|
الإهداء
إلى مولانا الَّذي أرَّقنا بطول انتظاره (ع)...
هل إليك يابن أَحْمَدَ سبيلٌ فتُلْقى؟...
ومتى نُغاديك ونراوحك فنِقرَّ عَيْناً.
فإليك وإلى مَنْ جيَّش دفائن الشوق فينا...
فأحياها وأحيانا.. ثمَّ رحل..
مقدمة
الحمدلله ربّ العالمين، الذي يهدينا بفضله، إذا تشابهت الأُمور لأزكاها،
والصلاة والسلام على سيِّدنا ونبيّنا محمَّد وعلى آله الطيبين الطاهرين،
الذين حجزتهم التقوى عن تقحّم الشُّبهات، وبعد...
ما من شريعة في التاريخ، وما من قانون أو نظام في العالم، اهتم بتأديب
الإنسان وتهذيبه، كما اهتم الإسلام بذلك. فقد حاولت العديد من الشرائع
والقوانين تأديب هذا الإنسان فبقي الاهتمام سطحياً أو شكلياً، فيه ثغرات
كثيرة تظهر بأدنى تأمُّل.
أمَّا الإسلام فلم يترك أمراً كبيراً كان أم صغيراً يتعلق بسلوك الإنسان
إلاَّ وجعل له حُكْماً ورأياً، حتى دقائق الأُمور وصغائرها التي قد لا تخطر
على بال أحدٍ، كان للإسلام فيها أدبٌ ومستحب ونظامٌ وسُنَّة.
فمن آداب الطعام والشراب واللباس، إلى آداب الجلوس والحديث والتعلم والمشي،
والدخول والخروج والركوب والنظر، والنوم والحمام والقراءة والتعطُّر
والوضوء والصلاة، والبيع والشراء، والزواج والسفر والتوديع والاستقبال، إلى
آداب المريض والعيادة والزيارة والضيف والاحتضار والتشييع والدفن والتعزية،
كلّ ذلك وأكثر له في الإسلام أدبٌ وطريقة سلوك.
ومن الأُمور التي قد لا تخطر على بال المرء، والتي جعل لها الإسلام نظاماً
وأدباً، ليس له مثيلٌ في أيِّ نظامٍ آخر، آدابُ شمِّ الورود والرياحين،
وكيفية تنظيف الأسنان وتسريح الشعر، وطريقة أكل الرمان والعنب والتفاح،
وفتات الخبز، ولبس الخاتم، وتقليم الأظافر، وتنظيف البيوت، وبناء
المنزل....
ولا يخفى عليك عزيزي القارىء الكريم ما في هذه الآداب والسُّنن من أسرار
عجيبة، وآثار غريبة لا يفقهها إلاَّ من هدى الله قلبه، ولا يُدركها إلاَّ
عبدٌ ثَبَّت الله على سبيل الرشاد سيرهْ.
ويبقى السؤال الأهم الذي يُطرح:
كم هي نسبة تطبيق هذه المستحبات والأحكام والآداب بيننا، وفي حياتنا
اليومية؟!!! خاصةً المتدينين منَّا والملتزمين وطلبة العلوم الدينية...
ومَنْ يُعتبر من أهل القدوة وموضع النظر والاعتبار في حيِّه ومنطقته أو بين
أهله وقريته أو بين خاصَّته وعشيرته!!!.
ويأتي الجوابُ سلبياً في الغالب، حيث إنَّ نسبة الملتزمين بهذه الآداب
قليلة وخجولةٌ جداً. وما دامت الحال هي هذه، فإنَّنا نتساءل: لِمَنْ جاءت
هذه الآداب إذاً؟!.
وهل من الأدب تركها وإهمالها، في سياق السلوك إلى الله تعالى؟!.
وإن لم يطبق ذلك المؤمنون الملتزمون، فمن ذا الذي يُطبِّقها؟!.
وإن لم يُطبقها العلماء، فهل يطالب غيرهم بتطبيقها؟!.
وإن لم نكن نحن المُكلفين بإقامة وإحياء هذه السُّنن، فمن ذا الذي يتولى
هذه المهمة المقدَّسة؟!.
وإن لم تُنشر آداب الإسلام في مجتمعنا وبين أبنائنا، فأين تُنْشر إذاً؟!.
فلنتعلَمْ أن نقرأ لنعمل، وندرس لنعمل، ونستمع لنعمل ، ولا خير في قول لا
يزيّنه فعل، وقد كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.
أيُّها القارىء العزيز الحبيب:
كم هو جميل أن يعيش الإنسان دائماً مع الله تعالى... في تأمُّله وتفكُّره
وجوارحه.. وأجمل من ذلك أن يعيش مقلِّداً لأنبياء الله تعالى وصفوته، في
حركاته وسكناته، وينهج سُبُل السالكين إلى الله جلَّ جلاله وسبُل العارفين
والواصلين، فيستحضر في كل آن وعند كل فعل أو قول أمثال السيِّد ابن طاوس،
والسيِّد بحر العلوم، والشيخ ورام، وآية الله قاضي الطباطبائي، والشيخ ملكي
تبريزي والحبيب الإمام الخميني... أعلى الله مقامهم ونشر في الجنان
أعلامهم.
وأن ينضم إلى هذه القافلة الإلهية الربانية، والسلسلة الذهبية، فيصبح فرداً
من أفراد هذه الجماعة النُّورانيَّة، أو حلقة من حلقاتها التي لا انفصام
لها، في طريقه إلى الملكوت الأعلى، فهؤلاء «لولا الأجل الذي كتب الله
عليهم، لم تستقرَّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقاً إلى الثواب وخوفاً
من العقاب...» نهج البلاغة: خطبة المتَّقين. .
وقد قرَّر علماء الأخلاق والسلوك... أنَّ من جملة الطرق المختصرة المؤدية
إلى تلك المقامات العالية، تنزيل بعض الآداب والمستحبات والمندوبات منزلة
الواجبات...
من هنا كانت تأثيرات معايشتهم ومجاورتهم لساعات، تفوق مطالعة الكتب
والمجلدات لسنوات...
ومن هنا كانت نصيحة الإمام الخميني رضوان الله عليه بضرورة اتخاذ قدوة أو
أستاذ في طريق الهداية إلى الله جلَّ جلاله حتى نستفيد منه، ونستلهم
السُّنن والآداب بطريق عملي سهل ومؤثر... لكنَّهم... أندر من الكبريت
الأحمر.. وقليل ما هم... فهنيئاً لمن وُفِّق... وللقصة شؤون وشجون... ونعوذ
بالله من شطحة القلم..
وعلى كلِّ حال، فإنَّ هذه السُّنن والآداب، منثورة في بطون كتب شتى، وقد
وفقني الله تعالى بفضله ومنِّه لجمعها في برنامج أخلاقي سلوكي لإذاعة
النُّور تحت عنوان «آداب السلوك»... ولم تكن النية أصلاً نشرها.. إلى أن
التمس منِّي ذلك الكثير من الإخوان والخلان ممَّن استمع إلى البرنامج، أو
سمع به، من أهل إيران ولبنان ومنهم مَنْ قطع شوطاً لا بأس به في السلوك
العملي، وأكثرهم المبتدىء، والمحاول، والمتردد والمنازع لنفسه... ... فرضخت
لرغبتهم محبةً، وقربةً، وخوفاً من منع العلم، وإدخالاً للسرور إلى قلوبهم،
وتعميماً للفائدة والمنفعة، إن شاء الله تعالى.
وأنا خجولٌ من ذلك على كلِّ حال....
وختاماً وحتى لا أطيل في كلامي فيكثر خطئي.. أشير إلى أنَّ هذا الكتاب،
وكما أظن، نافعٌ للسالكين بكلّ مستوياتهم وإنْ كان أكثر نفعاً لمن حصَّلوا
درجة «ورع التائبين» وهم في سعيهم للوصول إلى «ورع الصالحين» و«ورع
المتَّقين» ذكر علماء الأخلاق أنَّ للورع درجات أربع، وأنَّ بين الواحدة
والأُخرى مراتب مختلفة، وهي باختصار: ورع التائبين، ويكون بالامتناع عن
المحرمات، وورع الصالحين بالامتناع عن اقتحام الشُّبهات، وورع المتَّقين
بالامتناع عن بعض المباحات، وورع السالكين في اجتناب كلّ شيء غير الله
تبارك وتعالى.... .... وأمَّا درجة «ورع السالكين» فأظن أنَّ جرأتي تكبر لو
تطفَّلْتُ وكتبت عنها... ويكفينا ما فينا...
اللَّهمَّ انتهِ بنيَّتي إلى أحسن النيَّات، وبعملي إلى أحسن الأعمال.
غفر الله لي ولكم، والحمد لله ربّ العالمين.
بيروت ـ بلاد الشام، اليوم المبارك، يوم الاثنين 14 شهر الله رمضان
المعظَّم لسنة ثلاث عشرة وأربعمائة وألف للهجرة على صاحبها وآله الكرام
أفضل الصلوات وأتمّ التسليمات
تمهيد الوقوف
عند الشُّبهات
الحمد لله ربّ العالمين، الذي يهدينا بفضله، إذا تشابَهَتْ الأعمالُ
لأزكاها، والصلاة والسلامُ على سيِّدنا ونبيّنا محمَّد وعلى آله الطيبين
الطاهرين، الذين حَجَزَتْهم التقوى عن تَقَحُّم الشُّبُهات... وبعد.
إنَّ أهمَّ ما يميزُ الإسلام عن غيره من الدساتير، والقوانين والشرائع
الأُخرى، أنَّه دينٌ شاملٌ لشؤون الدُّنيا بتمامها، وشؤونِ الآخرةِ بأكملها
وأسناها وأعلاها.
وشموليةُ الإسلام هذه تشمل كلَّ صغيرةٍ وكبيرة، وما خطرَ، وما لا يُخطرُ
على بالِ بشر، فحتى الأرْش الأرش: دية الخدش. في الخَدْش، وضع له الإسلام
حكماً وتشريعاً خاصاً به.
فالشريعة المقدَّسةُ تناولت شؤونَ البيعِ والشراءِ، والشَّراكةِ والإيجارِ،
والضمانِ والوديعةِ والمضاربة والمزارعةِ، والرَّهْنِ والوِكالةِ والزواج
والطلاقِ، والشهاداتِ والحدود والقِصاص والديَّاتِ والقضاء... كما تناولت
شؤون الطهارة والنجاسة، والوضوءِ والتيممِ والغُسْلِ، والركوع والسجود،
والصوم والحج والزكاة... وغيرها من الأحكام الإلهيَّة التي يتعبَّد الناس
ربَّهم بها، ويتقربون له تبارك وتعالى زلفى.
وأتقى الأتقياء مَنْ أطاعَ الله في كل شؤونِ حياتِه، وجانب الحرامَ في
عباداته ومعاملاتِه، فقد روى الإمامُ زين العابدين عن رسول الله قوله:
«اعمل بفرائضِ الله، تكن أتقى الناسِ» مشكاة الأنوار: ص45. ، وعن الباقر
قال: «قال الله عزَّ وجلَّ: يابن آدم، اجتنب ما حرَّمتُ عليك، تكن من أورع
النَّاس» المصدر نفسه. ، وناجى الله تعالى موسى، على نبينا وآله وعليه
السلام: «يا موسى، ما تقرَّب إليَّ المتقربون بمثلِ الوَرَعِ عن محارمي،
فإنِّي أمنحُهُم جِنانَ عَدْني، لا أشركُ معهم أحداً» مشكاة الأنوار: ص45.
.
ففي كل حركةٍ من حركاتِنا، أو خُطوةٍ أو قرارٍ، حكمٌ لله تبارك وتعالى، لا
مناصَ من التقيُّد به، والحرصِ على تنفيذه، سعياً لرضى الرَّحمن، وقمعاً
لتسويلات الشيطان، وتزكيةً لما في الجنان.
والتجربة تُفيد، أنَّه من الصعب بمكان، لأكثرية الأنام، المحافظةُ على
الورع والتقوى والمقاماتِ العالية لأهل الدِّين، من دون الامتناع عن
الشُّبُهات ، حيث يسقط المرءُ في الحرام دون أن يشعُرَ، أو يحوم حولَه، وهو
على خطرٍ كبير، وأملٍ في النجاة يسير، يزولُ مع الغفلة، ويرتفعُ عند أدنى
شهْوة.
قال عليٌّ في نهج البلاغة المبارك: «لا ورعَ كالوقوف عند الشُّبهة» ميزان
الحكمة: ح9111 ونهج البلاغة: حكمة 113. .
وذُكر عن الصَّادق في بحار الأنوار: «أورعُ الناسِ من وقف عند الشُّبهة»
ميزان الحكمة: ح9112. .
وفي كثير من الأحيان، بل في أكثرها، يَلْحَظُ الواحدُ منَّا أنَّ الفتن أو
الشُّبهات التي تعرضُ له، يُبالِغ الشيطانُ أو النفسُ في تزيينها حتى تكاد
أن تُشْبِهَ الحقَّ في كثير من جوانبها، والعديد من مظاهرها، وحتى يُحدِّثَ
المؤمن نفسه في الإقدام عليها، والخوض فيها، بينما الأجدرُ بإيمانه، أن
يحتاط بالابتعاد عنها.
ذَكَر عليٌّ في الخُطْبةِ الثامنةِ والثلاثين من نهج البلاغة وجهَ تسمية
الشُّبهة، فقال: «وإنَّما سميت الشُّبهةُ شبهةً، لأنَّها تُشبهُ الحقَّ،
فأمَّا أولياءُ الله، فضِياؤهمْ فيها اليقين، ودليلُهم سمتُ الهدى،...
وأمَّا أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلالُ، ودليلُهُم العمى...» ميزان
الحكمة: ح9101. .
والورع والتقوى يفرضان على صاحبهما أن يجتنب المتشابهات من الأُمورِ
ليتقوَّى أكثر فأكثر، ويُروِّض نفسه على ترك الحرام. فقد رُوي عن علي في
نهج السعادة حول الأحكام الإلهيَّة، أنَّه قال: «حلالٌ بيِّن، وحرامٌ
بيِّن، وشبهاتٌ بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه، فهو لما استبان له أترك»
المصدر نفسه: ح9120. .
بذلك يُصانُ الدِّينُ، وتأمَنُ الطُرُقُ إلى الله لسالكيها، وتطمئِنُ
النُّفوس الساعيةُ إلى باريها...
وإليكَ، لشفاء صدري، وصدرِك، قولُ النبيِّ المصطفى في تنبيه الخواطر، قال:
«دع ما يريبك إلى ما لا يُريبُك، فمن رعى حولَ الحمى، يوشِكُ أن يقع فيه»
ميزان الحكمة: ح9122. ، وعنه ـ حشَرَنا الله معه، ولا حَرَمَنا من النظر
إلى وجهه المبارك ـ قال: «حلال بيِّن، وحرام بيِّن، وشبهاتٌ بين ذلك، فمن
ترك الشُّبهاتِ نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشُّبهات، ارتكب المحرماتِ،
وهلك من حيث لا يعلم» المصدر نفسه: ح9126. .
أخي وعزيزي: وما يُعينُ على ذلك هو التقيدُ بالمستحباتِ والآدابِ التي دعا
إليها الشرع المقدَّس، وندب لها فما من أمرٍ من أُمور الحياة إلاَّ وله
آدابٌ ومستحباتٌ ، إن كان في البيع والشراءِ أو النومِ والطعام والشرابِ،
والجلوس واللباس... إلى مستحبات في أمكنة محددة كالمساجد والأسواقِ
والمقابر.. أو في أزمنةٍ محددةٍ كليلةِ الجُمعَةِ وعصرها، ويوم الوقوف في
عرفات، والنصف من شعبان، ويوم الغدير ويوم المباهلة إلى مستحباتٍ أُخرى
كثيرةٍ يأتي الحديثُ عنها إن شاء الله تعالى
1- فصل
في السنن والعبادة
ينبغي على المؤمنِ أن يعملَ وِسْعَ طاقتِهِ، للأخذ بالآدابِ والسُّنَّة
التي عمِلَ بها الأنبياءُ والأوصياءُ صلواتُ الله عليهم أجمعين، ودعوا
إليها، فهي خير السُّنن وأهداها إلى السعادة في الدُّنيا والنجاة في
الآخرة. والمقصود بالسُّنَّة هنا، الأُمور التي حثَّ عليها الشرعُ
المقدَّس، لا على نحو الإلزام والفرض ، لأنَّ التقيد بالسُّنَّة، بمعنى
الفريضة والواجب، أمرٌ مفروغٌ منه.
رُوي عن أمير المؤمنين قوله: «السُّنَّةُ سُنَّتان: سُنَّةٌ في فريضة،
الأخذُ بها هدى، وتركُها ضلالةٌ، وسُنَّةٌ في غير فريضة، الأخذُ بها
فضيلةٌ، وتركُها غيرُ خطيئة» مشكاة الأنوار: ص152. .
وفي إشارةٍ إلى ضرورة العمل بالسُّنَّة المستحبة والمندوبات، دعا الأئمَّة
أتباعهم وأنصارَهُم إلى التقيُّدِ ببعضِها إن لم يُوفَّقوا إلى كلِّها...
وكأنَّ التقيد ببعض المستحبات شيءٌ عاديٌ في حياةِ المتديِّنِ المقتدي
بأنبياءِ الله، وخيرة خلقه . فقد رُوي عن الإمام زين العابدين قوله: «إنَّ
أفضلَ الأعمالِ عند الله ما عُمل بالسُّنَّة، وإن قلَّ» مشكاة الأنوار:
ص151. .
وخيرٌ للمؤمن أن يجعل كلَّ أوقاتِهِ عبادةً لربّه تبارك وتعالى، فالأُمور
الحياتية الضرورية التي لا بُدَّ له منها، لو نواها وقصدها لوجهِ الله جلَّ
اسمُه، لنال عليها الأجر والثواب، ولاعتُبرَت عبادةً بذاتها، وعندئذٍ،
يقتربُ من السعادة أكثر، حيث إنَّ السُّنَّة المباركة لأنبياء الله
وأوليائه، ما جيء بها إلاَّ لتكون عاداتٍ منتشرة في المجتمع، وآداباً
تُزيّنُ العبادَ، وتدِرُّ النِّعَم على البلاد ، ومن الحق أن نسأل أنفسنا:
تُرى لو لم نتقيدُ نحن بهذه المستحبات والسُّنن فَلِمَنْ تكون؟! ولو لم
يتزيَّن المؤمنون بسلوكِ الأنبياءِ وسِيرهم، فمن يتزيَّنُ بها؟! ولو لم تكن
هذه الآدابُ منتشرة بيننا، ومُنْزَلَة علينا أفلا ندعو الله تعالى أن
يُنزِّلها علينا، لنعمَل بها؟!.
فَهَبْ نفسك لو قُدِّر لك أن تتصل بنبي من أنبياء الله تبارك وتعالى، في
يقظة أو منام، وعلَّمك أدباً أو سُنَّةً، أفلا تعملُ بها وتسجدُ لله تعالى
طويلاً، شكراً على ما أنعم، وحمداً له لما تفضَّل به عليك؟!..
فكيف بنا يا عزيزي، وقد احتشدَتْ في كُتُبنا المباركة آلاف المستحباتِ التي
يصعُبُ استقصاؤها، والتي تستوجب منَّا شكراً دائماً متواصلاً لا ينضب؟.
وما بالنا يا أخي وعزيزي، وقد أُتخمت حياتنا بعادات وتصرفات بعيدةٍ كلَّ
البعد عن نهج الأنبياء، وصراط الأوصياء، وطريقِ الأولياء، وسبيلِ
العرفاء؟!.
فما علينا يا أخي إلاَّ أن نملأ أوقاتنا حُباً له تبارك وتعالى، وخشيةً
منه، فقد ورد عن أبي حمزة الثمالي في مناجاة ربه قوله: «فبذكرك عاش قلبي،
وبمناجاتك برَّدتُ ألم الخوفِ عنِّي» مفاتيح الجنان: ص194. .
وفي التوراة الصحيحة مكتوبٌ: «يابن آدم، تفرَّغ لعبادتي، أملأ قلبَك غِنى..
وعليَّ أنْ أسُدَّ فاقتَك، وأملأ قلبَكَ خوفاً منِّي، وإن لا تفرغُ
لعبادتي، أملأ قلبَك شُغلاً بالدُّنيا، ثم لا أسُّد فاقتَك، وأكِلُكَ إلى
طلبِك» الكافي: ج2، ص83، ح1. .
فإذا شعرنا يا أخي، بإقبالٍ على العبادة ورغبةٍ بها، فلنُقَدِم على
المستحبات ولنكثر من المندوبات، ولنتعرَّض لرحمة الله تعالى، فإن هي إلاَّ
أوقات محدودة، تقطعُها الأشغال والأعمالُ والهموم والأهوال، والتعبُ،
والآمالُ الكاذبة. فهذا إمامنا علي يقول: «إنَّ للقلوب إقبالاً وإدباراً،
فإذا أقْبَلتْ، فاحملوها على النوافل، وإذا أدْبَرَتْ فاقتصروا بها على
الفرائض» نهج البلاغة: الحكمة 312. .
وروى الباقر عن مولانا رسول الله المصطفى محمَّد قوله: «ألا وإنَّ لكلِّ
عبادةٍ شِرةٌ (أي رغبةٌ ونشاطٌ) ثم تصيرُ إلى فَترةٍ، فمن صارت شِرَّةُ
عبادتِهِ إلى سُنَّتي، فقد اهتدى، ومن خالَفَ سُنَّتي فقد ضلَّ، وكان
عملُهُ في تباب (أي الخسرانِ والهلاك) أما إنِّي أُصلِّي وأنام، وأصوم
وأفطر، وأضحَكُ وأبكي، فمن رغب عن منهاجي وسُنَّتي فليس منِّي».
ثم تابع وقال: «كفى بالموت موعظةً، وكفى باليقين غنىً، وكفى بالعبادة
شغلاً» الكافي: ج2، ص85، ح1. .
إلهي صلِّ على محمَّد وآل محمَّد.. «إلهي هب لي كمالَ الانقطاع إليك،
وأنِرْ أبصارَ قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتَّى تَخْرُقَ أبصار القلوب حُجُب
النُّورِ، فتصل إلى معدنِ العظمة، وتصير أرواحنا معلقةً بعزِّ قُدسكَ، إلهي
واجعلني ممَّن ناديتهُ فأجابك، ولاحَظْته فصعق لجلالك...» المناجاة
الشعبانية. .
2- فصل في سنن النبيين
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا *} سورة
الأحزاب: الآية 21. .
وهل أشرفُ وأحسنُ وأفضلُ للإنسان من أن يقتدي بسنن الصالحين الأولين
الأخيار الذين سبقوه في أحقاب التاريخ والأزمان السالفة؟ وليس من شيء إلاَّ
وفيه منهم سُنَّةٌ مستحبةٌ ، حتى التعطُر، والتمشُّط، والقراءة والاستيقاظ
والخروجُ من المنزِل أو المسجد، وكذلك الدخول، وقص الأظافِرِ، وتناوُلُ
الطعام، والركوع والسجود والسفرُ والنظرُ إلى المرآة، أو القمر، أو الماءِ،
أو الثمر... وغيرها من شؤون الحياة المختلفة.
وقد ذكر عليٌّ ، في نهج البلاغة، ضرورة الاقتداء بسُنَّةِ النبيِّ المصطفى
حيث قال: «اقتدوا بهدي نبيِّكم، فإنَّه أفضلُ الهدى، واستنوا بسُنَّته
فإنَّها أهدى السُّنن» ميزان الحكمة: ح8943. .
وكان من تواضعه ، ومن سُنَّته أنَّه قال: «خمسٌ لا أدَعُهُنَّ حتَّى
الممات: الأكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمارَ موكفاً، وحلبُ العنز
بيدي، ولبْسُ الصوفِ، والتسليمُ على الصبيان لتكون سنَّةً من بعدي» ميزان
الحكمة: ح8944. .
وسُننُ الأنبياء ، هي السُّنن الحنيفيَّة، قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ
لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} سورة
الممتحنة: الآية 4. وقال تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً *} سورة
النساء: الآية 125. .
وكان بين نوحٍ وإبراهيم ألف سنة، وكانت شريعةُ إبراهيم بالتوحيد والإخلاص،
وخلع الأنداد، وهي الفطرةُ التي فطر الله الناس عليها، وهي الحنيفيَّة،
وأخذ عليه ميثاقَه وأن لا يعبُد إلاَّ الله ولا يُشركَ به شيئاً، وأمره
بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاده في الحنيفيَّة: «الختانَ،
وقصَّ الشارب، ونتْفَ الإبط، وتقليمَ الأظافر، وحلقَ العانة» ميزان الحكمة:
ح8945. .
وفي نص آخر عن الكاظم : «خمسٌ من السُّنَّة في الرأس، وخمسٌ في الجسد: وأما
التي في الرأس، فالمسواك، وأخذ الشارب، وفرْقُ الشعْر، والمضمضةُ،
والاستنشاق. وأمَّا التي في الجسد، فالختانُ، وحلقُ العانة، ونتْفُ
الإبطين، وتقليمُ الأظافر، والاستنجاء» ميزان الحكمة: ح8947. .
وما تقدَّم كان قليلاً من كثيرٍ من سُننِ النَّبيِّين ، والتي تعدّ
بالآلاف، وممَّا هو مذكور في بطون كتب الأحاديث والسِّير.
والعملُ بهذه السُّنن وتعليمُها للآخرين فضيلةٌ عظيمة، ودعوةٌ كريمة ،
وإحياءٌ لتاريخ النبيين، وسببٌ لرضى ربِّ العالمين، وعِلَّةٌ لنزول شآبيب
الرَّحمةِ الإلهيَّة المقدَّسة.
وأمَّا إهمال هذه السُّنن فيؤدِّي إلى اكتساب سُننٍ أُخرى فيها البدعة
والضلال ، والنقمة والفساد، كما يؤدِّي إلى خراب المجتمع وبواره
واضمحلاله...
والذين آمنوا يميتون البدع ويُحيون السُّنن ويساهمون في اخضرار عودِها،
وتثبيتِ جذورها...
والذين كفروا أو نافقوا يعملون بالبدع ويدْعونَ لها، ويُميتون السُّنَن
ويخالفون شرعَ الله تعالى...
فنحن يا أخي إمَّا من هؤلاء وإمَّا من أولئك، ومولانا ومقتدانا علي يقول:
«أمَّا أهل البِدْعة: فالمخالفون لأمر الله، ولكتابه، ورسوله، العاملون
برأيهم وأهوائهم وإن كثروا» ميزان الحكمة: ح1632. .
فإحياء السننِ الربانية والنبوية شرفٌ لنا لو قُمنا به... ومباركٌ لمن قام
به وإماتةُ السننِ الشيطانية مُهِمَّتنا ومسؤوليتُنا جميعاً، لا يجوز لأحدٍ
التقصيرُ به. فعن رسول الله أنَّه قال: «من سنَّ سُنَّةً حسنةً عُمل بها من
بعده، كان له أجرُه ومثل أجورهم من غير أن يُنقِصَ من أجورهم شيئاً، ومن
سنَّ سُنَّةً سيِّئةً فعُمل بها بعدَهُ كان عليه وِزرُه ومثل أوزارهم من
غير أن يُنقِصَ من أوزارهم شيئاً» المصدر نفسه: ح8939. .
وهذا كلُّه من فضل الله تعالى الذي لا تزيدُهُ كثرةُ العطاءِ إلاَّ جوداً
وكرماً، فهو القادرُ على الإعطاء وهو الوهَّاب الكريم يرزقُ على النية ما
دامت خالصةً حتَّى ولو لم تُترجم النِّياتُ إلى أعمالٍ لسبب من الأسباب.
فقد روي عن الصَّادق قوله: «ما من مؤمنٍ سنَّ على نفسه سُنَّةً حسنةً، أو
شيئاً من الخير، ثم حال بينه وبين ذلك حائلٌ، إلاَّ كتب الله له ما أجرى
على نفسه أيَّام الدُّنيا» المصدر نفسه: ح8941. .
فَلْنُـفَتِّش جميعاً عن السُّنن المستحبة لنلتزم بها كما نلتزم بالسُّنن
الواجبة، فإنَّ إحياءَها وظيفتُنا، وإقامتَها مُهمتنا، ونشرَها شرفٌ لنا...
فهذا هو سبيل الأنبياء.. وهذا هو سبيلُ ورثةِ الأنبياء. فنحن الذين نناجي
الله قائلين: «... أين المدَّخرُ لتجديد الفرائض والسُّنن، أين المُتخيَّر
لإعادة المِلَّة والشريعة، أين المؤمَّل لإحياء الكتاب وحدودِه، أين محيي
معالم الدِّين وأهلِه...» دعاء النُّدبة. .
اللَّهمَّ اجعلنا ممَّن يُحييون السُّنَّة، ويميتون البدعة بمحمَّد وآله
صلواتُك عليهم أجمعين.
فصل في الثبات
على المستحب
قبل أن نبدأ بالحديث التفصيلي، حولَ السُّننِ والآداب والمستحبات المذكورة
عن أنبياء الله تبارك وتعالى وأوصيائه، لا بدَّ من وصية ضروريةٍ للسالك إلى
الله تعالى، تنفعُهُ في هذا المجال وهي: أنَّه من الضروري لِمن سمعَ
بسُنَّةٍ معينةٍ، أو مُستحبٍ مُعينٍ، أن يلتزم به وبشكلٍ دائمٍ دون
تركِهِ.. أو أن يلتزم على الأقل ـ بهذا الأمر لمدة سنة. فقد ذُكر في العديد
من الروايات، لزومُ الاستواءِ على العملِ المستحب، بمعنى المداومة عليه
والاستمرار عليه...
ولا يخفى ما في ذلك من آثار تربويةٍ وسلوكيةٍ على الفَرْدِ والتديُّنِ
والإخلاص... فضلاً عن حسن العاقبة في الآخرة، حيث رُوي عن الصَّادق أنَّه
قال: «قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي الصدِّيقين تنعَّموا بعبادتي في
الدُّنيا، فإنَّكم تتنعمون بها في الآخرة» الكافي: ج2، ص83، ح2. .
فالالتزامُ بمستحبٍ مُعينٍ أو آداب معينة أو سُنَّةٍ نبويةٍ، لا بدَّ له من
ثبات ودوامٍ واستمرارٍ حتَّى يصبحَ جزءاً من شخصية الملتزم به ، وحتى
يُصبحَ الأدبُ وتصبحَ السُّنَّةُ ملَكَةً في نفسه راسخةً لا يترُكُها. فقد
روي عن أبي جعفر الباقر أنَّه قال: «ما من شيء أحب إلى الله عزَّ وجلَّ من
عمل يُداومُ عليه وإن قل» الكافي: ص82، ح3. .
وروي عن علي بن الحسين قوله: «إنِّي لأحبُّ أن أداومَ على العمل وإن قل»
المصدر نفسه: ح4. . وكان يقول: «إنِّي لأحبُّ أن أقْدِم على ربِّي وعملي
مستوٍ» المصدر نفسه: ص83، ح5. .
وجاءَ في بعض النصوص المباركة التحديدُ بسنة، أي تحديدُ المدةِ الزمنية،
التي ينبغي الالتزامُ بها على الأقل، دون تركِ هذا المستحب، بالسنة
بتمامها، وفي ذلك أسرارٌ وخفايا قد تُسْتشفُّ من بعض الروايات، أو تظهر في
البعض الآخر... فعن الصَّادق أنَّه قال: «إذا كان الرجل في أمرٍ فليَدُمْ
عليه سنةً ثم يتحوَّل عنه إن شاء، إلى غيره، وذلك أنَّ ليلة القدرِ يكون
فيها في عامِهِ ذلك» المصدر نفسه: ج2، ص82، ح1. .
وعنه مُنبهاً ومحذِّراً قال: «إيَّاك أن تفرِض على نفسك فريضةً فتفارقها
اثني عشر هلالاً» الكافي: ج2، ص83، ح6. .
وعلى كلِّ الأحوال، فإنَّ الله تعالى يعطي الأجرَ والثوابَ على النيةِ
الخالصةِ الطاهرة، فكيف لو داوم الإنسان على ذلك؟... فالنيةُ هي الأهم، حيث
يكونُ من قصدِهِ التقرُّبُ إلى سلوك الأنبياء والأولياء، حتى مع فَرْضِ
وقوعِ الاشتباه عن غير قصد.
روي عن الباقر قوله: «من بلَغَهُ ثوابٌ من الله على عملٍ، فعَمِلَ ذلك
العَمَل التماسَ ذلك الثواب، أوتيه، وإن لم يكن الحديثُ كما بلَغَه» المصدر
نفسه: ج2، ص87، ح2. .
إذاً، فالوصية الأساسية والهامَّةُ في طريقنا هذا، أن نأخذَ بالسُّنَّة
ونثبتَ عليها لسنةٍ على الأقل. ومن داوم على ذلك، كان قادراً على الاستمرار
حتى آخر عمرِهِ بتوفيقٍ من الله عزَّ وجلَّ.
فصل في آداب رسول
الله
والآن أصبحنا مُهيَّئينَ لنخوض في تفاصيل الآداب والسُّننِ بعد طول انتظارٍ
وتشوقٍ وذلك على ضوء السُّنة النبوية المحمَّدية الغراء وآله الكرام العظام
الذين طهَّرهم الله تطهيراً. فَلْننظُر إلى سيرته وأحواله وتصرفاتِه،
وجلوسه وقيامِه، وسَفره وحَضَرِه، وأكلِهِ وشُرْبه...
فقد كان لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت... ويتكلَّمُ بجوامِع الكلم إذا
تكلم مكارم الأخلاق: ص13، س1. يُعظِّمُ النعمةَ وإن دقَّت، ولا يَذِمُّ
منها شَيئاً المصدر نفسه: س3. ... وإذا غضِب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضَّ من
طَرْفِهِ، جُلُّ ضحكِهِ التبسُّم المصدر نفسه: س6. ... وكان لا يجلسُ ولا
يقوم إلاَّ على ذكر الله جلَّ اسمه، ولا يوطِنُ الأماكن، وينهى عن إيطانها،
أي لا يتخذُ لنفسه مجلِساً يُعرفُ به، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به
المجلس، ويأمر بذلك.. يُعطي كلاًّ من جلسائه نصيبَه، حتى لا يحسبَ جليسُه
أنَّ أحداً أكرمُ عليه منه مكارم الأخلاق: ص14، س9. ، ومن سأله حاجةً لم
يَردَّه إلاَّ بها أو بميسورٍ من القول المصدر نفسه: ص14، س12. .
وكان يصبر للغريب على الجَفْوةِ في منطقِهِ ومسْألته... ولا يقطعُ على أحدٍ
حديثه، حتى يجوز فيقطعه بانتهاءٍ أو قيام المصدر نفسه: ص14، س4 و7. .
وكان يعود المريض، ويتبعُ الجنازة المصدر نفسه: ص17. ... ويخيط ثوبَه،
ويخصف نعله المصدر نفسه: ص16، س14. .
وكان إذا لقيه أحدٌ من أصحابه قام معه، فلم ينصرف حتى يكون الرجلُ هو الذي
ينصرفُ عنه، وإذا لَقَيهُ أحدٌ من أصحابه، فتناول بيده، ناولها إيَّاه فلم
ينزعْ عنه حتى يكونَ الرجلُ هو الذي ينزِع عنه.. المصدر نفسه: ص17، س3. .
وكان أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه
مكارم الأخلاق: ص17، س12. .
هذا قليلٌ من كثيرٍ كثير، من آدابه ، إضافة إلى أنَّه كان حريصاً على
أتباعه... فأوصى علياً بجملة وصايا، منها قوله :
«يا علي: إذا رأيت الهلالَ فكبِّر ثلاثاً وقُلْ: الحمد لله الذي خلقني
وخلقَكَ، وقدَّرك منازل وجعلك آيةً للعالمين».
«يا علي: إذا نظرت في مرآة فكبِّر ثلاثاً وقُلْ، اللَّهمَّ كما حسَّنتَ
خَلْقي فحسِّن خُلُقي».
«يا علي: ابدأ بالملح، واختِم به، فإنَّ الملحَ شفاءٌ من سبعينَ داء».
«يا علي: إذا وُلد لك غلامٌ أو جاريةٌ فأذِّن في أذنِهِ اليمنى، وأقم في
اليُسرى فإنَّه لا يضرُهُ الشيطان أبداً».
«يا علي: «إذا أُثني عليك في وجهك فقل: اللَّهمَّ اجعلني خيراً ممَّا
يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخِذني بما يقولون».
«يا علي: لا تتختم بالسبَّابة والوُسْطى، فإنَّه كان يتختم قومُ لوطٍ
فيهما، ولا تُعرِّ الخُنْصر».
«يا علي: عليك بالسواك، فإنَّ السواك مَطْهرة للفم، ومرضاةً للرَّبّ،
ومجلاةٌ للعين» تحف العقول: ص16 ـ 18، س8 ـ 23. .
فهذه جملة عامةٌ وعابرةٌ من الآداب والمستحبات، ثم نبدأ إن شاء الله تبارك
وتعالى بتفصيل المستحبات كلّ على حدة، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ
العالمين.
فصل في آداب البيوت
تنظيف البيوت
ليس من المستغرب أبداً، أن يُقالَ عن الإسلام: إنَّه دينُ الطهارةِ
والنظافة.. فمن يطَّلع على مبادىء الإسلام، أو بعضٍ من عباداته، يُدركُ ذلك
عن قرب، ومَنْ يُقدَّر له أن يعيشَ في مجتمعٍ إسلامي، يكتشف طرُقَ النظافةِ
الظاهرة في حياة المسلمين، حتى العوام منهم، حيث أصبحت هذه الطرقُ تنْتقِل
تلقائياً وبالوراثة من السلف إلى الخلف.. بل إنَّ مسائلَ الطهارة والنظافة،
باتت تشكِّلُ جزءاً من عادات أهلنا في القرى والبوادي ، وإن لم يتعمَّدوا
أن يتعلَّموا ذلك من خلال أساليب التعلُّم المعروفة، أو لم يُحيطوا بكلّ
الجوانبِ الفقهية وفروعها.
فالإسلام اهتم بنظافة المجتمع ككل، مادياً ومعنوياً... كما أنَّه اهتم
بنظافة الفرد كذلك... وما أمثلةُ الغُسْلِ والوضوءِ منَّا ببعيدة حيث تتكرر
مراراً في حياتنا اليومية. فقد روي عن رسول الله قوله: «تنظَّفوا بكل ما
استطعتم، فإنَّ الله تعالى بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنَّة
إلاَّ نظيف» ميزان الحكمة: ح 20028. .
ومن المسلَّمات المعروفة بين القاصي والداني، أنَّ تطهير البدنِ والثوبِ
للصلاة أو الطوافِ واجبٌ، تبطل الصلاةُ بتركه عمداً. وذكر العلماء الأعلام
رضوانُ الله عليهم، حرمة تنجيسِ المساجد، ووجوبَ تطهيرها مباشرة على سبيل
الوجوب الكِفائي، على كل المسلمين، حتى إنَّ تطهير المسجد مُقدَّمٌ عندهم
على صلاة الفريضة، ما لم يزاحم وقتها، وأفردوا لذلك أبواباً خاصة،
ومتفرعاتٍ كثيرةً مذكورةً في الكتب الفقهية.
كذلك فإنَّ أمواتَ المسلمين لا يجوز دفنُهُم إلاَّ بطهارة معروفةٍ منصوصٍ
عليها، كما يجب تطهيرُ الكفنِ لو افترضنا أنَّه تنجس، قبل وضْعِ الميتِ في
قبره.
هذا قليل من كثير، وغيضٌ من فيض حولَ حرص الإسلام على الطهارة والنظافة...
من هنا ورد الاستحبابُ في كنس البيوت وتنظيفها، حتى جاز التعبُّدُ إلى الله
تعالى والتقرُّب منه جلَّ وعلا من خلال ذلك. فقد قال النبي المصطفى محمد :
«اكنسوا أفنيتَكُم ولا تشبَّهوا باليهود».
ولعلَّنا نخشعُ لله أكثرَ عندما نعلمُ أن تنظيفَ البيوتِ، عن طريقِ
الكْنسِ، يقضي على الفقرِ ويزيدُ في الرِّزق. وهذا بحدِّ ذاته يحتاجُ إلى
شرحٍ وتفصيلٍ حول الآثار التي تتركُها النظافةُ في النفس الإنسانية ممَّا
لا مجال له الآن، ويُتركُ لوقت آخر إن شاء الله تعالى.
ورد عن مولانا أبي عبد الله الصَّادق قوله: «وكنسُ الفِناء مَجْلبةٌ للرزق»
وسائل الشيعة: ج3، ص571، ح5. وميزان الحكمة: ح20022. .
كما ورد عن أبي جعفر الباقر أنَّه قال: «كنسُ البيوت ينفي الفقر» وسائل
الشيعة: ج3، ص571، ح2، وميزان الحكمة: ح20021. .
ومن هنا أيضاً، ورد الاستحباب الخاصُ بضرورة إخراج الأوساخ والقُمامةِ
والقاذورات من المنزل، قبل مجيء اللَّيلِ وكراهية تركها إلى صباح اليوم
التالي، ولا يخفى ما في ذلك من آثارٍ اجتماعية على أفراد الأسرة ومن آثارٍ
على الناحية الصحية والجسمية،... من خلال تخمرها، أو رائحتها، أو تجمُّع
الحشرات عليها.
ونترك بحثَ هذا الأمر للإخوة الأطباء والأخصائيين في علم الاجتماع والنفس
والمدنية، ونستنيرُ بنهي الرسول حيث قال: «لا تُبيِّتوا القُمامة في
بيوتكم، وأخرجوها نهاراً، فإنَّها مقعدُ الشيطان» وسائل الشيعة: ج3، ص572،
ح2. وميزان الحكمة: ح20022. .
لذا كان من المكروه تَبْييتُ القُمامةِ في البيت، ووردَتْ الكراهيةُ أيضاً
في تجميع التراب أو الغبارِ في البيت، دون جمعهِ وإخراجه، حيث ورد عن
مولانا أمير المؤمنين قوله: «لا تأووا التراب خلفَ البابِ فإنَّه مأوى
الشياطين» وسائل الشيعة: ج3، ص571، ح1. وميزان الحكمة: ح20023. .
كما ورد الاستحبابُ أيضاً، في تنظيف البيوت من آثار العنكبوت وحَوْكِها
وبيوتها... ولعلَّ ذلك لآثاره النفسية في الإحساس بالوحْشةِ أو الخوفِ أو
التشاؤم... والله العالمُ بسر ذلك. قال الإمام علي : «نظِّفوا بيوتكم من
حَوْك العنكبوت، فإنَّ تركَهُ في البيت يورثُ الفَقْر» نهج البلاغة: ص577.
وميزان الحكمة: ح20026. .
وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على كراهية تركه، خاصة إذا ضَمَمْنا ما تقدَم إلى
الحديث المبارك المروي عن رسول الله في قوله: «بيتُ الشياطين من بيوتكم
بيتُ العنكبوت» نهج البلاغة: ص574، ح1. وميزان الحكمة: ح20025. .
ولقد ورد الاستحباب أيضاً في لِبْسِ الثوبِ النقي النظيف الطاهر، وأثرُ هذا
الاستحباب ملموس لدينا جميعاً، ويكفي لندركَهُ أكثَر، أن نقوم لساعتنا هذه،
ونغيِّرَ ثيابنا، بعد أن نُنظِّفَ أجسامنا، وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين
: حيث قال: «غسلُ الثيابِ يُذهِبُ الهمَّ والحُزنَ...» وسائل الشيعة: ج3،
ص346، ح4. .
وعن رسول الله أنَّه قال لإحدى زوجاته: «يا (فلانة) اغْسلي هذين الثوبين
أما علِمتِ أنَّ الثوبَ يُسبِّحُ، فإذا اتسخ انقطع تسبيحُه» ميزان الحكمة:
ح20033. .
وفي رواية عن الصَّادق يشرحُ فيها كيف أنَّ الله تعالى يحب إذا أنعم على
عبدِه نعمةً أن يُرى عليه أثرُها، فقال ذاكراً جملة استحبابات: «يُنظف
ثوبَه، ويطيِّب ريحَه، ويُجصِّصْ داره، ويَكِنسُ أفنيَتَهُ، حتى أنَّ
السراج قبل مغيبِ الشَّمس، ينفي الفَقْرَ، ويزيدُ في الرِّزق» وسائل
الشيعة: ج3، ص341. وميزان الحكمة: ح20123. .
مستحبات الدخول إلى المنازل والمبيت فيها
علِمْنا جميعاً، أنَّ الإسلام لم يتركْ شيئاً، أو أمراً من أُمور الحياة
إلاَّ وتطرق إليه، وجعل له حكماً معيناً. وبما أنَّ أُمور الحياة وشؤونها
كثيرة جداً لا تُحصى، فإنَّ الأحكام التي تتعلقُ بها أيضاً كانت كثيرةً
جداً ويصعُبُ حصرُها أو إحصاؤها.
ومن جملة هذه الأُمور، أحكامٌ تتعلقُ ببعض آداب المنزلِ، التي لا تخطُرُ
على بالِ الإنسانِ العادي، إلاَّ أنْ يُلْفَتَ إليها، فيتعجب كيف أنَّ
الإسلام لم يُهْمِلها، بل جعلَ لها أدباً وقانوناً وطريقةً خاصة بها.
ومن جملة هذه الأُمور، أنَّه يستحبُ للداخل إلى منزلِه أن يُسلِّم على مَنْ
فيه من أهلٍ وغيرهم، كمبادرة لطفٍ منه تجاهَهُمْ، وليكونَ لقاؤه بهم، بعد
غيابه، مفتتحاً بالتحية والسلام والبُشرى، أما إذا لم يكن هناك أحدٌ في
المنزل، فيستحبُ له أن يُلقي التحيةَ على نفسه قائلاً: «السلام علينا من
ربّنا»... ولعلَّ في ذلك نوعاً من الذكر، الذي ينبغي أن لا يغيبَ عن
المؤمن، بحالٍ من الأحوال.
كما يستحب له، عند دخول المنزِل، أن يقرأ سورة التوحيد، فإنَّها تنفي
الفقر، كما ورد عن علي حيث قال: «إذا دخل أحدُكم منزله، فلْيُسلِّم على
أهله، يقول: السلام عليكم؛ فإن لم يكن له أهلٌ فليقل: السلام علينا من
ربّنا، وليقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} ، حين يدخل منزلَهُ، فإنَّه
ينفي الفقر» وسائل الشيعة: ج3، ص575، ح1. .
كما يستحب، عند الدخول إلى منازل الآخرين، الجلوسُ حيث يأمر صاحبُ المنزل،
لأنَّه الأدرى بكيفية تنظيم منزله وترتيبه، ومواطن العورةِ التي تظهر منها
الغرفُ الداخليةُ، حيث يجب حفظُها وصيانتُها عن غير المحارم.
وبشكلٍ عام، لا بدَّ، عند الدخول إلى غير منازلنا، أن لا يكونَ موقُع
جلوسِنا، مواجهاً لباب أو شباكٍ يُشرف على أهل البيت . وينبغي أن يكون
الحرصُ في ذلك، من جهةِ الضيفِ أو الزائرِ، وإن لم يلتفت إلى ذلك صاحبُ
المنزل، لانشغاله بآداب الضيافة مثلاً. وفي هذا ورد عن الباقر ـ صلوات الله
عليه وعلى آبائه وأبنائه ـ قوله: «إذا دخل أحدُكم على أخيه في رَحْله،
فليَقْعُدْ حيث يأمره صاحبُ الرحل، فإنَّ صاحبَ الرحل أعرف بعورة بيته من
الداخل عليه» وسائل الشيعة: ج3، ص575. .
