَ فَرْعَ، أَنْتَ تَكْفِينِي؟! فَوَاللهِ مَا أَعَزَّ اللهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ، وَلاَ قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ، اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللهُ نَوَاكَ، ثُمَّ ابْلُغْ جَهْدَك، فَلاَ أَبْقَى اللهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ! نهج البلاغة، الخطبة 135. .

نافعٌ في الرّد على المدَّعين المتزلِّفين... ثم تهديدهم.
والكلام في حقِّ أحد كبار المنافقين، المغيرة بن الأخنس، الذي تنطَّح عند عثمان متطوِّعاً للردِّ على أمير المؤمنين _ج.

الخشية على الإسلام... والله الكافي
فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيَما مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ! نهج البلاغة، الخطبة 146. .

شاهد على الذي يخشى على الإسلام أو المسلمين ...
فالله عزَّ وجل أحرص وأكثر غيرة عليهم.
وشاهد آخر على أنَّ القتال ليس بالكثرة بل بالمدد الإلهي ...
والكلام مُوجَّه إلى عُمر في أنَّ دين الله مُصان ومنصور... والعرب أقوياء بالإسلام... إلى أن يذكر الشاهد بعد كلام طويل في هذا السِّياق.

السكوت لا يُنجي
وَاللهِ لاَ أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ، يَسْمَعُ النَّاعِيَ، وَيَحْضُرُ الْبَاكِيَ، ثُمَّ لاَ يَعْتَبِرُ! نهج البلاغة، الخطبة 148. .

هذا الشاهد لِمَنْ يسكت عن الظلم، والذي يرى الأعداء والمفسدين يجولون ويفتكون، ويظن أن نجاته في سكوته وسكونه !
وهذا شاهد أيضاً بل دعوة للاحتساب عند الله تعالى في الرباط والجهاد والدعوة، ما دامت القواعد والسُّنن واحدةَ... وليس من شِيم الكرام ترك العدو على باب الدار، أو الاكتفاء بسماع النعي ورؤية الباكي.
فلا مفرَّ من الجهاد ما دام الأمر بين أمرين: الحصار وفوهة نار.
ومن السُّنن الإلهية أنَّ للدول والأنظمة أعماراً كأعمار البشر، ... وفي النهاية إلى زوال.
(اللَّدم هو الضرب على الصدر والوجه عند النياحة).
«قد قامت الفئة الباغية، فأين المحتسبون؟ قد سُنَّت لهم السُّنن وقُدِّم لهم الخبر...».

موقع الحسم
وَسَأُمْسِكُ الاَْمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، وَإذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّواءِ الْكَيُّ نهج البلاغة، الخطبة 168. .

شاهد سياسي هام في الدعوة إلى الصبر أولاً، ثم الختم بالحسم ، وذلك بلحاظ مناسبة الكلام حيث دعاه البعض للتسرُّع، فتحدَّث وحلَّل وفصَّل، إلى أن دعى عليه السلام إلى الصبر حتى تأخذ الأمور مجراها وتُؤخذ الحقوق منقادة، فلا تسرُّعُ يُضعضع قوة، ويُورث وهناً، ولا قرار قبل أوانه ، فما دام الإمساك ممكناً... فهو، وإلاَّ، فآخر الدواء الكي، وهنا يقصد الحرب، باعتباره سُنَّة إلهية هي «سُنَّة التدافع» فيمن ظُلم وأُخرج من دياره بغير حق.
قال تعالى:
{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ}.
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة الحج المباركة، الآية: 40. .

المؤمن لا يُهدَّد، والمدد ربّاني
قَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بالْحَرْبِ، وَلاَ أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ، وَأَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَني رَبِّي مِنَ النَّصْرِ نهج البلاغة، الخطبة 174. .

شاهد ممتاز رداً على المهدِّدين، وذلك بالاتكال على مدد الله عز وجل ووعده بالنصر.
فالمؤمنون لم يُنصروا بالعدد إنَّما بالمدد.
كذلك يستشهد بتاريخه في الشجاعة (قد كنت وما أُهَّدد بالحرب)، فليس هو من صنف الذين يُهدَّدون، والاستعانة بالتاريخ والوقائع من أعلى درجات الصدق وإقامة الحجة.
وأُسلوب التهديد والوعيد، الذي كثيراً ما يُستعمل بين الأفراد والكيانات، لعله نافع مع أهل الدنيا والتخاذل، أمَّا أهل الإيمان والكرامة، فلا ينفع... فتحليق النسور يختلف عن تحليق سائر الطيور .

توهين أهل الباطل
اسْكُتْ قَبَحَكَ اللهُ يَا أَثْرَمُ، فَوَاللهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً شَخْصُكَ، خَفِيّاً صَوْتُكَ، حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ نهج البلاغة، الخطبة 184. .

كلام فيه توهين وتضعيف لِمَنْ يستعين بالحق ليتمادى في الباطل.
«فالبرج بن مُسْهر الطائي» خارجي معروف، وكعادة الخوارج رفع صوته بشعار حق «لا حكم إلا لله» ليُحرج علياً أمام الناس، فنهره الأمير فوراً دون إمهال، مستعملاً كلمات قاسية مسكتة مكبتة له:
قبّحك الله، أي كسرك... والأثرم: مَن سقطت ثنيته من أسنانه.
مشيراً إلى ضآلة نُصرته للحق، أي ضعفه... حتى إذا تحرك الباطل (نَعَر أي صاح)، تصنَّعت الظهور والبروز... كما يعوم الفار على شعير الدار.

الإيمان المستقر والإيمان العابر
إِنَّ أَمْرَنا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لاَ يَحْتَمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلاِيمَانِ، وَلاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلاَمٌ (عقول) رَزِينَةٌ نهج البلاغة، الخطبة 189. .

شاهد على ضعاف النفوس الذين لا يواصلون المسيرة .
فالكثيرون يسقطون أو يتراجعون عن مسيرة الإيمان جُبناً أو خوفاً أو طمعاً أو عند غنى محدث، أو منصب تشرَّفوا به، أو نعمة ركبوها، أو جاه فاجأهم...
ومثل هؤلاء شهود للعيان في كل زمان.
وقبل هذا الكلام كان _ج قد تناول نوع الإيمان المستقر الثابت، والإيمان المنتقل العابر.
وبعد هذا الكلام حديث عن كثرة مداخل الفساد والشبهات، وعن فتن طائشة تذهب بعقول الرجال!
نعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الثقة الراسخة بالعقيدة
فَوَالَّذِي لاَ َإِلهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ! نهج البلاغة، الخطبة 197. .

شاهد على الثقة بالعقيدة... والمجاهرة والإعلان بها (أقول ما تسمعون).
ففي سياق حديثه عن قربه من النبي الخاتم _ا وثباته في الحروب معه، حيث يتخلَّف الرجال... اعتبر ذلك نعمة، «أكرمني الله بها»
وبقي مقرَّباً منه _ا حتى فاضت نفسه الشريفة، فغسله، والملائكة، وواراه، .... فهو أحق الناس به ما دام لم يتخلَّف عنه كلَّ حياته...
فيُقسم أن الحقًّ معه، والباطل مع مَنْ خالفه.

عاقبة الغدر... وقوة المؤمن
وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلاَ كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غَدْرَة فَجْرَةٌ، وَكُلُّ فَجْرَةٍ كَفْرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِر لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللهِ مَا أَُسْتَغْفَلُ بالْمَكِيدَةِ، وَلاَ أُسْتَغْمَزُ بالشَّدِيدَةِ نهج البلاغة، الخطبة 200. .

كثرة الغدر والفجور وما شابههما ليس دليلاً على الاستقامة، بل إشارة واضحة إلى خبث السريرة والدناءة والصغار، وكم من الناس يمتطي هذه الطرق الملتوية والمنحرفة لتحقيق مآربه وأطماعه مُغْمضاً عن موازين الشرع وقواعد الأخلاق.
والنص واضح أنَّ الغدر قيد يُؤدي، لا سمح الله، إلى درجة من الكفر.
أما قوله «لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة» فهو حديث صحيح مروي عن مولانا رسول الله _ا.
والمؤمن ينبغي أن يكون مُتنبِّهاً، فلا يُستضعف ولا يُسْتغفل ولا يُهدَّد بالقوة أو بالكيد.
وفي النص عدة شواهد يُستعان بها، كتجنب الغدر... وعدم استضعاف المؤمن.

الثبات والصمود عند أشد الآلام
فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذى (ما يعترض العين فيُؤلمها) ، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا (ما يعترض في الحلق فيحدث ألماً وغصة) ، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الغَيْظِ عَلى أَمَرَّ مِنَ العَلْقَمِ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ حَزِّ الشِّفَارِ (حدُّ السيف أو السكين) نهج البلاغة، الخطبة 217. .

شاهد عند تخلي الأقارب والأرحام عن نُصرة أقاربهم من أهل الحق.
ولِمَنْ صبر شديداً، أو أدىَّ به ذلك وغيَرْته وحزنه إلى الموت ، لعظيم ما يرى أو ما يقع عليه.
ولَمِنْ اشتدت معاناته وآلامه، فتحامل على ما لا يُحتمل إلاَّ بصعوبة عند كل الناس كموقع شيء في العين.... ومثل هذه الأمور تُسبِّب آلاماً وقلقاً بالغين، كمن يشرب أمرَّ المر، وهو العلقم، أو يُطعن بشفرات السيوف.
وفي مثل هذه الأوصاف غاية الآلام والشكوى.
«فاصبر مغموماً، أو مُتْ مُتأسفاً،...».

صبر وقتال حتى الشهادة
فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي، وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي في يَدَيَّ، وَعَلى أَهْلِ مِصْرٍ، كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَعَلَى بَيْعَتِي، فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلى شِيعَتِي، فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ غَدْراً، وَطَائِفَةٌ عَضُّوا عَلى أَسْيَافِهِمْ، فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اللهَ صَادِقِينَ نهج البلاغة، الخطبة 218. .

شواهد على:
مَنْ يفتك بأهل الحق والخير بالإشاعات والأخبار والتحاملات فيوقعون بينهم الفتنة والخلاف والتفريق.
وما يواجه أهل الإيمان من اعتداء، إلى درجة أن يُقتل بعضهم، أو يصمد البعضُ الآخر مرابطين مجاهدين صابرين، وأهم ما عندهم أن لا يستسلموا حتى لُقْيا الله على تلك الحال.