وهناك استحبابٌ خاصٌ واردٌ عن رسول الله والأئمَّة ، ينفع، خاصةً في حالات
انقطاع الكهرباء، حيث ورد استحبابُ إسراجِ السراجِ قبل مغيب الشَّمسِ
بقليل، وكراهيةُ الدخولِ إلى البيتِ المظلم، من دون ضوءٍ، لما قد يشكل ذلك
من خطر على النفس، من حيوانٍ أو حشرةٍ أو أثاثٍ لا يُرى، لئلا يتعثر فيه
الداخل، وهذه الأُمور تُبدَّدُ من خلال الضوء، ويُصبحُ الداخلُ على بصيرة
من أمره.
روى السكوني عن صادق آلِ محمَّد ، قال: «نهى رسول الله أن يُدخَلَ بيتٌ
مظلمٌ إلاَّ بمصباح» المصدر نفسه: ج3، ص573، ح1. .
وعن الرِّضا قال: «إسراجُ السراجِ قبل أن تغيبَ الشَّمسُ، ينفي الفقر»
وسائل الشيعة: ج3. وفي ذلك العديد من النصوصِ والروايات المباركة.
ولا بدَّ من التنبيه هنا، إلى كراهية إبقاء النَّارِ أو السراجِ مشتعلاً في
البيت، طوالَ اللَّيل، لما في ذلك من أضرارٍ متعددةٍ، تحدَّثت عنها بعضُ
الأبحاثِ العلمية الحديثة، ونطقت بها الروايات المقدَّسة. فقد ذُكر، في
جملة منها، أنَّ إبقاء السراجِ مشتعلاً في اللَّيل، قد يجعلُ الفأرة
تجُرُّها لتقع، فتشتعلُ النَّارُ في المنزل مثلاً،...
وقبل أن نستعرض ما ذُكر في هذا المجال، نذكر بالمناسبة أيضاً أنَّه يستحبُ
إغلاقُ الأبواب، قبل النوم، وتغطيةُ الأطعمةِ والأواني، حتى لا تكون عُرضةً
للحشرات المؤذية والمعدية. وفي هذا ورد عن رسول الله قوله: «أطفئوا
المصابيح باللَّيل، كي لا تجُرَّها الفُوَيْسِقة [وهي الفأرة] فتحرقَ
البيتَ وما فيه» المصدر نفسه: ج3، ص576، ح3. . وعنه : «لا تتركوا النَّار
في بيوتكم حيث تنامون» المصدر نفسه: ج3، ص577، ح1. .
وعن الصَّادق قال: «أغلق بابك، فإنَّ الشيطان لا يفتحُ باباً... وأوْكِ
الإناء [أي غطِّه]» وسائل الشيعة: ج3، ص576، ح1. (بتصرف). .
وعن رسول الله قال: «خمِّروا آنيتكم [أي غطُّوها] وأوكوا أسقِيتكُم، فإنَّ
الشيطان لا يكِشفُ غطاءً، ولا يحلُّ وكاءً...» المصدر نفسه: ص576، ح4. .
وقبل ختام الحديث نشير هنا إلى كراهية النوم في بيتٍ ليس له بابٌ ولا سترٌ،
حيث يكون النائمُ، في مثل هذه الحالات، بحاجة إلى الاطمئنان والراحةِ
والأمانِ، بعيداً عن أعينِ الناس، أو خطر الحيوانات الداهمة... وقد يكون
أيضاً، في حال نومه، في وضع لا يَسْتحسنُ ولا يُستحسنُ ظهورهُ أمامَ
الأجانب، كما ورد عن علي : «أنَّه كره أن يبيت الرجلُ في بيت ليس له بابٌ
ولا ستر» المصدر نفسه: ج3، ص577، ح2. .
هذه جملة من المستحبات التي يمكن تلخيصُها من باب التذكير فقط بالأُمور
التالية:
1 ـ استحباب التسليم عند دخولِ المنزل، وقراءةِ سورة الإخلاص.
2 ـ استحباب الجلوسِ حيث يأمُرُ صاحبُ المنزل.
3 ـ استحبابُ الإسراج، قبل مغيب الشَّمس، وكراهيةُ دخولِ المنزلِ دون وضوء،
وأيضاً كراهيةُ إبقاء النَّار مشتعلةً طوالَ اللَّيل.
4 ـ استحبابُ إغلاقِ الأبوابِ وتغطية الأطعمة والماء.
المبيت وحيداً
الإنسان بطبعه اجتماعي، أي لا يعيش لوحده، ولا يستأنسُ لوحده، بل لا بدَّ
له من أصحابٍ وأحبابٍ ليعيش معهم، وإلاَّ أدَّى ذلك إلى شدَّةِ وَحْشتِهِ.
والمؤمن بشكلٍ خاصٍ يتكامل مع إخوانه في الدِّين، الذين يستأنسِ بهم في هذه
الدُّنيا، ويخففُ من ألمِ غربةِ الدُّنيا عليه، بمُعايَشَتِهِم،
ومحادثَتِهم واستشارَتِهِمْ.
ولا شك أنَّ كلَّ إنسانٍ يشعر بوَحشة لها طعْمُها الخاص لو كُتب له أن
يعيشَ لوحده فكيف لو انضمت هذه إلى وحشة اللَّيل المظلم. لذلك وردت
الكراهيةُ في أن يبيت الإنسان وحدَه، أو يسافرَ وحدَه دون رفيقٍ أو صاحبٍ،
إلاَّ في حال الاضطرار، حيث يخرجُ الأمرُ عن إرادته، فيُنصَحُ عندئذٍ بكثرة
ذكر الله تبارك وتعالى، أو بأن يحمل القرآن الكريم معه، ويُكْثِرَ من
تلاوته، كلَّما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
فالإنسانُ في بعضِ الحالاتِ الخاصة، التي يفرضُها ظَرْفُ عمله أو معيشته،
قد يضطر إلى أن ينام لوحده، أو يسافر لوحده... ولكن، يكره له تعمد ذلك، حيث
تكون الآثارُ النفسية السلبية شديدةً عليه. فقد روى محمَّد بن مسلم، عن أبي
جعفر الباقر ، قال: «إنَّ الشيطانَ أشدُّ ما يهمُّ بالإنسان، حين يكونُ
وحده خالياً...» وسائل الشيعة: ج3، ص581، ح3. .
وعن الباقر ، عندما سأل رجلاً، قال: «يا ميمون من يرقُدُ معك باللَّيل؟
أمعكَ غلام؟» فقال ميمون: «لا»، فتابع الباقر قائلاً: «فلا تنم وحدَكَ،
فإنَّ أجرأ ما يكونُ الشيطانُ على الإنسان، إذا كان وحده» المصدر نفسه: ج3،
ص581، ح2. .
ونهى الرسولُ أصحابه أن يمضيَ كلُّ واحدٍ منهم على حدة، وذلك، عندما خرج في
سريَّةٍ، فأتى وادي مجنَّة، فنادى أصحابه: «ألا، لِيأخُذْ كلُّ رجل منكم
بيد صاحبه، ولا يَدْخُلنَّ رجلٌ وحده، ولا يمضي رجلٌ وحده» المصدر نفسه:
ج3، ص580، ح1. .
أمَّا في الحالات الاضطرارية الطارئة، أي عندما يُفرضُ على المرء، لسببٍ من
الأسباب، أن يكون لوحده، فَلْيحمل قرآناً، ولا ينس ذكر الله جلَّ اسمُه،
لأنَّه بذكره تبارك وتعالى، تطمئنُ القلوب، وتَسكُنُ النُّفوس. فقد روى
سُماعةُ بنُ مهران، قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يبيتُ في بيته وحده؟
فقال: إنِّي لأكره ذلك، وإن اضطرَّ إلى ذلك فلا بأس، ولكن يُكْثرُ ذكرَ
الله في منامه ما استطاع» وسائل الشيعة: ج3، ص581، ح4. .
وعن علي بن الحسين قال: «لو مات مَن بين المشرق والمغرب، لما استوحشتُ، بعد
أن يكون القرآنُ معي» المصدر نفسه: ح3، ص582، ح6. .
وفي إشارة إلى عظمةِ القرآن وجلالِه وأنَّه هبة وعطية إلهيَّة لا تقدر، روي
عن رسول الله قوله: «من أعطاه الله القرآن، فرأى أنَّ رجلاً أعطي أفضل
ممَّا أعطي، فقد صغَّر عظيماً، وعظَّم صغيراً» المصدر نفسه: ج3، ص582، ح7.
.
وعلى كلِّ الأحوال، فإنَّ الروايات المشيرة إلى كراهية أن ينام الإنسانُ
لوحده كثيرةٌ، وكذلك أن يسافِرَ لوحده... وإذا فُرض عليه ذلك،
فَلْيَسْتَعِنْ بكتاب الله تبارك وتعالى، وذكره، فهو سبحانه أنيسُ من لا
أنيس له، ومعينُ من لا معينَ له، وأمانِ من لا أمانُ له.. وهو تبارك وتعالى
أمانُ الخائفين ودليلُ المتحيرين... فلعلَّ الله سبحانه يجد صدق تضرعِهِ،
وإخلاص توجُهِهِ، وعظيمَ شوقه، فَيُعْطِيَه على قدْرِ نيته، ويُثبِّتهُ
بالسكينة والأمان وقُوَّة الجنان. وفي هذا المجال، ورد عن مولانا الصَّادق
، في وصيته لهشام بن الحكم في حديث طويل، قال: «يا هشام، الصبرُ على الوحدة
علامةُ قوَّةِ العقل» وسائل الشيعة: ج4، ص582، ح8. .
خلاصة ما تقدَّم، تتلخص في أُمور: كراهية أن يبقى الإنسانُ لوحده، خاصةً في
حالَتيْ السفر، واللَّيل، وإذا ما اضطُرْ إلى ذلك، فعليه بذكر الله جلَّ
اسمُه، وتبارك، كما ينبغي لوجهه الكريم... فإنَّ الاستعانة به، خاصةً في
حالاتِ الشِّدَّة، تجارةٌ لن تخيب، فهو سبحانه، رفيقُ من لا رفيق له،
ومغيثُ من لا مغيث له، ودليلُ من لا دليل له، وصاحب من لا صاحب له، وأنيس
من لا أنيس له....
بناء المنزل
انتشرت في المدة الأخيرة، في مجتمعاتنا ظاهرةُ إنشاءِ الأبنية الفخمة،
والمبالغة في إنفاق الأموال عليها، وتزيينها وتنميقها، بقصد التفاخر على
الآخرين، والتسابقِ في رفع رصيدِ السُّمْعةِ والوجاهة. وهذه الظاهرة
الممقوتةُ، البعيدةُ عن روح الإسلام وجوهَرِه، تُناقض ما دعا إليه الإسلام،
على الأقل من جهتين:
الأولى: عدمُ التعلقِ بأُمور الدُّنيا، فوق الحاجة والكفاف، وما يُعين على
سلوكِ دار الممر إلى دار المقر.
والثانية: حبُّ السمعة والشهرة، والتعالي والتفاخر على أبناء ديننا... وهذا
من المنكراتِ المعروفة.
صحيحٌ أنَّه يستحب للمرء أن يكون لديه دارٌ وسيعةٌ يرتاح إليها، ويستضيفُ
إخوانه فيها، ولكنَّ التفاخر بها، على بني ديننا وأهلِنا وأحبائِنا،
مَنْهيٌ عنه، فاستحبابُ سعَةِ المنزل شيء، واتخاذُهُ للتجبر شيء آخر. حيث
ورد عن رسول الله قوله: «ومن بنى بُنياناً رياءً وسُمعةً، حمله الله يوم
القيامة من الأرضِ السابعة، وهو نارٌ يشتعل منه، ثمَّ يُطوَّق في عنقه،
ويُلقى في النَّار، فلا يحبِسُهُ شيء منها دون قعرها، إلاَّ أن يتوب»، قيل:
يا رسول الله كيف يبني رياءً وسُمعةً؟ فقال: «يبني فضلاً على ما يكفيه (أي
زيادةً على ما يكفيه) استطالةً به على جيرانه، ومباهاةً لإخوانه» وسائل
الشيعة: ج3، ص588، ح4. .
وعن الصَّادق قال: «كلُّ بناءٍ ليس بكفاف، فهو وبالٌ على صاحبه يوم
القيامة» المصدر نفسه: ج3، ص587، ح1. .
ويُروى أنَّ أمير المؤمنين مرَّ بباب رجلٍ قد بناه من حجارةٍ فخمة، بالنسبة
لزمانه، فقال: «لمن هذا الباب؟» فقيل: «المغرور الفلاني»، ثمَّ مرَّ بباب
آخر، قد بناه صاحبُه بنفس تلك الفخامة، فقال: «هذا مغرور آخر» المصدر نفسه:
ج3، ص587، ح2. .
وعن الصَّادق قال: «من بنى فوق ما يسكُنُه، كُلِّفَ حملَهُ يوم القيامة»
المصدر نفسه: ج3، ص587، ح3. .
من هنا، كانت كراهيةُ تشييد الأبنية، بقصد الشهرة والرياءِ والسمعة، وفوق
الحاجة الفعلية الواقعية، واستحباب الاقتصار على الكفاف واللازم فقط .
ويُستحب لمن بنى مَسْكناً، أن يصنع وليمةً، ويذبحَ كِبْشاً سميناً، ويُطعمَ
لحمه المساكين، فقد ورد عن رسول الله أنَّه قال: «من بنى مسكناً، فذبح
كِبْشاً سميناً، وأطعم لحمه المساكين، ثمَّ قال: اللَّهمَّ ادحر عنِّي
مرَدَةَ الجنِ والإنس والشياطين، وبارِكْ لي في بنائي، أُعطيَ ما سأل»
وسائل الشيعة: ج3، ص591، ح1. .
كذلك يُستحب لمن بنى داراً، ورَفعَها فوقَ ثمانية أذرعٍ، أن يكتبَ عليها،
في أعلاها، آية الكرسي دوراً، فقد روى أبو خديجة، قال: «رأيتُ مكتوباً، في
بيت أبي عبد الله ، آية الكرسي، قد أُديرتْ بالبيت، ورأيتُ في قِبلةِ
مسجدِهِ مكتوباً آية الكرسي» وسائل الشيعة: ج3، ص567، ح4. ، وروى الكفعمي
في كتاب مفاتيح الغيب: أنَّه من كتب لفظة «بسم الله» على بابه الخارج،
أَمِنَ من الهلاك مفاتيح الجنان: ص524. .
ويُستحبُ أيضاً، بناءُ حائطٍ على السطوحِ من جوانبها الأربعة، على أن لا
يقل عن ذراع وشبر، ويكرَهُ المبيتُ على السطح وحده، وكذلك على سطحٍ غير
مُحجَّر، أي ليس عليه حائطٌ من جميع جوانبه، فلقد نهى رسول الله أن يُبات
على سطح غير محجر وسائل الشيعة: ج3، ص568، ح2. . وسأل عَيْصُ بن قاسم
الإمام الصَّادق ، عن النوم على السطح المبني من جهاتٍ ثلاث فقط، فقال :
«لا، إلاَّ الأربعة»، وعن طول الحائط قال : «أقْصَرُهُ ذراعٌ وشبرٌ» المصدر
نفسه: ج3، ص568. . وذُكر في روايات أُخرى: أن يكون مقدارُ ارتفاع الحائطِ
ذراعين المصدر نفسه: ص568، ح1. .
ويكره لمن أراد أن يبني منزلاً أن يرفعه، أكثر من ثمانية أذرع... وتعليلُ
ذلك، بحسب ما يُفهم من الروايات المباركة، أنَّه دليلٌ على التكبر
والاستعلاء، أو أنَّ الجنَّ تسكُنُه عندئذٍ، أو لما ذُكر من أنَّه، إذا زاد
عن هذا الحد، فَلْيكتُبْ عنده آية الكرسي عندئذٍ، ففي رواية: «ما رُفع من
السقف فوق ثمانية أذرع فهو مسكون» المصدر نفسه: ج3، ص566، ح6. . وفي بعضها:
أنَّها إذا بلغتْ ذلك الحدَّ فهي مسكونة، أو مُحْتضرة، أو مسكنٌ للشياطين
التي تسكن الهواء، وليس في السَّماء أو الأرض، كما عن الصَّادق .
وعنه قال: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ، وكَّلَ ملَكاً بالبناء، يقول لمن رفع
سقفاً فوق ثمانية أذرع: أين تريد يا فاسق» المصدر نفسه: ج3، ص565، ح2. .
ومن جهة أُخرى وعلى كلِّ حال، مَنْ قُدِّر له أن يسكن بناءً عالياً، كما هو
حال أكثرنا اليوم في العمارات العالية والبنايات الحديثة، فلا ينظرنَّ إلى
سكان البيوت التي تحيط به، فإنَّ في ذلك بلاءً عظيماً، وفتنةً لا تُحمدُ
عقباها، فقد نهى رسول الله أن يطَّلعَ الرجل في بيت جاره وسائل الشيعة: ج3،
ص585، ح1. .
وخلاصة ما تقدَّم: أنْ لا نبني الأبنية رياءً وسمعةً، ولا نبالغ في تفخيمها
وتزيينها، على عادة ملوك الدُّنيا وجبابرتها. وأن ندعو المساكين إلى
مائدةٍ، في المنزل الجديد... وأن نُسوِّر سطحه، بحائط من جهاته الأربع..
وأن نزينه بآية الكرسي المباركة...
المصلى في المنزل
ممَّا لا شك فيه أنَّ الصلاة في المساجد مستحبٌ مؤكد، وفيه ثوابٌ عظيم...
لكنْ، يُستحب للمرء أن يتخذ في منزله، مكاناً خاصاً للصلاة والقيام ،
والتهجد والتضرُّع، والتوجه والعبادة وأن يكون في المنزل مكانٌ قد جُعل
للعبادة خاصة، وأن تكون مساحتُهُ لا هي بالكبيرة ولا هي بالصغيرة.. فعلى
الإخوة المؤمنين الكرام، أن يعملوا لذلك خاصةً مَنْ كانت دارهُ واسعةً، أو
كان في صَدَدِ إنشاء دارِه وتعميرها، أو كان هناك مجالٌ لذلك.
فقد رُوي عن الصَّادق قولُه: «اتخذ مسجداً في بيتك» وسائل الشيعة: ج3،
ص555، ح2. وعنه قال: «إنَّ البيوت التي يصلَّى فيها باللَّيل، بتلاوة
القرآن، تُضيءُ لأهل السَّماء، كما تُضيءُ نجوم السَّماء لأهل الأرض» وسائل
الشيعة: ج3، ص554، ح1. .
ولعلَّ الفائدة المتوخاة من جعل مُصلَّى في البيت لا تخفى على المتأمل، حيث
إنَّه يكون خالياً من الزينة، والملاهي والألوان، وما قد يُشْغِلُ الإنسانَ
عن عبادته، إضافةً لكونِه الأطهرَ من غيره، من جهاتِ المنزل الأُخرى،
ويكونُ فيه ما يحتاجه للصلاة والعبادة، من سجادةٍ ومُصْحفٍ، وكتاب دعاءٍ،
وسُبحَة، وغيرها من الحاجيَّات الأُخرى.
وكان أميرُ المؤمنين، عليٌّ ، قد اتَّخذ غُرفةً خاصةً في داره، ليست
بالكبيرة ولا بالصغيرة، فكان إذا أراد أن يُصلِّيَ، من آخر اللَّيل، أخذ
معه صبياً لا يحتشم منه، ثمَّ يذهبُ إلى ذلك البيت فيصلِّي المصدر نفسه:
ج3، ص555، ح3 (بتصرف). .
وعلَّق الحرُّ العامليُ، رضوانُ الله عليه، على اصطحاب علي للصبي، بكراهة
أن يخلو الإنسانُ في بيت وحده. ورُوي عن الإمام الصَّادق قال: «كان لعلي
بيتٌ ليس فيه شيءٌ إلاَّ فراشٌ وسيفٌ ومصحفٌ، وكان يُصلِّي فيه» المصدر
نفسه: ج3، ص555، ح5. . ويُلاحَظُ، في هذه الرواية، احتفاظُ علي بالسيف،
تماماً كاحتفاظه بالمصحف في مُصلاه.
ومن جهة أُخرى، يُؤكَّدُ على المرأة، على وجه الخصوص، أن تختار في بيتها
مكاناً خاصاً للصلاة، وأن يكون أستر موضعٍ في دارها ، وهذا فيه دلالةٌ
واضحةٌ على ضرورة صيانة المرأة لنفسها، وأن تحتاطَ في سِتْرها، أكثر من
غيرها، فحتى صلاتُها تكونُ في بيتها، وهي أفضل من صلاتها في المسجد، بالرغم
من أهمية المسجد ومكانته في المجتمع الإسلامي.
ورد عن الإمام الصَّادق : إنَّ أفضل مكانٍ لصلاةِ المرأة إنَّما يكون في
مخْدَعِها وسائل الشيعة: ج3، ص510، ح1. . كما روي عنه قوله: «خيرُ مساجدِ
نسائِكم البيوت» المصدر نفسه: ج3، ص510، ح2. . وعن النبي : «صلاةُ المرأةِ،
وحدَها في بيتها، كفضلِ صلاتها في الجمْع خمساً وعشرين درجة» المصدر نفسه:
ج3، ص510، ح5. .
قال السيِّدُ اليزدي في عُروتِهِ الوثقى: «... ويستحب أن يجعل في بيته
مسجداً، أي مكاناً مُعَداً للصلاة فيه، وأن لا يجري عليه أحكامُ المسجد،
والأفضلُ للنساء الصلاةُ في بيوتهنَّ، وأفضلُ البيوت بيتُ المَخْدع...
العروة الوثقى: ج1، ص452، م4. ووافقه على ذلك، كل من الإمام الخميني
والسيِّد الخوئي، والشيخ الأراكي والسيِّد الگلبيگاني، شملهم الله تعالى
برحمته الواسعة، في الدُّنيا والآخرة.
صحيحٌ أنَّ الصلاةَ في المساجد، فيها استحبابٌ مؤكد،... لكنَّه لا بأس على
الرجلِ أن يُصلِّيَ نوافِلَه في منزله، بقصد الإخفاء، دون الفرائض. أمَّا
استحباب التردُّد دائماً إلى المسجد، فقد وردت فيه النصوصُ الكثيرةُ التي
فاقت حدَّ الاستفاضة، ومنها: ما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعن
ولده الحسين ، وما ورد عن رسول الله حيث قال: «من اختلف إلى المسجد أصاب
إحدى الثماني: أخاً مستفاداً في الله، أو علْماً مستطرفاً، أو آيةً محكمةً،
أو يسمعُ كلمةً تدلُّ على هدى، أو رحمةً منتظرة، أو كلمةً تردُّه عن ردى،
أو يتركُ ذنباً خشيةً أو حياءً وسائل الشيعة: ج3، ص480، ح1. .
أما استحبابُ أن تكونَ النوافل مخفيةً في المنزل، فيستفاد ممَّا ورد عن أبي
ذر، عن رسول الله . في وصيته الطويلة له: «... يا أبا ذر، إنَّ الصلاة
النافلة تفْضُلُ في السرِّ على العلانية، كفضلِ الفريضةِ على النافلة؛ يا
أبا ذر، ما يتقرَّبُ العبدُ إلى الله بشيءٍ أفضل من السجود الخفي؛ يا أبا
ذر، أذكر الله ذِكراً خاملاً».
يقول أبو ذر: قلتُ: «وما الذِّكرُ الخامل؟»، قال : «الخفي» وتابع «... يا
أبا ذر، إنَّ ربَّك يباهي الملائكة بثلاثةِ نفر: رجل يُصْبحُ في أرضٍ
قَفْر، فيؤذِّنُ ثم يقيمُ ثم يصلِّي، فيقولُ ربُّك عزَّ وجلَّ للملائكة:
انظروا إلى عبدي يصلِّي، ولا يراه أحدٌ غيري، فينزلُ سبعون ألفَ مَلَكٍ،
يُصلون وراءَه، ويستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم. ورجلٌ قام من اللَّيل
يُصلِّي وحده، فسجد، ونام وهو ساجد؛ فيقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي،
روحُهُ عندي، وجسدُهُ في طاعتي ساجد. ورجلٌ في زحف، ففرَّ أصحابُه، وثبت
هو، يقاتل حتى قُتل» وسائل الشيعة: ج3، ص555، ح7. .
فتكون خلاصة ما تقدَّم.
استحباب الصلاة في المساجد...
واستحباب أن يتخذ المرءُ، في منزله، مكاناً خاصاً للصلاة، ويؤكَّد
الاستحباب على المرأة، وكلَّما كان المكان مستوراً أكثر، كلَّما كان أفضل.
كما يستحب إخفاء النوافل، وإقامتها في المنزل، ولعلَّ ذلك خوفاً من أن يدخل
إلى النفس من العُجب والزهو، أكثَرَ ممَّا كانت ترجو من الثواب والفضل.
فصل في آداب النوم
كثرة النوم
من الاحتياجات الطبيعية لكل إنسانٍ، النوم... الذي لا يستطيع كائنٌ حيٌّ أن
يتخلى عنه، أو يستغني عنه. فالنوم سلطان يُخضعُ الإنسان والكائنات الحية،
إذ يُذكِّرُها بضعفها وحاجتها، وأنَّه سيدركها الموت الذي لا بدَّ من
وقوعه، مهما طال العمر، كما أنَّ النوم لا بدَّ من وقوعه مهما طال
السَّهرَ، وفي هذا ورد عن رسول الله قوله: «النوم أخو الموت...» ميزان
الحكمة: ح20613. .
فالنوم ضرورة جسدية، ولعلَّه أيضاً ضرورةٌ تربوية تهذيبية، تذكر بالموت
والآخرة وقرب اللقاء، وسرعة الرحيل، ومع هذا فقد ورد عن الأنبياء ، كراهيةُ
كثرةِ النوم، والاستغراقِ فيه، لأنَّه يؤدِّي فيما يؤدِّي إلى إضاعة العمر،
الذي هو أنفسُ ما يمتلكه الإنسانُ في حياته الدُّنيا، حيث يُفوِّتُ النوم
عليه فُرصةَ السعي والعملِ والإحسانِ والخير...
وكثرةُ النوم أيضاً مكروهةٌ لأنَّه علامةُ البطالةِ والتقاعسِ وحبِّ الدَعة
والركون.. ففي إشارة إلى الخسارات الجسيمة المترتبة على كثرة النوم في
الدُّنيا والآخرة، يشير الصَّادق في كل من بحار الأنوار وفروعِ الكافي
قائلاً: «كثرة النوم مُذْهبةٌ للدِّين والدُّنيا» ميزان الحكمة: ح20622. .
فأما أنَّها مُذْهبةٌ للدُّنيا، فهذا واضحٌ من خلال تضييعه وتفريطِهِ بعدد
الساعات الزائدِ عن حاجته من النوم. فبدل أن ينام مثلاً ست ساعات أو سبعاً،
ينام عشر ساعات أو أكثر وعندها يضيع جزءٌ هامٌ من حياته فالأكثرية الساحقة
من الناس، تقضي ثُلُثَ عمرها في النوم فقط... فمن عاش ستين سنة، فقد قضى
نائماً من حياته عشرين سنة.
هذا بالنسبة لخسارة الدُّنيا، أما خسارة الدِّين، من خلال كثرة النوم،
فإنَّما تكون بإضاعة الوقت، والتفريط بالفرص الثمينة، ليستزيد الإنسان من
العمل الصالح وفعل الخير، بينما الوقتُ الباقي الذي لا ينام فيه، بالكاد
يكفي لاحتياجاته الحياتية والمعيشية، من تحصيل طعام وشراب وكِسْوةٍ ومأوى.
وبذلك نفهم قول الصادق : «كثرة النوم، مذهبة للدِّين والدُّنيا» ميزان
الحكمة: ح20622. .
وكراهية كثرة النوم، لكونها ممقوتة عند الله تعالى، بسبب التمادي في الغفلة
والسهو، فإنَّها مؤديةٌ إلى الفقر المادي والمعنوي. فقد روي عن الكاظم
قوله: «إنَّ الله يُبغض العبد النوَّام الفارغ». كما نُقل عن أُمّ سليمان
بن داود أنَّها قالت له: «إيَّاك وكثرة النوم باللَّيل، فإنَّ كثرة النوم
تدع الرجل فقيراً يوم القيامة» المصدر نفسه: ح20615. .
وفي نص آخر أنَّها قالت له: «يا بني إيَّاك والنوم، فإنَّه يُفقرك، يوم
يحتاج الناس إلى أعمالهم» المصدر نفسه: ح20616. .
وكم منَّا مَنْ يخططُ برنامجاً كاملاً لتمام نهاره... ولكنَّه لا يُتمُّهُ
بسبب النوم المفاجىء أو الكثير... وقد يضطرُ أحياناً إلى إخلاف المواعيد،
أو تأجيل الأعمال، أو التساهل في أدائها، فتؤجل ليوم آخر... حيث يؤثر ذلك
على أعمال اليوم الجديد. وفي هذا المعنى، ورد عن علي قوله: «من كثر في ليله
نومه، فاته من العمل ما لا يستدْرِكُهُ في يومه» ميزان الحكمة: ح20625. .
وذكر ، ما يشير إلى ذلك، في الخطبة الحادية والأربعين بعد المائتين في نهج
البلاغة، قائلاً: «ما أنقضَ النومَ لِعزائم اليومِ» المصدر نفسه: ح20623. .
وقد كرَّر ، القول نفسه حرفياً في الحكمة الحادية والأربعين بعد المائة
الرابعة من النهج أيضاً ليُبينُ أنَّ القرارات المتخذة، يُمكن أن يوقفها أو
يُلغيَها النومُ وبذلك تعظمُ الخسارة.
وإذا كان النوم ضرورياً ولا بدَّ منه فإنَّ كثرته تؤدِّي إلى الخسارة
الدنيوية والأخروية وإلى الفقر الدنيوي والأخروي فمن كان مستعداً للقاء
ربّه، مشتاقاً إليه تبارك وتعالى، فليكثر من العمل وليقلل من النوم، حيث
ورد عن علي أنَّه قال: «من خاف البيات قلَّ نومهُ» ميزان الحكمة: ح20618. .
قبل النوم
عندما يلجأ الواحد منَّا إلى فراشه، فإنَّه يشعر في قرارة نفسه وكأنَّه
يموت موتةً صغرى، فلا يعود يُحسُّ بما يجري حوله، وتتعطل حواسهُ، وتسكن
حركاتهُ، ويحسبه الناظرُ إليه، لولا أنفاسه، أنَّه قد انتقل إلى جوار ربّه.
لذا، كان للنوم آدابٌ ومستحباتٌ، دأب على فعلها الصالحون والسالكون
والمراقبون، المحبون لطاعة الله، المشتاقون إلى رضوانه، الطامعون برحمته.
بناءً على ما تقدَّم، يستحب لمن أراد أن يأوي إلى فراشه أن يتطهَّر، أي
يتوضأ كوضوء الصلاة تماماً ، حتى يكون أيضاً في نومه كأنَّه في عبادة الله
عزَّ وجلَّ. فقد ورد في الخبر أنَّه: إذا نام على الطهارة رُفع بروحه إلى
العرش المحجة: ج2، ص367. . وورد عن رسول الله قوله: «من نام على الوضوء، إن
أدركه الموتُ في ليله، فهو عند الله شهيد» ميزان الحكمة: ح20633. .
وعن الصَّادق : «من تطهَّر، ثمَّ أوى إلى فراشه، بات وفراشهُ كمسجده»
المصدر نفسه: ح20632. .
هذه المقامات العالية، ينالها عامة الناس، بمجرد أنَّهم ناموا على طهارة
ووضوء، فإذا بأرواحهم ترتفع إلى السَّماء، ويُكتبون مع الشُّهداء، ويكون
فراشُهم كالمسجد، فكيف لو فعل ذلك المؤمنون والمتدينون والمجاهدون... وكيف
لو فعل ذلك العلماءُ الربانيون وأربابُ القلوب الصافية، فإنَّهم يُكاشَفون
بالأسرار في النوم ولذلك قال رسول الله : «نوم العالم عبادة، ونَفَسُهُ
تسبيح» المحجة: ج2، ص367. .
ومن أراد أن لا يُحرمَ من هذه السُّنَّة النبوية الشريفة عليه إذا لم يجد
الماء أن يتيمم من دثاره، فبهذا أفتى الفقهاء، رضوان الله عليهم، إظهاراً
لأهمية المطلب...
فقد ذكر السيِّد الطباطبائي اليزدي (قدِّس سرُّه) أنَّه يجوز التيمم، حتى
مع التمكن من استعمال الماء، وذلك للنوم، والقدر المتيقن هو ما إذا أوى إلى
فراشه فتذكر أنَّه ليس على وضوئه، فيتيمم من دثاره...
وهناك تفاصيل أُخرى، تتعلق بالمسألة، وإلى هذا أشارت رواياتٌ عديدة، منها
ما رُوي في الفقيه المحجة: ج2، ص367. ، عن الصَّادق ، وما رُوي في بحار
الأنوار، عنه حيث قال: «من تطهَّر ثم أوى إلى فراشه، بات وفراشهُ كمسجده،
فإن ذكر أنَّه على غير وضوء، فليتيمم من دثاره كائناً ما كان، فإن فعل ذلك،
لم يزل في الصلاة وذكر الله عزَّ وجلَّ ميزان الحكمة: ح20634. .
وربَّما يشار في هذا المجال، إلى أنَّ للطهارة عند النوم إشاراتٍ خاصةً،
يذكرها أهلُ تفسير المنامات والرؤى، فمن تطهر، كان أهلاً لعروج روحه إلى
مُقامات عالية، وكانت رؤياه صادقة، وأما من لم يتطهر فإنَّ روحه تقصر عن
بلوغ ذلك، فقد ورد عن رسول الله قوله: «إذا نام العبد على طهارة، عُرج
بروحه إلى العرش، وكانت رؤياه صادقة، وإن لم ينم على طهارة، قصرت روحهُ عن
البلوغ فتلك المنامات أضغاثُ أحلامٍ لا تَصْدُق» المحجة: ج2، ص367. .
كما يُستحبُ للعبد، قبل أن يأوي إلى فراشه، أن يعرض نفسه على الخلاء، ثم
يتوضأ وينام، وفي ذلك منافع جسدية جمَّة، ذكرها الأطباء ونصحوا بها، وكتبوا
عنها المُطوَّلات.. وهذا ما كان قد ذكره الإسلامُ منذ مئات السنين، حين ورد
عن مولانا أمير المؤمنين في بحار الأنوار، قوله وهو يوصي ابنه الحسن : «يا
بني ألا أعلِّمُكَ أربعَ خصال، تستغني بها عن الطبْ؟ فقال الحسن: «بلى يا
أمير المؤمنين».
فقال عليٌّ : «لا تجلس على الطعام، إلاَّ وأنت جائع، ولا تقم عن الطعام
إلاَّ وأنت تشتهيه، وجوِّد المضغ، وإذا نمت، فاعرض نفسك على الخلاء، فإذا
استعملت هذه، استغنيت عن الطِّب» ميزان الحكمة: ح20636. .
كما يستحب قبل النوم، محاسبةُ النفس على ما قامت به في نهارها، فيشدِّدُ
عليها الحساب ويردعُها عن التمادي، ويتوب عن المعصية، ويعاهدُ الله على أن
لا يعود إلى ذلك أبداً، ويستعد للموت، فإنَّ نومه هذا أكبرُ مذكّرٍ له
بالموت والرحيل، ولعلَّ لحظاتِه هذه هي آخرُ لحظاتِ دُنياه وفي هذا الإطار
ورد عن الصَّادق أنَّه قال: «إذا أويت إلى فراشك، فانظر ما كسبت في يومك،
واذكر أنَّك ميتٌ، وأنَّ لك معاداً».
نخلص ممَّا تقدَّم إلى أنَّ المستحبات التي ذُكرت قبل النوم، هي ثلاثة:
الأوَّل: أن يتطهروا وضوءاً قبل النوم أو يتيمموا لذلك.
الثاني: أن يعرضوا أنفسهم على الخلاء قبل النوم.
الثالث: أن يحاسبوا أنفسهم في لحظات الوداع الأخيرة.
على الجانب الأيمن
ذكرنا فيما تقدَّم جملة مستحباتٍ ينبغي القيام بها قبل النوم، ومن بينها
الوضوءُ أو التيمم.
وينبغي أيضاً، أن لا يبيت الإنسان إلاَّ ووصيتهُ حاضرة، لأنَّه لا يدري ما
يُصيبه، فلعلَّه يتوفى في نومه هذا، وهو بلا وصيةٍ، قال الله تعالى:
{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي
مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ *} سورة الزمر: الآية 42. .
وروي عن رسول الله قوله: «مَنْ لم يُحْسِنْ وصيتَه عند الموتِ، كان نقصاً
في مروَّته وعقله» المحجة: ج2، ص369. .
كما ينبغي أيضاً أن لا يُغمضَ جفونه، إلاَّ وقد تاب من كل ذنب اجترحه أثناء
النهارِ ويؤوبُ إلى الله مآباً. فيطهر قلبه من كل ظنِ سوء، ولا يُحدِّث
نفسه بظلم أحدٍ، أو اعتداءٍ أو عُدوانٍ، ولا ينوي معصية الله تعالى، لو
استيقظ أو قام من نومه، فقد روي عن رسول الله أنَّه قال: «من أوى إلى
فراشه، لا ينوي ظلم أحدٍ، ولا يحقدُ على أحدٍ، غُفر له ما اجترم» المحجة:
ج2، ص369. .
ويُنصح السالكُ إلى الله تعالى، أن لا يبالغ في تكلفِ الفراشِ ووسائلِ
الراحة حتى لا يكون ذلك مانعاً له من القيام للتهجد والتعبد، وقت السحر...
وقد كان السلفُ الصالح، من علمائنا الأعلام، رضوان الله عليهم، ينامون على
أغطيةٍ عادية، وليس بينهم وبين التراب إلاَّ الشيء البسيط، تزهيداً في
الدُّنيا، وترويضاً للنفس، وتعويداً لها على المشقات، ودرءاً لها عن
المعاصي، وكانوا يعتبرون ذلك أرقَّ لقلوبهم، وأجدر لتواضع نفوسهم... وإلى
هذا ألمح الأمير في نهجه حيث قال: «طوبى لنفسٍ، أدَّتْ إلى ربِّها فرضها،
وعركَتْ بجَنْبها بُؤسَها، وهجرتْ في اللَّيل غُمضَها، حتى إذا غَلَبَ
الكرى عليها، افترشَتْ أرْضها، وتوسَّدَتْ كفَّها، في معشرٍ أسهر عيونهم
خوفُ معادِهم، وتجافَتْ عن مضاجعهم جنوبُهم...» نهج البلاغة: ك45. .
إذاً، ينبغي عدمُ التكلفِ في تهيئةِ وسائلِ النومِ المريحة، وعلى كلِّ حال
مَنْ لم تسمَحْ له نفسُه بذلك، فليقتصد.
ويستحب النومُ مستقبل القبلة، والمقصودُ به استقبالُ اللحدِ كما يُجعلُ
الميتُ في قبره، أي يستحب النومُ على الجانب الأيمن، مستقبلاً للقبلة
الشريفة بصفحة وجهه.. وفي ذلك عدَّةُ نصوصٍ وروايات، منها ما ورد عن الإمام
علي ، حيث قال: «... والمؤمن ينام على يمينه، مستقبل القبلة..».
وينبغي له أن يتوسَّد بيمينه، أي أن يجعل خدَّه الأيمن على باطن يُمناه،
متوسداً بها، وإلى هذا أشار الأمير بقوله: «... افترشَتْ أرضها، وتوسَّدتْ
كفَّها...».
كما يستفاد ذلك من صحيحة محمد بن مسلم، حيث قال له الإمامُ الباقر : «إذا
توسَّد الرجلُ بيمينه فليقل: بسم الله الرحمن الرحيم، اللَّهمَّ إنِّي
أسلمت نفسي إليك، ووجَّهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك،
وتوكَّلت عليك، رهبةً منك ورغبةً، لا ملجأ ولا منجا منك إلاَّ إليك، آمنتُ
بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت» ثمَّ يُسبِّح تسبيح الزَّهراء .
ويستحب قراءةُ سورٍ وآياتٍ مخصوصة، وبعض الأدعية عند النوم منها: {قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} ، {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ *} ، آية الكرسي، و
{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *} المحجة: ج2، ص371. ... كما يستحب قراءة
الآية الأخيرة من سورة الكهف، حين ينام، وقد ورد عن الصَّادق ، أنَّه ما من
عبد قرأ آخر الكهفِ حين ينام، إلاَّ استيقظ في الساعة التي يريد... وهذا من
الأسرار العجيبة المُجرَّبة التي لا شك فيها المصدر نفسه. .
وفي الكافي عن النبي : إنَّ من قرأ الآية الأخيرة من سورة الكهف، سطع له
نورٌ إلى المسجد الحرام، وحُشي ذلك النُّورُ بملائكةٍ يستغفرون له المحجة
ج2، ص371. . والآية المباركة هي: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو
لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ
رَبِّهِ أَحَدًا *} سورة الكهف: الآية 110. .
خلاصة ما تقدَّم من مستحبات قبل النوم عدَّة أُمورٍ، هي:
1 ـ كتابة الوصية.
2 ـ التوبة الصادقة.
3 ـ استقبالُ القبلةِ، وتوسُّد الكفِ الأيمن.
4 ـ قراءةُ بعض السُّوَرِ والآياتِ والأدعيةِ الخاصة.
اليقظة من النوم
عندما ينام الإنسان عليه أن يتوقع أمراً من أمرين: إما أن تُقبض روحُه،
وإمَّا أن تردَّ إليه، فيستيقظَ ليعمل من جديد، بعد أن فُسِحَ له في أجله
مرَّةً أُخرى. قال الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ
حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي
قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} سورة الزمر: الآية
42. .
وكان النبي ، حين ينام، يضع خدَّه على يده اليمنى، وهو يرى أنَّه ميتٌ في
ليلته تلك المحجة: ج2، ص372. . وروي أنَّ لقمان قال لابنه: «يا بني، إن
كنتَ تشكُّ في الموت، فلا تنمْ، فكما أنَّك تنام كذلك تموت، وإن كنت تشكُّ
في البعث، فلا تنتبه، فكما أنَّك تنتبهُ بعد نومك، فكذلك تُبعثُ بعد موتك»
المحجة ج2، ص372. .
وأما إذا ردَّت روحُ الإنسانِ إليه، واستيقظ من جديد، وفُسِحَ في أجله
مُجدَّداً، فينبغي عليه أن يسجد مباشرةً، فور انتباهه، ليكون أوَّلُ عملٍ
عمله، طاعةً لله تبارك وتعالى. ثمَّ يقول: «الحمد لله الذي أحياني بعد
موتي، إنَّ ربِّي لغفورٌ شكور» مكارم الأخلاق: ص39. .
وروي أنَّه يستحب، عند الاستيقاظ، أن يقول: «الحمد لله الذي أحيانا، بعدما
أماتنا، وإليه النشور» المحجة: ج2، ص372. .
وعن الباقر ، قال: «ما استيقظ رسول الله من نوم، إلاَّ خرَّ لله ساجداً»
مكارم الأخلاق: ص39. . ورُوي أنَّه كان لا ينام، إلاَّ والسواك عند رأسه،
فإذا نهض بدأ بالسواك مكارم الأخلاق. . وقال : «لقد أمرتُ بالسواك، حتى
خشيتُ أن يكتب عليَّ» المصدر نفسه. .
وكان يستاك كلَّ ليلةٍ ثلاث مرَّاتٍ: مرَّةً قبل نومه، ومرَّةً إذا قام من
نومه إلى ورده، ومرَّةً قبل خروجه إلى صلاة الصبح، وكان يستاك بالأراك،
أمره بذلك جبرائيل مكارم الأخلاق. .
ويلاحظ ممَّا تقدَّم، مدى اهتمام النبي بالسواك، وتنظيف الأسنان، والاعتناء
بها، حيث كان من سُنَّته السواك لمرَّاتٍ عديدةٍ في اليوم الواحد، من
بينها: قبل نومه وبعده إذا استيقظ. لذلك ذكر بعضهم: أنَّ من آداب النوم،
إعداد الماءِ والسواكِ عند رأسه، وينوي القيامَ للعبادة عند التيقظ.
ورُوي أنَّه «كان يستاكُ في كل ليلةٍ مراراً، عند كلِّ نومةٍ وعند التنبه
منها» المحجة: ج2، ص368. .
ورُوي في الكافي الشريف، بسندٍ حسنٍ عن الحلبي، عن الصَّادق أنَّه قال:
«إنَّ رسول الله إذا صلَّى العشاء الآخرة، أمر بوضوئه وسواكه، فوضع عند
رأسه مُخمَّراً، فيرقدُ ما شاء الله، ثم يقوم فيستاكُ ويتوضأُ، ويصلِّي
أربع ركعات،...» الكافي: ج3، ص445. وفي هذا، تأكيد على أهمية السواك.
كذلك يستحب عند الاستيقاظ، تلاوةُ الآيات المباركاتِ من سورة آل عمران، من
الآية التسعين بعد المائة، إلى الآية الرابعة والتسعين بعد المائة. ففي
صحيحة معاوية بن وهب: أنَّ النبي كان إذا استيقظ جلس، ثم قلَّب بصره في
السَّماء، ثم تلا هذه الآيات المباركات المحجة: ج2، ص368. . وعن الإمام علي
قال: «إذا قام أحدُكُمْ من اللَّيل، فلينظر إلى أكناف السَّماء، وليقرأ هذه
الآيات» ميزان الحكمة: ح20645 (بتصرف). {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُِولِي
الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا
مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا
رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَّنَا عَلَى
رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ
الْمِيعَادَ *} سورة آل عمران: الآيات 190 ـ 194. .
وبذلك نرى أنَّ الرجوع إلى الحياة من جديد، بعد الموتة الصغرى، له آدابٌ
خاصةٌ به، تشير جميعها إلى الخضوعِ والخشوعِ والتفكُّر والإنابة. ومنها عند
اليقظة من النوم:
أوَّلاً: السجود المقرون بشكر الله الواهب للحياة بعد الموت.
ثانياً: السواك.
ثالثاً: قراءةُ الآيات المباركة من سورة آل عمران.
لقيام اللَّيل
أخي المؤمن السالكُ إلى الله تبارك وتعالى:
اعلم أنَّ التهجد وقيامَ اللَّيل، أدبٌ من آداب عباد الله المقربين، دأبوا
عليه منذ آلافِ السنين ، حيث كانوا يقومون في اللَّيل، مناجين سائلين
ساجدين عابدين، عندما تغفُلُ العيونُ، وتهدأُ الجوارحُ.. فَيخْتلون بحبيبهم
الأعظم.
وشاء الله تبارك وتعالى، أن يصبحَ قيامُ اللَّيلِ سُنَّةً، وميِّزةً لأهل
التقوى والسلوك الرباني. فقد قال عزَّ من قائل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا
قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا
يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ
حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *} سورة الذاريات: الآيات 15 ـ 19. .