عدم الرضوخ للآراء المتضاربة... والدفاع لدرجة الريبة
يَابْنَ عَبَّاس، مَا يُرِيدُ عُثْـمَانُ إِلاَّ أَنْ يَجَعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً (الدابة التي تُستعمل لنقل المياه للزرع) بِالْغَرْبِ (الدلو الكبير) أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ! بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ، ثُمَّ بَعَثَ إِليَّ أَنْ أَقْدُمَ، ثُمَّ هُوَ الاْنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ! وَاللهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً نهج البلاغة، الخطبة 241. .

شاهد على مَنْ يُسخِّر الناس لرأيه أو هواه وإن تضاربت آراؤه أو تناقض مع نفسه مرات.
كذلك في حال الدفاع المستمر والدائم عن بعض الناس.... إلى درجة إثارة الشبهة حوله!
ومناسبة الكلام كانت عندما حمل عبد الله بن عباس رسالة من عثمان موجهةً لأمير المؤمنين يطلب فيها منه الخروج بعيداً، حتى يقلَّ تجمُّع الناس حوله وهتافهم باسمه ليستلم الخلافة.

مواجهة أهل الشقاق والفتنة... والزهد بالزاهد بالجهاد
فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ تَوَافَتِ الاُْمُورُ (وافى بعضهم بعضاً واجتمعوا) بِالْقَوْمِ إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ فَانْهَدْ (قم وانهض) بِمَنْ أَطاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ، وَاسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ، فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ (الكاره للجهاد) مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ نهج البلاغة، الكتاب 4. .

شواهد على:
النهوض والتحرك بأهل الطاعة والولاية لمواجهة أهل الشقاق والخلاف.
والاستغناء عن المشككين الكارهين للجهاد، ما داموا غير مقتنعين أو كانوا مرتابين أو متثاقلين... فضرر ذلك أكبر من نفعهم.
وهذا الكلام جاء بعد إصرار البعض على مخالفته _ج، وحيث فشلت محاولات الإصلاح، فكان لا بد من النهوض اعتماداً على المخلصين وليس المتكارهين.

تهديد أصحاب المواقف المضلِّلة
أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَصْلِ، وَخُذْهُ بَالاَْمْرِ الْجَزْمِ، ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْب مُجْلِيَة، أَوْ سِلْم مُخْزِيَة، فَإِنِ اخْتَارَ الْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَارَ السِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ، وَالسَّلاَمُ نهج البلاغة، الكتاب 8. .

شاهد لترك التّذبذب وحسم المواقف والخيارات.
من علامات صدقية الاختيار إعلانه على الملأ والالتزام بذلك.
وهذا شاهد فيه تهديد للعابثين بنتائج مزعجة لهم (الجلاء عن الأوطان) أو مخزية.
ومناسبة هذا الكلام رسالة من أمير المؤمنين إلى معاوية حملها جرير بن عبد الله... وفصل الموقف مطلوب كما هو واضح.

الحث على الشجاعة والإقدام
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ _ا إذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصَحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالأَْسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْر، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُد، وَقُتِلَ جعفر يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ نهج البلاغة، الكتاب 9. .

للحث على القوة والشجاعة والاستبسال ... دوماً، وفي مناسبات مختلفة، ومهما كانت الخسائر.

الافتخار والاعتزاز بالجهاد ولوازمه
فَأَنَا أَبُو حَسَن قَاتِلُ جَدِّكَ وَخَالِكَ وأَخِيكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْر،ذلكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلاَ اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً، وَإنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ نهج البلاغة، الكتاب 10. .

شاهد لصاحب المواقف التاريخية أو الصعبة أو التي تحتاج إلى رباطة جأش وربطٍ للقلوب... والافتخار بأعمال الجهاد والقتل دون خجل .
وكذلك لِمَنْ كان ثابتاً على مثل هذا، لا يتغير، فالكثير جداً في مجتمعنا والتاريخ مَنْ يتغير بمال أو منصب.
وفيه شاهد تقريعي أيضاً لِمَنْ يُفرِّط في الدين أو يلتزم به لغلبة أو عادة (الموضة، كما يحدث في هذه الأيام!).
والكلام من ضمن حديث طويل موجَّه إلى معاوية، ينصحه ويعظه ويُنبِّهه.... ويرد فيه على شبهاته.

عدم الرضوخ للعصبية والعاطفة
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلاَّ حُشَاشَاتِ (بقية الروح في المريض) أَنْفُس بَقِيَتْ، فَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ،مَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النّارِ نهج البلاغة، الكتاب 17. .

شاهد لعدم التأثر بالكلام العاطفي وتضييع الأهداف الكبرى، والمهم، هو مَنْ يقاتل في سبيل الحق، مقابل الباطل... وعدم الالتفات إلى أي اعتبارات أخرى.
وهذا جزء من كلام جواباً على رسالة من معاوية له ردَّ فيها على شبهات عديدة، وقارن بينه وبينه، مبيِّناً الفرق، حيث لجأ معاوية إلى تحريك العصبية مفتخراً بأن بني أمية وهاشم من شجرة واحدة.

غير المسلمين لا يُكرَّمون... إلاَّ إذا حفظوا العهد
وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لَأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلاَ أَنْ يُقْصَواْ وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَف مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالإِْدْنَاءِ، وَالإِْبْعَادِ وَالإِْقْصَاءِ، إِنْ شَاءَ اللهُ نهج البلاغة، الكتاب 19. .

لسياسة وسط مع غير المسلمين، بين الشدَّة واللين.
ومناسبة الكلام أن شكا إليه بعض كبار المالكين من غير المسلمين قسوة بعض عماله عليهم، فطلب منهم سياسة لا تكريم فيها، وذلك بسبب شركهم، وهذا التوجيه نظائره كثيرة في الكتاب والسُّنَّة، ولا فيها إقصاء وجفوة ما داموا يحترمون العهد والاتفاق المعقود بينهم وبين المسلمين.
ثم رسم مع هؤلاء سياسة عامة حتى لا يطمعوا ولا يحقدوا... وتدور بين اللِّين والشّدة، والقسوة والرأفة، والتقريب والإبعاد، والإدناء والإقصاء.

الاستهزاء بتهديد العدوِّ ووعيده
وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلاَ لأَِصْحَابِي عِنْدَكَ إِلاَّ السَّيْفُ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَار مَتَى أُلْفِيتَ بَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الاَْعْدَاءِ نَاكِلِينَ، وبِالسُّيُوفِ مُخَوَّفِينَ؟!
... ...
فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَل مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَْنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ [لَهُمْ] بِإِحْسَان، شَدِيد زِحَامُهُمْ، سَاطِع قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ، أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ، {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} نهج البلاغة، الكتاب 28. .

شاهد للتهكم والاستهزاء بتهديد العدو ووعيده ...
ولتحدي المهدِّد مع تأكيده لذلك بأوصاف مرعبة تنخلع منها القلوب.
وللافتخار بتاريخ الإسلام ومعاركه وأمجاده وسيوفه... دون تحفظ.
وهذا الكلام منه جاء ضمن ردود تفصيلية على ادعاءات معاوية راداً عليها واحدة واحدة، ومفنِّداً لها بالحجج الدامغة.

إعداد العدة للانقضاض على المخالفين
فَهَا أَنَا ذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي، وَرَحَلْتُ رِكَابِي، وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ، لاَُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لاَ يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلاَّ كَلَعْقَةِ لاَعِق نهج البلاغة، الكتاب 29. .

يرِد هذا الكلام للتعبير عن الاستعداد، وعدم التأخير، فقد قرَّب الجياد ليركبها، وشدَّ الرَحْل على ظهور الإبل.
ولإظهار أنَّ ما مرَّ لم يكن شيئاً يُذكر، أمام ما يُنتظر ويُتوقَّع.
وهذا الكلام جاء في خلال ذكر عفوه عن أهل البصرة، عن مدبرهم ومقبلهم... فإن تمادوا في المخالفة والمنابذة فلهم ما ذكر... مُبرِّئاً بعضهم من أهل الطاعة وذي النصيحة والبريء والوفي.

تحمل المسؤولية بشدة... والتحذير من البطر والفشل
فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ، التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ.
وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَلاَ تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً ، وَلاَ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً، وَالسَّلاَمُ نهج البلاغة، الكتاب 33. .

لتحمّل المسؤولية بشدّة وحزم.
للتعبير عن الطاعة للقائد أو الأعلى رتبة.
للتنبه عن الأخطار التي توجب الاعتذار
وللتحذير من مرض يُصيب الكثرة من أهل النِّعم فيبطرون من شدة سُكْرهم وغفلتهم .... وهم في الشدة ضعاف فاشلون.
وهذا ختام كلام أرسله الى عامله على مكة قُثَمَ بن العبّاس، يُلفت فيها إلى معلومات وصلته عن مجموعة أرسلها معاوية لبث الفتنة في موسم الحج... فيطيعون المخلوق في معصية الخالق، ويتبوّأون الدنيا بالمتاجرة بالدين، ويشترون العاجل بالآجل،... إلى أن يأتي بالكلام الشاهد بين يديك.

البروز أمام الخصم وإظهار القوة
فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ، وَامْضِ عَلَى بَصيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ، وَادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، وَأَكْثِرِ الاسْتِعَانَةَ بِاللهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ نهج البلاغة، الكتاب 34. .

للبروز أمام الخصم وعدم التستر للاستعداد للمواجهة.
وللجوء إلى الله تعالى فهو الكافي والمعين والكهف الحصين...
ومناسبة الكلام مدح لمحمد بن أبي بكر والأشتر... ثم يُوجِّه الكلام مباشرة للأول لإظهار القوة والبأس والمضي في الحرب والجهاد، دعوةً الى الله تعالى الذي له مرجع الأمورِ كلِّها.

الإيمان الراسخ بالمبدأ وليس بالكثرة والقلَّة
وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأيِي فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ الْـمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اللهَ، لاَ يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً، وَلاَ تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً نهج البلاغة، الكتاب 36. .