وقال تبارك وتعالى، في سورة السجدة المباركة: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ
مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} سورة السجدة:
الآيتان 16 ـ 17. .
ولكنَّ السؤال الأهم الآن هو: ما هي الأسبابُ التي يتيسَّر بها قيام
اللَّيل؟!.
والجواب؛ هو أنَّ أسباب قيام اللَّيل عديدةٌ: منها مادية، ومنها معنوية،
ونتحدَّث عن بعضها بحسب التيسير... وبالله التوفيق.
فأوَّلُ هذه الأُمور، أن لا نُكْثِرَ من الطعام عند العشاء قبلَ النوم،
لأنَّ هذا يؤدِّي إلى كَثرةٍ في الشراب أيضاً، فَيْثقُلُ القيامُ علينا
بعدها. فقد ورد عن رسول الله ، في الكتاب الشريف: (تنبيه الخواطر)، قوله :
«لا تُميتوا القلوبَ بكثرة الطعامِ والشراب، فإنَّ القلب يموت كالزرع إذا
كَثُر عليه الماء» ميزان الحكمة: ح589. .
لذلك أفتى الفقهاءُ، رضوانُ الله تعالى عليهم، بكراهية التملي من الطعام
إلى حدّ التخمة، وورد أيضاً عن مولانا عيسى ابن مريم، على نبينا وآله وعليه
السلام، قولُه، في تنبيه الخواطر أيضاً: «يا بني إسرائيل، لا تُكثروا
الأكل، فإنَّه مَنْ أكثرَ الأكلَ، أكثرَ النومَ، ومن أكثر النومَ أقلَّ
الصلاة، ومن أقلَّ الصلاةَ كُتب من الغافلين» ميزان الحكمة: ح590. .
وكان بعض السالكين يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين، لا
تأكلوا كثيراً، فتشربوا كثيراً، فتخسروا عند الموت كثيراً المحجة: ج2،
ص390. ، فالنصيحة الأولى لقيام اللَّيل هي: عدم الإكثار من الطعام عند
العشاء.
فصل
في آداب الحمَّام
آداب دخول الحمام
لم يترك الإسلام شيئاً إلاَّ وتطرَّق إليه، وتحدَّث عنه، مبيِّناً أحكامه،
مظهراً قوانينه وسُننه. لذلك اعتُبر الإسلامُ ديناً شاملاً، لم يترك صغيرةً
ولا كبيرةً إلاَّ وتناولها، في شرعه المقدَّس. قال الله تبارك وتعالى: {مَا
فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} سورة الأنعام: الآية 38. .
ومن جملة الأُمور التي اهتم الإسلام بها، وجعل لها آداباً وسُنناً، مسألة
دخول الحمام، وما يتعلق به، من أُمور واحتياجات لا يستغني عنها بشر.
فقد ذُكر في الروايات المباركات، ضرورة التنظفِ والدخول إلى الحمام،
واستعمال الماء الساخن، وأن يكون المرءُ، في كل ذلك، متذكراً لبارئه تبارك
وتعالى، غير غافلٍ عن آخرته ومصيره، بل يستوحي من كل حركة، أو موقفٍ، ما
يذكره بخالقه وبالآخرة. فقد روي عن الصَّادق قوله: «إذا دخلت الحمام فقل في
الوقت الذي تنزع ثيابكَ فيه: اللَّهمَّ انزع منِّي ربقة النفاق، وثبتني على
الإيمان». ثم يقول: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من شر نفسي، وأستعيذ بك من
أذاه». ثم يقول: «اللَّهمَّ أذهب عنِّي الرِّجْس والنَّجَس، وطهِّر جسدي
وقلبي» وسائل الشيعة: ج1، ص371، ح1. .
ويستحب الاستحمام بالماء الفاتر، أو الساخن، وليس بالماء البارد الذي قد
يسبِّب أضراراً جسدية، تصيب البدن بمجمله، وتؤدِّي، مع مرور الزمن، إلى
ضعفه،.. وفي ذلك ورد عن الصَّادق : «إيَّاك وشربَ الماء البارد... فإنَّه
يُفسد المعدة، ولا تَصُبَنَّ عليك الماءَ الباردَ فإنَّه يُضعفُ البدن»
المصدر نفسه: ج1، ص372. .
ومن أقواله في ذلك: «... وخذ من الماء الحار، وضَعْه على هامَتِك، وصُبَّ
منه على رجليك، وإن أمكَن أن تبلعَ منه جرعةً فافعل، فإنَّه يُنقِّي
المثانة...» المصدر نفسه: ج1، ص371، ح1. .
ولا يخفى على الفطن، ما في ذلك من فوائد طبية، بل وأكثرُ من ذلك،.. فإنَّ
الأطباء اليوم ينصحون بالاستحمام بالماء الساخن، كما ذكرنا قبل قليل، ولا
يُستعمل الماءُ البارد إلاَّ بعد الانتهاء من الحمام، فتُغسل الأطرافُ به
تمهيداً للخروج، وحتى لا يُصابَ المُستحمُ بالمرض، وهذا بدقته عينُ ما روي
عن أهل البيت . حيث نُقل عن الصَّادق قولُه: «ولا تصبنَّ عليك الماء
البارد، فإنَّهُ يُضعفُ البدن، وصبَّ الماء الباردَ على قدميك إذا خرجتَ،
فإنَّه يَسُلُّ الداءَ من جسدك، فإذا لبست ثيابَكَ فقل: اللَّهمَّ ألبسني
التقوى وجنّبني الرَّدى، فإذا فعلت ذلك أمِنْتَ من كلّ داء» وسائل الشيعة:
ج1، ص372. .
وفي رواية أُخرى عن صادق آل محمَّد قال: «اغسلوا أرجلكُم بعد خروجكم من
الحمام، فإنَّه يذْهب بالشقيقة، فإذا خرجتم فتعمَّموا» مكارم الأخلاق: ص55.
. وذلك إشارةٌ إلى أهمية تغطية الرأس بعد الحمام كتدبير احترازي من المرض
والرشح، كل هذا بعد غسل الأطراف عند الانتهاء من الحمام..
وفي رواية أكثر وضوحاً ودلالة، عن الباقر والصَّادق ، قالا: «إذا خرجنا من
الحمام، خرجنا متعممين شتاءً أو صيفاً» مكارم الأخلاق: ص55. . وكانا
يقولان: «هو أمان من الصداع» المصدر نفسه. . وكان أبو عبد الله ينصح
بالتعمم وقت الخروج من الحمام، فعن أحدهم قال: خرج أبو عبد الله من الحمام
فتلبس وتعمم، فقال لي: إذا خرجت من الحمام فتعمم وسائل الشيعة: ح146. .
ويُنصح المُستحمُّ، أن لا يدخل الحمام، من دون أن يكون قد تناول شيئاً من
الطعام يسيراً، حتَّى لا يُصِيبَهُ التعب والإرهاق.. لذا أيضاً، أفتى
الفقهاء، رضوان الله عليهم، بكراهية دخول الحمامِ للصائم، إذا كان يؤدِّي
به ذلك إلى التعب والمشقة. ورُوي عن الكاظم : «لا تدخلوا الحمام على الريق،
ولا تدخلوه حتى تطعموا شيئاً» مكارم الأخلاق: ص53. .
ممَّا تقدَّم، تظهر جملةٌ من النصائح الضرورية، وهي في جملتها تتلخص فيما
يلي:
أوَّلاً: أن يكون الاستحمام بالماء الساخن دون البارد.
ثانياً: غسل الأطراف بالماء البارد قبل الخروج من الحمام.
ثالثاً: تغطية الرأس بعد الخروج من الحمام.
رابعاً: أن لا يكون البطنُ فارغاً تماماً عند الاستحمام.
هذا، إضافة إلى أدعية مباركة مستحبة في عدَّة مواضع.
في
الحمام
كما ينبغي للمؤمن أن يحرصَ على نظافته وطهارته، كذلك عليه أن يتحرزَ من
الإسراف في الماء، أو المستلزمات التي قد يحتاجها في عملية النظافة.
فقد ذُكر أنَّ الإكثار من دخول الحمام، في كل يوم، مكروه، وهذا ما صدَّقته
بعض الأبحاث وأهل الاختصاص الذين اعتبروا أنَّ الإكثار من الحمامات، في كل
يوم، يؤدِّي لأضرار عامةٍ في الجسم، وخاصةً على الجلد.
ولقد ذُكر في روايات أهل البيت من أنَّ دخول الحمام بكثرةٍ، دون ما يوجبُ
ذلك، مكروهٌ، اللَّهمَّ إلاَّ من كان كثير اللحم، وأراد أن يخفف منه، وفي
هذا رُوي عن الإمام الرِّضا قولُهُ: «من أراد أن يحمل لحماً، فليَدْخلَ
الحمامَ يوماً، ويغبَّ يوماً، ومن أراد أن يَضمرَ وكان كثيرَ اللحم،
فليدخلْ كلَّ يومٍ» وسائل الشيعة: ج1، ص363، ح3. .
وعن أبي الحسن قال: «الحمامُ، يومٌ ويومٌ لا، يُكثرُ اللحم، وإدمانُهُ كلَّ
يومٍ، يُذيبُ شحمَ الكِلْيتين» المصدر نفسه: ج1، ص362، ح1. .
ويحرم كشفُ العورةِ وإظهارُها، كما يحرم النظرُ إليها... والعورةُ هي، ما
حددها الفقهاء، رضوان الله تعالى عليهم، في الكتب الفقهية، في أبواب
الطهارة. وفي هذا المجال روي عن الصَّادق قوله: «لا ينظر الرجل إلى عورة
أخيه» المصدر نفسه: ج1، ص363، ح1. وعنه : «من دخل الحمام، فغضَّ طرفه عن
النظر إلى عورة أخيه، آمنه الله من الحميم يوم القيامة» المصدر نفسه: ج1،
ص364، ح4. .
من أجل ذلك، أشارت الروايات إلى ضرورة الحرص على لبس المئزر، أو ما يقوم
مقامه، عند دخول الحمام، للحفاظ على الحشمة والستر والأدب. فقد رُوي عن
رسول الله قوله: «من كان يؤمن بالله واليومِ الآخر، فلا يدخل الحمامَ إلاَّ
بمئزر» مكارم الأخلاق: ص56. . كما نهى عن دخول الأنهار إلاَّ بمئزر، وقال:
إنَّ للماء أهلاً وسكاناً المصدر نفسه. .
وعن أبي عبد الله الصَّادق قال: «إذا تعرَّى أحدكم، نظر إليه الشيطان فطمع
فيه، فأتزِروا» المصدر نفسه. . ونهى أن يدخل الرجلُ الحمامَ إلاَّ بمئزر
المصدر نفسه. .
وورد، في تحف العقول، ووسائل الشيعة، عن النبي أنَّه قال: «يا علي، إيَّاك
ودخول الحمامِ بغير مئزر، ملعون معلون الناظرُ والمنظور إليه» وسائل
الشيعة: ج1، ص364، ح5. .
من هنا نرى أنَّ الحفاظ على المئزر، عند دخول الحمام، أمرٌ ضروري، واحتياطٌ
خُلُقيٌّ مطلوبٌ. وليس هذا فحسب، بل يستحب أيضاً سَترُ الرُّكبة والسرةِ
وما بينهما، وهذا من مظاهر الحشمةِ والأدب والغَيْرةِ والحياء، التي ينبغي
أن يتزينَ المؤمنُ بها. وهذا ما نحتاجه، خاصة في هذه الأيام، التي ينزل
فيها الشبابُ للاستحمام على شواطىء البحار والأنهار، فيُقلِّدون أهلَ الغرب
وملَّة الكفر في ألبسة السباحة، فيلبسونَ لباساً يجعلُ الأتقياء وأهل
الحياء يحتارون أين ينظرون، وكيف يخرجون من هذا الموقفِ المخجل، الذي
يدْخل، في كثير من الأحيان، تحت عناوين محرمةٍ، كما نرى ذلك تكراراً.
وهذه المسألةُ، مسألةُ الستر بين السرة والرُّكبة، ذُكرت في العديد من
النصوص، فقد روى بشيرُ النَّبال، أنَّه سأل الإمام الباقر عن بعض المسائل
المتعلقة بالحمام، فأمر بإسخان الماء، ثم دخل فاتزر بإزار، فغطى ركبتيه
وسرَّته، ثم قال: هكذا فافعل وسائل الشيعة: ح1404. .
وبهذا أفتى الإمام الخميني، قدَّس الله نفسه الزكية، في تحرير الوسيلة، حيث
قال: «ويستحب سَتْرُ السرةِ والرُّكبةِ وما بينهما» تحرير الوسيلة: ص14. .
وهنا نقف قليلاً، متأملين: فإذا كانت الشريعةُ المقدَّسة، قد اهتمت
اهتماماً بالغاً بوجوب سَتْر عورة المؤمن الجسدية، فكيف بعورته المعنوية؟
بمعنى سُمعتهِ وسرهِ، فلا بدَّ أن يكون الاهتمامُ بها أعظم وأهم.
فقد سأل حذيفةُ بن منصور الإمام الصادق ، عن شيء يقوله الناس وهو: «عورة
المؤمن على المؤمن حرام، فأجاب بقوله: ليس حيث تذهبون، إنَّما عنى عورة
المؤمن، أن يزلَّ زلَّة، أو يتكلم بشيء يعابُ عليه فيُحْفظ عليه،
ليُعيِّرهُ به يوماً ما» وسائل الشيعة: ح1409. . وسأل عبدُ الله بن سنان
الصَّادق عن عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم، فقال عبدُ الله:
أعَني سُفْليه؟ فقال : «ليس حيث تذهب، إنَّما هو إذاعة سره» المصدر نفسه:
ح1410. .
وبذلك تكون خلاصةُ ما تقدَّم، الأُمور التالية:
أوَّلاً: كراهية دخول الحمام في كل يوم إلاَّ لتخفيف الوزن.
ثانياً: وجوب سَتْر العورة الجسدية للمؤمن وكذلك عورته المعنوية أي أسراره
وأُمورُه الخاصة.
ثالثاً: استحباب لبس المئزر عند دخول الحمام.
رابعاً: استحباب سَتْر السرة والركبة وما بينهما.
السدر والنَّوْرة
من آداب الحمام، أن يستعمل المُسْتحمُ السِّدْرَ والنَوْرَةَ والخِطْميَّ.
والسِّدْرُ هو شجرةُ النَّبق، وهو الذي يجب أن يُخلطَ بالماء ليُغسَّلَ
الميتُ به أحدَ أغسالِه الثلاثةِ الواجبة، وله رائحةً طيِّبةٌ تفوح من فم
آكله وثيابِه كما يفوح العِطْر.
والنَّوْرة هي نوع من الأتربة الكلسية، التي قد يضاف إليها الزرنيخُ
وغيرُهُ، لتُستعمل لإزالة الشعر الزائد من الجسم، وهو شائعٌ كثيراً في بلاد
إيران، حيث يُباعُ في كل مكان، وبسعر زهيد، كما أنَّه موجود في لبنان، في
بعض المحلات المختصة، وفي الفترة الأخيرة، أصبح يُصنَّعُ ويُغلَّفُ في
عُلبٍ وأنابيبَ ليكون مسحوقاً ناعماً أو مراهم تُباعُ في الصيدليات، لإزالة
الشعر أيضاً.
وأما الخطميُّ، بفتح الخاء وكسرها، فهو نباتٌ أحمرُ الزهرِ أو أبيضُه،
يُدقّ ورقُه يابساً، ويُغلى ويُشربُ للمعالجة.
ويستحب للمستحم أن يغسل رأسه بالخطمي، فإنَّه يزيد في الرِّزق وينفي الفقر،
وهو أمان من الصداع، ويذهب بالوسخ ودواب الرأس، وهي الحشرات الصغيرة التي
تُعشعش في شعر الرأس، كما أنَّه يعتبر علاجاً للعديد من الأمراض. فقد ورد
عن الصَّادق قولُه: «تقليم الأظافر، والأخذ من الشارب، وغسلُ الرأس
بالخطمي، ينفي الفقرَ، ويزيد في الرِّزق» وسائل الشيعة: ح1480. .
وعن أبي الحسن : «غسل الرأس بالخطمي يجلب الرِّزقَ جلباً» المصدر نفسه:
ح1485. .
وفي تهذيب الأحكام، عن الصَّادق قال: «من أخذ شاربَه، وقلَّم أظفاره، وغسل
رأسه بالخطمي، يومَ الجمعةِ، كان كمن أعتق نَسَمة» مكارم الأخلاق: ص61. .
وجاء في طب الأئمَّة، عن علي في وصيته لأصحابه: «غسل الرأس بالخطمي، يذهب
بالدَّرَنِ وينفي الدواب» المصدر نفسه: ص61. . أي يقضي على الحشرات في
الرأس.
هذا بالنسبة للخطمي؛... أما بالنسبة لورق السدرِ، فالمستحب أيضاً غسلُ
الرأس به لأنَّه يَجْلب الرِّزقَ، ويصرف وسوسة الشيطان، وهو نافعٌ، عند
عروض الهموم على الإنسان، ويبدو أنَّ له قدسيةً خاصة، ولذلك يجب خلطُهُ مع
الماء في أحد أغسال الميت الواجبة. فقد ورد عن الصَّادق : «اغسلوا رؤوسكم
بورق السدر، فإنَّه قدَّسه كلُّ مَلَك مُقرَّبٍ، وكلُّ نبي مرسل...» وسائل
الشيعة: ح1495. .
وعن أبي الحسن موسى بن جعفر قال: «غسلُ الرأس بالسدر، يجلب الرِّزق جلباً»
مكارم الأخلاق: ص61. .
ويروى أنَّ رسول الله كان يغسل رأسه بالسدر، ويقول: اغسلوا رؤوسكم بورق
السدر وسائل الشيعة: ح1496. .
هذا بالنسبة للسدر... وأما النورة، فهي طهور، وتستعمل لنزع الشعر الزائد من
الجسم، وهذا من السُّنَّة المباركة، أما تركه فيؤدِّي إلى أمراضٍ وعواقبَ
وخيمة، فقد ورد عن الرِّضا ، في تعداده لجملة من أخلاق الأنبياء، أنَّه ذكر
التطيُّب، وحلقَ الجسد بالنورة مكارم الأخلاق: ص63. ...
وجاء في روايات عديدة، عن الأمير كما عن الصَّادق أنَّ النَوْرة طهورٌ
وسائل الشيعة: ح1496. .
وممَّا رُوي عن أبي الحسن قولُه: «وشعر الجسد، إذا طال، قطع ماءَ الصُّلب،
وأرضَّ المفاصل، وورَّث الضَعْفَ والسِّل، وإنَّ النَّوْرة تزيد في ماء
الصلب، وتقوي البدن...» المصدر نفسه: ح1499. .
ويستحب استعمال النَّوْرة في كل خمسَةَ عشَرَ يوماً، ويتأكد ذلك بعد
العشرين يوماً، ولو أدَّى هذا إلى اقتراضه للمال ثمناً لها، ويزداد التأكيد
بعد أربعين يوماً. فعن الصَّادق : «السُّنَّة في النَّوْرة في خمسة عشر،
فإن أتت عليك عشرون يوماً، وليس عندك، فاستقرض على الله» المصدر نفسه:
ح1513. .
وعن النبي : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يترك حلق عانته فوق
الأربعين، فإن لم يجد، فليسْتقرض بعد الأربعين، ولا يؤخِّرْه» المصدر نفسه:
ح1517. .
ولا بأس بها وإن تقارب الزمان، كيومين وثلاثة، فقد أكَّد الأئمَّة على
أصحابهم، على ضرورة استعمال النورة، حتى لمن استعملها منذ أيَّام قليلة،
فإنَّها طهورٌ كما ورد في الكثير من الروايات. فقد قال الإمام الصَّادق
لأبي بصير، عندما سلَّم عليه: يا أبا بصير تنوَّر، أي عليك بالنورة، فقال
أبو بصير: إنَّما تنورتُ أوَّل من أمس،... فقال : «أما علمتَ أنَّها طهورٌ!
فتنوَّر» وسائل الشيعة: ح1509. .
ويُستحب عند وضعها على الجسد أن يقول: «اللَّهمَّ ارحم سليمان بن داود، كما
أمرنا بالنورة» المصدر نفسه: ح1501. . كما يُستحب أن نقول ما سُمع عن
الإمام زين العابدين : «اللَّهم طيِّب ما طهر منِّي، وطهِّر ما طاب منِّي،
وأبدلني شعراً طاهراً لا يَعْصيك، اللَّهمَّ إنِّي تطهَّرتُ ابتغاءَ
سُنَّةِ المرسلين، وابتغاءَ رضوانك ومغفرتِك، فحرِّم شعري وبَشَري على
النَّار، وطهِّر خُلُقي، وزِدْ عملي واجعلني ممَّن يلقاك على الحنيفية
السَّمْحَة، ملَّةِ إبراهيم خليلِك، ودين محمَّد حبيبك ورسولِك، عاملاً
بشرائعك، تابعاً لسُنَّة نبيك، آخذاً بها، مُتأدِّباً بحسن تأديبك وتأديب
رسولك وتأديبِ أوليائك الذين غذَّيتهم بأدبك، وزرعت الحكمة في صدورهم،
وجعلتهم معارفَ لعلمك صلواتك عليهم» المصدر نفسه: ح1502. .
فصل في النظافة
حلق وقصِّ شعر الرأس
النظافة بكلّ مستوياتها، الشخصية والاجتماعية، شعارٌ من شعارات الإسلام،
كما هو ملموس في كثير من تشريعاته . ومن جملة هذه التشريعات، استحبابُ جزِّ
الشعرِ واستئصالِه، محافظةً على النظافة والأناقة وحسنِ المظهر والألفة بين
أفراد المجتمع... فضلاً عن أنَّ هذا من خُلُقِ الأنبياء والمرسلين، على
نبينا وآله وعليهم السلام والرحمة.
ورد عن أبي عبد الله ، قولُه لإسحاق بن عمار: «استأصل شعرَكَ، يقل درنُه،
ودوابُّه، ووسخُه، وتغلظُ رَقَبتُك، ويجلو بصرُك، ويستريح بدنُك» وسائل
الشيعة: ج1، ح1621. .
وجاء عن رسول الله أنَّه قال لرجل: «احلق، إنَّه يزيد في جمالك» مكارم
الأخلاق: ص58. ووسائل الشيعة: ح1627. .
ويستحب تسويةُ الشعر وترتيبُه، وحَلْقه بشكل متناسقٍ ومناسب، حيث ورد عن
علي ، النهي عن حلق الصبيان القَزع، أي أخذُ بعض الشعر، وتركُ بعضِهِ غير
محلوق، تشبُّهاً بقَزَعِ السحاب مكارم الأخلاق: ص58. .
ورُوي، في تهذيب الأحكام، أنَّ قوماً أتَوْا بصبي للنبيِّ ليدعَوَ له، وله
قنازع، وهو الشعرُ حول الرأس، أو الفَضْلة من الشعر، تُتركُ على رأس
الصبي.. فأبى أن يدعو له، وأمر بحلق رأسه المصدر نفسه. .
وعلى الحالق، إن كان حالقاً لنفسه أو لغيره، أن يوازن بين كل الجوانب،
لتتناسبَ، مع بعضها البعض، ولا يكون في كل ذلك غافلاً عن ذكر الله جلَّ
اسمه. فقد روي أنَّه إذا أراد أن يحلق رأسه، فليبدأ من الناصية، أي من
الأمام إلى العظمين، وليقل: «بسم الله وبالله وعلى ملَّة رسول الله ،
اللَّهم أعطني بكلّ شعرةٍ نوراً يوم القيامة». فإذا فَرَغَ فليقل:
«اللَّهمَّ زيّني بالتقوى وجنِّبني الرَّدى» المصدر نفسه: ص59. .
كذلك ذُكر استحبابُ حلق الرأس للرجل، وكراهةُ إطالةِ شعره، فإنَّ في ذلك
قُوَّةً للجسد، وحُسْناً في المظهر، وراحةً للبدن... وإحياءً للسُّنَّة .
فقد سأل زرارةُ الإمام الباقر عن الرجل يُقلِّمُ أظفاره، ويجزُّ شاربَيه،
ويأخذ من شعر لحيته ورأسه، هل يَنقصُ ذلك الوضوءَ؟ فقال الباقر : «يا زرارة
كل هذا سُنَّة، والوضوء فريضة، وليس شيءٌ من السُّنَّة ينقضُ الفريضة،
وإنَّ ذلك ليزيدُه تطهيراً» وسائل الشيعة: ح1623. .
وعندما سأل ابنُ سنان الإمام الصَّادق عن رأيه في إطالة الشعر، فقال : «كان
أصحابُ محمَّد مقصرين» المصدر نفسه: ح1626. ومكارم الأخلاق: ص59 (بتصرف). .
وروي عن الكاظم قال: «إنَّ الشعرَ على الرأس إذا طال ضعُفَ البصر، وذهب
بضَوْءِ نوره، وطمُّ الشعر (أي تقصيرهُ وجزُّه) يجلو البصَرَ، ويزيد في
ضَوْءِ نوره» المصدر نفسه: ح1631. .
ولا يبعد أن يكون لحلقِ الشعر وتقصيره آثارٌ نفسيةٌ كما هي الحالُ في كثير
من الحالات والأُمور ، وهذا ما يشعر به الكثيرون منَّا، عند حلق شعرهم، أو
قصِّ أظفارهم مثلاً... وعن هذا الأمر بخصوصه، قال إسحاقُ بن عمار للإمام
الصَّادق : جُعلتُ فداكَ ربَّما كَثُرَ الشعرُ في قفاي، فيُغمُني غماً
شديداً؟ فقال : «يا إسحاق أما علمت، أنَّ حلقَ القفا يذهب الغم» المصدر
نفسه: ح1634. .
كما يُستحب تسريحُ شعر الرأس وتمشيطه ليكونَ زينةً وجمالاً، ويُضْفي
الاحترام والوقار على صاحبه، فلا يتشبهُ بأهل العبث واللهو، الذين عُرِفَ
عنهم، قديماً وحديثاً، إهمالهُم لشعورهم وتركُها دون تنميقٍ أو تزويق،
فتارة يتشبهون بالخُناثى، وتارة يتشبهون بأهل الميوعةِ والمجون، ومنهم
الهبِّيون في عصرنا.
ويُفهمُ من بعض الروايات استحبابُ فرْقِ شعر الرأس إذا طال، رُوي عن
الصَّادق قوله: «المشط للرأس، يذهب بالوباء» (أي الحُمَّى)، أما المشطُ
للَّحية فيشدُّ الأضراس وسائل الشيعة: ح1665 (بتصرف). .
وعن النبي قال: «كثرة تسريح الرأس يذهب بالوباء، ويجلب الرِّزق...» المصدر
نفسه: ح1664. .
هذا إضافةً لفوائد جمةٍ أُخرى، لا يتسع المجال لذكرها. فنستفيد ممَّا
تقدَّم أُموراً عدَّة:
أوَّلها: استحبابُ قصِّ الشعر وعدم تطويله.
ثانيها: استحبابُ ترتيب الشعر وتنسيقه، وتنظيفه.
ثالثها: استحبابُ فَرْقِ شعر الرأس إذا طال، واستحبابُ تسريحه.
تسريح الشعر وآدابه
ذكر العلماء والعارفون، رضوان الله تعالى عليهم، استحبابَ التجمُّلِ
والتزيّنِ استعداداً للصلاة، باعتبارها قربانَ كلِّ تقي، ومعراج المؤمن إلى
بارئه تبارك وتعالى. ومن جملة هذا التجمُّل والتهيؤِ، للقاء الحبيب عزَّ
وجلَّ، التمشطُ وتسريحُ الشعر لكل صلاةٍ، أكانت فريضةً أم نافلةً مستحبةً،
باعتبار الصلاة لقاءً ربانياً لا بدَّ فيه من إعدادِ منتهى درجات الأدب
والاهتمام والمراقبة، بما يتناسب، ولو نسبياً، من عبدٍ فقير مع صاحب اللقاء
جلَّ وعلا.
وقد فسَّر الإمامُ أبو الحسن الرِّضا قول الله عزَّ وجلَّ: {خُذُوا
زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} بقوله: «من ذلك التمشطُ عند كل صلاة»
وسائل الشيعة: ح1673. . وفسَّر الصَّادق الآية الكريمة عينها بقوله:
«المشط، فإنَّ المشط يجلبُ الرِّزقَ ويُحسنُ الشعر، ويُنجزُ الحاجة، ويزيد
في ماء الصُّلْب، ويقطع البلغم» وسائل الشيعة: ح1674. .
وفي روايات أُخرى، أنَّ الاستحباب واردٌ لكلّ صلاةٍ واجبةٍ أو مستحبةٍ،
وحتى بعد الفراغ من الصلاة. وأن يكون التمشُّطُ من جلوسٍ وليس من قيام
المصدر نفسه: ج1، ص428. ، أما الطريقة الفُضلى للتمشُّط، فهي أن يكرر ذلك
مرَّاتٍ ومرَّات، حتى ذُكر في العديد من النصوص: أنَّ رسول الله كان يسرح
لحيته الشريفة: تحت لحيته أربعين مرَّة، ومن فوقها سبع مرَّات المصدر نفسه:
ح1693. .
وكان يبدأ من تحت وهذا ما كان يقوم به الإمامُ الخميني (قدِّس سرُّه) وظهر
هذا جلياً في فيلم أخير له رضوان الله عليه في آخر أيَّامه في المستشفى. ،
وكان يقرأ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *} ، والسورة
المباركة {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا *} . ثم يقول: «اللَّهمَّ سرِّح عنِّي
الهمومَ والغمومَ ووحْشَةَ الصدور» وسائل الشيعة: ح1694 وح1695. .
أما المشطُ فيُستحبُ أن يكون من العاج، وهذا ما كنَّا نراه حتى أمدٍ قريب،
حيث نذكر أنَّ جداتنا كنَّ يتمشطن بأمشاطٍ من عاجٍ، يأتين بها أو يُوصينَ
عليها، من بلاد الهند أو إفريقيا، أو الأماكن المشرَّفة، حيث تباع مثلُ هذه
الأُمور. وكانت أمشاطُ العاج منتشرةً، قبل أن تُستبدلَ بالأمشاط المصنَّعة،
التي تُباع في الأسواق حالياً لرخصها وتوفُّرِها.
وهنا لا بدَّ من التفريق بين جوازِ التمشطِ بالعاج، بل واستحبابه، وبين عدم
جوازِ حمْلهِ في الصلاة، حتى لا يقعَ الاشتباهُ بين الأمرين، فاستحباب
استعماله شيء، وعدم جوازِ حمل غير مأكولِ اللحم في الصلاة، شيءٌ آخر. فقد
دخل الحسنُ بنُ عاصم، على أبي إبراهيم الكاظم وفي يده مشْطُ عاجٍ يتمشط به،
فقال له: جعلتُ فداك! إنَّ عندنا بالعراق منْ يزعمُ أنَّه لا يحل التمشُّطُ
بالعاج؟ فقال متعجباً: «ولم! فقد كان لأبي منها مشْطٌ أو مُشْطان». ثم قال:
تمشطوا بالعاج فإنَّ العاج يذهب بالوباء» وسائل الشيعة: ح1678. .
وعن موسى بن بكر قال: «رأيتُ أبا الحسن يتمشط بمشطٍ عاجٍ، واشتريتُه له»
المصدر نفسه: ح1679. .
ويُستحب بعد الانتهاء من التمشط، إمرار المشطِ على الصدر، إن كان بعد تسريح
اللحيةِ أو الرأس.. فقد ورد عن أبي الحسن موسى بن جعفر أنَّه قال: «إذا
سرَّحتَ رأسَك ولحيتَك، فأمِرَّ المشط على صدرك، فإنَّه يذهب بالهمّ
والوباء» وسائل الشيعة: ح1690. .
ويُستحب دفنُ الشعرِ، وكذلك دفنُ الظِّفر والسِّنِ والدمِ، وخصوص دمِ الحيض
. كما يُستحب دفنُ الشعر تحت التراب، وينبغي العمل بهذه المسألة، خاصة أنَّ
بعض الفقهاء، لا يُجوِّزون النظر إلى الشعر المنفصل ، لغير المحارم من
النِّساء، كما هي فتوى الإمامُ الخميني رضوان الله تعالى عليه. وهذا الأمر
يدلُّ على اهتمام الإسلام البالغ بالحشمة والأدب والحياء في المجتمع
الإسلامي، حتى في هذه الأُمورِ التي قد يحسَبُها كثيرٌ من الناسِ، أنَّها
أُمورٌ صغيرةٌ، أو ليست بذي بالٍ، فيستهينون بها.
ورُوي عن رسول الله أنَّه كان يأمر بدفن الشعر والظُّفرِ والدم والحيض...
والسن المصدر نفسه: ح1702 (بتصرف). ... وعن الصَّادق قال: «يَدْفن الرجلُ
أظفارَه وشعره، إذا أخذ منها، وهي سُنَّة» المصدر نفسه: ح1699. . ورُوي
أنَّ من السُّنَّة دفنُ الشعرِ، والظُّفر والدم المصدر نفسه: ح1700. .
وخلاصة ما تقدَّم من مستحبات وآداب:
أوَّلاً: استحباب التمشط وتسريح الشعر تكراراً، خاصة عند الصلاة.
ثانياً: أن يبدأ من تحت ويكون المشطُ من العاج.
ثالثاً: أن يتمشطَ من جلوسٍ، وبعد الانتهاء يمرُّ بالمشط على الصدر.
ورابعاً: يُستحبُّ دفنُ الشعر في التراب.
اللّحية
يُستحب ترتيبُ اللّحية، إمَّا بتشذيبها، أو تدويرها، أو الأخذِ من
العارضين، وتبطينها أي تركِ باطنها وهو وسطُها.
ولعلَّ إهمالَ اللّحية أو الاعتناء بها يدلُّ على شخصية صاحبها وقَدْرِهِ،
فإنَّ الظواهر في أحيانٍ كثيرةٍ تدلُّ نحو دلالةٍ على البواطن. فقد قال
الصَّادق : «يُعتبر عقلُ الرجلِ في ثلاث: في طول لحيته، وفي نقش خاتمِه،
وفي كُنْيته» مكارم الأخلاق: ص68. .
ومرَّ رجلٌ طويلُ اللّحيةِ بالنبي فقال: ما كان على هذا لو هيَّأ من
لحيته؟! (أي أصلح من لحيته) فبلغ ذلك الرجل، فهيأ لحيته بين اللّحيتين، ثم
دخل على النبي فلما رآه قال: «هكذا فافعلوا» وسائل الشيعة: ح1642. .
وعن سُديرٍ الصيْرفي قال: رأيتُ أبا جعفر يأخذ عارضَيْه ويُبطِنُ لحيَته
وسائل الشيعة: ح1643. ، (أي يبسِطُها ويتركُ وسطها بعد الأخذ من
جَنْبَيها).
وفي توجيه لصاحب الرِّضا محمَّد بن أبي نصر البِزَنْطي، عندما سأله عن
الرجل: هل يَصْلُحُ له أن يأخذَ من لحيته؟ قال : «أمَّا من عارضَيْه فلا
بأس، وأما من مقدَّمها فلا» المصدر نفسه: ح1644. .
وكان الباقر أمامَ رجل يأخذ له من لحيته الشريفة، فقال له : «دوِّرها»
المصدر نفسه: ح1640. .
وبذلك يتبين أنَّ المستحب هو تدوير اللِّحية، أو تخفيف جانبيها دون وسطِها
أي بطنها. أما المقدارُ المسموحُ ببقائه أو بتطويله، فهو بأن لا يزيد عن
مقدار قبضة اليد، فهذا ينبغي أن يُقص.
وسأل رجلٌ الصَّادق عن قدْرِ اللِّحية، فقال : «تقبِض بيدك على اللحية،
وتجِزُّ ما فَضِل» المصدر نفسه: ح1648. .
ويُستدَل ممَّا تقدَّم على أنَّ اللِّحيةَ لا بأس بتطويلها بشرط أن لا تزيد
على مقدار القبضة (حوالى 10 سنتم) أما حلقُ اللِّحية تماماً، فمنهيٌ عنه
كما هو معروف بين الفقهاء رضوانُ الله تعالى عليهم.
وقد عُلِّل وجوبُ ترك اللِّحية، بعدم جوازِ التشبه باليهود، أو بأعداءِ
الدِّين، وسلوكِ طريقهم، وتشبُّه الرجالِ بالنساء. وفي هذا روي عنه أنَّه
قال: «حِفُّوا الشواربَ، واعفوا اللحى، ولا تشبَّهوا باليهود» وسائل
الشيعة: ح1658. . وعنه : «إنَّ المجوس جزُّوا لحِاهُمْ، ووفَّروا شواربَهم،
وإنَّا نحن نجِزُّ الشواربَ، ونُعفي اللّحى، وهي الفطرة» المصدر نفسه:
ح1659. .
وشوهد أميرُ المؤمنين في شرطة الخميس، وهو يضرب بعض العصاةِ وبائعي
المحرَّمات... وكان ينعتُهم بجندِ بني مَرْوان، وعندما سُئل عن توضيح ذلك
قال: «أقوام حلقوا اللّحى، وفتلوا الشواربَ، فمُسخوا» المصدر نفسه: ح1661.
.
وهذا الكلام موجَّه إلى من كان مأخوذاً بكل ما هو غربيٌ، أو آتٍ من بلاد
الكفار وعاداتهم ... وقد لاحظنا في العقود الأخيرة، ويا للأسف، كيف أنَّ
عاداتِ حلقِ اللّحى، وفتل الشوارب آخذةٌ بالانتشار، حتى أصبح صاحبُ البدعة
أليفاً، وصاحبُ السُّنَّةِ مستَهْجناً!
وفيما يتعلق باللِّحية أيضاً، نذكُر كراهية كثرةِ وضعِ اليدِ عليها،
وربَّما يكون ذلك لدلالة ذلك على العبث أو الخفَّة واللامبالاة فقد ورد عن
الصَّادق قوله: «لا تُكثر وضعَ يدِك في لِحيتك، فإنَّ ذلك يشينُ الوجَه»
وسائل الشيعة: ح1645. .
وبذلك تكون المستحباتُ المتعلقةُ باللِّحية ممَّا مرَّ معنا، كما يلي:
أوَّلاً: استحبابُ تخفيف اللِّحية، أو تدويرِها، أو حلقِ جنبيها دون وسطها.
ثانياً: أن لا تزيد إن طالت عن مقدار قبضة، والباقي يُقص.
وثالثاً: عدمُ جوازِ حلقِ اللِّحية.
شعر الشاربين
إضافةً لاهتمام الإسلام بشعر الرأس واللِّحية، ترتيباً وتسريحاً
وتنظيفاً... اهتم الإسلام أيضاً بالأُمور الأُخرى الجمالية، التي تُعبِّر
عن شخصية صاحِبها، وبالتالي عن أفرادِ المجتمع الإسلامي الإلهي، القائم على
الطاعات والقربات والمستحبات. ففيما يتعلق بالشاربين، فقد أشارت النصوصُ
المباركةُ إلى استحباب قصّهما، والأخذِ منهما تكْراراً، بحيث لا يتعديان عن
إطارهما ، حيث ورد عن أبي الحسن قولُه لمن سأله عن قصِّ الشاربين أمِنَ
السُّنَّة؟ فقال : «نعم» وسائل الشيعة: ح1658. .
وروى الصَّادقُ عن رسول الله قال: «من السُّنَّة أن تأخُذ الشاربين حتى
يبلغَ الإطار» المصدر نفسه: ح1651. والمقصود بالإطار لكلّ شيء ما أحاط به،
وهنا نريد إطارَ الشفةِ أي اللحم المحيط بها. .
وعنه قوله: «لا يُطوِّلنَّ أحدُكم شاربه، فإنَّ الشيطانَ يتخذُهُ مَخْبأً
يستتر به» وسائل الشيعة: ح1654. .
ولا بأس أن يؤخذَ من الشاربين كلَّ عدَّةِ أيَّام، لأنَّهما يكبران بسرعةٍ
ملحوظةٍ أكثر من غيرهما، فقد قال الصَّادق : «أخُذُ الشاربِ، من الجمعة إلى
الجمعة، أمانٌ من الجذام» مكارم الأخلاق: ص67. وروى عبد الله بن عثمان،
أنَّه رأى الإمام الصَّادق أحفى شواربَه، حتى ألزَمه العيب المصدر نفسه. أي
ألصقه بمَنْبِتِ الشعر، حتى بدا طرفُ شِفَّتِهِ.
هذا كلُّه بالنسبة للشاربين. أما بالنسبة للشعر في الأنف، فيُستحب أخذُه،
وعدم إبقائِهِ ظاهراً، أو خارجاً عن حده، لأنَّه يُشوِّه الصورة الجمالية
للإنسان، وفي هذا رُوي عن رسول الله قوله: «ليأخذْ أحدُكم من شاربه، والشعر
الذي من أنفه، وليتعاهدْ نفسه، فإنَّ ذلك يزيدُ في جماله» وسائل الشيعة:
ح1664. . وعن الصَّادق أنَّه قال: «أخذُ الشعر من الأنف يُحسِّنُ الوجه»
المصدر نفسه: ح1663. .
وأما شعرُ الإبطين، والشعرُ الزائدُ في الجسم بشكل عام، فيُستحب التنظُّفُ
منه، حتى لا يكون سبباً للروائح الكريهة، أو مؤدياً إلى ما يؤذي الجسمَ،
ويُضْعفُ البدنَ، فقد رُوي عن النبي المصطفى محمَّد أنَّه قال: «لا
يُطوِّلن أحدُكم شَعرَ إبطه، فإنَّ الشيطان يتخذُهُ مخبأً يستتر به،
والجُنْب لا بأس أن يَطلي، لأنَّ النَّوْرةَ تزيد نظافةٌ» مكارم الأخلاق:
ص60. .
ورُوي أنَّ الله تعالى قال لإبراهيم : تطهر، فأخذ شارَبه، ثم قال: تطهر:
فنتف إبطه، ثم قال: تطهر، فقلَّم أظفاره، ثم قال: تطهر فحلق عانته المنطقة
المحيطة بالأعضاء الجنسية. ، ثم قال تبارك وتعالى: تطهر، فاختتن مكارم
الأخلاق: ص60. .
ورُوي عن الصَّادق ، أنَّ مِنْ دين الحنيفية (الختان) وقص الشارب، ونتف
الإبط، وتقليم الأظفار، وحَلْق العانة، وأُمر ببناء البيتِ والحجِ
والمناسِك، فهذه كلُّها شريعةُ إبراهيم المصدر نفسه: ص60. .
نلاحظ، من خلال ما تقدَّم، حِرْصَ الإسلام على النظافة الجسدية التامةِ،
التي إذا لم تُراعَ حقَّ رعايتها لأدَّى ذلك إلى نفور الناس بعضهم من البعض
واشمئزازهم، كما يؤدِّي إلى انتشار الأمراضِ والأوبِئة في المجتمع. ونحن
نرى اليومَ أنَّ الكثيرَ من وسائل التنظيفِ والتعطير والمستحضراتِ
التجميلية، آخذةٌ بالانتشار ليس فقط في المجتمعات الإسلامية، بَل ربَّما
تنتشر في المجتمعات الأُخرى، أكثر، لشعورهم بالحاجة إلى ما يُنظِّف الجسد،
ويُنقِّيه من المنفِّرات والمُبْعدات للناس عن بعضهم. وقد ورد عن الإمام
علي قوله: «نتفُ الإبطِ يُنْفي الرائحة المكروهة، وهو طَهور وسُنَّةٌ...»
وسائل الشيعة: ح1628. كما ورد عن رسول الله «احلقوا شَعرَ الإبط للذكر
والأنثى» المصدر نفسه: ح1627. وفي نسخة: شعرَ البطن.
كما أنَّنا نرى أيضاً أنَّ الكثيرين من المسلمين قد انصرفوا عمَّا
أمَرَتْهُمْ به الشريعةُ أو حثَّتُهم عليه، من سُننٍ وآدابٍ، من استعمالِ
النَّوْرةِ وما شابهها.. انصرفوا عن ذلك إلى استخدام المستحضرات التجميلية
من مساحيق ومراهم وسوائلَ مضغوطةٍ spray ) ونظائرها التي تُحمِّلُ أصحابها
مصاريفَ إضافية، ولا تخلو في مجملها من أضرارٍ جانبيةٍ، وحاجةٍ للغرب، دون
اضطرارٍ لذلك، أو ضرورةٍ موجبة.
ونخلص ممَّا تقدَّم إلى الأُمور التالية:
استحباب الأخذِ من الشاربين، وشعرِ الأنف، والتخلُّصِ من كل الشعر الزائد
في البدن. وهذا من سُنن الأنبياء والمرسلين، على نبينا وآله وعليهم أجمعين
صلواتُ ربّ العالمين... الذي خلقنا، فأحسنَ خَلْقَنا، وصوَّرنا فأحسن
صورنا، زان منَّا ما شان من غيرنا، وأكرمنا بالإسلام مكارم الأخلاق: ص69. .
تقليم الأظافر
كما ذكرنا، اهتمَّت الشريعةُ الإسلاميةُ المقدَّسة بكلّ صغيرة وكبيرة من
شؤون الناس، وجعَلَتْ لها حكماً خاصاً وآداباً وسُنناً، حتى اعتُبرت
الشريعةُ الإسلامية أشملَ شريعةٍ وقانونٍ ونظامٍ عرفه تاريخُ الإنسانية .
ومن جملة هذه الشؤون أنَّ الإسلام جعل نظاماً خاصاً ومستحباتٍ لخصوص
الأظافر. إذ يُستحبُ تقليمُ الأظافرِ، كلَّما طالت، ويُكرهُ تركُها، حتى لا
تكون مرتعاً للأوساخ، ومخبأً للسُّموم، وأذيةً للآخرين، وناقلةً للأضرار
عند تناولِ الطعام.
وقد تكونُ هناك فوائدُ أُخرى لا نُدركها بعقولنا العاجزة، ولكنْ تُفهمُ من
الروايات الشريفة. فقد رُوي عن رسول الله قوله: «تقليمُ الأظفارِ يمنع
الداءَ الأعظمَ، ويَدرُّ الرِّزقَ» وسائل الشيعة: ح1711. . وعن الصَّادق
قوله: «إنَّ أستر وأخفى ما يُسلَّط الشيطان من ابن آدم، أن صار يسكنُ تحت
الأظافير» وسائل الشيعة: ح1713. وعنه أنَّه قال: «من السُّنَّة تقليمُ
الأظفار» المصدر نفسه: ح1714. .
وقيل إنَّ الوحيَ احتبس عن النبي فلما سُئل عن ذلك، قال: «وكيف لا يَحْتبس،
وأنتم لا تُقلِّمون أظفاركُم ولا تُنقُّونَ روايحكُم» المصدر نفسه: ح1715.
.
أما الوقتُ المفضَّل لتقليم الأظفار فهو كما ورد في الروايات يومُ الجمعة،
أو يومُ الخميس، وخصوصُ العصر فيه، أو في أي وقت طالت فيه الأظفار. فقد روي
عن النبي قوله: «من قلَّم أظفارَه يومَ الجمعة، أخرج الله من أنامله داءً،
وأدخل فيها شِفاءً» مكارم الأخلاق: ص64. . وسأل الحسن بن العلاء الإمام
الصَّادق عن ثواب من أخذ شاربه وقلَّم أظفاره في كل جمعة، فقال : «لا يزال
مطهراً إلى يوم الجمعة الأُخرى» وفي أثناء تعليمه لعبد الله بن الحسن ما
ينفعه لزيادة الرِّزق، قال: «خذ من شاربك وأظفارك في كل جمعة» المصدر نفسه:
ص65. .
وعن خلف، قال: رآني أبو الحسن وأنا أشتكي عَيْني، فقال: ألا أدلُّك على
شيءٍ إذا فعَلْتَه لم تشتكِ عينك؟ قلتُ: بلى، قال : «خذ من أظفارك في كل
خميس» فقال خلف مُعقِّباً: ففعلتُ فلم أشتكِ عيني مكارم الأخلاق. .
وفي رواية، في الفردوس، عن رسول الله أنَّه قال: «من أراد أن يأمن من
الفقرِ، وشكايةِ العينِ، والبرصِ، والجنون، فليُقلِّم أظفاره يومَ الخميس
بعد العصر...» المصدر نفسه: ص66. .
وعن سليمان بن خالد أنَّه سأل الصَّادق عن قصّ الأظفار كلَّ جمعةٍ، فقال:
«إن طالت» وفي روايةٍ أُخرى «إن شئت في الجمعة وإن شئت في سائر الأيام»
المصدر السابق: ص64. .
وإذا كان قصُّ الأظفارِ مستحباً، لكن لا بأس للمرأة أن تترك منها شيئاً،
كما صرَّحَتْ بذلك عدَّةُ روايات... ولكن قبل أن نذكرها هنا، لا بدَّ من
الإشارة إلى أنَّ الأظفار النسائية لا ينبغي، إذا تُركت، أن تكون للفتنة أو
التبرج أو التزيُّنِ أمام غير المحارم ، أو مَصيدةً للعيون الشاردِة
والمُقْتِنصةِ، وإلاَّ كان تركُها وتطويلها حراماً لا يجوز التهاونُ به.
ولئن كان قد رُوي أنَّ رسول الله قال للرجال: «قصّوا أظافيركم»، وقال
للنساء: «اتركن من أظافيركُن، فإنَّه أزينُ لكُن» مكارم الأخلاق: ص66. ،
فإنَّ المقصود من الرواية، كما هو واضح، أن لا يُبالغنَ في قصها كالرجال،
بل يتركن منها شيئاً، كما يُستفاد من لفظة «من» التبعيضية، في قوله :
«اتركن من أظافيركُن».
وأما طريقةُ قصِّ الأظفارِ، فالمستحب الابتداءُ بتقليم خِنْصَرِ اليسرى، ثم
يتدرجُ بأصابع اليُسرى حتى ينتهي إلى خنصر اليمنى. وفي ذلك عدَّةُ نصوصٍ،
منها: ما رُوي عن الباقر من أنَّه قال: «وإنَّ مَنْ يُقلِّمُ أظفاره يومَ
الجمعة، يبدأ بخنْصره من يده اليُسرى، ويختمُ بخنصره من يده اليمنى» المصدر
نفسه: ص66. .
وخلاصة ما تقدَّم أُمور نلخصها بما يلي:
أوَّلاً: يستحب تقليمُ الأظافرِ للرجال، ويُكره تركُها إلاَّ للنساء، فلا
بأس به إن لم يكن للزينة والتبرج المحرَّم.
ثانياً: أن يكون تقليم الأظافر في أي وقت من أوقات الأسبوع، خاصة الجمعة
والخميس وخصوصَ عصر الخميس.
ثالثاً: البدء بالخِنْصر الأيسر والانتهاءُ بالخنْصر الأيمن.
فصل في التطـيُّـب
التطيب
الحمد لله، الذي خلق ملائكةً تَسْتنشق ريح الطيب من المؤمن ميزان الحكمة:
ح11028 (بتصرف). .
من الشائعِ بين المؤمنين، والمعروف بينهم، حُبُّهم للطيب والتطيُّبِ، حتى
أنَّ أحدهم يحرِصُ على أن يحمِلَ قارورةً صغيرةً من الطيب في جيبه، يرجع
إليها بين وقت وآخر.
وللطيب في حياة الأفراد والشعوب، تاريخٌ عريق، فإنَّك ترى ذلك واضحاً عند
الملوك والرؤساء وأهلِ الفضل، حتى بات الطيبُ يُستعمل يومياً، وتُنفقُ في
سبيله الأموالُ والجهودُ والأوقات. وهذه العادة، أعني عادةَ التطيُّب،
واستعمال الروائح الجميلة، عادةٌ إسلاميةٌ معروفة، بل من الأنْسب أن نقول
إنَّها عادةٌ نبويةٌ عريقةٌ، وسُنَّةٌ من سُنن الصالحين في الزمن السالف .
فقد ورد عن الرِّضا في فروع الكافي قولُه: «الطيب من أخلاق الأنبياء» ميزان
الحكمة: ح11018. وعن الصَّادق أنَّه قال: «العِطْرُ من سُنن المرسلين»
المصدر نفسه: ح11020. .
لقد حثَّ الأنبياءُ والأئمَّة أتباعَهُم، على اتِّباع هذه السُّننِ
وإحيائها، وعدم تركها، حتى روى معمَّرُ بن خالد عن أبي الحسن أنَّه قال:
«لا ينبغي للرجل أن يدع الطِّيبَ في كل يوم، فإن لم يقدرْ عليه فيومٌ ويوم
لا، فإن لم يقدر ففي كل جمعة، لا يدع» وسائل الشيعة: ح1745. وميزان الحكمة:
ح11024. .
ويُفهم من كثير من النصوص، أنَّ للطيب آثاراً نفسيةً وجسديةً على صاحبها،
حيث إنَّها تُضْفي عليه جواً عاماً، وأحاسيسَ خاصة،... وهذا عينُ ما توصلت
إليه التجاربُ المِخبرية، والأبحاثُ العلمية، التي أجريت مؤخراً على الآلاف
من الناس، وهذا ما يمكن لنا أن نلمسه، من خلال لقاءاتنا اليومية... فهناك
روائحُ وعطورٌ ومستحضراتٌ، مناسبةٌ لبعض الأوقاتِ أو الأزمانِ أو
الأشخاص... وعلى كلِّ حال وإن لم يستطع العلمُ حتى الآن الوصولَ إلى قولٍ
جازم، فيما يتعلق بهذه الأُمور، إلاَّ أنَّ ما أشار إليه الأنبياء
والأئمَّة في شأن ذلك، جدير بالتوقفِ، والتأملِ، والدراسةِ المعمَّقة، التي
تزيدُ الإيمانَ، وتُقوِّي اليقينَ، وتجعلُ المرءَ يخشعُ أكثر، ويعلمُ أنَّه
ما أوتي من العلم إلاَّ قليلاً.
وفي إشارة إلى آثار الطيب والعطورُ رُوي عن رسول الله قوله: «الطِّيبُ
يشِدُّ القلبَ» ميزان الحكمة: ح11022. ، وعن الصَّادق : «من تطيَّبَ أوَّلَ
النَّهار، لم يزل عقلُه معه إلى اللَّيل» المصدر نفسه: ح11027. . وعن رسول
الله أنَّه قال: «إنَّ الريحَ الطيِّبَةَ، تشدُّ القلبَ، وتزيدُ في
الجُماع» المصدر نفسه: ح11023. .
إنَّ المرءَ، عندما يستمع إلى هذه النصوص، لا مناص له من تسبيحِ الخالقِ
وتمجيدِه، والتفكُّرِ في عظمته وحكمته، وأن يرى صِغَرَ نفسه، وقلَّةَ
حيلته، وكيف أنَّ رائحةً بسيطةً تؤثر في روحه وجسده.. فسبحان الله الذي
الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً.
ومن أخلاق النبي ، وعلي أنَّ الطيب إذا عُرض عليهما، لا يردَّانه المصدر
نفسه: ح11029 ح11031. ، ويُروى عن الصَّادق قوله: «ركعتانِ يُصليهِما
متعطراً، أفضلُ من سبعين ركعةً يصليهما غيرَ مُتعطرٍ» مكارم الأخلاق: ص42.
.
ومن الملفت للنظر، في هذا المجال، أنَّ رسول الله كان لا يتركُ الطيبَ
إطلاقاً ، ويعتبرُهُ من سُنن المرسلين ومن الدُّنيا المحللة، حتى أنَّه من
فرط حرصه على ذلك، كان إذا لم يجد يومَ الجمعة ما يتطيَّبُ به، أخذ بعضَ
خُمُر نسائه، فرشَّه بالماء، ومسح به المصدر نفسه: ص48. . (والخمرُ جمع
خمار، وهو ثوبٌ تُغطي به المرأةُ رأسها)..
ومن الملفت أيضاً، ما روي عن الإمام علي بن موسى الرِّضا أنَّ موضعَ جعفر
في المسجد كان يُعرفُ من طيب ريحه، وموضعِ سجوده المصدر نفسه: ص42. .
نستنتج ممَّا تقدَّم:
أوَّلاً: أنَّ التطيُّب مستحبٌ مؤكدٌ، وهو من سُنن الأنبياء ، ويستحب أن لا
يردَّه إذا عُرض عليه.
ثانياً: أنَّ للطيب آثاراً نفسيةً وجسدية يكشف عنها الحسُّ والتجربة.
ثالثاً: أنَّه ينبغي أن يكون للمؤمن ما يتطيبُ به دائماً وأن لا يترك هذا
أبداً.
الطيب، وأنواعُه
أخذ الأطباءُ في المدة الأخيرة، وفي أنحاءٍ كثيرةٍ من العالم، يعالجون بعضَ
مرضاهم، بمعالجاتٍ ونصائح تدعوهم للعيش أكثر، مع الطبيعة والماء والخضرةِ
والحيواناتِ الأليفة، والخروجِ إلى السهول والجبال ومنابع المياه...
وبتعبير آخر كانت المعالجة بالابتعاد قَدْرَ المستطاعِ، عن أجواء المدينة
وضوضائِها، والاقتراب قَدْرَ الإمكان من الفطرة والبساطة.
وهذا الأمر دعا إليه الإسلامُ منذ زمن بعيدٍ، حيث اعتبر أنَّ الاقترابَ من
الطبيعة أكثر، يُصفِّي النفسَ البشرية ، ويَجْلي ما تراكم عليها من أوساخ
الحضارات الزائفة، وآثارها السيِّئة، فدعا إلى التفسُّحِ والسياحة وشمِ
الورود وما شابه ذلك. وفي هذا المجال رُوي عن علي أنَّه قال: «الطيبُ
نُشْرة، والغُسْل نُشرة، والركوب نشرة، والنظر إلى الخضرة نُشْرة» وسائل
الشيعة: ح1753. والمقصود بالنُّشْرة هو ما يُعالَجُ به المريض، من رُقية
وعوذة، أو النشْرُ بمعنى الحياة.
وجاء عن الصَّادق قوله: «إذا أُتِيَ أحدُكم بريحانٍ فليشمَّه، وليضَعْهُ
على عينيه، فإنَّه من الجنَّة» مكارم الأخلاق: ص41. .
وقال مالكُ الجُهَني: ناولتُ أبا عبد الله شيئاً من الرياحين، فأخذه،
فشمَّه ووضعه على عينيه ثم قال: من تناول ريحانةً، فشمَّها ووضعها على
عينيه، ثم قال: «اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد وآل محمَّد، لم تقع على الأرض
حتى يُغَفَرَ له» المصدر نفسه: ص42. .
ورُوي عن النبي قوله: «إذا ناول أحدُكم أخاه ريحاناً، فلا يردَّه، فإنَّه
خرج من الجنَّة» المصدر نفسه. .
ولا مانع من أن يُنفقَ الإنسانُ مالاً، يشتري به ورداً أو طيباً، إذا كان
من نيته القربى، وإحياءُ السُّنَّة، فقد روى إسحاقُ العطَّار، عن الصَّادق
أنَّه قال: «كان رسول الله يُنفق في الطيب أكثر ممَّا يُنفق في الطعام»
وسائل الشيعة: ح1759. ، وفي رواية زكريا المؤمن أنَّه قال: «ما أنفقتَ في
الطيب فليس بسَرَف» المصدر نفسه: ح1760. .
ويُستحب التطيُّبُ في أوَّل النَّهار، وللصلاة، وبعد الوضوء، ولدخول
المساجد، كما يُستحب تطييب الشاربين وسائل الشيعة: ج، ص443، باب 91. ، وفي
ذلك ما رُوي عن أمير المؤمنين من أنَّه قال: «الطيب في الشارب، من أخلاق
النبيين، وكرامةً للكاتبين» المصدر نفسه: ح1756. .
ويُستحب التطيُّبُ بالمسك والعنبر والزعفران والعود والورد...
أما المسك فقد روى الصَّادق أنَّه: «كان يُرى وبيص المسكِ في مفْرق رسول
الله » المصدر نفسه: ح1772. (والوبيص: اللمعان). .
وعن الحسن بن جهم أنَّه قال: دخلتُ على أبي الحسن فأخرج إليَّ مِخْزنةً
فيها مسكٌ فقال: «خذ من هذا»، فأخذتُ منه شيئاً فتمسحتُ به، فقال: «أصلح
واجعل في لُبَّتِك منه» قال: فأخذتُ منه قليلاً، فجعلتُه في لُبَّتي، فقال:
«أصلح»، فأخذت منه أيضاً فمكث في يدي شيءٌ صالحٌ، فقال لي: «اجعل في
لُبَّتك» المصدر نفسه: ح1767. .
أمَّا الورد، فقد جاء عن رسول الله قوله: «من أراد أن يشمَّ رائحتي،
فليشمَّ الوردَ الأحمر» مكارم الأخلاق: ص44. ، وروي عنه أنَّه قال: «من مسح
وجههَ بماءَ الورد، لم يصبه في ذلك اليومِ بؤسٌ ولا فَقْرٌ، ومن أراد
التمسح بماء الورد، فليمسح به وجهه ويديه، وليحمد ربَّه، وليصلِّ على النبي
» المصدر نفسه: ص44. .
وورد العديدُ من الروايات، في استحباب التبخر بالمجامر وخاصةً الثياب،
واستحباب استعمالِ البخور واللُّبان والعود الهندي.. وهذه الأُمورُ وإن لم
تكن معروفةً في لبنان، إلاَّ أنَّها شائعةٌ في بلاد إيران والحجاز.. وكثير
من الدول والمجتمعات الإسلامية الأُخرى.
وقبل أن نختم حديثنا هذا، لا بدَّ من دفع شُبهة، قد تقعُ فيها الكثيرات من
النساء اللاتي يتطيَّبن، ويخرجْنَ إلى الأسواق، ويتردَّدن بين الرجال،
فيكنَّ فتنةً عظيمةً لهم. لذا ينبغي عليهن عند التطيُّبِ عدمُ الخروج من
المنزل، أو تغييرُ ثيابِهن، أو التطيُّبُ بما تَذْهب رائحتُه سريعاً.. خاصة
أنَّ بعض النصوص وردت في أنَّ طيب النساء هو ما ظهر لونُه وخَفي ريحُه
ميزان الحكمة: ح11033. .
أما اللاتي يكنَّ فتنةً للرجال، فقد قال فيهن رسول الله : «أيُّما امرأة
استَعْطَرَتْ، فمرَّت على قوم لِيجدوا من ريحها فهي زانيةٌ» ميزان الحكمة:
ح11034. .
وعن زينب الثقفيَّة قالت: «إذا شهِدَتْ إحداكنَّ الصلاةَ، فلا تمسَّ طيباً»
المصدر نفسه: ح11035. . ونستفيد ممَّا تقدَّم أُموراً عديدة: منها:
استحبابُ الإنفاقِ لشراء الطيب، واستعمال الطيب دائماً، ويتأكدُ ذلك في بعض
الأيام والأعمال، ومنها استحباب استعمال خصوصِ الوردِ والمسكِ والعنبر
والزعفرانِ.. والزنبق، ومنها أيضاً ضرورةُ احتياط النساءِ الكامل في
استعمال الطيبِ خارجَ منازلهن وسائل الشيعة: ج1، ص458، باب 111. .
شمِّ الرياحين
والورود
يكاد لا يخلو بيتٌ من بيوتنا من مشاتل الورود أو الأزهار المختلفة، التي
تنتعش بها النفسُ وترتاح للنظر إليها وشمِّها. وقد ذُكرت لذلك آدابٌ خاصة،
ينبغي العلمُ والتقيُّد بها.
فمن المستحب أن يشمَّ الواحدُ منَّا الرياحين الجميلة، ويضعَها على عينيه،
ويكرهُ ردُّها، حيث رُوي عن الصَّادق في ذلك قوله: «إذا أُتي أحدُكم
بالرَّيْحان، فليشمَّه وليضعْه على عينيه، فإنَّه من الجنَّة» وسائل
الشيعة: ح1844. ، وفي رواية عن رسول الله «أن يشمَّه ويضَعَه على عينيه ولا
يردَّه» المصدر نفسه: ح1845. .
وإضافةً إلى ذلك، يُستحب تقبيلُ الرياحين والورودِ، عند عرضها عليك،
وشمُّها والصلاةُ على محمَّدٍ والأئمَّة ... وكأنَّ في ذلك دعوةً إلى ضرورة
التفكُّر والتدبُّر في عظمة الخالق جلَّ شأنه الذي ابتدع هذه النبتةَ
الرقيقة الجميلة، في لونها ورائحتها وتأثيراتها، والمستحب أيضاً فِعْلُ ذلك
في الفاكهةِ الجديدة، إذا دخل موسِمُها، وشوهدت للمرَّة الأولى في عامها.
قال أبو هاشم الجعفري: دخلت على أبي الحسن العسكري فجاء صبيٌّ من صبيانه،
فناوله وردةً، فقبَّلها، ووضعها على عينيه، ثم ناوَلنيها، ثم قال: يا أبا
هاشم من تناول وردةً أو ريحانةً، فقبَّلها ووضعها على عينيه، ثم صلَّى على
محمَّد والأئمَّة كتب الله له من الحسنات مثلَ رملِ عالِج، ومحا عنه من
السيِّئات مثلَ ذلك وسائل الشيعة: ح1847. .
وكان النبي إذا رأى الفاكهة الجديدة، قبَّلها ووضعها على عينيه وفمِه، ثم
قال: «اللَّهمَّ كما أريتنا أولها في عافية، فأرِنا آخرَها في عافية»
المصدر نفسه: ح1848. .
وعن مالك الجُهَني قال: ناولت أبا عبد الله شيئاً من الرياحين، فأخذَه
فشمَّهُ، ووضعه على عينيه، ثم قال: «من تناول ريحانة فشمَّها، ووضعها على
عينيه ثم قال: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وآل محمَّد، لم يقع على الأرض
حتى يُغفر له» وسائل الشيعة: ح1849. .
أمَّا الرياحينُ المنصوصُ على استحبابها، على وجه الخصوص، فمنها الوردُ
وماءُ الورد والنَّرجِس والمَرْزَنجوش وهو المشهور في لبنان باسم
المَرْدقوش، وقد يُقال المَرْزَجوش وكلُّها لغاتٌ صحيحةٌ والمقصودُ به
النبتةُ المعروفة بالمردشوش. . إضافةً لسائر الورود والأزهارِ الأُخرى،
المختلفة في جمالها وأشكالها وألوانها ورائِحتها.
ورُوي أنَّ رسول الله كان إذا رُفع إليه الريحانُ شمَّه، وردَّه، إلاَّ
المَرْزَنْجوش فإنَّه كان لا يردُّه بحار الأنوار: ج73، ص147. . وقال :
«نِعْمَ الريحانُ المَرْزَنْجوش، ينبت تحت ساقي العرش، وماؤه شفاءُ العين»
المصدر نفسه: ج73، ص147. .
وأما الورد، فيكفي ما ورد عن النبي في شأنه، حيث قال معدِّداً أنواعه:
«الورد الأبيض خُلق من عِرْقي ليلة المعراج، والوردُ الأحمر خُلق من
جبرائيل، والوردُ الأصفر من بُراق» المصدر نفسه: ج73، ص147. .
وأما ماءُ الورد الذي يُستحبُ التدهُّنُ به والتطيُّب... فقد ذُكر في شأنه
عن الإمام الصَّادق قوله: «من أراد أن يَذْهبَ في حاجةٍ له، ومسح وجهه
بماءِ وردٍ، لم يُرهقْ، وتُقضى حاجَتُه، ولا يُصيبُهُ قَتَرٌ ولا ذِلةٌ»
بحار الأنوار: ص144، والقتر: الحاجة والفقر والمسكنة. .
ويبدو من خلال هذه الرواية، أنَّ ماء الوردِ يؤثِّر على الحالة النفسية
والرُّوحيَّة للإنسان، فينشرحُ أكثر للقيام بأعماله، ويُبعدُ عنه التعبَ،
ويستَبْدِلُه بالنشاط والعافية...
ومِنْ آداب استعمالِ ماءِ الورد، أن يمسح به وجهَه، ويشكُر الله على ذلك
وليُصلِّ على النبي الذي رُوي عنه قوله: «من مسح وجهه بماء الورد، لم يصبه
في ذلك اليوم بؤسٌ ولا فَقْرٌ، ومن أراد التمسُّحَ بماء الورد، فليمسح به
وجهَه ويديه، وليحمِد ربَّه، وليصلِّ على النبي» المصدر نفسه: ج73، ص144. .
وفي رواية أُخرى عن الصَّادق تشمِلُ ما تقدَّم، ثم يُضيفُ في آخرها: «فلا
تَدَعوا ما نوصيكم به» المصدر نفسه: ج73، ص144. .
ويُكره ردُّ الطيب على كلِّ حال، حيث سأل سُماعةُ بن مهران الصَّادق عن
الرجل يردُّ الطيبَ، فقال : «لا ينبغي له أن يردَّ الكرامة» فروع الكافي:
ج6، ص512. .
وكان الرسول قد نصح عثمان بن مظعون، بأن لا يدعَ الطيبَ، لأنَّ الملائكة
تستنشق ريح الطيبِ من المؤمن... وخاصةً في يوم الجمعة، حيث قال : «ليتطيبْ
أحدكم يوم الجمعة، ولو من قارورةِ امرأته» فروع الكافي: ج6، ص511 (بتصرف).
، وكانت نساؤه في بعض الأحيان تطيّبُهُ بأيديهن بحار الأنوار: ج73، ص142. .
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ونسأله أن يطيِّب عرقنا، ويزكِّي
روائحنا، ويُحسن منقلبَنا.
ونخلص ممَّا تقدَّم إلى ما يلي:
أوَّلاً: استحباب شمِّ الرياحين، ووضعِها على العينين، والصلاةِ على محمَّد
وآله .
ثانياً: استحباب فعلِ ما شابه ذلك بالفاكهة الجديدة، عند دخول موسمها.
وثالثاً: استحباب التمسحِ بماء الورد، ولذلك أثرٌ كبير على النفس.
فصل في التختم
لبس الخاتم
من السنن المؤكدة لبسُ الخاتم، وقد اهتم الأنبياءُ والأئمَّةُ بخواتيمهم
فجعلوها على مزايا متنوعةٍ في شكلها ونقشها، وطريقةِ التختُّم بها فروع
الكافي: ج6، ص468. .
والمستحبُ هو التختمُ بالفِضَّة، وأما لِبْس الذهبِ للرجال فحرام، حيث قال
رسول الله لأمير المؤمنين علي : «لا تختَّم بالذهب، فإنَّه زينتُك في
الآخرة» المصدر نفسه. .
وقيل بكراهية التختم بما عدا الفِضة، كالحديد والنُحاس، قال أمير المؤمنين
: «لا تختَّموا بغير الفضة، فإنَّ رسول الله قال: ما طهُرت كفٌّ فيها خاتمُ
حديد» المصدر نفسه: ج6، ص468. .
وأما شكل الخواتيم، فالمستحب أن تكون فصوصُها مُدوَّرة فروع الكافي. ، كما
ذُكر عن أبي خديجة، وهو من رواةِ الصَّادقِ والكاظم ، قال: «هكذا كان خاتمُ
رسول الله .... وكانت حَلقَتهُ من الفِضة، وفيه فِصٌّ أسود مكتوب عليه، في
سطرين: محمَّدٌ رسول الله » وسائل الشيعة: ج3، ح5972. .
وأما موضع التختم، فورد الجوازُ بأن يكون في اليمين وفي اليسار على حدٍّ
سواء، والرواياتُ في ذلك عديدةٌ ويبدو أنَّ بعض العلماء يُرجِّح التختم
باليمين، ولكنَّ الثابتَ الجوازُ في اليدين كلتيهما:
فالعلاَّمة المجلسي قال: إنَّ التختم باليسار، محمولٌ على التقية، لما ورد
في الروايات أنَّه من بدع بني أُميَّة، ويُمكن حملُه على أنَّهم يتختمون
باليسار، بشيء ليس فيه شرافةٌ أو كانوا يُحوِّلونها عند الاستنجاء.
وذكر ابن شهرآشوب، في كتاب المناقب... أنَّ النبي تختَّمَ في يمينه،
والخلفاءَ الأربعةَ بعده، فنقلها معاويةُ إلى اليسار، وأخذ الناسُ عنه ذلك.
واشتُهر أنَّ عمرو بن العاص، عند التحكيم، سلَّهُ من يده اليمنى، وقال:
خَلَعْتُ الخلافة من علي، كخلعي خاتمي هذا من يميني، وجعلتُها في معاوية،
كما جعلتُ هذا في يساري. فهذا هو السبب في ابتداع معاوية ذلك فروع الكافي:
ج6، ص469. .
وأما صاحبُ وسائل الشيعة، الحرُّ العاملي، نوَّر الله ضريحه المقدَّس، فقد
ذَكَرَ عند وصوله إلى هذا الباب ما مفاده: أنَّ هذه الأحاديث محمولةٌ،
إمَّا على الجواز، فلا يُنافي ما يأتي من استحباب التختم باليمين، وإمَّا
على جواز الجمع بين التختم في اليمين واليسار، وإمَّا على التقية، لأنَّ
الاقتصار على التختم في اليسار، هو سُنة معاوية وبني أُميَّة والله أعلم
وسائل الشيعة: ج3، ص395. باب جواز التختم في اليمين واليسار. .
وعلى كلِّ حال، من أراد أن يتختم بيساره، ونقش على خاتمه من أسماء الله
تبارك وتعالى، أو من كلامه المبارك، فليُحوِّله عن يسراه عند استنجائه
مكارم الأخلاق: ص87 (بتصرف). .
وأما الروايات التي تذكر جواز التختم باليمين واليسار، فمنها ما ورد عن علي
بن جعفر حيث قال: سألتُ أخي موسى بن جعفر عن الخاتم: يُلْبَسُ في اليمين؟
فقال: «إن شئت في اليمين، وإن شئت في اليسار» وسائل الشيعة: ح5973. .
وعن الصادق لمن قال له: رأيتُ بني هاشم يتختمون في أيمانهم، فقال : «كان
أبي يتختم في يساره، وكان أفضلَهم وأفقهَهُم» وسائل الشيعة: ح5974. ، وعنه
قال: «كان علي والحسنُ والحسين يتختَّمون في يسارهم» المصدر نفسه: ح5976. .
وفي تحف العقول، رواية تؤكد ما ذهب إليه جمعٌ من أعلامنا، ومنهم العلامةُ
المجلسي، والحرُّ العاملي... والرواية عن الحسين بن علي العسكري ، حيث قال
لشيعته، في سنة ستين ومائتين: «أمرناكم بالتختم في اليمين، ونحن بين
ظهرانيكم، والآن نأمركم بالتختم في الشِمال لغيبتنا عنكم، وإلى أن يُظهرَ
الله أمرَنا وأمرَكم، فإنَّه مِنْ أدلِّ دليلٍ عليكم في ولايتنا أهل
البيت»، فخلعوا خواتيمهم من أيمانهم بين يديه، ولبسوها في شمائلهم. وقال
لهم: حدِّثوا بهذا شيعَتنا المصدر نفسه: ج3، ح5979. .
وأما استحبابُ التختم باليمين فقط، فالروايات فيه كثيرةٌ، نذكر منها، ما
رُوي عن العسكري في علامات المؤمن الخمس... وذكر منها: التختم في اليمين
المصدر نفسه: ح5980. وروى جابرُ بن عبد الله، أنَّ النبي كان يتختم بيمينه،
وروَى ذلك أيضاً الأميرُ والصَّادقُ والرِّضا ، وأنَّ الأئمَّة كانوا كذلك
وسائل الشيعة: ح5983. .
وأخيراً، نرى ممَّا تقدَّم، الاستحبابين التاليين:
الأوَّل: استحبابُ التختم بالفضة.
والثاني: لا فرق حول كيفيةِ التختمِ في اليمين أم في اليسار.
التختم بالعقيق
أنواع الفصوص من الأحجار الكريمة التي يُستحب التختمُ بها عديدة، منها:
العقيق والياقوت والزمرُّد والبِلَّور البلور: بكسر الباء وفتحِها وتشديدِ
اللام وفتحها، وهو الزجاج. والفيروزج، وما يُسمَّى بالجزع اليماني،
والحديدِ الصيني ويبقى العقيق مُقدماً على كافة الأجناس الأُخرى. .
ويظهر أنَّ لكل نوع من الأنواع المتقدمةِ، آثاراً خفيَّة على الإنسان، في
أُمور دُنياه وآخرته. فالعقيق الذي جرى التأكيد الشديد على التختم به، بلا
فرق، إن كان من النوع الأحمر أو الأصفر أو الأبيض، له آثار على الرِّزق،
والسلامةِ، واستجابةِ الدُّعاء، والإيمان، والتوحيدِ، والأمنِ من السوء
والمكروه... بل ورد أنَّه حرزٌ من كل بلاء، وسببٌ لقضاء الحاجات، ونجاةٌ من
الحزن والهموم . فقد ورد عن الرِّضا قوله: «العقيق ينفي الفقر، ولِبسُ
العقيق ينفي النفاق» وسائل الشيعة: ج3، ح5992. .
وعن رسول الله : «تختَّموا بالعقيق، فإنَّه مبارك، ومن تختم بالعقيق، يوشَك
أن يُقضى له بالحسنى» المصدر نفسه: ج3، ح5994. .
وعن الصَّادق قال: «من اتخذ خاتماً فِصُّه عقيق، لم يفتقر، ولم يُقض له
إلاَّ بالتي هي أحسن» المصدر نفسه: ح5996. .
وعن رسول الله : «تختموا بالعقيق فإنَّه لا يُصيبُ أحدكم غمٌ ما دام ذلك
عليه» المصدر نفسه: ح5998. . وعنه : «من تختم بالعقيق قُضيتْ حوائجه»
المصدر نفسه: ح5995. .
وعن علي أمير المؤمنين أنَّه قال: «من تختم بالعقيق، ختم الله له بالأمن
والإيمان» مكارم الأخلاق: ص87. .
ويظهر أنَّ للعقيق أسراراً غيبيةً، يقصُرُ فهمُنا عن إدراكها، ومنها، أنَّه
يحيط صاحبه بالأمان والنجاة. فقد رُوي عن علي قوله: «تختموا بالعقيق،
يُبارَكْ عليكم، وتكونوا في أمن من البلاء» مكارم الأخلاق: ص88. .
وكان رجلٌ قد شكا إلى رسول الله من قُطّاع الطرق، فقال له: «هلاَّ تختَّمتَ
بالعقيق؟ فإنَّه يحرِس من كل سوء» المصدر نفسه: ص87. .
وعن الباقر : «من تختم بالعقيق لم يزل يَنْظُرُ إلى الحسنى ما دام في يده،
ولم يزل عليه من الله واقيةٌ» المصدر نفسه. .
ويروي عبدُ الرحمن القصير قِصةً مفادُها: «أنَّ الوالي بعث إلى رجل من آل
أبي طالب في جناية، فمرَّ بأبي عبد الله ، فأمرهم بأن يُتبعوه بخاتم عقيق،
فأتبع بخاتم، فلم يَرَ مكروهاً» مكارم الأخلاق: ص89. وفروع الكافي: ج6،
ص471، ح7. .
وإضافة لما تقدَّم عن العقيق، تبقى أُمورٌ لا نجد لها تفسيراً حِسياً، بل
نعتمد في ذلك على نصوص المعصومين ، كاستحباب التختم به في السفر، وعند
الصلاةِ والدُّعاءِ والخوف... فعن جعفرٍ الصَّادق لسليمانَ الأعمش، وهو من
خواص أصحابه، ومن أهل الفضل والجلالةِ والاستقامة أنَّه قال له: «يا
سليمان، إنَّ الله عزَّ وجلَّ، يُحبُّ أن تُرفع إليه في الدُّعاء يدٌ فيها
فِص عقيق»، فقال سليمان: يابن رسول الله، زدني، فقال : «العجب من يد فيها
فِصُّ عقيق، كيف تخلو من الدنانير والدراهم» فقال سليمان: يابن رسول الله،
زدني، فقال : «يا سليمان إنَّه حرز من كل بلاء» فقال سليمان: يابن رسول
الله، زدني، فقال : «يا سليمان هو أمان من الفقر» فقال سليمان: أُحدِّثُ
بها عن جدك الحسين بن علي عن أمير المؤمنين؟! فقال نعم مكارم الأخلاق: ص88.
.
وفي مجال آخر، رُوي عن الصَّادق : «العقيق أمان في السفر» وسائل الشيعة:
ج3، ح6004. ، وفي نص آخر أنَّه حِرْزٌ في السفر المصدر نفسه: ح6008. .
والمستحب أن يتختم بأي من أنواع العقيق وألوانه، فكُلُّها مباركة إن شاء
الله تبارك وتعالى، ويُكتبُ لصاحبها الخيرُ بحول الله وقُوَّته. فقد كان
بشير الدهان، قد سأل الباقر : أيُّ الفصوصِ أُركِّب على خاتمي؟ فقال : «يا
بشير، أين أنت عن العقيق الأحمر، والعقيقِ الأصفر، والعقيقِ الأبيض،
فإنَّها ثلاثةُ جبالٍ في الجنَّة... إلى أن قال : فمن تختم بشيء منها من
شيعة آل محمد، لم يرَ إلاَّ الخيرَ والحُسنى، والسعَةَ في الرِّزِق
والسلامةَ من جميع أنواع البلاء، وهو أمان من السلطان الجائر، ومن كل ما
يخاف الإنسانُ ويحذره» وسائل الشيعة: ج3، ح6002. .
فيا أخي وعزيزي تأمل في قوله : «فمن تختَّمَ بشيء منها من شيعة آل محمد، لم
يَرَ إلاَّ الخير والحُسنى» إلى آخر الكلام المبارك... وكأنِّي به يشير إلى
أنَّ فائدة هذا الحجر الكريم لا تنفع، إلاَّ من كان انتماؤه صادقاً
ومشايعاً وموالياً لمحمَّدٍ وآل محمَّد .. والذي يُقوِّي هذا، ويجعلُ
النفسَ تطمئن إليه، ما رُوي عن أبي عبد الله الصَّادق من أنَّه قال:
«تختموا بالعقيق، فإنَّه أوَّل جبل أقرَّ لله عزَّ وجلَّ بالربوبية،
ولمحمَّدٍ بالنُّبوَّة، ولعلي بالوصية، وهو الجبل الذي كلَّم الله عزَّ
وجلَّ عليه موسى تكليماً، والمتختِّمُ به، إذا صلَّى صلاتَه، علا على
المتختم بغيره من ألوان الجواهر أربعينَ درجةً» مكارم الأخلاق: ص87. .
خلاصة ما تقدَّم استحباب التختمُ بالعقيق، وفي ذلك بركاتٌ ومردوداتٌ لا
نعلم إلاَّ القليلَ عنها، ويخفى علينا الكثير الكثير.
آداب التختم
بعد أن تحدثنا مُفصلاً، حولَ استحباب التختم بالعقيق، بقي أمامنا أنواعٌ
أُخرى من الحجارة الكريمة التي ورد ذكرها في النصوص الشريفة. فالياقوت
ممَّا ورد ذكره أيضاً، والظاهر أنَّ له ألواناً متعددة... ويشهد بذلك ما
نراه بأعيننا وما يهمُّنا من ذلك هو استحباب جعلِه حجراً يُتختمُ به، ومن
أبرز فوائده أنَّه ينفي الفقر.
فقد رُوي عن رسول الله محمَّد قوله: «التختمُ بالياقوت ينفي الفقرَ...»
مكارم الأخلاق: ص87. . وعنه أنَّه قال: «من تختم بالياقوت الأصفر لم يفتقر»
المصدر نفسه: ص89. .
وعن الصَّادق «يستحب التختمُ بالياقوت» فروع الكافي: ج6، ص471، ح5. .
وأمَّا الزمرُّد، فورد ذكره أيضاً عن الأئمَّة ، كما في النص المبارك:
«التختم بالزمرُّدُ يُسْرٌ لا عُسر فيه» فروع الكافي: ج6، ص471. . وعن رسول
الله : «التختم بالزمرُّد ينفي الفقر» مكارم الأخلاق: ص89. .
وأما الفيروزج، فقد ورد ذكره كثيراً، ومن أهم خصائصه على الإطلاق والتي
ينفرد بها عن غيره: استحباب التختم به، لمن لا يولد له، ويُكتب عليه قولُ
الله تبارك اسمُه: «ربِّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين».
هذا إضافةً لأخبار أُخرى فيه، تسرُّ المؤمنين،... ومن هذه الأخبار، ما ورد
عن الصَّادق : «ما افتقرت كفٌ تختَّمت بالفيروزج» وسائل الشيعة: ح6023. ،
وما ورد عن علي بن محمد الصيمري الكاتب، الذي ذكر للإمام الهادي أنَّه لا
يولد له، فتبسم وقال: اتخذ خاتماً فصُّه فيروزج، واكتب عليه: «رب لا تذرني
فرداً وأنت خير الوارثين»، قال الصيمري: ففعلتُ ذلك، فما أتى عليَّ حولٌ
حتى رزقتُ منها ولداً ذكراً المصدر نفسه: ح6024. .
ومن أسراره أيضاً، ما يظهر في الدُّعاء، وهذا ما رواه لنا الحبيبُ المصطفى
، حيث قال: «قال الله سبحانه: إنِّي لأستحيي من عبدٍ يرفع يدَه وفيها
خاتمٌ، فِصه فيروزج، فأردُّها خائبةً» وسائل الشيعة: ح6025. .
وفي قصة طويلة، أنَّ جبرائيل أهدى الرسول فِصَّ فيروزج، نقشُه: «الله
الملك»، فوهبه الرسولُ إلى أمير المؤمنين ، واسمه هذا، بالفارسية، وأما
اسمه بالعربية فهو: «الظُّفَر» المصدر نفسه: ح6021 (بتصرف). ...
ولعلَّ هذا ما يُوضِّح أيضاً بعضَ أسرار لبس الخواتيم، خاصة عندما نتوقف
عند كل فقْرةٍ من فِقْرات الحديث الذي يُذكر فيه، أنَّ أربعة خواتيمَ كانت
لعليٍّ : خاتم فِصه ياقوتٌ أحمر، يَتختمُ به لُنبْلِه أي لفضله. وخاتم فصه
عقيقٌ أحمر يتختِّم به لحرزه، وخاتم فصه فيروزج يتختم به لظَفَره، وخاتم
فصه حديدٌ صيني يتختم به لُقوَّته مكارم الأخلاق: ص86. .
وما دام حديثُنا عن الخاتمِ، فلا بدَّ من ذكر بعضِ آدابه، كاستحباب أن
يُجعلَ في آخر الإصبع، وليس عند طرفها وسائل الشيعة: ح5990. . واستحباب
لِبْسهِ في الخِنصر، ويُكره التختم في السَبَّابة والوُسطى، فعن رسول الله
: «أنهى أُمَّتي عن التختم في السبابة والوسطى» وسائل الشيعة: ح6029. وعنه
، في وصيته لعلي : «يا علي لا تختَّم في السبابة والوسطى، فإنَّه كان يتختم
قومُ لوطٍ فيها، ولا تُعرِّ الخِنْصر» المصدر نفسه: ح6030. .
كما يُستحب التختمُ بالخواتيم المتعددة، ولا بأس بذلك المصدر نفسه: ج3،
ص408. .
وأمَّا ما يُنقش على الخاتم، فهو ما ورد عن أنَّ الأنبياء والأئمَّة قد
نقشوه على خواتيمهم، وهي أُمورٌ عديدةٌ، تدلُّ على ثقتهم بالله تبارك
وتعالى وتوكُلِهم عليه وتعلُّقِهم به عزَّ وجلَّ .
ولو استعرضنا جملةً ممَّا نقشوه على خواتِيمهم، للمسنا تذكرهم، وعُمْقَ
إيمانهم، وسُموَّ شعاراتهم... وهذه نماذجُ من نقوشِ الخواتيم لبعض الأنبياء
والأئمَّة ، ومنها: «الله الملك» «العزَّة لله» «أنت ثقتي فاعصمني من خلقك»
«حسبي الله» «نعم القادرُ الله» «محمد رسول الله» «إنَّ الله بالغ أمره»
«ما شاء الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» «حسبي الله حافظي» «صدق الله» «لا إله
إلاَّ الله محمَّد رسول الله» فلا بأس أن ينقش عليه ما ورد عنهم .
ورُوي عن الباقر : «من كان نقش خاتمه آيةً من كتاب الله، غفر الله له»
مكارم الأخلاق: ص91. .
فخلاصة ما تقدَّم أُمور:
أوَّلها: استحباب التختمِ بالفيروزج والزمرُّد والياقوتِ وكذلك العقيق.
وثانيها: استحباب التختم بأكثر من خاتم من دون ترك الخِنْصر. وأن ينقش
عليها ما ورد عن الأئمَّة والأنبياء عليهم سلام الله وصلاته.
فصل في الثياب
لبس الثياب الجميلة
{يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي
سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} سورة الأعراف:
الآية 26. .
يستحب للإنسان المؤمن أن يتجمل دون تصنُّع واستعلاء ويُظهرَ نعمةَ الله
عليه، بطرق متعددة، ومن بينها أن تكون ثيابُه جميلةً نظيفةً طاهرةً.
لذا، دعا الإسلام إلى لِبْسِ الجميل من الثياب، من دون تكبر ولا
مفاخرة،وكَرِهَ لأتباعه أن يَظهروا كالبائسين الساترين لنعمِ الله تبارك
وتعالى. وفي هذا المعنى ما رُوي عن الصَّادق : «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يحب
الجمال والتجملَ، ويُبغض البؤسَ والتباؤسَ» وسائل الشيعة: ج3، ص340، ح1. ،
وعنه قال: «إذا أنعم الله على عبد بنعمة، أحبَّ أن يراها عليه، لأنَّه جميل
يحب الجمال» وسائل الشيعة: ح3. .
ويظهر من كلام أئمَّة أهل البيت ، كراهةُ إظهار البؤس والافتقار، مع عدم
مطابقةِ ذلك للحقيقة والواقع ، والمؤمنَ لا يُحاسب على ما يُنفقه في ذلك،
بل يحاسب على خلاف ذلك. فقد رُوي عن الصَّادق قوله: «ثلاثة أشياءٍ لا
يُحاسِبُ الله عليها المؤمن: طعامٌ يأكله، وثوب يَلْبَسه، وزوجةٌ صالحة
تُعاونه، ويُحصِّنُ بها فرجَه» المصدر نفسه: ح7. .
كما يُستحب أن تكون الثيابُ بيضاءَ نظيفةً، وهذا ما ذُكر عن رسول الله في
الجزء السادس من فروع الكافي حيث قال: «البسوا البياض فإنَّه أطيب وأطهر،
وكفِّنوا به موتاكم» ميزان الحكمة: ح17764. .
وعن علي في فروع الكافي أيضاً: «البسوا ثياب القطنِ فإنَّها لباسُ رسولِ
الله وهو لباسنا» المصدر نفسه: ح17765. .
ولعلَّ التجملَ في اللباس يكون ضرورياً، خاصة في مواجهة الشامتين، وأعداءِ
هذا الدِّين، والمتربصين بالمؤمنين أدنى ضعف أو شبهة، مادية أو معنوية ...
فالتجمل في الثياب يُشعر المؤمنين بالعزة والمنعةِ وقوَّةِ الشكيمة، فلا
يضعفون أمامَ أعدائهم... ويُروى في هذا السياق، أنَّ ابنَ عباس، لما بعثه
أمير المؤمنين إلى الخوارج، لبس أفضلَ ثيابِه، وتطيَّب بأطيب طيبه، وركب
أفضلَ مراكبه، وخرج إليهم فواقفهم، فقالوا: يابن عباس، بيننا أنت خيرُ
الناس، إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم، فتلا عليهم هذه الآية: {قُلْ
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ
وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} مكارم الأخلاق: ص96. والآية من الأعراف
32. . وعقَّب الإمام الصَّادق على هذه القصة لمحاوره، قائلاً له: «فالبس
وتجمَّل، فإنَّ الله جميل يحب الجمالَ، وليكن من حلال» المصدر نفسه: ص96. .
وسأله إسحاقُ بن عمار، عن الرجل الموسر المتجمل، يتخذ الثيابَ الكثيرةَ
كالجباب، وهي جمع الجُبَّة، وهو الثوبُ الواسعُ يُلبسُ فوقَ الثياب، إضافة
للقمصانِ ليتجمَّلَ بها: أيكون مسرفاً؟ فقال : «إنَّ الله يقول:
{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} سورة الطلاق: الآية 7. .
وممَّا لا شك فيه، أنَّ حسنَ المظهر يجعل من الإنسان المؤمن مصوناً عن أعين
الآخرين وظنونهم، ومحبباً عند أحبابه وعائلته، ومُكبتاً لأعدائه، ومُعزاً
لجانبه، ومُظهراً ومذكراً لنعمة الله عليه .
وقد نصح الإمامُ الصَّادق عُبيدَ بن زياد قائلاً له: «إظهارُ النعمة أحبُّ
إلى الله من صيانتها، فإيَّاك أن تتزيّا إلاَّ في أحسن زي قومِك» وعقَّب
الراوي على ذلك بقوله: «فما رُئِيَ عُبيدُ، إلاَّ في أحسن زيِّ قومِه حتى
مات» وسائل الشيعة: ج3، ص342، ح1. .
ويُستحسن، في هذا المجال، الإشارةُ إلى عدم جواز التشبُّهِ بالكفار في
لباسهم، فضلاً عن الأُمور الأُخرى، المنهيِّ عنها في شرعنا المقدَّس،
لأنَّنا نرى، وبأسفٍ شديد، أولادَ المسلمين، شباباً وفتياتٍ، وهم يُقلِّدون
الكفارَ في كثير من أُمورهم، وطرقِ معاشهم، وأساليب حياتهم، ولباسِهم،
وآخرِ ما ابتكرته مصانعُ الثياب، ودورُ الأزياء .
وفي هذا، رُوي أنَّ الله تبارك وتعالى، أوحى إلى نبي من أنبيائه، أنْ، قلْ
للمؤمنين: «لا تلبسوا لباسَ أعدائي، ولا تَطْعموا مطاعمَ أعدائي، ولا
تسلُكوا مسالك أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي» المصدر نفسه: ج3،
ص279، ح8. .
وخلاصة ما تقدَّم:
أوَّلاً: استحباب التجملِ، ولبس ما يُظهر النعمة.
ثانياً: استحباب لبس الثياب البيضاء.