شاهد للموقف الواضح من أهل الضلالة والمنكر... دون حسابات يتستر وراءها المتخاذلون والمجبِّنون.
ومناسبة الكلام، رسالة إلى أخيه عقيل بن أبي طالب يذكر فيها ما حدث لجيش أنفذه لقتال بعض المفسدين، ويذكر عَتَبَه وتذمُّره على قريش.... إلى أنْ يُعلن أنه لا يستسلم ولا ينقاد ولا يُقرُّ للظلم ولا يُخيفه قلةُ الناس من حوله.

رجل شديد مقدام
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لاَ يَنَامُ أَيَّامَ الخَوْفِ، وَلاَ يَنْكُلُ عَنِ الاَْعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ، أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرَيقِ النَّارِ نهج البلاغة، الكتاب 38. .

شاهد لتزكية رجلٍ ما معروف بشجاعته وشدَّته.
وهذا الكتاب أرسله عليٌّ لأهل مصر لمَّا ولَّى عليهم الأشتر، وفيه مدح لهم وله... ثم يأمر بطاعته فهو سيف من سيوف الله، وأدرى بالمصالح والإقدام والإحجام...
وفي هذه الرسالة مدحٌ كبير لصفات مالك الأشتر، فلتراجع.

وعيدٌ لفلان بذاته
فَإِنْ يُمَكِّنِّي اللهُ مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُما نهج البلاغة، الكتاب 39. .

ينفع لتهديد شخص بعينه...
والكلام موجَّه لعمرو بن العاص، حيث يُؤنِّبه على التذلل لمعاوية واتّباعه، وهو مفضوح المسلك، وظاهر ذلك للعيان... طمعاً في بعض عطاياه.
وفي هذا خسارة للدنيا والآخرة.

خيانة بعض المقرّبين المقرّبين!
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِي رَجُلٌ أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفَسِي، لِمُوَاسَاتِي وَمُوَازَرَتِي وَأَدَاءِ الاَْمَانَةِ إِلَيَّ.
فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ، وَهذهِ الاُْمَّةَ قَدْ فَنَكَتْ وَشَغَرَتْ (من فنكت الجارية إذا صارت ماجنة، وشغرت لم يبقَ فيها مَن يحميها) ، قَلَبْتَ لاِبْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الِْمجَنِّ، فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ،... فإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللهُ مِنْكَ لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اللهِ فِيكَ، وَلاََضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ! نهج البلاغة، الكتاب 41. .

شاهد على الخائن للأمانة.. وللمنكر للمعروف.. الفاقد للوفاء.
وهذا الكتاب فيه كثير ألم وعتاب على مَنْ خان الأمانة، وأنكر نعمة القرب والتفضيل على الغير، الذي انقلب عندما تغيَّرت الأحوال، وهانت الأمانة، وشاع المجون (فنكت وشغرت)، ونقل البندقية من كتف الى آخر (قلبتَ لابن عمك ظهر المِجنّ، ففارقته مع المفارقين، وخذلتَه مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين)
فكأنه لا يعرف جهاداً ولا آخرة ولا حساباً ولا حلالاً ولا حراماً... فإقامة الحد عليك مبرَّرة عند الله تعالى.

التهاون في حق الله تعالى... خسارة مُدوِّية
فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَئِنْ كَانَ ذلِكَ حَقّاً لَتَجِدَنَّ بِكَ عَلَيَّ هَوَاناً، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً، فَلاَ تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلاَ تُصلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الاَْخْسَرِينَ أَعْمَالاً نهج البلاغة، الكتاب 43. .

شاهد لِمَنْ لا يُحترم بسبب قبيح أعماله.
والكتاب موجَّه لأحد عماله الذي بلغه عنه أنَّه يتهاون في التصرف بأموال المسلمين، وما في ذلك من غضب لله تعالى، وللمسلمين الذي بذلوا الدماء والتضحيات...
ومَنْ يفعل ذلك يسقط من مقامه، ويزول عن احترامه... حيث لا تصلح الدنيا بإهلاك الدين.

حالات لا تنفع معها إلاّ الشدَّة
فَاسْتَعِنْ بِاللهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْث مِنَ اللِّينِ، وَارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ، وَاعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لاَ تُغْنِي عَنْكَ إِلاَّ الشِّدَّةُ نهج البلاغة، الكتاب 46. .

شاهد لبعض الحالات التي لا تنفع معها إلاَّ الشِّدة.
وهذه فقرة من كتاب وجَّهه إلى بعض سفرائه المخلصين، الذين يستعين بهم على إقامة الدين، وردِّ المعتدين عن ثغور المسلمين...
ويظهر من مضمون الرسالة أنَّ عامله هذا كان متواضعاً، فيزيده وصية بخفض الجناح للناس، وبسط الوجه، والمساواة في النظرة والتحية، حذراً من طمع العظماء، وأذية الضعفاء.
وفي الشاهد، استعانة بالله جلَّ جلاله، وخلط الشدة باللين....
لكنْ في بعض الأحيان لا ينفع إلاَّ الحسم.

لا تهاون في عقاب المنحرف
فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ اعْوَجَّ مِنْكُمْ، ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ، وَلاَ يَجِدُ عِنْدِي فِيها رُخْصَةً نهج البلاغة، الكتاب 50. .