ثالثاً وأخيراً: عدم جواز التشبُّه بعادات الأعداء وألبستهم، المخالفةِ
للشريعة المقدَّسة.
آداب الملابس
الحمد لله الذي رزقنا ما نتجمل فيه بين الناس، ونستر به عورَتنا ونصلِّي
فيه لربّنا تبارك وتعالى مكارم الأخلاق: ص99 (بتصرف). .
يستحب للمرء المسلم أن يظْهر أمام الآخرين على أحسن حال، سواء كانوا من
أهلِ ملته ونِحلته أم من قوم آخرين، فقد رُوي عن أمير المؤمنين قوله :
«ليتزين أحدُكم لأخيه المسلم، كما يتزينُ للغريب الذي يُحب أن يراه في أحسن
الهيئة» وسائل الشيعة: ج3، ص344، ح1. . كما يستحب إظهارُ الغنى والاكتفاء،
وإن لم يكن هو كذلك في الواقع، بعيداً عن الرياء والسُّمعة والتكبر،
واحتساباً عند الله تعالى، وهادفاً لعزة المؤمنين، ومُكبِّتاً لأعدائهم
أعداء الدِّين المصدر نفسه: ص344 (بتصرف). .
وكان النبي يتمشط، وينظر في المرآة أو الماءِ في بعض الأحيان ليتجمَّل
لأصحابه فضلاً عن تجمله لأهله وسائل الشيعة: ح2. .
ولا يخفى أنَّ تحسين الصورةِ الخارجية، يجعل اليأس والألَم يتمكن من قلوب
الأعداء، قال أبو الحسن : «إنَّكم قومٌ، أعداؤكم كثيرةٌ، عاداكم الخلقُ يا
معشر الشيعةِ، إنَّكم قد عاداكم الخلقُ فتزينوا لهم، بما قدرتم عليه»
المصدر نفسه: ج3، ص345، ح2. .
ورُوي عن الصَّادق : «الثوب النقي، يكبت العدوَّ» المصدر نفسه: ج3، ص346،
ح1. .
ويَظهر حرصُ الإسلام على النظافة الظاهرية، كما الباطنية، في دعواته
الصريحةَ إلى النظافة والتنظف. وهذا ما نراه جلياً، في العديد من الأحكام
الشرعية المتعلقةِ بالغسل والوضوء والطهارات المختلفة، وموارِد استعمال
الماء المطلق، ويبدو أنَّ التأثيرات النفسية لنظافة الثياب واضحةُ المعالم.
فقد رُوي عن علي قوله: «غسلُ الثيابِ، يذهب الهمَّ والحزنَ، وهو طهور
للصلاة» المصدر نفسه: ص347. .
ولا ضير، ولا بأس في لبس الثياب الفاخرة الثمينة، إذا لم تؤد إلى التكبر،
بل قيل باستحباب لبسها لأنَّ الأزمنة، والناسَ يختلفون ، بين عقدٍ وآخر،
وبلدٍ وآخر، ويروى أنَّ سفيان الثوري كان قد دخل على أبي عبد الله ، فرأى
عليه ثياباً جميلة فقال له: «إنَّ هذا اللباسَ ليس من لباسك»، فقال له
صادقُ آل محمَّد : «اسمع منِّي، وعِ ما أقول لك، فإنَّه خيرٌ لك عاجلاً
وآجلاً، إن أنت مُتَّ على السُّنَّة ولم تمت على بدعة، أُخبرك أنَّ رسول
الله كان في زمان مُقفرٍ جَدِب، فأما إذا أقبلت الدُّنيا، فأحق أهلها بها
أبرارها لا فجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها، فما أنكرتَ
يا ثَوري، فوالله إنِّي لمع ما ترى، ما أتى عليَّ، مُذْ عقلتُ، صباحٌ ولا
مساء ولله في مالي حقٌ أمرني أن أضعه موضعاً، إلاَّ وضعتُه» وسائل الشيعة:
ج3، ص439، ح10 (بتصرف يسير). .
يبدو إذاً أنَّ المهم هو تأديةُ حقِّ الله تبارك وتعالى، ولا مانع من
اقتناء الثياب الجميلة الكثيرة، ما دامت الحاجةُ إليها قائمةً.
ومن الأدب، أن يحافظ الرجل والمرأة، على حدٍّ سواء، على الألبسة المحتشمة،
حتى ولو كانوا في منازلهم وبين أفراد عائِلِتهم... وهذا منفصل عن العلاقة
بين الزوجين، التي لها أوضاعها الخاصة، فالجلوسُ مع الأقارب والجيران
والأخلاَّءِ، لا بدَّ أن يسودَه جوُّ الحشمة والأدب ، والاحترام المتبادل،
وهذا ما نرى خلافه للأسف الشديد، حيث نرى شبابَ المسلمين بل ورجالَهم، وهم
نصفُ عراة، يلبسون ثياباً مريبةً، تظهر من خلالها أكثر أجسادهم، وما هذا
إلاَّ نتيجة تأثرِهم بالأفكار والعادات الغربية الدخيلة.
فما نراه اليوم من أشباه العراة على شرفات منازل المسلمين، وفي شوارعهم،
خاصة في فصل الصيف، بعيد كلَّ البعد عن دعوة الإسلام الحنيف إلى الاحتشام،
مع أنَّ رسول الله ينهى عن التعري باللَّيل والنَّهار. وعن علي أنَّه قال:
«إذا تعرَّى أحدُكم، نظر إليه الشيطان فطمع فيه، فاستتروا، ليس للرجل أن
يكشف ثيابَه عن فخذيه، ويجلسَ بين قوم» وسائل الشيعة: ج3، ص353، ح2، وح3. .
ومن هنا ذُكر استحباب لبس السراويل تحت الثياب، وهي عادة إسلاميةً أخذها
الآخرون منَّا ... وأوحى الله إلى إبراهيم: «إنَّ الأرض قد شكت إليَّ
الحياء من رؤية عورتِك، فاجعل بينَك وبينها حجاباً» المصدر نفسه: ح1. ...
وخلاصة ما تقدَّم: استحباب لبسِ الثياب الجميلة، وإن كانت فاخرةً أو
كثيرةً، ما لم تدخل في حب الشهرة والتكبر والإسراف... كما يستحب لبسُ
الثيابِ النظيفة... وينبغي سَتْر الجسدِ عن الآخرين، لأنَّ في إظهاره لهم
حراماً أو مكروهاً، لا ينبغي للمؤمن الوقوعُ فيه.
من آداب الثياب
الحمد لله الذي رزقنا من الرياش ما نتجملُ به في الناس، ونؤدِّي فيه
الفريضةَ، ونستر به العورةَ ونسأله أن يجعلنا من الذين ألبسهم الله لباسَ
الإيمان وزيَّنهم بالتقوى وسائل الشيعة: ج3، ص374، ح5 (بتصرف). .
ورد في المأثورات، عن النبي وآله عدمُ جوازِ تشبهِ الرجالِ بالنساء، أو
تشبِه النساء بالرجال في اللباس ، لأنَّ ذلك يؤدِّي بالمجتمع إلى الفساد
الخلقي، والميوعة المستنكرة، ويشجعُ على عادات المخنثين والمنحرفين.
وكان يزجر الرجلَ أن يتشبَّه بالنساء، وينهى المرأة أن تتشبَّه بالرجال في
لباسها المصدر نفسه: ج3، ص355، ح2. .
ولكنَّ دورَ الأزياء الأجنبية، والتي تُصممُ اليومَ، ويؤخذُ عنها لكافة
أنحاء العالم، تتعمد مخالفة هذه السُّنَّة النبوية، إمعاناً منها في طعن
الأخلاق الإنسانية بشكل عام ، والنيلِ من العادات الإسلامية بشكل خاص،
فتراهم يجعلون بعض ألبسةِ الرجالِ للنساء، مع إجراء بعض التعديلات اللازمة
عليها، لترويج بضاعتهم، وإضفاءِ مسحة إغرائيةٍ عليها، كما نراهم يُصممون
بعض الألبسة النسائية للرجال، مع إجراء تعديلات عليها أيضاً.
ويحزُّ في النفس، أن ترى شباب المسلمين يتهافتون على شراء هذه الثياب
ولبْسها، بل حتى كهولهم يفعلون ذلك، فترى ابنَ الخمسين والستين يُقلِّد
الشباب، في آخر مستحدثات الثياب وصَرْعاتها، فيرتدي الملوَّن منه، ويشقُّ
قميصه من الأمام، والله تبارك وتعالى أضفى الشيبةَ والهيبةَ على بعض الناس،
وهم يُصرون على التصابي الذي لا يليق بسِنِّهم، وكأنَّهم لم يسمعوا قولَ
الإمام علي : «خير شبابِكم مَنْ تشبَّه بكهولكم، وشرُّ كهولكم من تشبَّه
بشبابكم» وسائل الشيعة: ج3، ص355، ح3. .
ويُكره لبسُ الثوبِ الشفاف الذي يُظهر ما تحته، ممَّا ينبغي إخفاؤه، وقد
يحرم ذلك في بعض الأحيان، بحسب رقةِ الثوب ونوعية الثياب التي يلبسها
تحته... فما تظهرُ العورة منه، يحرم، وما لا يُظهرُها ولكنْ يظهر بعض
الجسدِ من تحته يُكرَه كراهةً شديدةً... وممَّا لا شك فيه أنَّ هذا يؤثر
على تديُّنهِ والتزامه، ويدلُّ على مدى تقواهُ وورعِهِ، وهذا ما أشار إليه
بوضوح عليٌّ حيث قال: «فإنَّ مَنْ رقَّ ثوبُه رقَّ دينُه، لا يقومنَّ
أحدُكم بين يدي الرَّبِّ جلَّ جلالُه وعليه ثوبٌ يشُف» وسائل الشيعة: ج3،
ص357، ح2. .
كما ينبغي أن لا يلبسَ الثيابَ الضيقةَ التي تُفصِّل ما تحتها. وينبغي على
مَنْ لبس ثوباً جديداً أو ثميناً، أن يحافظ على تواضعه، فلا يتبخترْ به،
«فإنَّ الجسد إذا لُبِّس الثوبُ اللِّين طغى» المصدر نفسه: ص364، ح2. .
وكان أميرُ المؤمنين قد نظر إلى فتى قد أطال إزاره ليصل إلى الأرض، وهذه من
علامة المتكبرين فقال له: «يا فتى، ارفع إزاركَ، فإنَّه أبقى لثوبك، وأتقى
لقلبك» المصدر نفسه: ص367، ح2. .
ونهى رسولُ الله أن يختال الرجلُ في مشيه، وقال: «من لبس ثوباً فاختال فيه
خسف الله به من شفير جهنَّم، وكان قرينَ قارون، لأنَّه أوَّلُ من اختال،
فخسف الله به وبداره الأرضَ، ومن اختال فقد نازع الله في جبروته» المصدر
نفسه: ج3، ص368، ح6. .
وورد عنه في حق منْ لبس الثوبَ ليختال ويتبختر: «إنَّ الله تعالى يخسف به
من شفير جهنَّم، يتخلخل فيها، ما دامت السَّماواتُ والأرض، وإنَّ قارون لبس
حِلةً، فاختال فيها، فخسف به، فهو يتخلخل إلى يوم القيامة» وسائل الشيعة:
ص369، ح10. . وكان قد ذكر هذا الأمر في آخر خطبة خطبها. كما ورُوي عنه
قوله: «لا يجد ريحَ الجنَّةِ عاقٌ، ولا قاطعُ رَحِم، ولا مُرْخي الإزار
خُيَلاء» المصدر نفسه: ح11. .
كذلك روى الأصبغ عن علي أنَّه قال: من بعض أخلاق قوم لوط: «مضغ العلك،
وإرخاء الإزار خيلاء، والصفير، وحلُّ الإزار» المصدر نفسه: ج3، ص369، ح12.
.
ولا تخفى طبعاً، حالُ الناس في علاقاتهم الشخصية والاجتماعية، عندما يسودها
التكبرُ والازدراء والتعالي... وهذا ما نراه اليوم في بعض قرانا ومناطِقنا،
وبين بعضِ أصحاب الثروات المالية.
ومن الآداب أيضاً أن نجعل ألبسةً خاصةً للعمل، وألبسةً خاصة أُخرى لغيره من
الأوضاع، ويُكره استعمالُ ثيابِ الصون المرتَّبة في الأعمالِ المبتذلة
المصدر نفسه: ج3، ص374، ح1، ح4. ، كما يعتبر من الأدب أيضاً، طيُّ الثياب،
وترتيبُها لراحتها، وهو أبقى لها مكارم الأخلاق: ص103. .
هذه إذاً جملةٌ متعددةٌ من آداب الثوب ذكرناها جمعاً، لكي لا تبقى منثورة
في بطون الكتب مجهولة عند الكثيرين من المسلمين وغيرهم، ونجملها بما يلي:
حرمةُ تشبهِ الرجالِ بالنساء، والنساءِ بالرجال، وحرمةُ أو كراهيةُ لبس
الثوب الشفاف، وحرمةُ التبختر بالثياب، واستحباب جعل ثيابٍ خاصة للعمل
وأُخرى لغيره، واستحبابُ طيِّ الثياب لحفظها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
فصل في المرض
احتساب المرض
الحمد لله ربّ العالمين {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي
هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *} سورة
الشعراء: الآيات 78 ـ 80. .
إذا كانت الحضارات والمفاهيمُ غيرُ الإسلامية تعتبر المرض شراً ومُصيبةً
على صاحبه، إلاَّ أنَّ الإسلامَ الحنيفَ يعتبر المرضَ من قضاءِ الله وقدره
الذي لا يُرد، وهو تكفيرٌ للذنب، وتذكيرٌ بالآخرة، وإنابةٌ إلى الله تبارك
وتعالى، ورجوعٌ إليه.
فالإسلامُ لا يعتبرُ المرضَ شرّاً محضاً، وإنَّما يعتبره نوعَ عبادةٍ لله
تعالى، ومغفرةً للذنوب المتراكمة التي تتناثر بسرعة، عند اشتداد الأوجاع.
وهذا الكلامُ موجهٌ، بشكل خاص، إلى أحبائنا وأعزائنا من أصحاب الأمراض
المزمنة، الذين نتوجه إليهم بلسان الصدق، ونسألهم الدُّعاء لِظَنَّنا بهم
أنَّهم موطنٌ للإجابة.
فيا أحبائي، يُستحب لنا أن نحتسبَ عند الله تبارك وتعالى كلَّ ألمٍ ووجعٍ
نَحُسُّ به، ولنتذكرْ قولَ علي في نهج البلاغة مذكراً بضعف الإنسان:
«مسكينُ ابنُ آدم: مكتومُ الأجل، مكنون العلل، محفوظُ العمل، تؤلمُهُ
البقَّة، وتَقْتُلُهُ الشَرْقة، وتُنْتِنْهُ العَرْقة» ميزان الحكمة:
ح18469. .
ومن الأدب، يا أعزائي أن نُديمَ الحمدَ والشكرَ لله تعالى، حتى في أحلكِ
الظروفِ، وعند اشتدادِ الأمراض علينا، وأن نكرِّرَ ذلك، ونَقْرنَه بالشكر،
تماماً كما عند صحة أبداننا ... بل ربَّما نسهو عند صحة البدن وقوَّةِ
الجسد، أو لا نخشع لله ربّ العالمين... فلنكنْ كمولانا زينِ العابدين الذي
يُناجي ربَّه، في الدُّعاء الخامسَ عشر من أدعية الصحيفة المباركة، حيث
يقول، عند نزول المرض أو البلاء:
«اللَّهمَّ لك الحمدُ على ما لم أزَلْ أتصرفُ فيه مِن سلامةِ بدني، ولك
الحمدُ على ما أحدَثْتَ بي من علَّة في جسدي، فما أدري يا إلهي أيُّ
الحالين أحقُّ بالشكر لك، وأيُّ الوقتين أولى بالحمد لك... أوَقتُ
الصِّحةِ... أم وقتُ العِلَّةِ التي محَّصتني بها، تخفيفاً لِما ثَقُلَ على
ظهري من الخطيئات، وتطهيراً لِما انْغمَسْتُ فيه من السيِّئات، وتنبيهاً
لتناولِ التوبة...» إلى آخر الدُّعاء المبارك عنه .
ولقد نظر الإسلام نظرةً فريدةً إلى الأمراض، لم يصل إليها فيلسوفٌ أو طبيب
أو دينٌ غيره أو حضارةٌ تدَّعي التمدنَ والرُقي، فقد اعتبر الإسلامُ المرضَ
عبادةً ، كما في رواية الباقرين ، التي ورد فيها: «سهرُ ليلةٍ في مرض أو
وجعٍ، أفضل وأعظمُ أجراً من عبادة سنة» ميزان الحكمة: ح18480. .
فمن أدب المؤمن المحتسب، أن يتذكر هذا النص، ويتذكر أيضاً قول رسول الله :
«لا يمرضُ مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ، ولا مسلمٌ ولا مسلمةٌ، إلاَّ حطَّ الله به
خطيئته» المصدر نفسه: ح18473. .
وذكر العلماء، أعلى الله مقامهم، أنَّه يستحب للمريض عدَّةُ أُمورٍ، منها،
الصبرُ والشكرُ لله تعالى. والذي يُعينُ على العمل بهذه الفتوى المباركة،
أن نستحضرَ النصوصَ التي تتحدث عن ثواب المريض، فإذا تذكَّرها شكر الله
وصبر...
ورُوي، في فروع الكافي، أنَّ رسول الله رفع رأسه إلى السَّماء، فتبسَّم،
فقيل له: يا رسول الله، رأيناك رفعتَ رأسك إلى السَّماء فتبسَّمتَ؟ قال:
نعم، عجبتُ لمَلكين هبطا من السَّماء إلى الأرض، يلتمسان عبداً مؤمناً
صالحاً، في مُصلَّى كان يصلِّي فيه، ليكتُبا له عملَه في يومه وليلته، فلم
يجداه في مصلاه، فعَرَجا إلى السَّماء فقالا: ربَّنا، عبدُك المؤمن فلان،
التمسناه في مصلاه، لنكتبَ له عملَه ليومه وليلته، فلم نُصِبْهُ، فوجدناه
في حبالك. فقال الله عزَّ وجلَّ: اكتبا لعبدي مثلَ ما كان يعملُه في صحّته
من الخير في يومه وليلته، ما دام في حبالي، فإنَّ عليَّ أن أكتبَ له أجرَ
ما كان يعملُه في صحته، إذا حبستُه عنه» ميزان الحكمة: ح18477. .
ورُوي عنه قولُه: «عجبتُ من المؤمنِ وجزَعِهِ من السُّقم، ولو يعلمُ ما له
في السقم من الثواب، لأحبَّ أن لا يزالَ سقيماً حتى يلقى ربَّه عزَّ وجلَّ»
المصدر نفسه: ح18476. .
فخلاصة ما تقدَّم أُمور:
أولاً: استحبابُ احتساب المرض عند الله تعالى.
ثانياً: استحباب الصبر والشكر لله تعالى.
ثالثاً: أن نتذكر أنَّ الله يسمعُنا ويرانا، ويغفرُ لنا ذنوبنا.
عيادة المريض
من المستحبات المشهورة عيادةُ المريض. فالمريضُ يعيشُ مع ألمه الشِّدَّةَ
والوَحْدةَ والمشقة، حيث إنَّ الألمَ، وإن كان في بعضِ الأحيانِ قليلاً،
لكنَّه ذو آثارٍ نفسيةٍ تترك بصماتِها على أصحابها. رُوي أنَّ أربعة
أُمورٍ، القليل منها كثير: «النَّار، القليل منها كثير... والنوم، القليل
منه كثير... والمرض، القليل منه كثير،... والعداوة، القليل منها كثير»
ميزان الحكمة: ح18466. .
وذكر العلماء، شملهم الله برحمته الواسعة، مستحباتٍ وآداباً مؤكدةً لعيادة
المريض، وفي بعض الأخبار، أنَّ عيادته عيادةٌ لله تعالى، فإنَّه تبارك
وتعالى حاضرٌ عند المريض المؤمن، ولا فرق بين أن تكون في اللَّيل أو
النهار، بل يُستحب في الصباح والمساء، ولا يُشترط فيها الجلوس العروة
الوثقى: ج1، ص265 (بتصرف). ... وأن يسأله: كيف أنت؟ كيف أصبحتَ؟ كيف
أمسيتَ؟ مكارم الأخلاق: ص360. .
ومن آداب العيادة، أن يجلسَ عنده، ولكن لا يُطيل الجلوس، إلاَّ إذا طلب
المريض ذلك. فقد رُوي عن علي قوله: «إنَّ من أعظم العُوَّادِ أجراً عند
الله، لَمَنْ إذا عاد أخاه خفَّف الجلوسَ، إلاَّ أن يكون المريضُ يحب ذلك،
ويريدُهُ ويسألُهُ ذلك» ميزان الحكمة: ح18512. .
وعن رسول الله : «أعظم العيادة أجراً أخفُّها» المصدر نفسه: ح18507. .
ويُستحب أن يضَعَ إحدى يديه على يد المريض، أو على جبهته، عند جلوسه عنده،
وفي هذا رُوي عن الصادق أنَّه قال: «من تمامِ العيادةِ، أن يضع العائدُ
إحدى يديه على يدي المريض، أو جبهته» مكارم الأخلاق: ص360. . ويُستحب
الدُّعاءُ للمريض بالشفاء، وأن يضعَ الزائرُ يدَه على ذراع المريض ويقول:
«اللَّهمَّ اشفه بشِفائك، وداوه بدوائك، وعافِهِ من بلائك» العروة الوثقى:
ج1، ص265. .
كما يُستحب حملُ هديةٍ له، من أي صنف كانت، خاصة الفاكهة، ممَّا يُفرحه
ويُريحه. فالإمام الباقر يسأل بعض مواليه، وقد شاهدهم في الطريق، فقال لهم:
أين تريدون؟ فقالوا: نريد أن نزور فلاناً المريض، فسألهم، هل يحملون تفاحاً
أو سفرجلاً أو طيباً أو بخوراً، فقالوا: لا، فقال : «أما تعلمون أنَّ
المريض يستريح إلى كل ما دُخل به عليه؟» ميزان الحكمة: ح18514. .
ويُستحب أيضاً، أن يقرأ عليه فاتحةَ الكتابِ سبعين مرَّة، أو أربعين مرَّة،
أو سبع مرَّات أو مرةً واحدة، فعن أبي عبد الله أنَّه قال: «لو قُرئت
الحمدُ على ميتٍ سبعين مرَّةً، ثم رُدَّت فيه الرُّوح، ما كان عجباً»
العروة الوثقى: ج1، ص266. . وجاء في الحديث: «ما قُرىءَ الحمد على وجعٍ
سبعين مرَّةً، إلاَّ سكن بإذن الله، وإن شئتُم فجرِّبوا ولا تشُكُّوا». وعن
الصادق : «من نالته علَّةٌ، فليقرأ في جيبه الحمدَ سبعين مرَّة (أي في
ثوبه)، ثم ينفِضُه» العروة الوثقى: ج1، ص266. .
ومن الآداب أن لا نأكل عندَ المريض ما يضرّه ويشتهيه. ويستحب أن لا يفعلَ
عنده ما يُغيظُه، أو يضيِّقُ خُلُقَه المصدر نفسه. .
ومن المستحب، أن يلتمس منه الدُّعاء، فإنَّه ممَّن يُستجاب دعاؤه، فعن
الصادق قال: «إذا دخل أحدُكم على أخيه عائداً له، فليدْعُ له، وليطلب منه
الدُّعاءَ، فإنَّ دعاءه مثلُ دعاءِ الملائكة». وعنه قال: «من عاد مريضاً في
الله، لم يسأل المريضُ للعائد شيئاً إلاَّ استجاب الله له» مكارم الأخلاق:
ص361. .
ورُوي عن النبي أنَّه عندما قام من زيارة سلمان في حال مرضه قال: «يا
سلمان، كَشَفَ الله ضُرَّك، وغَفَرَ ذنبَك، وحفظك في دينك وبدنِك إلى منتهى
أجلِك... يا سلمان، إنَّ لك في علتك ثلاث خصال: أنت قريب من الله بذكره،
ودعاؤك مستجاب، ولا تَدَعُ العلَّة عليك ذنباً إلاَّ حطَّته، متعك الله
بالعافية إلى انقضاء أجلك» مكارم الأخلاق: ص361. .
فهذه جملة من آداب عيادة المريض نوجزها بما يلي: استحبابُ زيارتِه
والدُّعاء له، وطلبِ الدُّعاء منه، والجلوسِ عنده، وحملِ الهدية إليه،
وقراءة الحمدِ عنده بقصد الشِفاء، وأن لا نطيلَ الجلوسَ عنده، ولا نفعلَ ما
يُغيظُه.
المريضِ ومستحباته
الحمد لله الذي ينزل {...مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} سورة
الإسراء: الآية 82. .
عندما يُصاب الإنسانُ بمرضٍ ما، لا شك أنَّه يشعر بالضعف، كما يشعر بالحاجة
إلى ربّه تبارك وتعالى، الذي اسمُه دواء، وذكره شفاء، وطاعتُه غنى... فتراه
يتحسرُ على الأيام السالفة التي قضاها، من دون الطاعات والقربات، وتراه
أيضاً وقد خشعَتْ جوارحُه، كما خشع قلبُه، فهو متوجه بكلِّه إلى حضرة
المعبود جلَّ جلالُه .
ومن هنا ذكر الفقهاء للمريض آداباً، يستحب له أن يحرِصَ عليها، ويتحلى بها،
لتكون أدباً له إذا كُتبت له النجاة،
وأجراً إذا كان مصيره الممات.
فمِنْ أدب المريض، أن لا يشكوَ من مرضه إلى غير المؤمن، وحدُّ الشكايةِ
المنهي عنها أن يقول: ابتُليتُ بما لم يبتلَ به أحدٌ، أو أصابني ما لم
يُصَبْ به أحدٌ، وأما إذا قال بدلاً عن ذلك: سهرتُ البارحة، أو كنتُ
محموماً فلا بأس العروة الوثقى: ج1، ص264. .
فالمريض المتوجهُ إلى ربِّه تبارك وتعالى، المحتاجُ إليه، المتذلِّلُ بين
يديه، المستشعرُ لضعفه وعجزه، وعجزِ الأطباء والأحباب من حوله، الأحرى به
أن يتأدَّب بآداب المعاملة الخُلُقية مع ربّه عزَّ وجلَّ، وبآداب العبد مع
المعبود عزَّ اسمه... حتى يكونَ مظنةً لاستجابة الدُّعاء، ومحطةً لحسن
الرجاء، ولا يزداد عتواً ونفوراً، فلا يفترقْ عندئذٍ في صفاته عن الكفار
بشيء، وهذا بالطبع ما لا يريدُهُ لنفسه.
يقول حبيبُنا ومولانا الصادقُ عليه وعلى آبائه السلام... قال عن الشكوى
المنهي عنها، والشكوى الجائزة: «إنَّما الشكوى أن يقول الرجلُ: لقد ابتليتُ
بما لم يُبْتلَ به أحدٌ، أو يقولَ: لقد أصابني ما لم يُصِبْ أحداً، وليس
الشكوى أن يقول: سهرتُ البارحة وتحممتُ اليوم، ونحوَ هذا» مكارم الأخلاق:
ص359. .
ومن أدب المريض أيضاً، أن يُخْفِيَ مرضَه ثلاثة أيام، قبل أن يُحدِّثَ
الآخرين عنه، فقد رُوي عن علي في وسائل الشيعة قولُه: «من كتم وجعاً أصابه
ثلاثةَ أيَّامٍ من النَّاس، وشكا إلى الله عزَّ وجلَّ، كان حقاً على الله
أن يُعَافِيَه» ميزان الحكمة: ح18488. .
وجاء في روايةٍ عن رسول الله قوله: «من مرض يوماً وليلةً، فلم يَشْكُ إلى
عُواده، بعثه الله يومَ القيامة مع خليله إبراهيم خليلِ الرَّحمن، حتى يجوز
الصراطَ كالبرقِ اللامع» المصدر نفسه: ح18487. .
ولعلَّ الحكمة من استحباب كتمانِ المرضِ، في أيّامه الأولى ومراحله
الابتدائية، أنَّ الله تعالى يريد أن يمتحن المريض في صبره... أو أنَّه
تعالى، يريد أن يُروِّضه على الأشد، فيتعودَ الكتمانَ والاحتساب... أو
أنَّه عزَّ وجلَّ يريد أن ينيله ثواباً عظيماً وأجراً كبيراً، فالشكوى
للآخرين تخففُ أو تحبطُ عطاءَ الله له.
إذاً الهدف من ذلك، قد يكون تربوياً، وقد يكون أخروياً، أو لمصلحةٍ ما
يريدُها الله تبارك وتعالى ونحن لا نعرفها. وفي ذلك روي عن الحبيب محمَّد
أنَّه قال: «أربع من كنوز الجنَّة: كِتمانُ الفاقة، وكِتْمانُ الصدقة،
وكتمان المصيبة، وكتمان الوجع» ميزان الحكمة: ح18483. .
وكان أمير المؤمنين عليٌّ يفتخر برجل من إخوانه، بسبب صفاته الحسنة والتي
منها كتمان مرضه، فيقول عنه في نهج البلاغة: «كان لي فيما مضى أخٌ في الله،
وكان يُعْظِمه في عيني صِغَرُ الدُّنيا في عينه... وكان لا يشكو وجعاً
إلاَّ عند بُرْئه» نهج البلاغة: حكمة 289. .
ومن المستحسن هنا، الإلفات إلى أنَّ الكتمان هو من صفات الله عزَّ وجلَّ،
الذي لا يفضح عباده، وهو الذي ستر القبيح ولم يهتك الستر والسريرة. وهكذا،
ينبغي للمؤمن أن يكون في كتمانه، خاصة عندما نرى الرواية المرويَّة في
المستدرك: أنَّ الله تعالى أوحى إلى عزير فيما أوحى له: «... وإذا نزلَتْ
إليك بليةٌ، فلا تَشْكُ إلى خَلْقي، كما لا أشكوك إلى ملائكتي، عند صعود
مساوئك وفضائِحكَ» ميزان الحكمة: ح18485. .
وربَّما يكون في كتمان المرض سرٌّ لا ندركه، وفيه لنا الخير الكثير، في
صحتنا وقوَّتنا ومعنوياتنا وحسنِ إيماننا، وفي رواية، أنَّ الله عزَّ وجلَّ
يقول: «من مرض ثلاثاً فلم يَشْكُ إلى أحدٍ من عواده، أبدَلْتُه لحماً خيراً
من لحمه، ودماً خيراً من دمه، فإن عافيتهُ عافيتهُ ولا ذنب له، وإن قبضتهُ
قبضتهُ إلى رحمتي» ميزان الحكمة: ح18486. .
كذلك يُستحب للمريض أن يجدّد التوبة بينه وبين الله تبارك وتعالى. فالمريض
في حالة لا يدري معها إلى أين يكون مصيرُه، فيستحب له أن يتدارك ما أسلف من
ذنوب ومعاصٍ، بتوبة طاهرة زاكية إلى المولى عزَّ وجلَّ، والإنابة إليه.
وليتذكر في هذا المجال قول الرسول : «من تاب قبل أن يعاينَ، قَبِلَ الله
توبته» وقوله أيضاً: «إنَّ الله يقبل توبةَ عبدِه ما لم يُغرغر...» المصدر
نفسه: ح2136 وح2137. ، أي ما لم تصل النفس إلى حلقه أو حنجرته.
كما يُستحب للمريض أن يوصيَ بثُلُثِ ماله إن كان موسِراً، وأن يوصيَ
بالخيرات للفقراء من أرحامه وغيرهم، لأنَّه قد يكون في حاله هذه في آخر
أيام حياته، وفي لحظات وداعه، ومالُه الذي أنفق جلَّ وقته في جمعه سيصادر
منه كلُّه عمَّا قليل، وسيكون الحساب عليه حساباً عسيراً... فالأسلم له أن
يتبرع، في زمن صحته وعافيته، بعنوان صدقاتٍ وهباتٍ ومبراتٍ وخيراتٍ،
للمستحقين والمحتاجين وأهلِ الفاقة والعوز العروة الوثقى: ج1، ص265. . روي
عن رسول الله : «الصدقة تمنع ميتة السوء» ميزان الحكمة: ح10356. .
وعنه : «خلَّتان، لا أحبُّ أن يشاركني فيهما أحدٌ: وضوئي فإنَّه من صلاتي،
وصدقتي فإنَّها من يدي إلى يد السائل، فإنَّها تقع في يد الرَّحمن» المصدر
نفسه: ح10348. .
وفي نصٍّ، أنَّ الله تبارك وتعالى يقول: «ما من شيء إلاَّ وقد وكلتُ مَنْ
يقبضُهُ غيري إلاَّ الصدقة، فإنِّي أتلقفُها بيدي تلقُفاً...».
ويُستحب للمريض أن يتصدَّق هو وأقرباؤه بشيء، قال رسول الله : «داووا
مرضاكم بالصدقة» العروة الوثقى: ج1، ص265. .
ويستحب إعلامُ المؤمنين بمرضه، بعد ثلاثة أيام، لا قبلَها، وأن يأذن لهم في
عيادته، فإنَّه بذلك ينالُ الأجرَ بسببهم، وهم بدورهم ينالون الأجرَ أيضاً،
ويستأنسون لبعضهم البعض. فعن الصادق : «ينبغي للمريض منكم أن يؤذِنَ
إخوانَه بمرضه، فيعودوه، ويؤجرُ فيهم، ويؤجرون فيه». فقيل: نعم، هم يؤجرون
فيه لمشيهم إليه، وهو كيف يؤجر فيهم؟... فقال : «باكتسابه لهم الحسنات،
فيؤجر فيهم، فيُكتبُ له بذلك عشرُ حسنات، ويُرفعُ له عشرُ درجات، ويُحطُّ
عنه عشرُ سيِّئات» مكارم الأخلاق: ص360. .
وقال أبو الحسن : «إذا مرض أحدُكم، فليأذن للناس أن يدخلوا، فليس من أحد
إلاَّ وله دعوة مستجابة» المصدر نفسه: ص361. .
وعن النبي أنَّه قال: «من حقّ المسلم على المسلم إذا لقيَه أن يُسلِّم
عليه، وإذا مرض أن يعُوده، وإذا مات أن يُشيِّع جنازَته» المصدر نفسه:
ص359. .
ويستحبُ للمريض أن لا يُسرعَ إلى شربِ الدواء، والتعجيل به، إلاَّ مع اليأس
من الشفاء بغير ذلك، فيزور الطبيبَ ويأخذَ الدواء. وهذه إشارة إلى أنَّه لا
ينبغي للمريض المؤمن، أن يكون هلوعاً خائفاً من مصيره، وقضاءِ الله فيه،
فيُسرعَ إلى الدواء... بل يتركه إلى وقت حاجته. ولكن كتدبير وقائي، يستحب
للمريض أن يجتنب ما يحتملُ ضرَرَهُ وأذيَّتَهُ العروة الوثقى: ج1، ص265. .
ومن المستحبات الهامة التي ينبغي أن لا تُتركَ، أن يُقرَّ المريضُ، عند
حضور المؤمنين، بالتوحيد والنبوَّةِ والإمامةِ والمعادِ، وسائرِ العقائد
الحقَّة، من الجنَّة والنَّار والحساب والعقاب والشفاعةِ والصراط... فقد
ذكر الفقهاءُ رضوان الله عليهم استحبابَ أن ينصِبَ قيِّماً أميناً على
صغاره، ويجعلَ عليه ناظراً. كما ذكروا استحبابَ حسنِ ظنه بالله تعالى عند
موته، بل قيل بوجوبه في جميع الأحوال، ويستفادُ من بعض الأخبار وجوبُه حال
النزعِ قبل الموت العروة الوثقى: ج1، ص265. .
ومن المستحبات الهامة جداً أيضاً، والتي لا ينبغي أن يتركها ذوو المراقبات
والسلوك الرباني، أن يُهيىءَ كفنَه، ومن أهم الأُمورِ إحكامُ أمرِ وصيته،
وتوضيحه وإعلام الوصي والناظرِ بها المصدر نفسه. .
وقد ذكر العالم العامل والفقيه الكامل السيِّد ابن طاوس، في استحباب تهيئة
الكفن الشيء الكثير، الذي يستحق الرجوع إليه وذلك في كتابه الموسوم بفلاح
السائل،... وكان ممَّا ذكره قُدِّس سُرُّه قوله: «... وأنا أُخرج كفني،
وأنظُرُهُ في كل وقت، أستَصْوبُ النظرَ إليه، وكأنَّني أشاهدُ عرضي على
الله جلَّ جلاله، وأنا لابسُه وقائم بين يديه...» فلاح السائل: ص71. .
وبذلك نرى جملةَ استحباباتٍ وآدابٍ للمريض، نلخصُها بما يلي: يستحبُ للمريض
أن لا يشكو إلى غير المؤمن، وليس من الشكاية أن يذكر حالَه كما مرَّ
توضيحه. كما يستحب له كتمان مرضهِ ثلاثةَ أيامٍ إن لم يُضطرَّ إلى خلاف
ذلك، وأن يُعلمَ إخوانه لزيارته، وأن يتصدق هو وأقرباؤه، وأن يُحسنَ كتابةَ
وصيته ويُعلمَ الوصي والناظر بذلك، وأن لا يُسرعَ في شرب الدواء، وأن
يُقرَّ بالتوحيد والعقائدِ الحقّة وأن يُهيىء كفنه.
فصل في المشي
المشي
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ
بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} سورة الحديد: الآية
28. .
المؤمن الخلوق، خلوقٌ في كل حركة من حركاته، وفي كل نَظْرَة من نظراته...
ومشيةُ المرء، في بعض الحالات، دليل على باطنه. لذا كان النهيُ في الإسلام
عن مشية التكبُّر، قال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ
مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} سورة لقمان:
الآية 18. . وقال عزَّ وجلَّ: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ
لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً *} سورة
الإسراء: الآية 37. .
من هنا فإنَّ المستحب في الإسلام، أن يمشيَ المرءُ مِشيةَ المتواضع المتذلل
في نفسه لله تبارك وتعالى، وهذا ما فُسِّرت به كلمةُ الهَوْن في قوله عزَّ
وجلَّ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ
هَوْناً} سورة الفرقان: الآية 63. أي الذين يمشون برفق ولين وتواضع للعباد،
ويخالطون الناس ويعاشرونهم بالمعروف والحسنى.
كما يستحب خفضُ الطَرْفِ في حالةِ المشي، والنظر إلى الأرض... وهكذا كانت
مشْيَةُ رسول الله على ما رواه الحسنُ بن علي ، حيث قال واصفاً مشيته :
«... إذا زال زال قلعاً، يخطو تكفؤاً ويمشي هوناً، سريعَ المشية، إذا مشى
كأنَّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافضَ الطرف، نظرُه إلى
الأرض أطولُ من نظره إلى السَّماء، جُلُّ نظرِهِ الملاحظة... ويَبْدُرُ
مَنْ لقي بالسلام...» مكارم الأخلاق: ص12. .
وكان حبيبُنا ومولانا زينُ العابدين ، مثالَ التواضع لربّ العالمين،
وإخوانِه المؤمنين، وكان يمشي وعليه السكينة والخشوع، دون أن يظهر على
أطرافه ما يخالف ذلك.
يقول الصادق عن جدّه: كان عليُّ بن الحسين صلواتُ الله عليه يمشي مشيةً
كأنَّ على رأسه الطير، لا يسبق يمينُه شِماله» ميزان الحكمة: ح18612. .
أما مولانا مولى المتقين عليٌّ ، عندما يصف أهل التقوى بصفات عجيبة، فلا
ينسى أن يشير إلى مِشيتهم فيقول : «منطِقُهُمْ الصواب، ومَلْبسُهُمْ
الاقتصاد، ومشيُهُم التواضع...» نهج البلاغة: خطبة 193. .
وأما من يسعى تكبراً، ويُقلِّدُ الجبابرةَ والعظماء، فهو مبغوض عند ربّ
العزة تعالى شأنه، حيث قال الله عزَّ وجلَّ لهؤلاء، استخفافاً بغرورهم:
{وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ
تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً *} .
وروى الطبراني عن رسول الله : «من تعظم نفسه، أو اختال في مشيته، لقيَ الله
تبارك وتعالى وهو عليه غضبان» ميزان الحكمة: ح18620. ، وعنه : «من مشى على
الأرض اختيالاً، لعنته الأرضُ ومَنْ تحتها ومَنْ فوقها» المصدر نفسه:
ح18619. .
ونرى سيِّدنا لقمان ينصح ابنه فيما ينصحه: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} سورة
لقمان: الآية 19. .
ويُستثنى من حرمة، أو كراهية مشية التبختر، ما إذا كان المرء أمام الأعداء،
وأراد أن يتفاخر عليهم، ويعتزَّ بإسلامه، فلا بأس بذلك. فقد رُوي عن الصادق
قوله: إنَّ أبا دجانة الأنصاري، اعتمَّ يوم أُحُدْ بعمامة له، وأرخَى
عَذَبَةَ العِمَامةِ من خلفه بين كتفيه، ثم جعل يتبختر بين الصفين، فقال
رسول الله : «إنَّ هذه لمشية يُبغضها الله تعالى، إلاَّ عند القتال في سبيل
الله» ميزان الحكمة: ح18621 وح18622 (بتصرف). .
وما عدا هذه الحالة، فلا ينبغي للمؤمن في مشيه، إلاَّ أن يكون متواضعاً لا
جبَّاراً طاغياً، روى بشير النبَّال، أنَّه كان مع الباقر في المسجد، إذ
مرَّ رجلٌ أسود وهو ينزع في مشيه، فقال أبو جعفر : إنَّه لجبَّار، فقال
بشير: إنَّه سائل، فردَّ عليه الإمام: إنَّه جبَّار المصدر نفسه: ح18625. .
ويستحب للمرأة أن تمشيَ على جانبي الطريق، لا في وسطها، لما في ذلك من
معاني السَّتْرِ والخجلِ وغض البصر، وَدَرْءِ الفتنة، وفي هذا روي عن
الصَّادق قوله: «ليس للمرأة أن تمشيَ وسطَ الطريق، ولكن تمشي في جانبيه»
مكارم الأخلاق: ص208. ، وجاء عن النبي قوله أيضاً: «ليس للنساء من سروات
الطريق، يعني من وسطه، إنَّما لهن جوانبه» المصدر نفسه: ص259. .
وأما السرعة في المشي فمكروهة من غير ضرورة، لأنَّه ورد عن رسول الله :
«سرعة المشي يذهب ببهاء المؤمن» ميزان الحكمة: ح18613. ، كما ورد عن
الصَّادق : المشي المستعجل يذهب ببهاء المؤمن ويُطفىء نوره» المصدر نفسه:
ح18614. .
أما عند الضرورة فلا بأس به، حيث رُوي أنَّ قوماً مشاة، أدركهم النبي فشكوا
إليه شدَّة المشي، فقال لهم: «استعينوا بالنسل» مكارم الأخلاق: ص257.
والنسل هو الإسراع في المشي، وجاء عن الصادق : «سيروا وانْسِلوا، فإنَّه
أخفّ عليكم» المصدر نفسه. ومعنى انسلوا أي أسرعوا في مشيكم.
وقد ذُكر، في عشرات الروايات والأخبار، استحبابُ حملِ العصا عند المشي،
حضراً وسفراً، وأنَّها علامةُ المؤمن، وسُنَّةُ الأنبياء، وتنفي الفقر،
وتمنعُ الاختيالَ في المشي، فقد رُوي عن النبي قوله: «من مشى مع العصا، في
السفر والحضر، للتواضع، يُكتبُ له بكلِّ خُطوةٍ ألفُ حسنة، ومحي عنه ألفُ
سيِّئة، ورُفع له ألفُ درجة» بحار الأنوار: ج73، ص302. .
ويُكره للمرء أن يسافرَ وحيداً، تماماً كما كنَّا قد ذكرنا سابقاً حولَ
كراهيةِ أن ينام أو يبيتَ وحيداً، فقد يصيبه مرضٌ مفاجىء، أو حاجةٌ أو ألمٌ
أو ضرورة، أو قد يحتاج في مشيه أو سفره لِمَنْ يساعدُهُ أو يستعينُ به، أو
يتسلى معه ويستأنسُ به، وهذا ما نلاحظه نحن عند سفرنا، حيث تشتد الحاجة إلى
الصاحب والمعين. وفي هذا رُوي عن النبي أنَّه قال لعلي : «يا علي، لا تخرج
في سفرك وحدك، فإنَّ الشيطان مع الواحد، ومع الاثنين أبعد» مكارم الأخلاق:
ص259. .
وجاء عن النبي أنَّه لعن ثلاثة: الآكل زادَه وحده، والنائم في بيت وحده،
والراكب في الفلاة وحده» المصدر نفسه. .
ولكن، وفي بعض الأحيان، ولسبب أو لآخر، قد يضطر الإنسان للسفر وحده، إمَّا
لعدم وجود الصاحب، أو بسبب سرعة السفر، فيُستحب له إذا خرج لوحده في سفر،
أن يقول: «ما شاء الله، لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله، اللَّهمَّ آنس
وحشتي، وأعنِّي على وَحْدتي، وأدِّ غيبتي» مكارم الأخلاق: ص259. .
وكان عليٌّ قد دعا ربَّه عند عزمه على المسير إلى الشام، كما في نهج
البلاغة قائلاً: «اللَّهمَّ أنت الصاحبُ في السفر، وأنت الخليفة في الأهل،
ولا يَجْمَعُهُمَا غيرُك، لأنَّ المُستخلَفَ لا يكونُ مُسْتصحباً،
والمستصحبَ لا يكون مُسْتخلفاً» نهج البلاغة: خطبة 46. .
ويُستحب مطلقاً للماشي أن يُحسنَ النية ويُخْلصَها لله تعالى، لأنَّه لا
يدري إلى أين مصيره، وهل يرجع من سفره المقصود، أم من مَشْيته هذه سالماً
أم لا؟! كما يُستحب للماشي أن يكون متفكِّراً في عجائب صنع الله، وكيف وهبه
القوَّة والعزم، والقدرة على الانتقال من مكان إلى آخر، وكيف لو منعه ربُّه
من ذلك.
وينبغي للماشي أن لا يتوجه، ولا يسعى إلى محرمٍ أو محذور، حتى لا يستعمل
القوَّةَ الموهوبةَ له من ربّه في معصيته، والعياذ بالله.
كما ينبغي له غضُّ الطَّرْفِ، بما يليق به كمتدين ملتزمٍ بأحكام الله عزَّ
وجلَّ، فلا يتخطاها إلى نظرةِ حرامٍ، أو ازدراءٍ، أو احتقارٍ، كذلك يُستحب
له أن يتذكر، أنَّ المواضعَ التي يتردَّد إليها، ويذكرُ الله تبارك وتعالى
فيها، تشهد له بذلك يوم القيامة، تماماً كما تشهد بذلك الجوارح، ومن جملتها
الأرجل.
ويُستحب أيضاً أن لا يُكثرَ الكلامَ مع الناس في الطريق، وينبغي الاحترازُ
من ذلك، خاصة للفتيات، فإنَّ فيه مفسدةً كبيرةً، كما يشهد بذلك الواقع. وكل
هذه المستحبات، التي ذُكرت في طي الأسطر السابقة، نُصَّ عليها في رواية
واحدةٍ جامعةٍ، عن مولانا الصَّادق حيث قال في حديث طويل:
«إن كنت عاقلاً فقدِّم العزيمةَ الصحيحة، والنيةَ الصادقة، من حيث قصدك إلى
أيِّ مكان أردت، وانْهَ النَّفسَ عن التخطي إلى محذور، وكن متفكِّراً في
مشيك، ومعتبراً لعجائب صنع الله عزَّ وجلَّ أينما بَلَغْتَ، ولا تكن
مستهتراً، ولا تكن متبختراً في مشيتك، وغضَّ بصرك عمَّا لا يليق بالدِّين،
واذكر الله كثيراً، فإنَّه قد جاء في الخبر: أنَّ المواضع التي يُذكر الله
فيها وعليها، تشهد بذلك عند الله يوم القيامة، وتستغفرُ لهم إلى أن يُدخلهم
الجنَّة، ولا تُكْثر الكلامَ مع الناس في الطريق، فإنَّ فيه سوءَ الأدب،
وأكْثرُ الطرق مراصدُ الشيطان ومتجرتُه، فلا تأمن كيده، واجعل ذهابَكَ
ومجيئَكَ في طاعة الله، والمشيَ في رضاه، فإنَّ حركاتِك كلَّها مكتوبةٌ في
صحيفتك، قال الله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} سورة النُّور:
الآية 25. ، وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ
طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} سورة الإسراء: الآية 14. . انتهى كلامُ الصَّادق ،
والله أعلم حيث يجعل رسالته بحار الأنوار: ج73، ص301. .
ويبقى في آداب المشي أمرٌ، لا بدَّ أن نتطرق إليه، وهو أنَّ كثرةَ
المرافقين والتابعين لشخصٍ ما، قد تكون سبباً في فتنته وغروره، إضافة لضرره
عليهم، حيث إنَّ الكثير من الزعماء والرؤساء يُحبونَ من الآخرين أن
يتَّبعوهم، فقد ورد أنَّ الأمير عندما كان راكباً ولحق به أصحابه، التفت
إليهم، فقال: لكم حاجة؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، ولكنَّا نحبُّ أن
نمشي معك، فقال لهم انصرفوا، فإنَّ خَفْقَ النعالِ خلفَ أعقابِ الرجال
مفسدةٌ للقلوب... وفي رواية أنَّه قال لهم: انصرفوا فإنَّ مشيَ الماشي مع
الراكب مفسدةٌ للراكب ومذلةٌ للماشي ميزان الحكمة: ح18615 (بتصرف). .
وفي رواية أنَّه قال لحرب، عندما مشى معه لما ورد الكوفة قادماً من صفين،
قال له: ارجع، فإنَّ مشيَ مثلِك، مع مثلي، فتنة للوالي، ومذلةٌ للمؤمن
المصدر نفسه: ح18616. .
وفي ذلك نصوص أُخرى. ونكتفي بهذا القدر لأنَّ فيه الكفاية إن شاء الله
تعالى، إذ يظهر منها مجملُ مستحبات وآدابِ المشي ونلخصها بالتالي:
استحباب التواضع في المشي، وخفضِ الطَّرْفِ، والنظر إلى الأرض، وأن لا
يتبختر ولا يتفاخر، إلاَّ إذا كان في مواجهة الأعداء، كما يستحبُ المشيُ
للنساء على جانبي الطريق، وتكره سرعةُ المشي، إلاَّ لدفع الإعياء وعند
الضرورة، واستحباب حملِ العصا، وإخلاصِ النية، وذكرِ الله، وعدمِ الإكثار
من الكلام مع الناس في الطريق...
فصل في قراءة القرآن
قبل قراءة القرآن
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ
جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} سورة الزمر: الآية 23. .
القرآن الكريم، كتابُ الله الخالد، ومعجزتُه الدائمةُ بين أيدينا، وحجَّتُه
على العباد، في كل الأزمان وفي سائر البلاد ، فيه خبرُ من كان قبلنا، وخبرُ
مَنْ يأتي بعدَنا، وحكمُ ما بيننا، وفي حقه قال خاتمُ الأنبياء والمرسلين :
«أصدقُ القول، وأبلغُ الموعظة، وأحسن القصص كتابُ الله» ميزان الحكمة:
ح16129. .
أمَّا الأمير فيقول في القرآن الكريم، كما ذُكر عنه في نهج البلاغة: «وإنَّ
الله سبحانه، لم يَعِظْ أحداً بمثل هذا القرآن، فإنَّه حبلُ الله المتين،
وسبَبُهُ الأمين، وفيه ربيعُ القلب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاءٌ
غيرُهُ...» ميزان الحكمة: ح16114. .
وفي القرآن أيضاً يقول مولانا وحبيبُنا زين العابدين : «لو مات مَنْ بين
المشرق والمغرب، لما استوحشتُ، بعد أن يكون القرآن معي» المصدر نفسه:
ح16118. .
ويُحذّرُ الإمامُ الصَّادق من الوقوع في الفتن، لمن لم يجعل كتابَ الله
دليلاً إلى الحق، وهادياً إلى الفضيلة. فيقول : «مَنْ لم يعرف الحقَّ من
القرآن، لم يتنكَّب الفتن» المصدر نفسه: ح16119. .
ولذلك يجب أن يكون كتابُ الله هادياً، ومبشراً، وناصحاً لنا، ومُرشداً إلى
سبيل الخير والرشاد، بأن نتلوَه حقَّ تِلاوته، ونتفهم آياتِه، ونتدبَّرها،
ونعملَ بها.
وقد ذكر العلماءُ جملةً من الآداب الظاهرية، عند تلاوة القرآنِ المعظَّم،
ومنها: استحبابُ الاستعاذة عند بدْئه في القراءة، كأن يقول: «أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم» لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول في سورة النحل المباركة:
{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّجِيمِ *} سورة النحل: الآية 98. .
ففي هذا الاستحباب تطهيرٌ للِّسان من كل ما جرى به، من ذكر غير الله تعالى،
وكنسٌ لِوسوسة القلبِ، ليتهيأ لتلقي كلام الله عزَّ اسمُه .
والاستعاذة نافعةٌ لدحر المعصية، كما أنَّ التسمية نافعة لتيسير الطاعة
مطلقاً ، وفي كلِّ حال. فقد ورد عن الصَّادق قوله: «أغلقوا أبوابَ المعصيةِ
بالاستعاذة، وافتحوا أبواب الطاعة بالتسمية» ميزان الحكمة: ح16228. .
ويستحب عند التلاوة، أنَّه إذا مرَّ بآية فيها: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} أو:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أن يقول: «لبَّيك ربَّنا» المحجة البيضاء:
ج2، ص228. .
كما يستحب محاكاة القرآن، أي التفاعُلُ معه تلفظاً وكلماتٍ ... فإذا مرَّ
بآية تسبيح وتكبير، سبَّح وكبَّر، وإذا مرَّ بآية فيها دعاء واستغفار، دعا
واستغفر وإذا مرَّ بآية رجاءٍ سأل الله تعالى من فضله، وإذا مرَّ بآية
مخوفة استعاذ بالله، وورد عن الصَّادق أنَّه، إذا قرأ الآية: {أَأَنْتُمْ
تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ *} سورة الواقعة: الآية 59. قال:
بل أنت الله الخالق. وإذا قرأ قولَ الله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاَءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *} سورة الرحمن: الآية 25. قال: لا بشيء من آلائك
ربِّ أُكذِّب...
وهكذا، يمضي القارىء على هذا النسق، والظاهرُ انسحاب هذه الطريقةِ إلى كل
ما يناسب... كما يُستحب تكرارُ الآيةِ وترديدُها، حتَّى يكونَ تأثيرُها في
النفس أوقع المحجة: ج2، ص228 (بتصرف). .
وكان الرِّضا في طريق خراسان، يكثر باللَّيل في فراشه من تلاوة القرآن،
فإذا مرَّ بآية فيها ذكرُ جنةٍ أو نار بكى، وسأل الله الجنَّة، وتعوَّذ به
من النَّار ميزان الحكمة: ح16240. .
ويحدِّثنا الأمير عن المتقين، واصفاً إيَّاهم بقوله: «... فإذا مرُّوا بآية
فيها تشويقٌ ركنوا إليها طمعاً، وتطلَّعت نفوسُهم إليها شوقاً، وظنوا
أنَّها نُصبُ أعيُنهِم، وإذا مرُّوا بآية فيها تخويفٌ، أصْغَوا إليها
مسامعَ قلوبهم، وظنوا أنَّ زفير جهنَّم وشهيقها، في أُصول آذانهم...» نهج
البلاغة: خطبة 193. .
كما يُستحب لقارىء القرآن أن يُراعيَ حقَّ الآيات.. فإذا مرَّ بآية سجود
سجد، وأن يقول مثلاً: «سجدتُ لك تعبداً ورِقاً، لا مستكبراً عن عبادتك ولا
مستنكفاً ولا متعظماً، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير» المحجة: ج2، ص227.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ في القرآن الكريم خَمْسَ عشرة سجدة، أربعاً
منها واجبة، تُسمَّى بالعزائم، والبواقي مستحبة، وأقلُّ السجودِ المطلوبِ،
أن يسجد بوضع جبهته على الأرض المصدر نفسه: ص226. ...
كذلك يُستحب قبل القراءة للقرآن العظيم، تنظيفُ الفم من كل رائحة مكروهة،
حيث سيجري الكلامُ المعظَّم لله جلَّ جلالُه، الذي شرَّفنا به، وسمح لنا
بقراءته وتلاوته، وهذا بذاته من النِّعمِ العظيمة علينا. فقد روي أنَّ
الرسول ، قال: «نظِّفوا طَريقَ القرآن، فقيل له: يا رسول الله، وما طريق
القرآن؟ فقال: أفواهكم. قيل: بماذا ننظفُها؟ قال : بالسواك» ميزان الحكمة:
ح16225 (بتصرف). . وقال : «طيِّبوا أفواهكم، فإنَّ أفواهكم طريق القرآن»
المصدر نفسه: ح16227. .
تلاوة القرآن الكريم
يستحب لقارىء القرآن أن يكون على وضوء، متأدباً في جلوسه، مُطرقاً رأسَه
غير متكىءٍ، ولا جالسٍ على هيئة المتكبر، وأن يستقبل القبلةَ، ويتطيَّب.
وهنيئاً لمن تلا من كتاب الله كلَّ يوم في بيته، فعن النبي أنَّه قال:
«نوِّروا بيوتكم بتلاوة القرآن، ولا تتخذوها قبوراً، كما فعلت اليهودُ
والنصارى... فإنَّ البيت، إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثُر خيرُه، واتسع
أهلُه، وأضاء لأهل السَّماء، كما يُضيءُ نجومُ السَّماءِ لأهل الدُّنيا»
المحجة: ج2، ص220. .
ويستحب أن يقرأ على الأقل، في كل يوم، خمسين آية كحد أدنى، حيث ورد في
الكافي عن الصَّادق قوله: «القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء
المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية» المحجة: ج2،
ص223. . كما يستحب ترتيلُ القرآنِ الكريم، لأنَّ المقصود من القراءة
التفكُّر، والترتيل يعين على ذلك، ويساعد على التأمُّل في كلّ آية وكلمة،
يقول الله تبارك وتعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} سورة المزمل:
الآية 4. ... وقالوا إنَّ الترتيل هو حفظ الوقوف، وبيان الحروف المحجة: ج2،
ص225. ، كما روي عن أمير المؤمنين
وينبغي أن يكون الترتيل على هنيهة ووضوح، بحيث لو أراد السامع عدَّ الحروف،
عند كل كلمة لفعل، كما روي في قراءة رسول الله .
وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «بيِّنه تبياناً، ولا تهذَّه هذَّ
الشعر، ولا تنثُرْه نثر الرمل، ولكن أفزعوا قلوبَكم القاسية، ولا يكن همُّ
أحدِكم آخرَ السورة» الكافي: ج2، ص614. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ
يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ *}
سورة فاطر: الآية 29. .
ويستحب أيضاً تحسينُ الصوتِ، وفي الوقت نفسه تحزينُ الصوت، فلعلَّ ذلك
أقربُ إلى التأثير في القلب، فقد روي عن رسول الله قوله: «زينوا القرآن
بأصواتكم» ميزان الحكمة: ح16209. . وعنه : «إنَّ من أحسن الناس صوتاً
بالقرآن، الذي إذا سمعتموه يقرأ، حسِبتْموه يخشى الله» المصدر نفسه:
ح16211. .
وكان علي بن الحسين، صلوات الله عليه، أحسن الناسِ صوتاً بالقرآن، وكان
السقاؤون يمرون فيقفون ببابه، يسمعون قراءته، وكان أبو جعفر أحسن الناس
صوتاً ميزان الحكمة: ح16213. .
وعن الصَّادق قال: «إنَّ القرآن نزل بالحزن، فاقرأوه بالحزن» الكافي: ج2،
ص614. .
ووصف الأمير المتقين، فقال عنهم: «أمَّا اللَّيل فصافّون أقدامَهم، تالين
لأجزاء القرآن يُرتِّلُونَها ترتيلاً، يُحزِّنون به أنفسهم، ويستثيرون به
دواء دائهم...» نهج البلاغة: خطبة 193. .
ويستحب، وأنت تتلو كتاب الله، أن تشعر بالخشوع، بل البكاءُ مستحب مع
القراءة، قال الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} سورة
الحديد: الآية 16. ...
وعن رسول الله : «اقرأوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، ليس منَّا
منْ لم يتغنَّ بالقرآن» ميزان الحكمة: ح16243. ، والمقصود بالتغني: تحسين
الصوت الذي لا يصل إلى درجة الغناء المحرَّم، كما يفعل للأسف بعضُ القراء،
وفي رواية، دعوة من الرسول لقراءة القرآن بألحان العرب وأصواتها، مع
التحذير من لحون أهل الفسق وأهلِ الكبائر المصدر نفسه: ح16246. . وعنه :
«ما من عين فاضت من قراءة القرآن، إلاَّ قَرَّت يوم القيامة» المصدر نفسه:
ح16244. .
وكان يقول بفمه المبارك، الذي يُترجم حالته الرُّوحيَّة: «إنِّي لأعجب كيف
لا أشيبُ إذا قرأتُ القرآن» المصدر نفسه: ح16241. .
وأوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى بن عمران: «إذا وقفت بين يدي، فقف موقفَ
الذليلِ الفقير، وإذا قرأت التوراة فأسْمِعْنيها بصوت حزين» الكافي: ج2،
ص615. .
ونشير هنا إلى أنَّ الحزن يأتي عند التأمُّل، في ما فيه من التهديد والوعيد
والمواثيق والعهود، ثمَّ نتأمل في تقصيرنا، وفي عظيم جرمنا بحقّ أنفسنا...
فنحزن لا محالة، وعندها نبكي. وأمَّا إذا لم يحصل ذلك، أي الحزن والبكاء،
فلنبك عندئذٍ على أنفسنا، وعلى بُعدنا عن هذا التشريف، وعن سمو هذا
التكليف... فإنَّ قساوة القلب من أعظم المصائب على ابن آدم .
ونلخص مستحبات ما تقدَّم، بأن نتوضأ، ونتأدب في جلوسنا عند قراءة القرآن،
وأن نحزن ونبكي أو نتباكى، وأن نُرتِّلَ ونُحسِّن الصوت.
تعلم وحفظِ القرآن
إنَّ وجود كتاب الله بين أيدينا، نعمةٌ عظيمة لا تُقدَّر بقدر، ولا تُثمن
بثمن، فكلامُ الله البارىء المصور، نستطيع أن نتناوَلَه كلَّما أردنا،
ونقرأه كلَّما اشتقنا، وهل بعد هذه النعمة من نعمة؟
ذُكر في حديث مبارك عن رسول الله «ألا مَنْ اشتاق إلى الله، فليستمع كلامَ
الله» ميزان الحكمة: ح16264. .
فالمؤمنون الصادقون، أصحابُ القلوبِ النقيةِ الصافية، يُعظِّمون هذه
النعمة، ويحافظون عليها، ويرجون رحمةً من الله ورضواناً.
ويستحب للمؤمن الصادق، أن يجعل جزءاً من وقته لتعلمِ القرآن الكريم،
وحفظِه، ودراستِه، واستذكاره . فقد روي عن رسول الله قوله: «خياركم، من
تعلَّم القرآن وعلَّمه» ميزان الحكمة: ح16157. . وعن الصَّادق : «ينبغي
للمؤمن أن لا يموتَ، حتى يتعلَّم القرآن، أو يكون في تعلمه» المصدر نفسه:
ح16151. .
وعن المصطفى قال: «إن أردتم عيشَ السعداء، وموتَ الشُّهداء، والنجاة يوم
الحساب، والظلَّ يوم الحرور، والهديَ يوم الضلالة، فادرُسوا القرآن، فإنَّه
كلام الرَّحمن، وحرزٌ من الشَّيطان، ورجحانٌ في الميزان» المصدر نفسه:
ح16155. .
وعن أحد الصحابة قال: «كنت مع علي، فسمع ضجَّتهم في المسجد يقرأون القرآن،
فقال : طوبى لهؤلاء كانوا أحبَّ الناسِ إلى رسول الله » المصدر نفسه:
ح16164. .
وكما يستحب التعلم، يستحب أيضاً تعليمُ القرآن، لمن كان قادراً على ذلك،
وهل أشرف من رجل يُعلِّمُ الآخرين كلام الله العظيم؟! فعن رسول الله ،
أنَّه قال: «ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله،
ويتدارَسونه بينهم، إلاَّ نزلت عليهم السكينةُ، وغشيتهم الرحمةُ، وحفَّتهم
الملائكةُ، وذكرهم فيمن عنده» ميزان الحكمة: ح16167. .
وعنه : «من علَّم ولداً له القرآنَ، قلَّده قِلادةً يعجب منها الأولون
والآخرون، يوم القيامة» المصدر نفسه: ح16169. .
وعن علي في نهج البلاغة، قال: «حق الولد على الوالد أن يُحسِّنَ اسمه،
ويُحْسنَ أدبَه، ويُعلِّمَه القرآن» المصدر نفسه: ح16170. .
ويستحب حفظُ القرآن عن ظهرِ غيب، ورُوي عن رسول الله أنَّه قال: «مَنْ
أعطاه الله حفظَ كتابِه، فظنَّ أنَّ أحداً أعطي أفضلَ ممَّا أُعطي، فقد
غَمَط أفضل نعمةٍ» المصدر نفسه: ح16172. أي احتقر واستصغر أفضلَ نعمة.
وبالمناسبة نُذكِّر أنَّ بعض العلماء، أفتى بعدم جواز ترك القرآن تركاً
يؤدِّي إلى النسيان وسائل الشيعة: ج4، ص845. .
ويستحب قراءةُ القرآن في المُصْحف مباشرة، ولو كان القارىء حافظاً للقرآن.
فقد روى إسحاقُ بن عمار، أنَّه سأل الصادق : جعلتُ فداك! إنِّي أحفظ القرآن
عن ظهر قلبي، فأقرأه عن ظهر قلبي أفضل، أو أنظر في المُصحف؟ قال : «بل
اقرأه، وانظر في المصحف، فهو أفضل، أما علمتَ أنَّ النظر في المصحف عبادةً»
الكافي: ج2، ص613، ح5. .
ويستحب أيضاً تعلُّمُ القرآنِ في سن الشباب، كما في العديد من الروايات،
التي علَّلت ذلك، بأنَّ القرآن حينها يختلط بلحمه ودمه وسائل الشيعة: ج4،
ص833. .
ومن جملة المستحبات والآداب أيضاً، الاستماعُ والإنصات لتلاوة الآخرين، قال
الله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} سورة الأعراف: الآية 204. .
وفي آيات أُخرى، أنَّ الذين أوتوا العلم من السابقين من النبيين، والذين
أنعم الله عليهم، عندما كانت آياتُ الله تُتلى عليهم، يخرون للأذقان سجداً،
ويبكون، ويزيدُهم خشوعاً كما في الآية 107 من سورة الإسراء، والآية الثامنة
والخمسين من سورة مريم، وقال الله تعالى في سورة الحديد: {أَلَمْ يَأْنِ
لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا
نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ً ïوَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ
مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} سورة الحديد: الآية 16. .
إنَّ عدم الاستماع والإنصات إلى القرآن الكريم، عند تلاوته، قد يؤدِّي في
المدى البعيد، إلى قساوةٍ في القلب، وجفاءٍ في الرُّوح، وجرأةٍ على مقام
العزيز الجبَّار، تبارك وتعالى.
كذلك يستحب تعليمُ النِّساءِ سورةَ النُّور، وأن لا يُعلَّمْنَ سورةَ يوسف
وسائل الشيعة: ج4، ص839. .
ويستحب إهداءُ ثوابِ القراءةِ، إلى النبي والأئمة صلوات الله عليهم، وإلى
المؤمنين من الأحياء والأموات... ففي الروايات أنَّه يحشرُ معهم يوم
القيامة المصدر نفسه: ج4، ص864. .
ونلخص المستحبات التي ذُكرت في هذا الباب بما يلي:
ـ استحبابُ تعلُّم وتعليم، وحفظ القرآن، ومراجعته، حتى لا يُنسى، وأن يكون
ذلك خاصة في سن الشباب، كما يستحب الاستماع، والإنصات إلى كتاب الله
الكريم، ونسأله تعالى أن يُصلِّي على محمَّد وآلِ محمَّد وأن يجعل القرآن
وسيلةً لنا إلى أشرف منازل الكرامة، وسُلَّماً نعرجُ فيه إلى محلِّ
السلامة،... وأن يهوِّن بالقرآن عند الموت على أنفسنا كَرْبَ السياق،
وجَهْدَ الأنين إنَّه أرحم الراحمين من دعاء ختم القرآن في الصحيفة
السجَّاديَّة. .
وآيات مستحبة
{...قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي
الصُّدُورِ} سورة يونس: الآية 57. .
لا شك أنَّ في كتاب الله تبارك وتعالى أسراراً عظيمة مباركة، قد ندركُ أو
نلمسُ بعضها من خلال الواقع، أو من خلال النصوص والروايات المروية عن أهل
بيت العصمة ، وهم أعلم به وبأسراره. فهناك بعض السور أو الآيات التي ورد
نفعُها، في حال خاص، أو عند عملٍ معين، فتؤثر في السلامة، أو الأمن، أو
الشفاء، أو الرِّزق، أو غيرها من وجوه الخير واليُسْر.
قال الله تبارك وتعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} سورة الإسراء: الآية 82. ، وقال عزَّ من قائل:
{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ} سورة فصلت: الآية 44. .
ورُوي عن رسول الله : «القرآن هو الدواء» ميزان الحكمة: ح16140. . وقال :
«القرآن غنى لا غنى دونه، ولا فقر بعده» المصدر نفسه: ح16141. .
وعن الأمير : «عليكم بكتاب الله، فإنَّه الحبلُ المتين، والنُّورُ المبين،
والشفاءُ النافع... من قال به صدق، ومن عمل به سبق» المصدر نفسه: ح16139. .
ومن هذا المنطلق، كان استحبابُ اتخاذِ المُصْحفِ في البيت، وتعليقِه فيه،
كما ذكر الحرُّ العاملي رضوان الله عليه في وسائل الشيعة، حيث روي عن
الباقر قوله: «إنَّه ليُعْجِبُني أن يكون في البيت مُصْحفٌ، يطرد الله عزَّ
وجلَّ به الشياطين» وسائل الشيعة: ج4، ص855. ، وعنه أنَّه يستحب أن يعلَّقَ
المصحفُ في البيت، يُتقى به من الشياطين، وأن لا يَتْركَ القراءة فيه»
المصدر نفسه: ج4، ص855. .
ويستحب الإكثار من قراءة السورة المباركة، سورة الإخلاص، أي: {قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ *} ، كما يستحب تكرارُها في كل يوم وليلة، وقبل النوم،
وفيها أسرارٌ عظيمة، لذلك ورد التأكيدُ الكبير على قراءتها، في كثير من
الحالات، وفي أي وضع كان، من قيام أو جلوسٍ، أو صحة أو مرض، أو ليل أو
نهار، أو عند لقاء السلطان الجائر. واستحبابُ قراءتِها مؤكدٌ جداً .
فعن الباقر قال: «من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} ، بورك عليه، ومن
قرأها مرَّتين، بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث مرَّات، بورك عليه
وعلى جيرانه، ومن قرأها اثنتَيْ عَشْرَةَ مرَّة، بنى الله له اثني عَشَرَ
قصراً في الجنَّة، فتقول الحفظة: اذهبوا بنا إلى قصور أخينا فلان، فننظرَ
إليها» وسائل الشيعة: ج4، ص867، ح1. .
وعن الباقر أنَّه كان يقول: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} ، ثلثُ القرآن، و
{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *} ربعُ القرآن المصدر نفسه: ح3. .
وعن الصادق ، للمفضَّل بن عمرو: «يا مفضَّلُ احتجز من الناس كلَّهم ببسم
الله الرَّحمن الرحيم ، وبـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} ، اقرأها عن
يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ومن فوقك، ومن تحتك، فإذا دخلت
على سلطان جائر، فاقرأها، حين تنظر إليه، ثلاث مرَّات، واعقد بيدك اليسرى،
ثمَّ لا تفارِقْها، حتَّى تخرج من عنده» وسائل الشيعة: ج4، ص867. .
ويُروى أنَّ النبي عندما صلَّى على سعد بن معاذ، بحضور سبعين ألفاً من
الملائكة، ومنهم جبرائيل ، بيَّن أنَّ سعداً إنَّما يستحق صلاة الملائكةِ
عليه، بقراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} ، قائماً وقاعداً، وراكباً
وماشياً، وذاهباً وجائياً المصدر نفسه: ح2. .
ويستحب عند إرادة النوم، قراءة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *} ، و
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *} ، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ
*} ، و{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} المصدر نفسه: ص871. كما يستحب، عند النوم،
قراءة الآية الأخيرة من سورة الكهف، ليستيقظَ في أي ساعة شاء المصدر نفسه:
ج4، ص872. .
ويستحب الإكثار من قراءة سورة الأنعام، فإنَّ اسم الله عزَّ وجلَّ فيها في
سبعين موضعاً، ولو يعلم الناس ما في قراءتها ما تركوها وسائل الشيعة: ص873.
.
ويستحب لمن كان مريضاً، أو أصابه صداع أو كسل، أن يقرأ الفاتحة سبعين
مرَّة. وفي حديث مرفوع عن عبد الله بن الفضل النوفلي: «ما قرأتُ الفاتحة
على وجع سبعين مرَّة إلاَّ سكن» المصدر نفسه: ح2. .
وكان رسول الله في مثل الحالات المذكورة، يقرأ فاتحة الكتاب، والمعوذتين،
وهو باسط اليدين، ثم يمسح بهما وجهَه، فيذهب عنه ما كان يجده المصدر نفسه:
ص874، ح4. .
والروايات في ذلك كثيرة جداً، وفي إحداها: فجربوا ولا تشُكُّوا المصدر
نفسه: ح6. .
ويستحب قراءةُ سورةِ المُلك، كلَّ يومٍ وليلةٍ، وحِفظُها.
وتجوز الرُّقْيَةُ والعوذةُ، إذا كانتا من القرآن أو الذِّكر، دون غيرهما
من الأشياء المجهولة، التي لا يُعرفُ مصدرها ، أو مرويتين عنهم ، حيث رُوي
أنَّ كثيراً من التمائم شرك وسائل الشيعة: ج4، ص877. ، ويجوز حملُ هذه
الأشياء وتعليقُها للرجال والنساء والأطفال، مع التحفظ من ملامسة الجسد،
عند الجنابة أو الحيض.
ويستحب الإكثار من قراءة سورةِ «يس»، في أي وقت شاء، وعند الميت، كما يستحب
الإكثار من قراءة آية الكرسي في جميع المواطن المصدر نفسه: ص886. .
وهناك عشرات النصوص، التي تذكر استحبابَ قراءةِ بعضِ السور، منها: البقرة،
آل عمران، المائدة خاصة يوم الخميس، الأنفال، براءة، يونس، يوسف، الرعد،
سورة مريم، مع الإدمان عليها، وسورةُ طه، أيضاً مع الإدمان عليها،
والأنبياء، والنُّور، والأحزاب، والزمر، والجاثية، والطور والذاريات المصدر
نفسه: ج4، ص887. ... فإنَّ هذه السور أجرُها عظيم، وورد فيها أنَّها أمنٌ
من الشرك، ومن النفاق، ويكون يوم القيامة من المقرَّبين، ومن خيار عِبادِ
الله الصالحين، ويأمنُ من أنواع البلايا، وكان في الآخرة من أصحاب عيسى ابن
مريم ، وأعطي في الآخرة من الأجر حتى يرضى إلى ما هنالك من كرامات تُذهل
العقول وسائل الشيعة. .
فصل في الطعام
والشراب
آداب المائدة
{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ *وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي
وَيَسْقِينِ *} سورة الشعراء: الآيتان 78 و79. .
اهتم الإسلام بالآداب الخاصة، المتعلقة بآداب الطعام والشراب، وما قبلهما
وبعدهما، وليس من المبالغة القول: إنَّ مئاتٍ من الروايات الشريفة تطرَّقت
لهذه المواضيع، وأسهبت في الحديث عنها. ومن المهم جداً للسالك إلى الله
تبارك وتعالى، أن يطَّلع على هذه النصوص المباركة، ليتعلمَ الآدابَ
المتنوعة للطعام والشراب، لعلَّه يلتمس روعة الأسرار، والحكمة من وراء هذا
التشريع الإلهي البديع.
فالإسلام نصَّ على استحباب غسلِ اليدين قبل الطعام وبعده، حيث إنَّ الإنسان
عادةً يكون، في أثناء عمله، قد تناول أشياء كثيرةً، ومن مصادر مختلفةٍ،
والتي تنقل إليه أنواعَ الجراثيم المؤهَّلةِ لغزو جسده، والفتكِ بصحته من
خلال الطعام، الذي لا بدَّ له منه مراتٍ عديدة. فقد روي عن الصادق قوله:
«مَنْ غسل يديه، قبل الطعامِ وبعده، بورك له في أوَّلِهِ وآخرِهِ، وعاش ما
عاش في سعةٍ، وعُوفيَ من بلوى في جسدِه» مكارم الأخلاق: ص139. .
كما يُستحب الوضوءُ قبل الطعام، وهو من آداب المسلم، وتذكُّره الدائم
لربِّهِ تعالى شأنُه، فهو في حالِ تذكرٍ ومراقبةٍ، حتى عندما يُريدُ أن
يُقدم على أكله. وفي هذا ما رُوي عن رسول الله من قوله: «الوضوء، قبل
الطعام وبعدَه، ينفي الفقر» المصدر نفسه: ص140. .
ومن الآداب الإسلامية أيضاً، التسميةُ قبل الطعام، والحمدُ بعد الفراغِ
منه، والجلوسُ على الأرضِ جلسةَ العبدِ، وشكرُ الله على هذه النعمة، وأن لا
يحقِّرَ شيئاً منه، حتى الفُتات من كسراتِ الخبز، والمتبقياتِ من فضلات
الطعام وآثارها، بل يجمعُها ويأكُلها. فقد ورد عن رسول الله قوله: «ما سقط
من المائدة مهورُ الحورِ العين» المصدر نفسه: ص141. .
هذا، إذا كان يأكل على مائدة الطعام في المنزل، وأما إذا كان في البريَّة،
فلا بأس أن يترك ما يَفْضُلُ منه، لتتغذى منه الحيوانات والبهائم، فقد روى
محمد بن الوليد قال: أكلتُ بين يدي أبي جعفر الثاني ، حتى إذا فرغت، ورُفع
الخِوان الخوان: بضم الخاء وكسرها: المائدة وكل ما يؤكل عليه. ذهب الغلام
يرفع ما وقع من فتات الطعام، فقال : «ما كان في الصحراء فدعه، ولو فخذ شاة،
وما كان في البيت فتتبعه والتقطه» مكارم الأخلاق: ص142. .
ويستحب أيضاً الجلوسُ على الجانب الأيسرِ أثناء الطعامِ، كما ورد عن الحسنِ
بن علي . وورد عنه أيضاً في آداب الطعام، تصغيرُ اللقمة، والمضغُ الشديدُ
الجيد، لما في ذلك من آثارٍ صحيةٍ على المِعدة وعمليةِ الهضم المصدر نفسه:
ص141. .
ويستحبُ مؤكداً، بَدْءُ الطعام بالملح، والختمُ به، كما هو معروف ومشهور،
ولا شك أنَّ في ذلك فوائدَ جمة، منها ما ذُكر في النصوص المباركة، ولعلَّ
من فوائده أنَّه يفتح الشهيةَ مثلاً، في الابتداء، ويُعقِّمُ الفَمَ عند
الانتهاء، والله العالم. وربَّما يفسر ذلك ما ورد عن مولانا علي أمير
المؤمنين : «ابدؤوا بالملح، في أوَّل طعامكم، فلو يعلمُ الناسُ ما في الملح
لاختاروه على الترياق المجرب» ميزان الحكمة: ج641. (والترياق ما يستعمل من
الأدوية لدفع السمّ). .
وفي وصية النبي لعلي : «يا علي، افتتح بالملح، واختتم به، فإنَّه شفاء من
سبعين داءً» مكارم الأخلاق: ص142.
وأما ما ورد من نصوصٍ حول التسمية قبل الطعام، والحمد بعد الانتهاء منه،
فكثير جداً، حتى باتت هذه العادةُ ملازمةً لكل المسلمين تقريباً، على وجه
المعمورة، على تنوعهم واختلاف عاداتهم. ويكفي لإدراك السُّنَّةِ المستحبة،
ونيل الثواب، أن تقول ابتداءً: «بسم الله»، أو: «بسم الله الرحمن الرحيم».
وأن تقول عند الانتهاء: «الحمد لله»، أو «الحمد لله ربّ العالمين».
وورد عن أمير المؤمنين قولُه: «ضمنتُ لمن سمّى على طعام، أن لا يشتكي منه»
المصدر نفسه: ص142. وعن الصادق : «ما أُتخمتُ قط، وذلك لأنِّي لم أبدأ
بطعام إلاَّ قلتُ: «بسم الله»، ولم أفرُغْ منه إلاَّ قلت: «الحمد لله».
وعنه قولُه: «إنَّ مَنْ نَسيَ أن يُسميَ على كل لون، فليقل: بسم الله على
أوله وآخره» مكارم الأخلاق: ص143. .
وفي وصية النبي لعلي : «يا علي إذا أكلتَ فقل: «بسم الله»، وإذا فرغتَ فقل:
«الحمد لله»، فإنَّ حافظَيْكَ لا يستريحان من أن يكتبا لك الحسنات، حتى
تنبِذه عنك» المصدر نفسه: ص142. .
وعن رسول الله قولُه: «إذا وُضعت المائدةُ، حفَّها أربعةُ أملاك، فإذا قال
العبد: «بسم الله»، قالت الملائكة للشيطان: «اخرج يا فاسق، فلا سلطان لك
عليهم» وإذا فرغوا فقال: «الحمد لله» قالت الملائكة: «قوم أنعم الله عليهم،
فأدُّوا الشكر لربهم»، وإذا لم يقل: «بسم الله»، قالت الملائكة للشيطان:
«ادنُ يا فاسق، فكُل معهم»، فإذا رُفعت المائدةُ ولم يحمدوا الله، قالت
الملائكة: قوم أنعم الله عليهم فنسوا ربَّهم» المصدر نفسه: ص142. .
هذه جملة مُنوّعة من آداب الطعام والمائدة نرجو من الله أن يوفقنا للقيام
بها قربةً خالصةً لوجهه الكريم، وأن لا يحرمنا من ثوابه الجزيل، وفي
الصفحات الآتية المزيد.
بعض مستحبات المائدة
يُكره للمرءِ أن يأكل طعاماً حاراً، وأن يتلقَّفه إلى مِعدَتِهِ قبل أن
يفتُر قليلاً، فإنَّ ذلك يؤذيه في العاجل والآجل، ولا يَهْنأُ به. فلا بأسَ
أن نتركَ الحارَّ من الطعام أو الشراب، رأفةً بأنفسنا، ليبردَ ثم نأخذَه،
ففيه المهنأُ إن شاء الله تبارك وتعالى. فقد رُوي عن رسول الله ضرورةُ تركِ
الطعام الحار حتى يبرد، فما كان الله ليطعمنا ناراً والبركة في البارد
ميزان الحكمة: ح644 (بتصرف). . وعن أمير المؤمنين ، أنَّه أوصى ابنَهُ
الحسن بقوله: «يا بنيَّ لا تَطْعَمَنْ لقمةً من حارٍ ولا بارد...» مكارم
الأخلاق: ص143. .
إذاً ينبغي تركُ الطعام حتى يبرد، ولا ننفُخُ فيه، لأنَّه ورد النهيُ عن
ذلك، حيث إنَّه نهى أن يُنفخَ في طعامٍ أو شراب، وقال عليه الصلاة والسلام:
«النفخ في الطعام، يذهب بالبركة» مكارم الأخلاق: ص146، وميزان الحكمة:
ح645. .
كما يُكره الأكلُ متكئاً، وواضح أنَّ لذلك آثاراً سيِّئة على الصحة وعلى
النفس، فأما أثره في الصحة والبدن، فيكون على أكثر الأجهزة، التي لها دخلٌ
مباشر في تسهيل عملية الطعام، وأمَّا النفس فتتأثر سلبياً، لأنَّ الأكل
بهذا الشكل هو عادةُ الجبابرةِ والملوكِ من طواغيت الزمن السالف، كما أنَّه
يشير إلى الكِبْر والغرور.
ورُوي أنَّ رسول الله ما أكل متكئاً حتى مات، وأنَّ الصادق لم يُشاهد على
هذه الحال إطلاقاً المصدر نفسه: ص146. .
ومن التواضع والأخلاق العالية المحمودة، جمعُ الطعام المتبقي، وبقايا كسرات
الخبز وأكلها بطيبة خاطر... وهذه عادةٌ إسلامية مُحببةٌ ومستحبةٌ، طالما
وجدنا أجدادنا وجدّاتنا يقومون بها، ويُربُّوننا عليها، مع ما تحمل من
الأجر العظيم، والإرثِ التربوي النقي الصافي.
يُروى: أنَّ النبي رأى أبا أيوب الأنصاري يلتقط نُثارةَ المائدة نثارة
المائدة: ما يتناثر منها أو يتساقط ، فقال : «بورك لك، وبورك عليك، وبورك
فيك»، فقال أبو أيوب: يا رسول الله، ولغيري؟ قال: نعم، مَن أكل ما أكلتَ،
فله ما قلتُ لك، أو قال: من فعل ذلك وقاه الله من كذا وكذا... وذكر العديد
من الأمراض مكارم الأخلاق: ص146 (بتصرف وجيز). .
وعن أمير المؤمنين أنَّه قال: «كُلْ ما يسقُط من الخِوان، فإنَّه شفاء من
كل داءٍ، لمن أراد أن يستشفيَ به» المصدر نفسه: ص146. .
وورد عنه في ضرورة أكل كلِّ ما يوجد في الصحن، وكراهية أن يُبقيَ شيئاً
منه، حيث قال: «مَنَ لَعَقَ قصعةً، صلَّت عليه الملائكة، ودعت له بالسّعة
في الرِّزق، وتُكْتَبُ له حسناتٌ مضاعفةٌ» المصدر نفسه. .
وأما عادةُ تركِ الأطعمة في الاواني، ثم رَمْيِها، فهي عادة مُقْتبسةٌ من
مجتمعات المترفين والمتكبرين ومنكري النِّعم، وبعضنا يقوم، للأسف،
بتقليدهم، حتى في هذه الأُمور، التي تبدو هيِّنة ولكن آثارها المستقبلية لا
يُستهانُ بها، وهذا ما نراه فعلاً عند بعضِ المسلمين، وهدرهم لكميةٍ لا بأس
بها كلَّ يوم، من أنواع الأطعمة والفاكهة... وبظنَّهم أنَّ ذلك من علامة
التمدنِ والمجتمع الراقي!
ويُكره الأكلُ على شبع، وضرر ذلك بيِّن لأدنى متأمل... وروي عن الصادق
قوله: «كثرة الأكلِ مكروهةٌ» مكارم الأخلاق: ص147. .
كما يستحب، بعد الطعام، الاستلقاء على الظهر قليلاً، ووضعُ الرِجْل اليمنى
على اليُسرى، كما ورد عن الرِّضا عليه وعلى آبائه وأبنائه أزكى الصلوات
وأتمُّ التسليمات والتحيات المصدر نفسه: ص147. .
اللَّهم صلِّ على محمد وآله، وأسْعِدْنا في مطعمنا، بخيره، وأعذنا من شره،
وانفعنا بنفعه، وسلِّمنا من ضرره، اللهم اجعله هنيئاً مريئاً... وارزقني
رزقاً دارّاً، واجعلني ناسكاً بارّاً، يا مَنْ لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ وهو
السميع العليم مكارم الأخلاق: ص144 (بتصرف شديد). .
الإكثار من الطعام
الحمد لله ربّ العالمين الذي رزقنا الطعام والأدام في يُسر وعافية، والذي
نعمه علينا كثيرةٌ لا تُحصى، تبدأ بنعمة الإيمان، والتوحيد والأنبياء
والرسلِ وأهلِ البيت ، ولا تنتهي عند حدٍّ معين... ومِنَ النعم التي تُذكر،
ولو في درجةٍ متأخرةٍ، نعمةُ الطعام والشراب .
ولكنَّ الإنسانَ في بعض الأحيان، لا يُحسنُ التصرفَ، فُيسْرفُ في أكله
وشربه، أنواعاً وأصنافاً، لحوماً وحَلوَياتٍ وفاكهةً وشراباً... فيُحوِّلُ
نعمةَ الله إلى نِقْمة، ويجعلُ الخيرَ، شراً مُسْتَطيراً، يتسببُ في مرضه
وشقائِهِ، وقد يؤدِّي إلى هلاكه.
لذلك، حذَّر الشرعُ الحنيفُ المقدَّس، من خطورة الإكثار من الأكل، والتمادي
فيه، بل حثَّ المؤمنين والناسَ أجمعين، ورأفةً بهم على القيام عن المائدة
عند أولِ الشعور بالشبع ، أو عند الشعور بالاكتفاء من الضروري فقط، لأنَّ
التخمة تؤدِّي إلى التعب والإرهاق وضعفِ الهمة والنشاط والاندفاع، وعدم
التوجه في العبادة وخصوص الصلاة والدُّعاء وقراءة القرآن، فضلاً على أنَّها
تجعل المرء يميل إلى حبِّ الدِّعَةِ والنوم، والتجربة التي يعيشُها كلُّ
فردٍ منَّا، أكبرُ شاهدٍ على ذلك.
فقد رُوِيَ أنَّ المُؤمن يأكلُ بِمِعاء واحد، والكافرَ كما المنافقَ يأكل
بسبعة أمعاء وسائل الشيعة: ج16، ص498. . وعن الصادق قوله: «إنَّ الله يبغض
كثرةَ الأكل» المصدر نفسه: ص499، ح9. . وعنه : «إنَّ البدن ليطغى من أكله،
وأقرب ما يكون العبد من الله، إذا جاع بطنُه، وأبغضُ ما يكونُ العبدُ إلى
الله، إذا امتلأ بطنه» المصدر نفسه: ج16، ص500، ح13. .
وفي رواية يُصرِّحُ إبليسُ، عندما ظهر ليحيى بن زكريا أنَّ الشِّبع يُشغلُ
ابنَ آدم عن الصلاة والذِّكر المصدر نفسه: ص499 (بتصرف). .
ويُروى عن الصادق قولُه: «كل داءٍ من التخمة...» وسائل الشيعة: ج16، 503،
ح1. .
ويُكْرهُ تناوُلُ الطعامِ عِنْدَمَا لا يَشْعُرُ المَرْءُ بِحَاجةٍ إليه،
أي عند شعوره بالشِّبع، فالمستحب أن يأكل في حال جوعه، لا أن يُدخِلَ
الطعامَ على الطعام. وفي هذا الإطار رُويَ عن رسول الله قوله: «الأكل على
الشِبع يورث البرص» المصدر نفسه: ص501، ح7. . وروى عبد السلام بن صالح
الهروي أنَّ الرِّضا كان خفيف الأكل، خفيف الطَّعم المصدر نفسه: ح5. .
ومن الواضح أنَّ الأكل على الشّبع، إضافة إلى أضراره الجسدية والروحية لا
ينفع، بل يؤدِّي إلى الإسراف ، لأنَّ كلَّ جِسْمٍ لا يأخُذُ إلاَّ مقدارَ
حاجته، وأما الباقي فيتخلصُ منه. وفي وصية النبي لعلي إشارةٌ إلى ما تقدَّم
وزيادة، حيث يقول : «يا علي، أربعةٌ يَذْهبنَ ضياعاً: الأكل على الشبَع،
والسراج في القمر، والزرع في السَّبْخَة السبخة: الأرض التي يكثر فيها
الملح. ، والصنيعةُ عند غير أهلها» وسائل الشيعة: ج16، ص51، ح4. .
والحقُّ يُقال إنَّ هذه هي سيرة الأنبياء والصدِّيقين من خلق الله تبارك
وتعالى، وهذه هي توصياتهم إلى أتباعهم وحوارييهم ، لأنَّهم رُزقوا الحكمة،
وأسرار الحياة، ومنافعها ومضارها. فهذا عيسى ابن مريم نبيُّ الله، على
نبينا وآله وعليه السلام يقول لبني إسرائيل وقد وقف خطيباً: «يا بني
إسرائيل لا تأكلوا حتى تجوعوا، وإذا جُعْتُم فكلوا ولا تشبعوا، فإنَّكم إذا
شبعتُم غِلِظت رقابُكم، وسمنت جُنُوبُكم، ونسيتم ربَّكم» وسائل الشيعة:
ج16، ص502، ح10. .
وفي نصيحة جامعة، لا ينافسها في شمولها وإيجازها، أحسنُ النصائح الطبية، عن
عليّ يوصي ابنه الحسن قائلاً: «ألا أعلِّمُكَ أربع خصالٍ تستغني بها عن
الطِّبْ؟ قال: بلى! قال : لا تجلِس على الطعام إلاَّ وأنت جائع، ولا تقم عن
الطعام إلاَّ وأنت تشتهيه، وجوِّد المضغ، وإذا نِمْتَ فاعرض نفسك على
الخلاء، فإذا استعملتَ هذا استغنيت عن الطب» المصدر نفسه: ص501، ح8. .
وقبل أن نختم حديثنا نشير إلى أنَّ كثرة الأكلِ تؤدِّي إلى الجُشاء الجشاء:
الصوت يخرج من المعدة بعد الشبع الزائد. ، الذي وإن كان لا بدَّ منه فمكروه
أن يكون باتجاه السَّماء، ويستحبُ بعده لو وقع أن يقول: الحمد لله. فعن
رسول الله لما سمع رجلاً يتجشأ قال: «يا عبد الله أقصر من جُشائك، فإنَّ
أطولَ الناس جوعاً يوم القيامة، أكثرُهم شِبعاً في الدُّنيا» وسائل الشيعة:
ص503، ح3. . وعنه قوله: «إذا تجشأ أحدُكم، فلا يرفعُ جُشاءَه إلى السَّماء،
ولا إذا بزق، والجُشاءُ نعمةٌ من الله، فإذا تجشّأ أحدُكم، فليَحْمَدِ الله
عليها» المصدر نفسه: ح4. .