لا تهاون ولا عُذْر في عقاب المنحرف.
وسياق هذا الكلام، رسالة له الى أمراء الجند ومسؤولي الثغور، يوصيهم بآداب الإمرة والتواضع لخدمة العباد والإخوان... ويُحدِّد بعض الواجبات على كلا الطرفين...
فَمَنِ انحرف عن الجادَّة، هان أمره، وذهبت حظوته، لتـنزل في حقَّه العقوبة، دون رخصة.

لسلب الأعداء والخائنين عناصر القوة
إِلاَّ أَنْ تَجِدُوا فرَساً أَوْ سِلاَحاً يُعْدى بِهِ عَلَى أَهْلِ الإِْسْلاَمِ،فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الإِْسْلاَم، فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ نهج البلاغة، الكتاب 51. .

فالكتاب موجَّه أصلاً إلى عمَّاله المخوَّلين جمعَ المال، فيُوصيهم بآداب الجمع، وطريقة التعامل مع الناس، والحفاظ على حقهم، وعدم اضطرارهم لبيع حاجاتهم لأداء ما عليهم.... حتى مع المُعاهد الذِّمي، الذي يفي بالعهد ولا ينقض المواثيق وقوانين المجتمع الإسلامي والأمن العام....
اللهم إلاَّ إذا وُجد عنده ما يُعتدى به على أهل الإسلام، وهذا مخالف طبعاً لعهد الذِّمة، فلا يُترك له، بل يُصادر منه فوراً، لصالح أمير المسلمين، ولا تهاون في ذلك.

عار ونار ... للمُصِرِّ على الباطل
فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأْيِكُمَا، فَإِنَّ الآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعَارُ وَالنَّارُ، وَالسَّلاَمُ نهج البلاغة، الكتاب 54. .

شاهد للمصر على الباطل من سوء العاقبة في الدنيا... والآخرة.
هذا الكتاب موجَّه بالأصل إلى طلحة والزبير ينصحهما بالرضوخ للحق، والوفاء بالعهد، لأنَّهما بايعاه كما فعل عامة الناس، لا لسلطان غالب، ولا لحرص حاضر.
فيأمرهما بالتوبة والرجوع الى الجادة... أمَّا إذا أصرَّا على ما هما فيه، فلا حجَّة لهما ولا عذر، بل كان له عليهما السبيل، ولا عتب عند ذلك ولا ملامة.
وفي الرسالة لَفَتات لطيفة تنضح بالثقة والقوة.
إلى أن يصل معهما بعد خروجهما مما أقرَّا به، بأنَّ غاية ما يقع عليهما اليوم في الدنيا، العار... وأما الوبال الأعظم ففي الآخرة، حيث يجتمع العار والنار.

تهديد بيوم آت...
فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللهِ أَلِيَّةً غَيْرَ فَاجِرَة، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الاَْقْدَارِ لاَ أَزَالُ بِبَاحَتِكَ {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} نهج البلاغة، الكتاب 55. .

للتهديد بيوم آت... أو قَسَمٌ بأنَّ الحق منتصر.
كلام ختم به كتاباً موجهاً الى معاوية يُحذِّره من تعدياته وجهله وإضلاله الناس... ويُبالغ فيه في ذكر الآخرة من وجوه ومواعظ شتّى، وأنَّ كلاهما (أمير المؤمنين ومعاوية) بلاءٌ للآخرة وحُجَّة... إلى أن يصل لِقَسَمٍ صادقة، إنْ جمعتهما الأقدار، أنْ لا يُطلق عواهنه حتى يُقيم عليه ما يُرضي الله تعالى، وهو خير الحاكمين.

للمكابر المعاند الذي يرضخ... متأخراً
فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَمَنْ لَجَّ وَتَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ الَّذِي رَانَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ، وَصَارَتْ دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ نهج البلاغة، الكتاب 58. .

شاهد لكل مكابر عنيد.
يقصُّ في هذه الرسالة حقيقة ما جرى في صفين، حيث ظاهر الجميع الإسلام، في توحيد الله والتصديق برسوله... ولمَّا وقع الخلاف، دعاهم لحلِّها بسرعة... لكنَّهم أصرُّوا على المكابرة والمعاندة ثم الحرب!
وبعد عظيم معاناة «أجابوا عند ذلك الى الذي دعوناهم إليه...» !!!
فظهرت الحُجَّة، وانقطعت المعذرة، فَمَنْ تمَّت توبته، أُنقذ من الهلكة، ومَنْ تمادى فهو أعمى القلب الضال الفاسد (الراكس)، الذي غلبته ذنوبه(ران)، وورث الهزيمة.

للتحريض على الجهاد
إِنِّي وَاللهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاَعُ الاَْرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَلاَ اسْتَوْحَشْتُ، وَإِنِّي مِنْ ضَلاَلِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلى بَصِيرَة مِنْ نَفْسِي وَيَقِين مِنْ رَبِّي وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَحُسْنِ ثَوابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاج....
أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ، وَإِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى، وَإِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى! انْفِرُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، وَلاَ تَثَّاقلُوا إِلَى الاَْرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ، وَتَبُوؤُوا بِالذُّلِّ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الأَْخَسَّ، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الأَْرِقُ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عنْهُ، وَالسَّلاَمُ نهج البلاغة، الكتاب 62. .