وخلاصة ما تقدَّم ثلاثة أُمور:
أولاً: كراهةُ كثرةِ الأكل والتخمة والامتلاء.
ثانياً: كراهة الأكل على الشبع.
ثالثاً: كراهة التجشؤ، ولكن إذا وقع فلا يكن إلى السَّماء، وليُتبعه بحمد
الله تعالى.
الجلوس إلى المائدة
هل يمكن لك، أن تحترم إنساناً شاهدته يأكل وهو باسطُ رجليه، أو مُتكىءٌ على
أحدِ جانبيه، أو منبطحٌ على بطنه؟!.
وهل يتبادر إليك عن هذا الإنسان، إلاَّ أنَّه متكبرٌ، أو مغرورٌ، أو غافلٌ
عن أمر الحساب والآخرة؟!.
وهل يُمكن أن تحسَّ به شيئاً من التواضع، أو الخُلُقِ الحسن، وهو على هذه
الحال؟!
طبعاً لا، لأنَّ من يكون كذلك، فلا بدَّ أن يكون صاحبَ نفسٍ غافلةٍ ساهيةٍ،
لا يحترمُ النعمة، ولا يتأدبُ بالآداب التي يحبُّها الله تبارك وتعالى.
فسيرة الأنبياء تشهد بأنَّهم ما كانوا يجلسون إلى مائدة الطعام إلاَّ جلسة
المتواضع الذليل الذاكر لنعمة الله عليه، وأنَّ جلسة الاتكاء أو الانبطاح
عند الأكل، ما هي إلاَّ جلسة الجبابرة والطغاة وملوك الدُّنيا.
لذلك كانت كراهيةُ الأكلِ متكئاً ومنبطحاً. ورَوى الصادق عليه وعلى آبائه
وأبنائه الصلاة والسلام، أنَّ رسول الله ما أكل متكئاً منذ بعثه الله، إلى
أن قبضه، تواضعاً لله عزَّ وجلَّ وسائل الشيعة: ج16، ص504، ح1. . وعنه قال:
«ما أكل نبيُّ الله وهو متكىء، منذ بعثه الله عزَّ وجلَّ، وكان يكره أن
يتشبه بالملوك، ونحن لا نستطيعُ أن نفعل» المصدر نفسه: ص505، ح2. .
وسأل بشير الدهان أبا عبد الله عن ذلك، فأجابه بقوله: «ما أكل رسول الله
متكئاً على يمينه ولا على شماله، ولكن كان يجلس جلسة العبد». فقال: ولمَ
ذلك؟! قال: «تواضعاً لله عزَّ وجلَّ» المصدر نفسه: ص506، ح6. .
نعم لا بأس من وضع اليدِ على الأرض وقتَ الأكل، ولا يُكرهُ ذلك، فلعلَّه
يُريحُ صاحبه. فعن الصادق أنَّه قال: «إذا أكلتَ، فاعتمد على يسارك» المصدر
نفسه: ص508، ح2 وح3. . وعن أبي خديجة، أنَّ الصادق كان يجلس جِلسة العبد،
ويضعُ يده على الأرض وسائل الشيعة: ج16، ص508، ح2، وح3. .
ومن المهم لنا جميعاً أن نتَّبع هذه السنن، ونراقب أنفسَنَا في تطبيقها،
إحياءً للسُّنَّة النبوية الشريفة، فنحن أولى الناس باتباعها والمحافظة
عليها .
ومن السُّنَّة أيضاً، المحافظة على تناول الطعام على الأرض وليس على
الموائد التي أخذت في المدة الأخيرة تحتلُّ حَيِّزاً هاماً من مساحات
بيوتنا الضيقة أصلاً، وننفق المال الوفير لاقتنائها، مع إمكانية الاستغناء
عنها، دون أن يؤثر ذلك على حياتنا، بل الاستغناء عنها أرجح، لأنَّ جلوسنا
على الأرض سُنَّةٌ، وهو أقربُ للتواضع، وفي هذا المجال جاءَ عن الباقر
قولُه: «كان رسول الله يأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد، وكان يأكل على
الحضيض، وينام على الحضيض» المصدر نفسه: ص509، ح3. والحضيض: هو قرار الأرض،
أو أسفلها، وجمعه أحِضِّةٌ وحُضُض. .
وروى الصادق أنَّ امرأةً بذيّةً مرَّت برسول الله وهو يأكل وكان جالساً على
الحضيض، فقالت: يا محمد، إنَّك تأكل أكلَ العبد، وتجلِسُ جلوسَه، فقال لها
رسول الله : «وأي عبدٍ أعبد منِّي» وسائل الشيعة: ج16، ص509، ح2. .
فيا حبذا لو اتّبعنا سُنَّة نبيِّنا ، فكم نُوفر على أنفسنا من نفقات غرفِ
الطعام، وكم نقترب ونعيش ونتذكر من السُّنَّة النبوية... ولعلَّ هذا الكلام
يُدركه بشكل جيد الشبابُ المُقدِمون على الزواج والذين ما زالوا يتأخرون
ويتأخرون لإكمال بعض الكماليات، كما يُدركه جيداً أيضاً أصحابُ المنازلِ
الفخمةِ، الذين رأوها أنَّها لا تُسمِنُ ولا تُغني من جوع، ولا تنفعهم في
عاجل الدُّنيا، فضلاً عن آجلها والآخرة.
ولا ننسَ أنَّه يُكره الأكل ماشياً، إلاَّ مع الضرورة، وربَّما يكون سببُ
ذلك حاجةُ الإنسان إلى شيء من الاستقرار عند الطعام. فقد رُوي عن الصادق
قولُه: «لا تأكل وأنت تمشي، إلاَّ أن تضطرَّ إلى ذلك» المصدر نفسه: ص513،
ح1. . ومن حالات الاضطرار: الالتحاقُ بصلاة الجماعة، ففي حديثٍ عن الصادق
قال: «خرج رسولُ الله قبل الغداة ومعه كِسرةٌ قد غمسها في اللبن، وهو يأكل
ويمشي، وبلال يُقيمُ الصلاة، فصلى بالناس» المصدر نفسه: ح2. .
وخلاصة ما تقدَّم أُمور:
منها: كراهة الأكل متكئاً ومنبطحاً، ولا بأس بوضع اليد على الأرض.
ومنها: استحباب الجلوس على الأرض وكذلك النوم.
ومنها: كراهية الأكل ماشياً.
الناس إلى المائدة
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ
أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ
إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} سورة
الأحزاب: الآية 53. .
الدعوة إلى مائدة الطعام فيها إدخالُ الفرحةِ والسرور إلى قلوب المدعوِّين،
فهي فرصة للبذل والعطاء والخدمةِ والتحابب، والإنفاق ونيل الثواب وتنقية
القلوب وإكرام الأحبة. فقد اعتدنا في مجتمعنا، أن ندعو الآخرين في الأعياد
والمناسبات الاجتماعية،... ولا بأس بهذه العادة، فهي مِنْ مَفَاهِيمِنا
الأصْيلة. إذ يُستحب إطلاقاً وفي كلِّ حال الاجتماعُ على الطعام، وليس في
المناسبات فقط، فهو عاملُ بركةٍ وتواصلٍ وكرم.
وترغيباً في ذلك، نذكر النصَّ المبارك عن المصطفى الذي يُرغبُنا في ذلك
بقوله: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام
الثلاثة يكفي الأربعة» وسائل الشيعة: ج16، ص514، ح1. .
وسُمع الصادقُ يقول: «من أطعم عشرة من المسلمين، أوجب الله له الجنَّة»
المصدر نفسه: ص515، ح4. . وجاء عن رسول الله قوله: «الطعام إذا جمع ثلاث
خصالٍ فقد تمَّ: إذا كان من حلال، وكثرت الأيدي عليه، وسُمي في أوله وحُمد
في آخره» المصدر نفسه: ص514، ح2. .
كذلك يُستحب للرجل أن يأكل مع عياله، وأن يجمَعهُم ويستأنسَ بهم، ويؤلِّفَ
بينهم، اللَّهمَّ إلاَّ إذا نزل به ضيفٌ، فمن الطبيعي، أن يُكرم ضيفَه،
فيُشاطره المائدة، ليكون في خدمته، ولا يستوحش. فقد كان النبي يأكل كلَّ
الأصناف من الطعام، وكان يأكلُ ما أحلَّ الله، مع أهله وخدمه إذا أكلوا،
ومع من يدعوه من المسلمين على الأرض، وعلى ما أكلوا عليه، وما أكلوا، إلاَّ
أن ينزِلَ بهم ضيفٌ فيأكل مع ضيفه المصدر نفسه: ص515، ح6. .
وجاء عنه «ما من رجل يجمعُ عياله، ويضعُ مائدته، فيُسمونَ في أوَّل طعامهم،
ويحمَدُون في آخره، فترفعُ المائدة حتى يُغفر لهم» وسائل الشيعة: ج16،
ص515، ح3. .
وينبغي الالتفاتُ إلى أنَّ الأُمّ، عندما تجلس إلى المائدة، لا بدَّ من
إكرامها بشكل خاص، أكثر من الآخرين، حتى لا يُتصرف بشيء ممَّا أرادته أو
تمنته، فيؤدِّي ذلك إلى عقوقها والعياذ بالله. وهذا ما التفت إليه الإمام
زينُ العابدين ، الذي قيل له: «أنت أبرُّ الناس بأُمّك، ولا نراك تأكلُ
معها»؟ فقال : «أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينُها إليه، فأكونَ قد
عققتُها» المصدر نفسه: ص516، ح7. .
وحسب علمنا، فإنَّ أحداً من الحكماء أو المصلحين أو الفلاسفة، لم يسبق إلى
هذا الموقف الرائد.
كذلك يستحب تركُ استعجال الضيف الذي يأكل معنا، ويستحب تركُ محادثته حتى
يأكل براحة وحرية، كما يستحب طولُ الجلوسِ معه، حتى يأمن ولا يقوم جائعاً
أو مزعوجاً. ففي رواية عن أبي الحسن أنَّ بعضنا كان ينادي بعضاً، فيُقال
له: هم يأكلون، فيقول : «دعهم حتى يفرغوا» وسائل الشيعة: ج16، ص516، ح2
(بتصرف). .
وكان كما روى نادر الخادم، كان إذا أكل أحدُ الخدم لا يحدِّثه حتى يفرَغ من
طعامه المصدر نفسه: ص517، ح3. .
وفي وصية أمير المؤمنين لكميل بن زياد: «يا كميل، إذا أنت أكلتَ فطوِّل
أكلَكَ، يستوف من معك... يا كميل إذا استويت على طعامك، فاحمَدِ الله على
ما رزقك، وارفع بذلك صوتَك، ليحمَده سِواك، فيَعْظُمَ بذلك أجرُك..» المصدر
نفسه: ح4 (بتصرف). .
فالمستحب إذاً تركُ الضيف يأكل، بما يناسب حالَه وراحته، كما يستحب رفعُ
الصوتِ بالحمد، ليلتفت الآخرون إلى ذلك، فيعملون مثلَه.
ومن التواضع أن يدعو المرءُ إلى مائدته أصناف الناس، من كبارهم وصغارهم،
غنيِّهم وفقيرهم، سيِّدهم وخادمهم، فقد روى ياسر الخادم، أنَّ الرِّضا لما
دخل طوساً وقد اشتدت به العلَّةُ، بقي أياماً، فلما كان في يومه الذي قُبض
فيه، كان ضعيفاً، فقال لي بعدما صلَّى الظهر: «يا ياسر ما أكل الناس؟
فقلتُ: مَنْ يأكلُ ههنا مع ما أنت فيه؟ فانتصب، ثم قال: هاتوا المائدة، ولم
يدعْ من حشمه أحداً إلاَّ أقعده معه على المائدة، يتفقَّد واحداً واحداً»
وسائل الشيعة: ج16، ص518، ح4. .
ممَّا تقدَّم نستخلص أُموراً منها: استحباب إكثار الأيدي على الطعام، من
العيال وغيرهم، وعدم استعجال أحدٍ في حال أكله حتى ينتهي منه، وأن يجالس
كلَّ طبقات الناس.
استحباب دعوة المؤمن دون الكافر والفاسق
الحمد لله ربّ العالمين، الذي لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
يستحب دعوةُ المؤمنين إلى الطعام، وتكريمُهُمْ والاهتمام بهم. ويستحب
مؤكداً إجابةُ دعوةِ المؤمن والمسلم، إرضاءً له، وإدخالاً للسرور على قلبه،
وطريقاً لدخول الثواب عليه. فقد روي عن رسول الله قوله: «أوصي الشاهد من
أُمَّتي، والغائب، أن يُجيب دعوةَ المسلم ولو على خمسة أميال، فإنَّ ذلك من
الدِّين» وسائل الشيعة: ج16، ص520، ح1 و2. وعن الصادق : «إنَّ من حق المسلم
على المسلم أن يُجيبه إذا دعاه» المصدر نفسه: ص520، ح1 و2. .
أما تركُ الإجابةِ فمكروهٌ، ودليلُ العجز المذموم، إلاَّ إذا كان التركُ
لسبب فقد رُوي عن رسول الله قوله: «إنَّ من أعجز العجز، رجلاً دعاه أخوه
إلى طعامه فتركه من غير علَّة» وسائل الشيعة: ج16، ص521، ح9. .
ويبدو أنَّ الاستجابة، وتلبية دعوة المؤمن والمسلم، تدلُّ على روحية
المُلبِّي ونفسيَّته، كما تدلُّ على خُلُقه وحسنِ عِشْرته واختلاطه مع
الآخرين... وبالمقابل، فإنَّ الامتناع عن تلبية الدعوة، يدلُّ على حالة
نفسية معينة، ربَّما كان منها البخلُ وسوء العشرة. وفي هذا المعنى روَى
ياسرُ الخادم عن أبي الحسن قوله: «الخيِّر يأكُلُ من طعام الناس، ليأكلوا
من طعامه» المصدر نفسه: ص521، ح10. ، وعن ياسر الخادم أيضاً، عن أبي الحسن
الرِّضا قال: «السخي يأكل من طعام الناس، ليأكلوا من طعامه، والبخيل لا
يأكُلُ من طعام الناس لئلا يأكلوا من طعامه» المصدر نفسه: ص520، ح4. .
هذا كله بالنسبة للمؤمن أو المسلم، وأما الكافر أو الفاسق فمكروهٌ إجابةُ
دعوتهما، لأنَّ الجلوس عند الكافر، والأكلَ من طعامه له مداليل اجتماعية
وروحية وشخصية، وقد تضرّ بالمؤمن كما في أكثر الأحيان، فضلاً عن إمكان
تعرضه لأكل النجاسة أو المتنجس. .
لذلك ينبغي التنزهُ عن إجابة دعوة الكافر قربةً إلى الله تعالى، وهذا من
الدِّين كما يأتي بعد قليل في الروايات عن الرسول .
وأما إجابة دعوة الفاسق فلها أيضاً أضرارٌ شخصية ونفسية واجتماعية، فقد
يُنسب المؤمن إلى ما لا يجوز، وقد يساهم من غير قصد في تغطية أفعال الفاسق
وجرمه، لمجرد جلوسه عنده.. فكيف لو كان على مائدته، ويأكل من طعامه؟ وفي
هذا المعنى ما روي عن رسول الله في حديث طويل: «ولو أنَّ مشركاً أو منافقاً
دعاني إلى جَزُورِ جزور: غنم. ما أجبتُه، وكان ذلك من الدِّين، أبى الله
عزَّ وجلَّ لي زُبدَ المشركين والمنافقين وطعامَهم» وسائل الشيعة: ج16،
ص519، ح1 وح2. .
وفي رواية: «أبى الله عزَّ وجلَّ لي زاد المشركين أو زيَّ المشركين
والمنافقين وطعامهم» المصدر نفسه: ص519، ح1 وح2. والمقصود واضح.
وعنه أنَّه نهى عن إجابة الفاسقين إلى طعامهم.
وكذلك يستحب عدمُ إجابة الكافرين والمنافقين، كما يستحب أيضاً عدمُ دعوتهم
إلى طعامنا ومنازلنا ودورنا، وهذا زيادةٌ في الاحتياط، في عدم الاختلاط
بهم، حتى لا نقتبس من عاداتهم وتقاليدهم المبغوضة عند الله عزَّ وجلَّ،
ونحن المسلمين في لبنان، نُدركُ هذا الكلام جيداً، بعدما عانينا الأمرَّين
من اختلاطنا بغير المسلمين، عندما سيطروا على بلادنا وحكموها في القرن
الأخير، وما زالت عاداتهم وتقاليدهم إلى اليوم تفتكُ بنا.
إنَّ الروايات في عدم جواز إطعام الكافر، عديدةٌ، منها: ما رُوي عن الصادق
من أنَّه قال: «...ومن أشبع كافراً، كان حقاً على الله أن يملأ جوفَه من
الزقوم، مؤمناً كان أو كافراً» وسائل الشيعة: ج16، ص523، ح1. . وعنه قولُه:
«من أشبع عدواً لنا، فقد قتل ولياً لنا» المصدر نفسه: ص524، ح3. .
وفي وصية النبي لأبي ذر: «يا أبا ذر لا تصاحب إلاَّ مؤمناً، ولا يأكلْ
طعامَك إلاَّ تقي، ولا تأكل طعامَ الفاسقين، يا أبا ذر أطعِمْ مَنْ
تُحِبُّه في الله، وكُلْ طعامَ مَنْ يُحبُّك في الله» المصدر نفسه: ح4. .
ولا ننسَ أن تغذيتنا للكافر، تقويةٌ لجسده وبدنه الذي يستعمله في معصية
الله تبارك وتعالى، والاستنكاف عن عبادته، فنكونُ قد أعنَّاه على المعصية
والعياذ بالله.
فخلاصة ما تقدَّم أُمورٌ، من ضمنها: استحبابُ إجابةِ دعوة المؤمن، وكراهيةُ
إجابة دعوةِ الكافر، وكذلك كراهيةُ إطعامه ودعوته، إلاَّ في الحالات
الاستثنائية، ومنهم من قال بحرمة إطعامه، من غير ضرورة، لأنَّ فيه عوناً
على الإثم والعدوان.
إكرام الضيف
حق المسلم على المسلم عظيم، فهو أخوه في الله تبارك وتعالى ومرآته وسندُه
وظهرُه. ومن المستحبات المؤكدة، إكرامُ الضيفِ بعد دعوته، إلى الطعام، حيث
يستحبُ دعوةُ الآخرين إلى موائد الطعام، أو إلى ما تيسَّر منها في
المناسبات وغيرها، ولا شك أنَّ هذا يشير إلى وثاقة الرابط الاجتماعي
والروحي، بين أفراد مجتمع المسلمين، الذي ينظر أفرادُه إلى فعل الخير، ونيل
الثواب والأجرِ الوافرين، بعيداً عن أي نظرة مادية أو منفعة.
من هنا تعوَّدنا أن نرى الدعواتِ إلى إطعام الطعام التي تُقام عند الولادة
والزواج والفرحِ والعيدِ وأيامِ عاشوراء وعند إقامة مجالس العزاء، وعند
الفرحة بقدوم المسافر أو شفاء المريض، أو نجاة الأسير، أو استشهاد الشهيد،
فعادةُ إطعام الطعام عادةٌ إسلاميةٌ أصيلة، ما زال الكثير منَّا يحافظ
عليها حتى يومنا هذا، ولها آدابُها وسُنَنُها.
لقد رُوي عن رسول الله قوله: «خيركم من أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى
والناس نيام» وسائل الشيعة: ج16، ص535، ح6 وح7. . وجمع رسول الله بني عبد
المطِّلب فقال: «يا بني عبد المطِّلب، أطعموا الطعام، وأطيبوا الكلام،
وأفشوا السلام، وصِلوا الأرحام، واسجُدوا والناسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّة
بسلام» المصدر نفسه: ص535، ح6 وح7. .
وروي عن الصادق قوله: «من الإيمان حسنُ الخلق، وإطعام الطعام» المصدر نفسه:
ح2. .
وروى معمرُ بن خلاَّد قال: «رأيت أبا الحسن الرِّضا يأكل، فتلا هذه الآيات:
{فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ
رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا
مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ *} سورة البلد: الآيات 11 ـ
16. ، ثم قال : علم الله، ليس كلُّ أحدٍ يقدر على عتق رقبةٍ، فجعل لهم
سبيلاً إلى الجنَّة بإطعام الطعام» وسائل الشيعة: ج16، ص534، ح1. .
وعن الباقر : «ثلاثُ خِصالٍ هنَّ من أحب الأعمال إلى الله: مسلم أطعم
مسلماً من جوع، وفكَّ عنه كَرْبهُ، وقضى عنه دَيْنَهُ» وسائل الشيعة: ج16،
ص537، ح14. .
ومن جملة الجزاءِ الدُنيوي، لدعوة الضيوف وإكرامهم، ما أشار إليه الرسولُ
في قوله: «الرِّزق أسرع إلى من يُطعمُ الطعام، من السكين في السنام» المصدر
نفسه:ح18. .
وسأل الباقر سديراً: «هل تُعتقُ كلَّ يوم نَسَمة؟ فقال: لا، قال : كلَّ
شهر؟ قال: لا، قال: كلَّ سنة: قال: لا، فقال : سبحان الله، أما تأخذ بيد
واحد من شيعتنا فتُدخِلَه إلى بيتك فتُطعِمَهُ شِبعَهَ، فوالله لذلك أفضل
من عتق رقبةٍ من ولد إسماعيل» المصدر نفسه: ص539، ح27. .
ويُستحب أيضاً للمؤمن أن لا يحتشم من أخيه، ولا يتكلف له، أي أن يقبل دعوته
وضيافته، وأن يتعاملا بلا حرج ولا مشقة بينهما، كما جاء في الروايات
الشريفة المصدر نفسه: ص524، ح1 وح2. . فمن لطائف ما ذُكر في هذا الباب، عدم
جواز شعور صاحب البيت بحقارة ما يُقدِّمهُ إلى ضيفه، وكذلك عدمُ جواز
احتقار الضيف لِما يُقدَّم إليه، وهذا يدلُّ على شدَّةِ الثقة بالنفس، وعلى
قوَّة شخصية المسلم إن كان ضيفاً، أو صاحب منزلٍ، فهو في أي حال يشعر
بأنَّه يُقدِّمُ ما تيسَّر له، ولا يَبْخُلُ به، وبالمقابل يشعر، إذا كان
ضيفاً، بأنَّ المُضيفَ قد بذل له وِسعَ قدرته، وقدَّم كلَّ ما عنده.
وسُمع الصادق يقول: «هلك لامرءٍ احتقر لأخيه ما قدَّم له، وهلك لامرءٍ
احتقر لأخيه ما قُدِّم إليه» وسائل الشيعة: ج16، ص525، ح2، وص526، ح3. .
وعن رسول الله قال: «كفى بالمرء إثماً أن يَسْتَقِلَّ ما يُقرِّب إلى
إخوانه، وكفى بالقوم إثماً أن يستقِلُّوا ما يُقرِّبُ إليهم أخوهم» المصدر
نفسه: ص525، ح2، وص526، ح3. .
ويُستحب للضيف أن لا يكلِّف صاحب المنزلِ شيئاً ليس فيه، وأن يمنعه من
الإتيان من الخارج، كما يستحب لصاحب المنزل، إذا دعا أخاه، أن يتكلَّف
ويستعدَّ له بقدر طاقته، وهذا يدلُّ على حسن أدبِ الضيف، وحرصه على عدم
إزعاج أخيه، كما يُدلُّ على كرم المضيف، وحرصِه على نيل الأجر، بخدمة
المؤمنين وإطعامهم.
وممَّا تقدَّم تتبين أُمورٌ: منها: استحبابُ إطعام الطعام في المناسبات
وغيرها. واستحباب التعامل مع الآخرين، في مثل هذه الأُمور، بلا حرج ولا
مشقة. وعدمُ جواز احتقار ما قُدِّم من الطعام، لا من جانب صاحب المنزل، ولا
من جانب الضيف.
المُضيف مع الضيف
المؤمن خفيفُ المؤونة، مؤدبٌ، لا يؤذي غيرَه بل يراعي ظروفَ الآخرين ولا
يكونُ ثقيلاً عليهم. إذ يُستحب للضيف أن لا يُكلِّفَ صاحبَ المنزلِ شيئاً
ليس فيه، وأن يمنعه من الإتيان بشيء من الخارج. كما يُستحب لصاحب المنزل أن
يُكَرِّمَ ضيَفَه بما عنده وما يتيسَّر له. فقد رُوي عن علي أنَّه دعاه
رجلٌ فقال له عليٌّ : على أن تضمنَ لي ثلاثَ خصال: لا تُدْخِلْ علينا شيئاً
من الخارج، ولا تدِّخرْ عنَّا شيئاً في البيت، ولا تُجحِفْ بالعيال، فقال
الرجل: ذلك لك، فأجابه علي إلى ذلك وسائل الشيعة: ج16، ص527، ح3. .
ورُوي عن الصادق قوله: «إذا أتاك أخوك فأته بما عندك، وإذا دعوته فتكلَّف
له» المصدر نفسه: ص527، ح2. .
ويُستحب إجادةُ الأكلِ في منزلِ المؤمنِ، والانبساط فيه، والإكثار منه،
وتركُ الحشمةِ، حتى يكون الضيفُ كأنَّه يأكلُ في منزله بكلِّ راحة. وفي هذا
المعنى ما روى عبدُ الرحمن بنُ الحجاج من أنَّه وجماعةً من المؤمنين، أكلوا
مع الإمام الصادق ، وعندما طلب منهم الازديادَ من قصعةِ الأرز، أخذوا
يعتذرون، فقال لهم : «ما صنعتم شيئاً، إنَّ أشدَّكم حباً لنا، أحسنكُم
أكلاً عندنا». فأخذوا يأكلون كرامةً له ففرح بذلك ثم أنشأ يحدِّثهم أنَّ
رسول الله أهدِي له قصعةُ أرز، من ناحية الأنصار، فدعا سلمانَ والمقداد
وأبا ذر رحمهم الله، فجعلوا يعذرون في الأكل، فقال : «ما صنعتم شيئاً،
أشدُّكم حباً لنا، أحسنكم أكلاً عندنا»، فجعلوا يأكلون أكلاً جيداً. ثم قال
: «رحمهم الله ورضي عنهم وصلَّى الله عليهم» وسائل الشيعة: ج16، ص531، ح3.
.
وروى الحارث بن المغيرة، أنَّه دخل على الإمام الصادق ، فدعا بالخِوان
الخوان: المائدة. ، فأُتي بقصعة فيها أرز، فأكلتُ منها حتى امتلأتُ، فخطَّ
بيده في القصعة ثم قال: «أقسمتُ عليك لمَّا أكلتَ دون الخط» وسائل
الشيعة:ج16، ص534، ح9. .
كذلك يستحب إجادةُ الطعام، والإكثارُ منه مع الإمكان، كلُّ ذلك بقدر السعة
في المال، وليس في ذلك سَرَف. فقد رُوي عن الصادق قوله: «ثلاثة لا يحاسبُ
عليهن المؤمن: طعام يأكله، وثوب يلبَسه، وزوجةٌ صالحة تعاونه ويُحَصِّنُ
بها فَرْجه» وسائل الشيعة: ج16، ص541، ح4. .
وعن أبي حمزة قال: كنَّا عند أبي عبد الله جماعة، فأُتينا بطعام، ما لنا
عهدٌ بمثله لذاذةً وطيباً، وأُتينا بتمر ننظر فيه إلى وجوهنا، من صفائه
وحُسنه، فقال رجل: لتسألن عن هذا النعيم الذي نُعمتُم، عند ابن رسول الله ،
فقال أبو عبد الله : «الله أكرم وأجلّ من أن يُطعمكم طعاماً... ثم يسألكم
عنه، ولكن يسألُكُم عمَّا أنعم عليكم بمحمد وآلِ محمد» المصدر نفسه: ص541،
ح3. .
ويُستحب دعوةُ الناس جميعاً إلى الطعام، ويكرهُ أن تُقتصرَ الدعوةُ على
الأغنياء دون الفقراء، لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى انقسام اجتماعي خطير، وبغضٍ
واحتقان بين الناس. فقد نهى رسول الله عن وليمة يُخصُّ بها الأغنياء
ويُتركُ الفقراء المصدر نفسه: ص543، ح3. . وكان الحسين قد جالس مساكين قد
بسطوا كِساءً، وأكل معهم كِسرَ الخبزِ، وتلا قولَ الله تعالى: {إِنَّهُ لاَ
يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} ثم دعاهم إلى منزله، وقال للرباب: أخرِجي ما
كنتِ تدَّخرين وسائل الشيعة: ج16، ص543، ح4. .
كذلك يُستحب عرضُ الطعام، ثم الشرابِ، ثم الوضوء على المؤمن إذا قدم، وكذلك
على الزوار والمسافرين، لأنَّ الصلة بهم، وطَمْأَنَتَهم يُدخِلُ الفرحَ
والسرور إليهم، ويُظهرُ أدب الإسلام وروعته. فقد رُوي أنَّ رسول الله كان
في بعض مغازيه، فمرَّ به ركب وهو يُصلِّي، فوقفوا على أصحاب رسول الله،
فساءلوهم عنه ودَعَوا وأثنَوا وقالوا: لولا أنا عِجالٌ لانتظرنا رسول الله
فأقرئوه السلام، ومضوا، فانفتل رسول الله مُغضَباً ثم قال: «يقف عليكم
الركبُ، ويسألونكم عنِّي، ويُبلغوني السلام، وَلاَ تَعْرِضُونَ عليهم
الغَداء؟...» المصدر نفسه: ص522، ح1. .
وجاء عن الصادق قوله: «إذا دخل عليك أخوك فاعرض عليه الطعام، فإن لم يأكل،
فاعرض إليه الماء، فإن لم يشرب، فاعرض عليه الوضوء» المصدر نفسه: ص522، ح2.
.
يتبين ممَّا تقدَّم: المستحبات التي ذُكرت معنا:
وأوَّلها: استحباب إكرام الضيف، كما يُستحب له أن يقتنعَ بالميسور.
وثانيها: استحباب إجادةِ الطعام والإكثار منه.
وثالثها: استحبابُ الإكثار من الطعام عند المؤمن.
ورابعها: استحباب دعوة الفقراء كما الأغنياء.
وخامسها: عرضُ الطعام أو الشراب أو الماء للوضوء على الزائر والضيف.
إعانة الضيف وكراهة استخدامه...
الضيف رحمة من الله علينا، يأتي برزقه، ويذهب بالذُّنوب... وجرت عادةُ
آبائنا وأجدادنا على إكرام الضيف، والمبالغة في التأهيل به، وتوفير كافة
أسباب الراحة التي يحتاج إليها... وكانوا رحمهم الله تعالى، يقومون بكل ما
يحتاجه ضيفُهم، حتى يشعر وكأنَّه بين أهله.
وذُكر في النصوص المباركة عن أهل البيت كراهيةُ استخدام الضيف، أو تمكينه
من أن يخدم، بل المستحبُ أن يُخدمَ ليشعرَ بالراحة والأمان، وينسى تعبَ
سفرِهِ، وعناءَ غُربَتِهِ. فقد روى ابنُ أبي يعفور قال: رأيت ضيفاً لأبي
عبد الله ، فقام يوماً في بعض الحوائج، فنهاه عن ذلك وقام بنفسه إلى تلك
الحاجة، وقال : «نهى رسول الله أن يُستخدم الضيف» وسائل الشيعة: ج16، ص555،
ح1. .
ورُوي أيضاً أنَّه نزل بأبي الحسن الرِّضا ضيفٌ، وكان جالساً يُحدِّثُهُ في
بعض اللَّيل، فتغيَّر السراجُ، فمدَّ الرجل يدَه إليه ليصلحه، فزبره أبو
الحسن ثم بادره بنفسه فأصلحه، ثم قال: «إنَّا قومٌ لا نستخدم أضيافنا»
المصدر نفسه: ح3. . كما رُوي عن الباقر : «... من الجفاء استخدام الضيف»
المصدر نفسه: ح2. .
وأكثر من ذلك، ورد أن توقيرَ الضيفِ وإكرامَه، مرتبطٌ بأُصول العقيدة، من
التوحيد وغيره... ومنها ما ذُكر أنَّ رسول الله علَّمه لفاطمة وكان ممَّا
قاله لها: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفَه» المصدر نفسه:
ص558، ح1. .
كذلك يستحب، عند وصولِ قافلةِ الضيف أو دابته أو سيارته، إعانتُهُ على
النزول والاستقرار، والتأهيلُ به، وحملُ الأغراضِ معه، وتيسيرُ أُمورِهِ،
حتى يستقر ويرتاحَ ويتوضأ ويُصلِّي وينام، إذا أراد ذلك.
وبالمقابل تُكره إعانتُه على السفر والرحيل، ولعلَّ ذلك فيه إشارةٌ إلى
التثاقل منه، أو التعبِ من وجوده، فقد رُوي عن الباقر قوله: «... فإذا نزل
بكم الضيفُ فأعينوه، وإذا ارتحل فلا تُعينُوه، فإنَّه من النذالة...» وسائل
الشيعة: ج16، ص556، ح1. .
نعم يستحب عند سفره أن يُزوَّد بالطعام الذي يحتاجه في هذا السفر، وأن
نختار له الطيِّبَ منه، وما يؤدِّي إلى سعادته، وليس في ذلك سَرَفٌ إن شاء
الله. ففي الرواية المباركة، عن الباقر عندما يتحدث عن الضيف إذا أراد
السفر، قال: «وزوِّدوه، وطيِّبوا زاده، فإنَّه من السخاء» المصدر نفسه:
ص556، ح1. .
ويُستحب لنا أن نأكل مع الضيف، وأن نبدأ قبلَه بتناول الطعام، وأن نأكل
قليلاً قليلاً، حتى لا نرفع أيدينا إلاَّ بعده، أي بعد رفع يدِهِ نهائياً.
وهذا طبعاً، يجعله مرتاحاً من البداية إلى النهاية، فلا يتراجع، ولا يختصر.
فقد كان رسول الله إذا أكل مع القوم طعاماً، كان أولَ مَنْ يضعُ يدَه،
وآخرَ مَنْ يرفعُها ليأكلَ القومُ المصدر نفسه: ص559، ح1. .
وروى عمرُ بن عبد العزيز، عن جميل أنَّه سمع الإمام الصادق يقول: «إنَّ
الزائر إذا زار المزورَ، فأكل معه، ألقى عنه الحشمة، وإذا لم يأكل معه
ينقبضُ قليلاً» وسائل الشيعة: ج16، ص559، ح2. .
كذلك تُكره كراهةُ الضيفِ، أي يكره أن يشعرَ الواحدُ منَّا بكراهيته للضيف،
والتثاقلِ منه، وتمنى عدمِ نزوله، لأنَّ هذا يعني الفرار من الأجر العظيم،
والهربَ من الإخوان الأعزاء، الذين هم أُنْسنا وسلوانا في وِحشة الحياة
الدُّنيا. فقد كان الصادق وقد ذكر أصحابه يوماً، معتزاً بهم، وقال والله ما
أتغدى، ولا أتعشى، إلاَّ ومعي منهم اثنان أو ثلاثة، أو أقل أو أكثر، وقال
مُتابعاً: فضلهم عليك أكثَرُ مِنْ فَضْلِكَ عَلَيْهِمْ، فقال الرَّاوي:
جُعِلْتُ فداك، كيف وأنا أُطعِمُهُم طَعامي، وأُنفقُ عليهم من مالي،
ويخدمهم خادِمي؟ فقال : «إذا دخلوا عليك، دخلوا من الله بالرِّزق الكثير،
وإذا خرجوا خرجوا بالمغفرة لك» المصدر نفسه: ص556، ح1. .
ورُوي عن رسول الله : «إنَّ الضيف إذا جاء فنزل على القوم، جاء برزقه معه
من السَّماء، فإذا أكل، غفر الله لهم بنزوله عليهم» المصدر نفسه: ص556، ح2،
ص557، ح5. . وعنه : «لا تزال أُمَّتي بخيرٍ، ما تحابوا، وأقاموا الصلاة،
وآتوا الزكاة، وأقروا الضيفَ، فإن لم يفعلوا ابتُلُوا بالسِّنِينَ
والجَدْب» وسائل الشيعة: ج16، ص556، ح2، وص557، ح5. .
وبذلك يكون مُلَخَّصُ ما تقدَّم: استحبابُ إعانةِ الضيفِ على النزول،
وكراهيةُ استخدامِهِ وقيامِهِ ببعض الأعمال، واستحبابُ تزويده بالطعام
الطيِّب، عند سفره، وأن نبدأ بالطعام قبلَه ولا ننتهي إلاَّ بعده...
الولائم
واستضافةُ الزائر
يتأكد استحبابُ الوليمةِ في مناسباتٍ معينةٍ كالعُرْسِ والرجوعِ من السفر،
وشِراءِ الدار، والفراغ من البناء، وعند الولادة والختان.
والمتأمل في هذه المناسبات، واستحباب الوليمة فيها، يشعر وكأنَّ ذلك شكرٌ
لله تعالى على ما يسَّر له، وسخَّر له من زواج مبارك، أو ما وفَّقه إليه من
بناء المنزل أو سلَّمه من مخاطر السفر وأهواله،... فيُفْتَرَضُ في مثل هذه
الحالات أن يتوجه إلى بارئه وحافِظِهِ ورازقه تبارك وتعالى، ويُنْفِقَ
شيئاً من ماله وطعامه، إحياءً للسُّنَّة وتأليفاً لقلوب المؤمنين، وتوسعةً
للفرحة، وشمولاً للبركة والمودة.
وفي حديث شريف عن رسول الله : «الوليمة في أربع، العرس، والخِرْس وهو
المولود يُعقُّ عنه ويُطعم، والإعذار وهو ختان الغلام، والإياب وهو الرجل
يدعو إخوانه إذا آب من غيبته» وسائل الشيعة: ج16، ص551، ح2. .
وفي وصيته لعلي قال: «يا علي، لا وليمة إلاَّ في خمس: في عرس أو خرسٍ أو
عذارٍ أو وكار أو ركاز، فالعرس التزويج، والخِرْس النِفاس بالولد، والعذار
الختان، والوكار في بناء الدار وشرائها، والركاز الرجل يقدم من مكة» المصدر
نفسه: ص552، ح5. .
ومن المفيد هنا التذكير بضرورة إخلاص النية بُغْية نيلِ الثواب والأجرِ،
فلا تكونُ هذه الولائمُ للرياء والسُّمعة وإظهار الجاه والغنى... كما نرى
في هذه الأيام الكثير من المسلمين الذين لا يقيمون ولائمهم، إلاَّ بقصد
التنافس والتفاخر مع الآخرين، فيُنفقون أموالهم ويخسرونها في الدُّنيا، ثم
تكون عليهم حسرةً يوم القيامة ولا يُنصرون.
فكيف تُخلَصُ النيةُ إذا أقيمت حفلاتُ وولائمُ الزواج، في أشهر الملاهي
فسقاً وتجاهراً بالموبقات، مع ما يتخلل ذلك من رقص وغناء وشرب خمر، وغيره
من مظاهر الحرمة والفساد، إضافة لاقتصار الدعوةِ على الأغنياء والمترفين.
فيا عجباً من هؤلاء الذين يبدأون زواجهم بالحرام، أو يحتفلون بسلامتهم
ونجاحهم وتوفيقهم لبناء الدار مثلاً، أو الرجوع من السفر، يحتفلون بمظاهر
الحرام، ورفع شعارات المنكر، وهم يبخلون بنظرة إلى الفقراء والمساكين.
لذا ينبغي التنبّه جيداً، إلى إخلاص النية، عند إقامة الوليمة، ودعوة
الإخوان والأحباب. حيثُ نُسب إلى الرسول الأكرمِ قولُه: «ومن أطعم طعاماً
رئاءً وسُمعةً، أطعمه الله مثله من صديد جهنَّم، وجعل ذلك الطعام ناراً في
بطنه، حتى يقضي بين الناس» وسائل الشيعة: ج16، ص552، ح1. .
كذلك يستحب لأهل البلد أن يستضيفوا مَنْ يرد عليهم من إخوانهم، ما دام
قائماً في بلدتهم. وهذه العادة، بحمد الله، منتشرة في قرانا كما نلاحظ، وإن
أخذت بالاندثار في المدة الأخيرة لاختلاطنا بأهل الحضارة الغربية،
واكتسابنا من عاداتهم وتقاليدهم، إذ أصبحنا نفكر تفكيراً مادياً وفي
الخسارة والربح المترتب على دعوة فلان أو عدمِ دعوته. فإذا كانت فائدةٌ
ماديةٌ من دعوته، دعوناه، وإن لم تكن، تجنبنا رؤيته، وتسترنا وراءَ الأعذار
الواهية.
فالمستحب يا إخواني الأعزاء، هو أن نستضيفَ العابرين والمسافرين والواردين
من إخواننا، لأنَّ نزولهم علينا بركةٌ ورحمةٌ، لم نكنْ نتوقعُها، وفي هذا
المعنى روي عن النبي الأعظم صلوات الله عليه وآله: «إذا دخل الرجل بلدة،
فهو ضيف على مَنْ بها من إخوانه وأهل دينه، حتى يرحل عنهم» وسائل الشيعة:
ج16، ص553، ح1. .
ويُستحب أن تكون الضيافةُ لثلاثة أيَّام لا أقل.... وبالمقابل يكره النزولُ
على من لا نفقة عنده، حذراً من حرجه وخجله وتكلُّفِهِ، حيث روي عن خاتم
الأنبياء قوله: «الضيافة أول يومٍ حق، والثاني والثالث، وما كان بعد ذلك
فهو صدقة تصدَّق بها عليه، ثم قال: لا ينزلنَّ أحدُكم على أخيه حتى يوثمه».
فقالوا يا رسول الله كيف يوثمه؟ قال: «حتى لا يكون عنده ما يُنفق عليه»
المصدر نفسه: ص554، ح2. .
وممَّا تقدَّم نستفيد أُموراً:
أوَّلها: استحباب الوليمة في مناسبات معينة، في العرس والرجوع من السفر
وشراء المنزل أو الفراغ من بنائه.
ثانيها: استحباب استضافة زوار البلد وقاصديها.
وثالثها: كراهيةُ النزول عند من نعلم بضيق حاله.
طعام العشاء
الحمدُ لله الذي يستغني ويُفتقر إليه، وله الحمد على ما رزقنا من طعام
وأدام في يُسرٍ وعافية مفتاح الجنات: ج1، ص440 (بتصرف). .
هناك تأكيد في النصوص الشريفة على أهمية وجبة العشاء إضافة إلى الغداء.. بل
ينبغي عدم ترك وجبة العشاء أبداً، ولو كانت خفيفة خاصة لكبار السِّن.
وفي هذا المجال تؤكد الرواياتُ الشريفة المرويةُ عن الإمام الصادق ذَلِكَ
بَلْ وَتَزِيدُ أيضاً كراهية تناولِ شيءٍ بين الوجبتين، فقد روى ابنُ أخ
شهاب بنِ عبد ربِّه قال: شكوتُ إلى أبي عبد الله ما ألقى من الأوجاع
والتُخْمة، فقال لي: «تغدَّ وتعشَّ ولا تأكلنَّ بينهما شيئاً، فإنَّ فيه
فسادَ البدن، أما سمعتَ الله تبارك وتعالى يقول: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ
فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} وسائل الشيعة: ج16، ص565، ح1، والآية من سورة
مريم/62. .
وكان منادي يعقوب يُنادي، كلَّ غداة، من منزله على فرسخ: ألا مَنْ أراد
الغداءَ فليأتِ إلى يعقوب، وإذا أمسى نادى، ألا مَنْ أراد العِشاء فليأتِ
إلى يعقوب المصدر نفسه: ح2. .
وعلى كلِّ حال يُكره مؤكداً تركُ العشاء تماماً، حتى لو اقتصر عشاؤه على
قليل من الطعام، أو الفواكه، أو قطعة خبزٍ، أو كعكة كما في الأحاديث
الشريفة، ولعلَّ ذلك لكي لا تبقى المعدةُ فارغةً فتضرَّ بصاحبها. وروى هشام
بن الحكم عن الصادق قوله: «أولُ خرابِ البدن تركُ العشاء» المصدر نفسه:
ص565، ح1، باب46. . وعن الرِّضا : المصدر نفسه: ص566، ح5. «... فلا
يَدَعنَّ أحدُكم العشاءَ وَلَو لقمةً من خبز، ولو شربة من ماء».
والظاهرُ أنَّ الاستمرار على ترك العشاء أكثرَ من مرة، والاعتيادَ على ذلك
يؤذي الجسمَ أذيةً كبيرة. قال جَميلُ بن دراج، سمعتُ أبا عبد الله يقول:
«من ترك العشاء ليلة السبت ويوم الأحد متواليين، ذهب منه قوةٌ لا ترجع إليه
أربعين يوماً» وسائل الشيعة: ج16، ص556، ح4. .
وعن سليمان بن جعفر الجعفري، قال: كان أبو الحسن لا يدعُ العشاءَ ولو
بكعكة، وكان يقول: «إنَّه قوةٌ للجسم... وصالح للجُماع» المصدر نفسه: ح3. .
وتتأكد كراهيةُ تركِ العشاءِ للرجل الكبير في السِّن، كالهرمِ والشيخِ الذي
يحتاجُ أكثرَ لِلطاقة والغذاء، فقد روي عن أبي الحسن الرِّضا قوله: «إذا
اكتهل الرجلُ فلا يدعْ أن يأكل باللَّيل شيئاً، فإنَّه أهدأ للنوم، وأطيبُ
للنكهة» المصدر نفسه: ص569، ح1. .
وجَاءَ عن الصادق : «الشيخ لا يدعُ العشاءَ، ولو لقمة» المصدر نفسه: ح3. .
وعن المفضَّل بن عمر، قال: دخلت على أبي عبد الله ليلةً وهو يتعشى فقال: يا
مفضَّل، ادنُ ادن: اقترب. فكُلْ، قلتُ: قد تعشيت، فقال : ادنُ فكُل، فإنَّه
يستحب للرجل إذا اكتهل أن لا يبيت إلاَّ وفي جوفه طعام حديث، فدنوت فأكلت»
وسائل الشيعة: ج16، ص570، ح7. .
وعن رسول الله أنَّه قال: «لا تَدَعوا العشاء، ولو على حشفةٍ، إنِّي أخشى
على أُمَّتي من ترك العشاء الهرم، فإنَّ العشاء قوةُ الشيخ والشاب» المصدر
نفسه: ص567، ح8. .
ولهذه الروايات نظائر عديدة. وقد فَسَّر الإمام الصادق معنى الكهل والشيخ،
فيما رواه عنه الحسنُ بن علي بن شُعبة، في تحفة العقول، حيث قال : «إذا زاد
الرجل على الثلاثين فهو كهل، وإذا زاد على الأربعين فهو شيخ» المصدر نفسه:
ص570، ح8. .
أما موعدُ طعام العشاء، فهو بعد صلاةِ العشاء، وتمام العتمة، وإن خالف هذا
ما يقوله بعضُ الأطباء فقد جاء عن علي بن أبي علي اللَّهبي، عندما سأله
الإمام الصادق قائلاً: ما يقول أطباؤكم في عشاء اللَّيل؟ فقال: إنَّهم
ينهوننا عنه، فقال : لكنَّني آمركم به المصدر نفسه: ص568، ح2. .