وهذا الكلام المستَشهد به، من عيون الحماسة والشجاعة والنِّزال... وهو من جملة رسالة لأهل مصر ومالك الأشتر، حيث يشكو من العرب الذين ارتدوا والذين تخاذلوا، ويتعجب من المتصدين لمسؤولية المسلمين وليسوا بأهل، فقام بنصرة الإسلام خوفاً من مَحْق دين محمد _ا.
إلى أن يتحدى الأعداء في صورة مؤثِّرة معبِّرة، فهو مستعد لمنازلتهم ولو كان لوحده فرداً، وكانوا يملأون الأرض، فلا يُـبالي لذلك ولا يستوحش.
ويظهر كمال المشهد الناطق عندما يرسم ثقته بما هو عليه، من:
هدى وبصيرة ويقين وشوق وثواب (راجع النص).
إلى أن يثير النخوة عندهم في ضياع الأمصار والممالك، فهم أمام أمرين لا ثالث لهما:
إمَّا القتال وإمَّا الذل.

إرعاب العدو بمشهد حسّي
وَعِنْدِيَ السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَام وَاحِدٍ... وَقَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَام$ٍ وَأَخْوَالٍ! حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ، وَتَمَنِّي الْبَاطِلِ، عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمْ فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ، لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً، وَلَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً، بِوَقْعِ سُيُوفٍِ مَا خَلاَ مِنْهَا الْوَغَى، وَلَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَى نهج البلاغة، الكتاب 64. .

تخويف العدو بماضٍ خلا.
جواب على رسالة لمعاوية يرد على ادِّعاءاته ودخوله فيما لا يعنيه، مستشهداً ببعض الحقائق التاريخية، ومَنْ ثبت على الإيمان، ومَنْ تخلَّف عنه، مُذكِّراً بوقائع معروفة.
ثم يُرعبه بأنَّ من توفيق الله تعالى أن يغزوه في بلاده لينتقم منه «فإني إنْ أزُرْك فذلك جدير أن يكون الله إنَّما بعثني إليك للنِّقمة منك».
ويُخبره أنَّه ما زال محتفظاً بنفس السيف الذي قتل به جدَّه عتبة بن ربيعة، وخاله الوليد بن عتبة، وأخاه حنظلة، في يوم بدر، قتلة واحدة أمام كل المسلمين حتى يصل الى منتهى المشهد الهدف الذي يجعل معاوية يتحسس رقبته «وقريب ما أشْبَهْتَ من أعمام وأخوال» ويتمثل مصرعه كما مصارعهم، في سيوف لا تفتقدها ساحات الحرب «ما خلا منها الوغى» ولا تعرف التساهل «ولم تُماشها الهُوَيْنى».

للشدة والقوة وإخافة الخصم
وَأُقْسِمُ بِاللهِ إِنَّه لَوْلاَ بَعْضُ الاِْسْتِبْقَاءِ لَوَصَلَتْ إِلَيْكَ مِنِّي قَوَارِعُ، تَقْرَعُ الْعَظْم، وَتَهْلِسُ اللَّحْمَ !
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ، وَتَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحَتِكَ، وَالسَّلاَمُ لأهْلِهِ نهج البلاغة، الكتاب 73. .

شاهد لإخافة الخصم.
هذا الكتاب أرسله الى معاوية، وفيه تقريع موجع، وتوبيخ مؤلم، حيث يتردد في الإجابة على رسائله، لهوانه وقلَّة شأنه...
ثم، وهو محل الشاهد، يُقسم بالله العظيم على قدرته في الفتك به، ويُؤخِّر ذلك لسبب ما، لعلَّه حقناً للدماء أو تجنُّباً للفتـنة...
ثم يأتي بصورة مرعبة، تـنوء بها الفرائص، وترتعد المفاصل، بأنَّه لو أراد، لكسَّر عظمه (تقرع العظم)، ودهس لحمه (وتلهس اللحم).
ويُوبِّخهُ لطاعته للشيطان الذي يصدُّه عن الاستماع للنصيحة، والانصياع للطاعة.

الإصرار على نيل الحق، مهما تعدَّدت المصاعب
قال _ج:
لَنَا حَقٌّ، فَإِنْ أُعْطِينَاهُ، وَإِلاَّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإِْبِلِ، وَإِنْ طَالَ السُّرَى نهج البلاغة، الحكمة 21. .

شاهد للسعي وراء الحق، وإن طالت الطريق.
ومعنى الكلام أننا إن لم نُحصِّلْ حقَّنا، لا نتخلىَّ عنه ولا نتراجع، بل نتحمل الصعوبات والمشقات للوصول إليه، ذلك أنَّ ركوب مؤخِّرات الإبل (أعجاز الإبل) مما يشق احتماله لخشونته، ولا يصبر عليه إلاَّ القليل...
نتحملَّ وإن طال السُّرى.

فائدة الجهاد وأثره
قال _ج:
بَقِيَّةُ السَّيْفِ أَبْقَى عَدَداً، وَأَكْثَرُ وَلَداً نهج البلاغة، الحكمة 84. .

شاهد يُردُّ فيه على الرافضين للجهاد.
حكمة تحثُّ على الجهاد في سبيل الله تعالى بالسيف، وأكثر الناس من يكره الحرب لظنِّهم بعاجل ضرره عليهم، وما يترك من آلام ودماء وفقدان.... لكن، لو فكرُّوا بالعواقب، واستفتوا بصيرتهم لرأوا أنَّ الآجل أبقى وأنمى وأمجد، لأنَّ الأولاد والأحفاد يعيشون في أمن وصون، صنعه المجاهدون من قبلهم حيث دافعوا عنهم وحفظوهم وردوا الظلم... أما الأذلاء الهاربون من الجهاد، فيعيشون في الذل، وتُنهب خيراتُهم، وتُستباح بلادهم، ويُستضعفُ أهلهم... ويموت أولادهم وهم أحياء.

الغضب لله سبحانه...
مَنْ أَحَدَّ سِنَانَ الْغَضَبِ لِلَّهِ قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِلِ نهج البلاغة، الحكمة 174. .

شاهد على بركة وأثر الغضب للَّه تعالى.
كلمة مختصرة معبِّرة عن أثر الغضب لله تعالى إذا انتُهكت محارمه أو ظهر المنكر...
فالشائع بين الناس الغضب لأمر شخصي أو خاص، بينما المطلوب في مثل هذه الحالات العفو والصفح لأنَّه أقرب للتقوى... أما الحب في الله والبغض في الله، فهو مبدأ إسلامي ينبغي أن يكون حاكماً في سائر مجالات حياتـنا.
فكل مَنْ أحدَّ سنان الغضب قربة واستعانة بالله تعالى قَوِيَ على الباطل مهما كان شديداً.

اقتحام ما يُخاف منه
قال _ج:
إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ نهج البلاغة، الحكمة 175. .

شاهد للمواجهة والجرأة.
هذه الحكمة هي عمدة علاج بعض الأمراض النفسية في عصرنا، حيث ينصح الأطباء «بالمواجهة»... مواجهة ما يخافه، حتى لا يبقى الوهم مسيطراً عليه فيتعاظم، بينما لو واجه وانتصر، تشجَّع في المرات القادمة، وخرج من وسوسته.
وهذا ينطبق على الأماكن والأشخاص والأعمال وغيرها.
فينبغي الخوض فيما خاف منه، لأن التراجع والتوقِّي المتكرِّر يؤكِّد ويُعظِّم المرض ليعظم فيصبح أكبر من أي خسارة محتملة حال المواجهة.

الردُّ على الخصم بالمثل
قال _ج:
رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، فَإِنَّ الشَّرَّ لاَ يَدْفَعُهُ إِلاَّ الشَّرُّ نهج البلاغة، الحكمة 316. .

شاهد على المعاملة بالمثل، فالعين بالعين، وهذا متداول اليوم في العلاقات الدبلوماسية.
وذكر «الحجر» كناية عن مقابلة الشر بدفعه مُجدداً، أو بمثيله على راميه ليرتدع، وذلك أنَّ الظالم المعتدي، في كثير من الأحيان، لا ينتهي إلاَّ بإظهار القوة ومقاومته وجَبْهِه، وهذا مبدأ قرآني معروف، لقوله تعالى:
{أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} سورة الأنعام المباركة، الآية 45.
وأيضاً هي قاعدة سياسية دبلوماسية شائعة في هذه الأيام يُعبَّر عنها «بالمعاملة بالمثل»، لجهة منح التأشيرات والتعامل الجمركي والتمثيل الدبلوماسي والتبادل الاقتصادي...

القوة لردع المنكر
وَمَنْ أَنْكرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ السُّفْلَى، فَذلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبيلَ الْهُدَى، وَقَامَ عَلَى الطَّريق، وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ نهج البلاغة، الحكمة 373. .

شاهد لضرورة توفُّر القوة لحماية المقدَّسات.
وهذا من جملة كلام لمواجهة العدوان وإنكار المنكر المنتشر في المجتمع، وهو كثير ومتعدِّد النوع والشكل والأهمية والأثر.
فمنه الإنكار بالقلب، والإنكار باللسان، والإنكار بالسيف حيث لا بد منه عند فشل كل المحاولات السابقة...

لكل ظالم أجل
قال _ج:
إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مِرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ، وَلَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيَما بَيْنَهُمْ ثُمَّ كَادَتْهُمُ الضِّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ نهج البلاغة، الحكمة 458. .

شاهد على أنَّ اللَّه تعالى جعل لكل ظالم نهاية.
فكل مَنْ يستعرض التاريخ وطغاته يرى لكل هؤلاء نهاية، مهما طال ظلمهم وفسادهم.
ونتَّعظ، أنَّ التاريخ لا يُقاس بالسنوات القليلة، بل بالعقود والقرون.
ولبني أميَّة أمدٌ محدود، لا بد أن ينتهي، وعندها لو حارَبـَتْهم الضِّباع، وليس الأسود، لهزمَتْهم.
(«المِرْود» بمعنى الإهمال والانتظار، وهو المضمار الذي يجري فيه البعير).