وعلَّق شارحُ وسائل الشيعة، رضوان الله عليه، على هذه القِصةِ بقوله: هذا
يدلُّ على أنَّ الأئمَّة كانوا يطمئنون لما يَعْلمون ويردُ عليهم من
الغيب،... ولا يبالون من التظاهر بمخالفة الأطباء ، لأنَّهم يأمنون من ظهور
خطئهم، وهذه جُرْأةٌ لم تُعهد في سائر علماء المسلمين، ولعلَّ في هذا
دليلاً آخر على إمامتهم شرح وسائل الشيعة: الهامش ص568، (بتصرف). .
وعن الصادق قال: «العشاء، بعد العشاء الآخرة، عشاء النبيين» المصدر نفسه:
ح3 و4. . وقال : «طعام اللَّيل أنفع من طعام النَّهار».
وعن أمير المؤمنين قوله: «عشاء النبيين بعد العتمة، فلا تدعوا العشاء،
فإنَّ ترك العشاء خرابُ البدن» المصدر نفسه: ص567، ح1. .
وعن داود بن كثير قال: تعشيت مع أبي عبد الله عتمةً، فلما فرغ من عشائه،
حمد الله، وقال: هذا عشائي وعشاءُ آبائي المصدر نفسه: ح5. .
وخلاصةُ ما تقدَّم: استحبابُ عدم تركِ طعام العشاء، ولو على شيء يسير وخاصة
للكهل والشيخ، فضلاً عن الشاب، واستحبابُ عدمِ أكلِ شيءٍ بين الوجبتين، وأن
يكون العشاء بعد صلاة العشاء، وتمامِ العتمة.
الأيدي قبل الطعام
وبعده
الحمد لله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماءِ وهو
السميع العليم مفتاح الجنات: ج1، ص440 (بتصرف). .
يُستحب، قبلَ تناولِ الطعامِ، الوضوءُ أو غسلُ اليدين على الأقل، وآثار ذلك
كثيرةٌ على الفرد والمجتمع، وعلى النفس والرُّوح، وعلى الرِّزق والراحة
النفسية. فالحريص على النظافة، لا شك يجد حولَه الأحباء والأصدقاء، وإن كان
فقيراً أو مُعسراً، وأما غيرُ الحريص على الطهارة والنظافة، فإنَّ الذين
يتظاهرون بالقرب منه هم في الحقيقة يشمئزون منه ومن قذارته، وقد ينفرون
منه.
ومن هذا المنطلق، كان التركيزُ في الروايات الشريفة على أنَّ الوضوء أو
غسلَ اليدين قبل الطعام، يزيد في العمر والمال والرِّزق، وينفي الفقر إن
شاء الله تبارك وتعالى.
كذلك يستحب غسلُ اليدين بعد الطعام، فقد رُوي عن الصادق أنَّه قال: «الوضوء
قبل الطعام وبعده، يزيدان في الرِّزق» وسائل الشيعة: ج16، ص571، ح2. ، وقال
: «مَنْ سرَّه أن يَكْثُرَ خيرُ بَيتِهِ، فليتوضَّ عند حضور طعامه» المصدر
نفسه: ح3. . وعنه قوله: «مَنْ غسل يدَه قبل الطعام وبعده، عاش في سَعةٍ،
وعُوفِيَ من بلوى في جسده» المصدر نفسه: ص572، ح5. .
وقال شارحُ الوسائل تعليقاً على هذا النص المبارك: قد ثَبت في زماننا أنَّ
أكثر الأمراضِ من جراثيم صغارٍ، يكثر وجودُها في الأقذار والأوساخ
والعفونات، وغسلُ اليد من أعظم حفظِ الصحة، ومثله زيادة العمر المصدر نفسه:
ص572. الهامش. .
وجاءَ عن أبي الحسن قوله: «الوضوء قبل الطعام، وبعده، يُثبت النعمة» المصدر
نفسه: ح7. .
وفي معنى ما تقدَّم نصوصٌ كثيرةٌ، بعضُها يُوضّح والآخر يُفصِّل... ويجدر
بنا الوقوفُ عند النص المروي عن الإمام الباقر والذي يلفتُ النظر في صياغته
ودلالته وظروفِ نقله مع التعليق عليه.
فعن صفوان الجمال، عن أبي حمزة عن أبي جعفر ، أنَّه قال: يا أبا حمزة،
الوضوءُ قبل الطعام وبعده، يُذيبان الفَقْر، فقال أبو حمزة: بأبي أنت
وأُمِّي، يُذهبان؟ فقال مؤكداً: يُذيبان وسائل الشيعة: ج16، ص570، ح1. .
فلعلَّ أبا جعفر ، اختار، وأكّد على لفظ «يذيبان»، وليس «يُذْهِبان»، لأنَّ
اللفظ المختار أقوى دلالةَ وأظهر على رفع الفقر من أساسه، وليس ذهابه فقط
مع عودته... ونحن نرى فقيراً نظيفاً يستأنسُ الناسُ به، ويستأنسُ هو
بالناس، ولا تظهر عليه ذلةُ الفقرِ، بينما الغني إن لم يكن نظيفاً، فلا
يستأنسُ به أحدٌ، وإن أظهروا ذلك رياءً.
ويُستحبُ لصاحب المنزل أن يغسلَ يديه قبل الجميع، هذا قبل الطعام، أما
بعده، فالمستحب له أن يكونَ آخرَ من يغسل يديه، لأنَّه أولى بالصبر على ما
عُلِّل في الرواية، المروية عن الإمام زين العابدين حيث قال: «صاحب الرَّجل
يتوضأ أولَ القومِ، قبل الطعام، وآخرَ القومِ بعد الطعامِ» وسائل الشيعة:
ج16، ص575، ح7. .
ويُستحب غسلُ الأيدي، أو التوضؤ في إناء واحد، وفي ذلك، روى الوليدُ بن
صُبيح قال: تعشينا عند أبي عبد الله ليلةً، جماعة، فدعا بوضوء فقال: تعال
حتى نخالف المشركين اللَّيلةَ ، نتوضأ جميعاً المصدر نفسه: ص577، ح4. .
أما بالنسبة لاستعمال المِنْشَفَة، والتنشيف بها، وهو ما يسمى بالتمندل، أي
استعمال المنديل، فالمستحب أن يكون التمندل من الغَسْل بعد الطعام، وأما
قبله فالمستحب تركه. فعن ابن أبي عمير، عن مرازم قال: رأيت أبا الحسن إذا
توضأ قبل الطعام لم يمسَّ المنديل، وإذا توضأ بعد الطعام مسّ المنديل
المصدر نفسه: ص577، ح1. .
كذلك يستحب مسح الوجه والرأس والحاجبين، بعد الوضوء أو غسلِ الأيدي من
الطعام، وأن يدعو بالمأثور. فقد ورد أنَّ النبي قال لأحد أصحابه: «إذا
غسلتَ يدَكَ بعد الطعام، فامسح وجهَك وعينيك، قبل أن تمسح بالمنديل، وتقول:
اللَّهمَّ إنِّي أسألك المحبة والزينة، وأعوذ بك من المقت والبُغضة» وسائل
الشيعة: ج16، ص579، ح4. . وجاء عن أبي جعفر الثاني أنَّه يومَ قدم المدينة،
تغدَّى معه جماعةٌ، فلما غَسَلَ يديه من الغَمْر الغمر: الدسِم. ، مسح بهما
وجهَه ورأسه، قبل أن يمسحَهُما بالمنديل، وقال: «اللَّهمَّ اجعلني ممَّن لا
يُرْهِق وجهه قَتَرٌ ولا ذلة».
ومن لطيف الروايات الملفتةِ للنظر في هذا الباب، ما رواه المفضَّل حيث قال:
دخلتُ على أبي عبد الله وشكوتُ إليه الرمد، فقال لي: أتريد الطريف؟ ثم قال:
إذا غَسَلْتَ يَدك بعد الطعام، فامسح حاجبيك، وقل الحمد لله المحسنِ المجمل
المنعم المفضل.
ثم علَّق المفضَّل على ذلك بقوله: ففعلتُ، فما رَمَدَتْ عيني بعد ذلك وسائل
الشيعة: ج16، ص579، ح2. .
وعلَّق شارح وسائل الشيعة على ذلك بقوله: «إنَّ تأثير مسحِ الحاجبين في دفع
الرمد طريفٌ عجيب، لمن لا يعلم أنَّ الرمد من القذارات وجراثيم الأمراض
النازلةِ في العين» المصدر نفسه: الهامش. .
وممَّا تقدَّم نستخلص جملة مستحبات هي: الوضوء، أو غَسْلُ اليدين قبل
الطعام وبعده، وأن يبدأ صاحبُ المنزل بذلك قبل الطعام، وأن يؤخر بعدَه، كما
يُستحب عدم التمندل قبل الطعام، أما بعده فيُستحب مسحُ الوجهِ والرأسِ
والحاجبين، ثم التنشيف.
استحباب التسمية والحمد عند الطعام
لقد شرَّفنا الله عزَّ وجلَّ بأن أفسح لنا المجال لعبادته وذكره وشكره...
فمن المستحبات المؤكدة، التسميةُ في أول الطعام، والحمدُ في آخره، وهذه
العادة المباركة درج عليها سائر المسلمين، حتى اعتُبرت من مختصاتهم التي
يُعرفون بها، ويُميَّزون عن غيرهم .
ويكفيك لو كنتَ في أي بلد في العالم، أن تسمع من جماعة التسمية المباركة
عند طعامهم أو الحمدَ عند الختام، لتعرف أنَّهم مسلمون ينتمون لأُمَّة
محمَّدٍ ، وهذه العادة كنَّا قد اعتدنا عليها، مُنذْ صغرنا... وإليها
أشارتِ الروايات الكثيرة المباركة عن المعصومين عليهم أفضلُ الصلوات
والتسليمات. فعن الصادق أنَّه قال: «إذا وضع الغداء والعشاء فقل: بسم الله،
فإنَّ الشيطان يقول لأصحابه: اخرجوا فليس ههنا عِشاء ولا مبيت، وإذا نسي أن
يُسَمِّيَ، قال لأصحابِهِ، تعالَوْا فإنَّ لكم ههنا عشاءً ومبيتاً» وسائل
الشيعة: ج16، ص581، ح2. .
وجاء عن أمير المؤمنين قوله: «اذكروا الله على الطعام ولا تلغطوا، فإنَّه
نعمةٌ من نِعَم الله، ورزقٌ من رزقه، يجب عليكم فيه شكرُه وذكرُه وحمدُه»
المصدر نفسه: ص582، ح6. .
وعن أبي عبد الله قال: «إذا وُضِعت المائدةُ فقل: بسم الله، فإذا أكلتَ
فقل: الحمد لله...» المصدر نفسه: ص584، ح2. . وجاء في شرحه حدُّ الأدب على
المائدة قولُه: «حدُّه إذا وُضع قيل: بسم الله، وإذا رُفع قيل: الحمد لله،
ويأكل كلُّ إنسان ممَّا بين يديه، ولا يتناول ممَّا قُدَّام آخرَ شيئاً»
المصدر نفسه: ص585، ح3. .
وفي معاني هذه النصوص، نظائرُ وشبائهُ كثيرةٌ، نختار منها ما حدث مع الإمام
الصادق عندما كان على مائدته أبو حنيفة، فلما انتهى ورفع يده قال: الحمد
لله ربّ العالمين، اللَّهمَّ هذا منك ومن رسولك . فقال أبو حنيفة: يا أبا
عبد الله، أجعلتَ مع الله شريكاً؟ فقال له: ويلك، إنَّ الله يقول في كتابه:
{وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ
فَضْلِهِ} سورة التوبة، الآية: 74. ويقول في موضع آخر: {وَلَوْ أَنَّهُمْ
رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ
سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} سورة التوبة، الآية: 59. .
فقال أبو حنيفة: والله لكأنِّي ما قرأتُهما قط وسائل الشيعة: ج16، ص583،
ح9. .
ويُستحب إن نسي التسمية أن يقول: بسم الله على أوله وآخره، وإذا سمى واحدٌ
من الجماعة أجزأ عن الجميع. فعن مولانا الصادق لمن قال له: فإن نسِيتُ أن
أسمِّيَ؟ قال تقول: بسم الله على أوله وآخره المصدر نفسه: ص587، ح1. ، وعنه
: «إذا حضرت المائدة، فسمَّى رجلٌ منهم، أجزأ عنهم أجمعين» المصدر نفسه:
ح2. .
ويُستحب أيضاً الدُّعاء بالمأثور قبل الأكل وبعده، وحمدُ الله على
الاشتهاء، والأدعيةُ في هذا المجال كثيرة متعددة، فليرجع إلى كتب الأدعية.
ويروى أنَّ زرارة كان قد تشرَّف بالجلوس إلى مائدة الصادق ، وأكل من طعامه،
واعترف بعجزه عن إحصاء عدد المرات التي ردَّد فيها الإمام الجملة الآتية:
«الحمد لله الذي جعلني أشتهيه» وسائل الشيعة: ج16، ص589، ح6. .
ويبدو من قوله : أنَّ نفس الاشتهاء، والإقبال على الطعام برغبة واندفاع، هو
بذاته نعمةٌ إلهيَّةٌ، ينبغي الشكرُ عليها، ولا يدركُ أهميةُ ذلك إلاَّ
مَنْ فقدوا شهيةَ الطعام ، هم أو أولادُهم فلجأوا إلى الأطباء ليستعينوا
بالأدوية لفتح الشهية.
ويُستحب للآكل أن يتناول العتيق قبل الجديد، ولعلَّ السرَّ من وراء ذلك أن
ينتهي منه حتى لا يَعْفُنَ ويَفْسُد فيُرمى.
وكان النبي يأكلُ الطَلْعَ الطلع: هو نوع من النخل. ويأكلُ الجُمَّارَ
الجمار: هو شحم النخل. ... ويقول: إنَّ إبليس لعنه الله، يشتد غضبُه ويقول:
عاش ابنُ آدم حتى أكل العتيق وسائل الشيعة: ج16 ص591، ح1 (بتصرف). .
وفي روايات عديدة ورد أنَّه يستحبُ للإنسان أن يُسميَ على كل إناء أو على
كل لون وصنفٍ من ألوان وأصنافِ الطعام، كما يُستحب له ذلك إذا قام عن
الطعام ثم عاد إليه كما يحدث لنا هذا كثيراً.
خلاصةُ ما تقدَّم يستحب: التسميةُ في أول الطعام، والحمدُ في آخره،
والدُّعاءُ بالمأثور. ومَنْ نسيَ التسميةَ يُستحب أن يقول: «بسم الله على
أوله وآخره». وتكفي التسميةُ من الواحد عن الجميع. كما يُستحب تناولُ
القديم والعتيق من الطعام قبل غيره.
أسرار المائدة
وآدابها
الحمد لله الذي حملنا في البر والبحر ورزقنا من الطيبات وفضلنا على كثير
ممَّن خلق تفضيلاً.
ينصح الأطباء في هذا الزمان بضرورة تناولِ شيءٍ من الطعام عند العجلة ولو
يسيراً، وعدمِ تركِ المعدةِ فارغةً، فإنَّ لذلك أضراراً.
ويذكر الأطباء وأهلُ الاختصاص، في أبحاثهم، أنَّ تركَ المعدةِ فارغةً
يجعلُها تعمل وتفرز دون جدوى، وهذا ما يؤدِّي إلى تعبها وتقرُّحها، ونلاحظ
ذلك كثيراً عند الأشخاص العمليين الذين تتلاحق أعمالُهم، فلا يتركون
لأنفسهم فرصةً حتى لتناول قليلٍ من الطعام.
هذه المقدمة ما كانت إلاَّ لنشير إلى أنَّه يستحبُ من الناحية الشرعية أكلُ
شيءٍ، قبل الخروج من المنزل، ولو كان قطعةٌ من خبز. فعن الصادق أنَّه قال:
«ينبغي للمؤمن أن لا يخرج من بيته، حتى يَطْعَمَ فإنَّه أعزُّ له» وسائل
الشيعة: ج16، ص593، ح1. . ويُستحبُ تناولُ الطعام من جوانبِ الإناء، وليس
من رأسه ووسطه، فإنَّه أكثر بركة وأحسن.
وجاء عن الأمير قوله: «لا تأكلوا من رأس الثريد، وكلوا من جوانبه، فإنَّ
البركة في رأسه» المصدر نفسه: ص596، ح1. ، والثريد نوع من الطعام يُصنع
ممَّا يُهشمُ من الخبز، ويُخلطُ بالماء واللحم، حسْبَ ما يُفهم مِنْ «لسان
العرب». وعن المصطفى : «إذا أكلتم الثريدَ، فكلوا من جوانبه، فإنَّ الذروة
فيها البركة» المصدر نفسه: ح2. .
كذلك يُستحبُ الأكلُ ممَّا يليه مباشرةً، لا ممَّا هو أمام غيره، ويدلُّ
ذلك على نوع من الأدب والرزانة والاتزان والقناعة بنصيبه وعدم الطمع بما هو
أمام غيره. وقد رُوي عن رسول الله قوله: «إذا أكل أحدُكُم فليأكل ممَّا
يليه» المصدر نفسه: ص597، ح1. . وعن الصادق في حديث قال: «ويأكل كلُّ
إنسانٍ ممَّا يليه، ولا يتناولُ من قُدَّامِ الآخرِ شيئاً» وسائل الشيعة:
ج16، ص598، ح2. .
ويُستحبُ الأكلُ بثلاث أصابع، أو بجميع الأصابع لا بإصبعين، فقد كان رسول
الله يأكل بثلاث أصابع، وليس كما يفعل الجبَّارون، إذ يأكل أحدُهم بإصبعيه،
كما ورد عن الصادق المصدر نفسه: ص599، ح1. .
ويُكره رميُ الفاكهة قبل استقصاء أكلها، لما يترتَّب على ذلك من إسراف،
فإنَّ المتبقي منها لا ينفع، حتى للحيوانات، بعكس المأكولات الأُخرى
المطبوخة أو اللحوم... فالفاكهة تتعفَّنُ وتَتْلفُ بعد ساعات من رميها.
وهذا ما ينبغي أن يُنبه إليه المسرفون والمترفون، الذين يرمون أجزاءً كثيرة
من الفاكهة مثل التفاح والإجاص... وكم هي كبيرة كمياتُ الفاكهة التي تُرمى،
بعد بعض الاجتماعات أو اللقاءات أو الحفلات أو السهرات.
روى نادر الخادم قال: أكل الغلمان يوماً فاكهةً، فلم يستقصوا أكلَها،
ورمَوَا بها، فقال أبو الحسن : سبحان الله، إن كنتم استغنيتُم، فإنَّ ناساً
لم يَسْتَغنوا، أطعِموه مَنْ يحتاجُ إليه وسائل الشيعة: ج16، ص600، ح1. .
ويُستحب تركُ ما يسقط من الطعام في الصحراء، ولو كان ما سقط كثيراً، إن لم
يكن هناك حاجةٌ إلى أخذه، كما يُستحب تناولُ ما سقط من الطعام في المنزل.
فالساقط في البريَّة، قد يُتركُ ليكون طعاماً للحيوانات، أما الساقط في
المنزل فيُجمعُ حفاظاً على نظافته. فلقد رُوي عن الرِّضا قوله: «من أكل في
منزله طعاماً، فسقط منه شيءٌ فليتناولهُ، ومن أكل في الصحراء أو خارجاً،
فليتركه للطير والسَّبُع» المصدر نفسه: ص602، ح1. .
ويُستحب مناولةُ المؤمنِ اللقمة والماء والحلواء، وهذا من باب إدخال السرور
على قلبه، وتكريمه، والاهتمام بشأنه، وفي هذا المجال رُوي أنَّ الرسول كان
يُناولُ الماء، ويبدأ من عن يمينه، أو أنَّه يُعطي اللقمة لأصحابه، ويقول:
«من لقم مؤمناً لقمة حلاوةٍ، صرف الله عنه بها مرارةَ يومِ القيامة». كما
روى نادرُ الخادم أنَّ الرِّضا كان يُناوِلُهُ اللقمةَ من يده المصدر نفسه:
ص601، ح1 و2 و3. .
فجملة ما تقدَّم مَعَنا يكون: استحباب أكل شيءٍ قبل الخروج من المنزل ولو
كان قليلاً. واستحباب الأكلِ مباشرة ممَّا يليه، وأن يكون بثلاث أصابع أو
بجميع الأصابع وليس باثنين. واستحبابَ التناولِ من أطرافِ الآنية لا من
وسطها.
كما يُستحب أكلُ الفاكهة كلِّها قبل رمي فضلاتها. كذلك يستحب مناولُة
المؤمن لقمةً أو شربةً.
فتاتِ الطعام
بنية الاستشفاء
الحمد لله الذي أطعمنا وأسقانا، وكفانا وأيَّدنا وآوانا، وأنعم علينا،
وأفضل، والحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم.
يوم الجمعة، يوم مباركٌ محبوبٌ عند أهل السَّماء، وهكذا ينبغي أن يكون عند
أهلِ الأرض، وهو يومُ عيدٍ للمسلمين. ويُفترض بنا أن نُشعِرَ عائلاتنا
وجيراننا وأهلَنا بقدسية هذا اليومِ المبارك، وأهميةِ واستحبابِ فعلِ الخير
فيه، والعبادةِ، والصدقةِ، والهدية. إذ يُستحب الإتيانُ بالفاكهة واللحم
للعيال، يوم الجمعة، حيث ورد عن النبي قوله: «أطرِفوا أهالِيكُم، في كل
جمعةٍ، بشيء من الفاكهة أو اللحم، حتى يفرحوا بالجمعة» وسائل الشيعة: ج16،
ص603، ح1، باب 73. .
ويُستحب للمرء في منزله، أن يلتقط ما سقط على الأرض من الأطعمةِ وفُتاتِ
الخبز، ولو كان مثلَ السمسم، ثم يأكُلَهُ بقصد الاستشفاءِ به والعافية، إذا
كان مريضاً أو صحيحاً. فقد ذكر عبد الله بن صالح الخثعمي، قال: شكوتُ إلى
أبي عبد الله وجعَ الخاصرة، فقال: عليك بما يسقط من الخِوان الخِوان: مائدة
الطعام. ، فكُلْهُ، ثم تابع عبد الله بن صالح يقول: ففعلت، فذهب عنِّي.
وجرَّب ذلك إبراهيم بن عبد الحميد، بعد سماعه للرواية من ابن صالح، حيث كان
قد شعر بوجع في الجنب الأيمن والأيسر، فأخذ ذلك، فانتفع به وسائل الشيعة:
ج16، ص604، ح1. .
وجاء عن أمير المؤمنين قوله: «كلوا ما يسقُط من الخوان، فإنَّه شفاءٌ من كل
داءٍ بإذن الله، لمن أراد أن يستشفيَ به» المصدر نفسه: ص605، ح3. .
وعن الصادق ، بعدما التقط ما وقع من المائدة وأكله، قال: «إنَّه ينفي
الفقر، ويُكثرُ الولد» المصدر نفسه: ح4. .
وعن النبي قوله: «الذي يسقُط من المائدة، مهورُ الحورِ العِين» وسائل
الشيعة: ج16، ص606، ح7. .
وعن عبد الله الأرجاني قال: كنتُ عند أبي عبد الله وهو يأكلُ، فرأيتُه
يتتبَّعُ مثلَ السمسمةِ من الطعام، ما يسقطُ من الخِوان، فقلت: جُعِلتُ
فداك! تتَّبعُ هذا؟ قال: «يا عبد الله، هذا رزقُكَ، فلا تَدَعْهُ لغيرك،
أما إنَّ فيه شفاءً من كل داء» المصدر نفسه: ص605، ح6. .
كذلك يستحب له لو رأى فتات الخبز، أو تمرةً، أن يرفعها ويأكلها، حتى ولو
كانت في مكانٍ غير نظيف، فَلْيَغْسِلْهَا وَلْيَأكُلْها. وفي هذا إشارةٌ
إلى التواضع، وذِكرِ النعمة وشُكرِها، وتعظيمِ المنعمِ وحمدِه، وإصلاحِ
النفس وحفظِ الدِّين وصيانته. فكم هو الفرق كبير بين مَنْ يلتقط كِسراتِ
الخبز، وسواقطَ الأطعمة، ويأكُلُها قربةً إلى الله وتواضعاً له عزَّ وجلَّ،
وبين مَنْ يُهْمِلُها، أو يرميها ويحتقرُها. فأين هي نفسيةُ هذا من ذاك؟
وروي عن الصادق أنَّه قال في التمرة والكِسْرَة، تكون في الأرض مطروحةً،
فيأخذُها إنسانٌ ويأكلُها، قال: لا تستقر في جوفه حتى تجب له الجنَّة وسائل
الشيعة: ج16، ص607، ح1. .
وقال رسول الله : «من وجد تمرةً أو كسرةً ملقاة، فأكلها، لم تستقرَّ في
جوفه حتى يغفر الله له» المصدر نفسه: ص607، ح2. . وجاء في وصيته لعائشة،
عندما رأى كِسْرَةً، وكاد أن يطأها فأخذها وأكلها، وقال لها: أكرمي جوارَ
نِعم الله عليك، فإنَّها لم تَنْفر عن قومٍ فكادت تعود إليهم المصدر نفسه:
ح4. .
كما وذُكر في الشريعة المقدَّسة استحباب الاستلقاء بعد الأكل، ووضع الرِجلِ
اليمنى على اليُسرى، فعن الرِّضا أنَّه قال: «إذا أكلتَ، فاستلقِ على قفاك
على قفاك: أي على ظهرك. ، وضع رِجلَك اليمنى على اليُسرى» وسائل الشيعة:
ج16، ص603، ح1. .
وجاء عن أحدهم قوله: «رأيت أبا الحسن الرِّضا إذا تغدَّى استلقى على قفاه،
وألقى رجلَه اليمنى على اليسرى» المصدر نفسه: ص604، ح2. .
خلاصةُ ما تقدَّم: استحبابُ التقاطِ كِسْراتِ الخبزِ وبقايا الطعام
وأكْلِها. واستحبابُ جلبِ الفاكهةِ واللحمِ إلى العيال يوم الجمعة. كما
يستحب الاستلقاء بعد الأكل، ووضعُ الرجلِ اليمنى على اليُسرى.
بعض الأطعمة
تهذيباً للنفس
كما يجب إكرامُ النعم وتقديرُها، كذلك يجب إكرامُ الخبز بشكل خاص تمييزاً
له عن غيره من أصناف الطعام والشراب. فقد ورد في العديد من النصوص
والروايات، وجوبُ إكرام الخبز والحنطةِ والشعير، وتحريمُ إهانته ودَوْسِهِ
بالرِجْلِ، ووطءِ السُّفرةِ بها وسائل الشيعة: ج16، ص609. ، وأنَّ الله
تبارك وتعالى عذَّب قوماً وغضب عليهم، لأنَّهم لم يحترموا الخبز بل
استعملوه في أُمورٍ قبيحة، تُسببُ الإهانةَ له، ومن بين هؤلاء قومٌ من بني
إسرائيل، وأهلُ القرية التي كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقُها رغداً فكفرت
بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف المصدر نفسه: باب 79، ص609. .
ويُستحب التواضُع لله جلَّ جلاله، وذلك بترك أكل الطيبات، والإفراط في
التنعم، لقمع النفس وتهذيبها. إذ ذُكر أنَّ رسول الله وعلياً كانا يمتنعان
عن بعض الأطعمة، أو عن الإكثار منها، وكانا يُوضِّحان ذلك أنَّه ليس
تحريماً للطعام، إنَّما لتأديب النفس ولجمها.
ويُروى أنَّ طبقاً من الفالوذج قُدِّم للأمير ، والفالوذج طعام طيب يُصنعُ
من العسل والسمن والنشاء ولباب الحنطة، فلما قُدِّم له ووُضع بين يديه،
ونظر إلى صفائه وحُسنه، كاد أن يتناول منه شيئاً، ولكنَّه سلَّ يده وقال:
«إنَّ الحلال طيب، وما هو بحرام، ولكنِّي أكره أن أعوِّد نفسي ما لم
أعوِّدها، ارفعوه عنِّي فرفعوه» وسائل الشيعة: ج16، ص613، ح4. .
وفي رواية أُخرى، أنَّه كان في الرَّحبة، في نفر من أصحابه إذ أهدي إليه
خِوانُ فالوذج، فقال لأصحابه: مدّوا أيديَكم، فمدوا أيديَهم ومدَّ يده، ثم
قبضها، وقال: إنِّي ذكرت أنَّ رسول الله لم يأكُلْهُ، فكرهتُ أكلَه المصدر
نفسه: ح5. .
وروى الثمالي أنَّه لما دخل على علي بن الحسين ، أمر بالمائدة، فوُضعت
وعليها أصناف لم يرَ مثلَها قط، فقال الإمام : كُلْ، فقلت: ما لك لا تأكل؟
فقال: إنِّي صائم، فلما كان اللَّيل، أُتي بخَلٍ وزيت، فأفطر عليه، ولم يؤت
بشيء من الطعام الذي قُرِّب إليَّ وسائل الشيعة: ج16، ص614، ح7. .
فهذا هو سلوكُ النبي والأئمَّة في تواضعهم لله عزَّ وجلَّ بترك أكل
الطيبات. وقد علَّق شارح وسائل الشيعة على ذلك بقوله: ترك الطيبات واللذات،
ليس من الرهبانية المنكَرة، إذا كان تواضعاً، وإنَّما المنكرُ تحريمُ ما
أحلَّ الله تعالى، وهو الرهبانية المصدر نفسه: ص612. .
وفي إشارةٍ دقيقةٍ جداً، ومهمةٍ جداً، إلى خطورة تقليد أعداء الدِّين، في
ألبستهم وأطعمتهم وترفهم وعاداتهم، واهتماماتهم وطريقة أكلهم، يشير أمير
المؤمنين إلى أنَّ ذلك يُنتج الذلِّ. وهذا ينطبق علينا تماماً، في مثل هذه
الأيام، نقلِّد الكفار في كل شاردة وواردة، من ألبسةٍ وأطعمة وعاداتٍ
وأعياد .
فأما اللباس، فأمثلته واضحة فاضحة... وأما الأطعمة، فجيلنا لم يعدْ يتحدث
إلاَّ بالمصطلحات المستوردة، وإن وُجد عندنا ما هو أفضل منها، فهو يتحدث عن
الهمبرغر والبيتزا والكرواسون أنواع من الأطعمة الغربية. والآن وبعد الطبعة
الثالثة أصبح الشائع والمتداول عشرات الأنواع والأصناف مع العلم أنَّها في
مجملها غير صِحيَّة، وهناك تفاصيل كثيرة. ، إلى ما هُنالِك مِن تسميات،
يتناغمون ويتغازلون بها، وكأنَّهم في مباراة صاخبة.
وأما العادات، فلا تُحصى لكثرة تغلغلها في مجتمعاتنا وشخصياتنا... وأما
الأعياد فحدِّث ولا حرج ويكفي بؤساً وذلاً وعاراً، ما يقع من جرائم في ما
يُسمَّى بعيد الميلاد (الكرسمس) وعيد رأس السنة والآن تزداد مع كل عام. .
فصلاةُ الله وسلامه على مولانا أمير المؤمنين الذي كان، كما يُحدثُنا
الإمامُ الصادق لا ينخل الدقيق ، ويقول: لا تزال هذه الأُمَّة بخير، ما لم
يلبَسوا لباس العجم ، ويَطعَموا أطعمة العجم ، فإذا فعلوا ذلك ضربهم الله
بالذل وسائل الشيعة: ج16، ص612، ح1. .
وسلام الله عليه وهو يُقرر حالنا، وكيف أصبحنا عبيداً للعجم، من أهل الكفر
والطغيان والاستبداد، من الأوروبيين والأمريكيين، الذين يسوموننا العذاب
تلوَ العذاب، والعارَ تلو العار، ونحن نهدرُ أموالنا ثمناً لألبِسة وعادات
وزينة ابتدعوها، وأُمورٍ زخرفوها لنا، ولم نَجْنِ مِنْ ورائها إلاَّ الذل
والهوان .
ويبدو أنَّ عملية تقليد الأُمم الضعيفة المهزومة، للأُمم القوية القاهرة،
سنةٌ بشرية، وقاعدةٌ محكمة، وأصلٌ ثابتٌ في الجماعات البشرية، فيأخذون
آدابهم ويتشبهون بهم، وذلك غايةُ ذِلَّتِهم وضعفهم، وسلطانِ غيرهم عليهم،
كما أثبت ذلك العلاَّمة ابن خلدون في مقدمة تاريخه نقلاً عن وسائل الشيعة:
ص612، الهامش. .
وخلاصةُ ما تقدَّم: استحبابُ إكرامِ الخبز، واستحبابُ تركِ بعض الأطعمة
اللذيذة الطيبة قربةً إلى الله تعالى، وأنَّ تقليد الكفار في شؤونهم يؤدِّي
إلى المذلة، وهذا ما يشهد به الواقع اليومي وهذا ما نراه في كل ساعة من
ساعات يومنا في كل مكان من بلادنا.
الخبز وبعض آدابه
الخبز طعام مبارك يحتاجه كلُّ إنسان في الدُّنيا، فمهما تنوعت عاداتُ
القوم، وتعددت أصناف الطعام عند الشعوب في بقاع الأرض، يبقى القاسمَ
المشترك الذي لا يستغني عنه أحد، وعليه يدور الجدال وتقع الأزمات، إذا ظهرت
بوادر الحروب، أو اختل ميزان الاقتصاد في بلد من البلدان.
وحتى الأُممُ والدولُ الكبيرة تُوازنُ اقتصادها، وتُقيمُ علاقاتِها، وتُحدد
سياستها، بما يؤمن لها الخبز، كما نرى ذلك في كل بلدان العالم.
وفي هذا المجال ورد في بعض النصوص المباركة الشيءُ الكثير، في وجوب إكرامِ
الخبزِ وعدم إهانته، وكأنَّه الرمزُ الكبير، والعنوانُ الأساس لطعام البشر.
فمن جملة ما ورد، وبطريقة تُلفتُ النظرَ ولها دلائلها، أنَّه يستحب إذا حضر
الخبزُ ونحن على مائدة الطعام، وتأخر الأكل، يُستحب أن يبدأ به ولا ننتظرَ
غيرَه. فقد نُقل عن رسول الله قولُه: «أكرموا الخبز، قيل: يا رسول الله،
وما إكرامه؟ قال: إذا وُضع لا يُنتظر غيرُه» وسائل الشيعة: ج16، ص616، ح1،
باب 83. .
وورد أيضاً، أنَّه لا ينبغي أن يُقطع الخبزُ بالسكين، ولكن يُقطعُ باليد.
فعن الرِّضا : «لا تقطعوا الخبز بالسكين، ولكن اكسروه باليد» المصدر نفسه:
ح1، ص1، باب 84. . وعن رسول الله قولُه: «لا تقطعوا الخبز بالسكين، ولكن
اكسروه باليد، وليُكسر لكم، خالفوا العجم» المصدر نفسه: ص617، ح5. .
وهنا ملاحظةٌ تُذكر، وإن كانت خارجةً عن الموضوع، وهي الدعوةُ في كثير من
النصوص لمخالفة غير المسلمين، فليس المقصود بالعجم قوماً بعينهم، ولكن
المقصود غير المسلمين، ومنهم في زماننا، الأوروبيون والأمريكيون المستعمرون
لبلاد المسلمين مباشرةً أو مداورةً .
وورد أيضاً كراهةُ شمِّ الخبز، واستحبابُ أكله قبل اللحم إذا حضر، فقد ورد
عن رسول الله قوله: «إيَّاكم أن تشمُّوا الخبز، كما يشمُهُ السِّباع، فإنَّ
الخبز مباركٌ، أرسل الله له السَّماء مدراراً، وله أنبت الله المراعي، وبه
صليتُم وبه صُمْتُم وحججتم بيتَ ربِّكم» وسائل الشيعة: ج16، ص518. .
وعنه : «إذا أُتيتم بالخبز واللحم، فابدأوا بالخبز، فسُدُّوا خلال الجوع،
ثم كُلوا اللحم» المصدر نفسه: ح2. .
هذا وذُكر استحبابُ تصغير أرغفة الخبز، وربَّما كان ذلك لِسَبَبٍ معنوي
فقط، وهو أنَّ في كل رغيف بركة كما عُلل في الروايات، وربَّما كان ذلك لسبب
مادي، وهو أن يُشبع إنساناً فلا تبقى منه كِسراتٌ تُهمَلُ أو تُرمى لأنَّ
هذا من الإسراف. وفي هذا المعنى ما جاء عن رسول الله حيث قال: «صغِّروا
رغفانكم، فإنَّ مع كل رغيف بركة» المصدر نفسه: ج16، ص618، ح1. .
وممَّا تقدَّم، نعرف لماذا جرت العادة في مجتمعاتنا، عند آبائنا
وأُمَّهاتنا، في احترام الخبز وتكريمه وتقبيله وصيانته، وحفظه عن
القاذورات، وشكرِ الله عليه، وتنزيله مَنْزِلَةَ النعمِ العظيمة، وهو كذلك
بلا شك.
خلاصة ما تقدَّم، أنَّه يستحب البَدءُ بالخبز، إذا حضر دون انتظار الطعام،
وذلك تكريماً له ووجوب تكريم الخبز وعدم جواز إهانته. واستحباب تصغير أرغفة
الخبز لبركتها وحتى لا يُرمَى المتبقي منها.
الأكل في السوق
النيّء
من الأدب أن لا يأكل الإنسان في السوق، وهو يسعى بين الناس، أو يمشي في
الأزقة، إلاَّ إذا كان مُضْطراً إلى ذلك، أو وُجد سببٌ وجيه يدعوه لهذا
الأمر. وربَّما يكون لهذا التشريع الإلهي آثارٌ على الفرد والمجتمع.
أما تأثيره على الفرد، فكأنَّه يوحي بالشَّرَهِ واللامبالاة، وبتقليد عامة
الناس الذين لا يُبالون فيما فعلوا، أو فيما فُعل في حقهم.
وأما تأثيره على المجتمع، فحتى يكون المجتمع الإسلامي مجتمعاً منظماً
مرتباً، يجعل وقتاً خاصاً للعمل وتصحيح الدورة الاقتصادية، ووقتاً خاصاً
لتناول الطعام بهدوء واستقرار وراحة، كما ورد استحبابُه معنا سابقاً... أما
الفرد الذي يأكل في السوق، فيأكل بسرعة وكيفما كان، وكأنَّه ملاحق.
وما عليك إلاَّ أن تتصور نفسك في سوق، همُّ أصحابه الأكل، لترى كيف سينعكس
ذلك سلباً على الدورة
الاقتصادية والتجارية.
ولا بدَّ من التأكيد مجدداً، أنَّ كراهية الأكل في السوق محصورةٌ في غير
حال الاضطرار، وأما عندها فلا بأس به، كما لو كانت طبيعةُ عمله أن يخرج
باكراً، أو أنَّ يبيت خارج المنزل، ومن هؤلاء، بائعُ الخضارِ والسمكِ وبعضُ
البنَّائين وغيرهم... فقد سُئل أبو الحسن عن السفلة، فقال: الذي يأكل في
السوق وسائل الشيعة: ج16، ص619، ح1. . وجاء عن النبي قوله: «الأكل في السوق
دناءةٌ» المصدر نفسه: ح2. .
ويُكره تركُ اللحم أربعين يوماً، لحاجة الإنسان الجسدية إليه، ولما فيه من
أغذية ضروريةٍ. فقد ورد عن الصادق قوله: «اللحم يُنبت اللحم، ومن تركه
أربعين يوماً ساء خُلُقُه، ومن ساء خُلُقُه، فأذِّنوا في أذُنه» وسائل
الشيعة: ج16، ص619، ح1، باب 88. وهذا من موارد استحباب الأذان، أي إذا ساء
خُلُقُ الإنسان، ومن موارده أيضاً عند الخوف والوحشة إذا كان وحيداً في
الصحراء، وقد أفتى الفقهاء بذلك كما في العُروة الوثقى. ج1، ص457. .
ويُكره أكلُ اللحم النيء، إلاَّ أن يُغيَّر بالشمس أو بالنار، كأن يُشوى
مثلاً أو يُطبخ. وربَّما يكون ذلك وقاية من بعض المخاطر... ولا شك أنَّ فيه
مصلحةً جسديةً أو معنوية، وإن كنَّا لا نعرفُها. فعن هشام بن سالم قال:
سألتُ أبا عبد الله عن أكل اللحم النيء، فقال: هذا طعام السِّباع وسائل
الشيعة: ج16، ص620، ح1، باب 89. . وجاء عن أبي جعفر الباقر أنَّ رسول الله
نهى أن يؤكل اللحم غريضاً اللحم الغريض: اللحم النيء. وقال: «إنَّما
تأكُلُهُ السِّباع، حتى تُغَيِّره الشمسُ أو النار». أي لا تأكُلْهُ حتى
تُغيِّره الشمسُ أو النار.
وأخال القارىء الكريم يتساءل حول حكم «الفراكة» الفراكة: الكبة النيئة في
بعض البلدان وهي طعام يصنع من فَرْكِ اللحم النيء بالسميد أي البرغل. في
هذا المجال، لأنَّها الأكلةُ المفضلةُ عند الكثير منَّا، وهل الكراهيةُ
تشملها؟.
وفي الإجابة، على هذا التساؤل، يبدو، والله العالم، أنَّ الكراهية لا
تشملُها، لأنَّ النصوص التي وردت تحدثت عن اللحم النيء الذي يؤكل لوحده دون
شيء، وأما ما يُسمى «بالفراكة» في جبل عامل فيدخل عليها البرغل بنسبة لا
بأس بها، وكثيرٌ من التوابل والبهارات الأُخرى بنسبة عالية أيضاً، بحيث
يُخرجُها عن عنوان اللحم النَيِّء الذي وردت كراهيتُه، وبناءً على هذا يكون
أكلُ الفراكةِ ليس مكروهاً، والله العالم وإليه قصد السبيل.
وهناك دعاءٌ خاص ورد استحبابُه لمن خاف الضررَ من أكل طعام معين. إذ روى
الأصبغُ بن نباتة قال: «دخلتُ على أمير المؤمنين وقُدَّامُه شِواء، فقال:
ادنُ، فكُلْ، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا لي ضار، فقال: ادنُ، أُعلِّمْك
كلماتٍ لا يضرُّك معهن شيءٌ ممَّا تخاف، قل: بسم الله خير الأسماء، بسم
الله ملءَ الأرض والسَّماء، الرحمن الرحيم، الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ ولا
داء» تغدَّ معنا وسائل الشيعة: ج16، ص620، ح1، باب 90. .
وفي رواية أُخرى عن الأصبغ أيضاً أنَّ الدُّعاء هو: «اللَّهمَّ إنِّي أسألك
باسمك خير الأسماء، ملء الأرضِ والسَّماء، الرحمِّن الرحيم، الذي لا يضُرُّ
معه داء» فلا يضرُّك أبداً وسائل الشيعة: ج16، ص621، ح2. .
فخلاصة ما تقدَّم، أنَّه يُستحب عدم ترك أكل اللحم أربعين يوماً، ويكرهُ
الأكلُ في السوق إلاَّ لضرورة. كما يكره أكلُ اللحم النيء، وليس منه
الأكلةُ المعروفةُ في جبل عامل باسم الفراكة، كما يبدو.
أكلِ الحار والشراب
ورد في الشرع الحنيف المقدَّس، كراهية أكلِ الطعام الحار جداً، واستحبابُ
تركه حتى يبرد، أو حتى يُصبحَ بالإمكان أخذه بلا مشقة، وأن نتذكر النارَ
عنده.
ولا ريب أنَّ تناول الطعام الحار، يجعل المرءَ لا يستلذ طعمه ونكهته، ولا
يستأنسُ في أكله، فينحصرُ همُّه في توقِّي حرقِ لسانه، والحَيْرَةِ بين
بلعه أو لفظِه إلى الخارج، أو إدارته في فضاء الفم حتى يمكن بلعه.
فالمستحب أن يُتركَ هذا الطعام، دقائق معدودة ثم يَهْنأُ الآكلُ في طعامه،
فيأكل براحة بال، وقرارِ حال، فقد رُوي أنَّ النبي جُعِل أمامه طعامٌ حارٌ
جداً، فقال: ما كان الله ليطعمنا النار، أقروه حتى يُمكِن فإنَّه طعامٌ
ممحوقُ البركة، وللشيطان فيه نصيب وسائل الشيعة: ج16، ص626، ح5. .
وعن سليمان بن خالد، قال: حضرتُ عِشاءً عند أبي عبد الله في الصيف، فأُتي
بخوان عليه خبز، وأُتي بجَفْنَةِ ثريدٍ ولحم، فقال: هلم إلى هذا الطعام،
فدنوتُ، فوضع يدَه، فرفعها وهو يقول: أستجير بالله من النار، أعوذ بالله من
النار، أعوذ بالله من النار، هذا لا نقوى عليه فكيف النار، هذا لا نطيقه
فكيف النار، هذا لا نصبرُ عليه فكيف النار، قال: فكان يُكرر ذلك حتى أمكن
الطعام أمكن الطعام: أصبح ممكن التناول. فأكل وأكلنا معه وسائل الشيعة:
ج16، ص626، ح3. .
وورد في بعض النصوص المباركة، كراهيةُ النفخ في الطعام والشراب، بل يُتركُ
حتى يبرد لوحده، فلعلَّ النَّفخ يؤدِّي إلى اشمئزاز الغير، إذا كان
موجوداً، أو ما دون ذلك، ويقصد أن يبرد، فلا بأس فيه المصدر نفسه: ص623،
باب 92. .
ولكن هذا كلّهُ لا يعني أن يؤكل الطعامُ بارداً تماماً، بحيث لا يُثيرُ
الشهيةَ، وخاصة في أيام البرد والشتاء، حيث الاستئناسُ بالطعام المحتمَلِ
الحرارةِ، فهناك روايات تشير إلى استحباب أكل الطعامِ، قبل أن تذهب
حرارَتُه بالكلية، وإنَّما المكروه إذا كان شديدَ الحرارة.
فعن جعفر بن محمد بن حكيم، عن مرازم، قال: بعث إلينا أبو عبد الله بطعام
سخن، وقال: «كلوا قبل أن يبرد فإنَّه أطيب» وسائل الشيعة: ج16، ص624، ح1،
باب 93. .
ووردت الكراهية في قطع اللحم على المائدة بالسكين، فعن زيد بن علي عن آبائه
قال: نهى رسول الله أن يُقطَعَ اللحمُ على المائدة بالسكين المصدر نفسه:
ص625، ح3. .
وورد عن الصادق استحبابُ ذرِّ الملح على أول لُقمة يأكلها، ومن فعل ذلك
فإنَّه يستقبل الغنى.
أما رواياتُ استحباب البَدْء بالملح والخَتْم به، فهي أكثرُ من أن تُحصى،
وعبَّر الحرُّ العاملي رضوان الله عليه، في وسائل الشيعة عن هذه الروايات
فوصفها بالكثرة والشهرة والصراحة المصدر نفسه: ص629، ح4. .
وذُكر أيضاً استحبابُ الافتتاح بالخلّ والختم به، أو الابتداء بالملح
والختم بالخل... وورد عن الصادق : إنَّ الخل ليشدُّ العقل وسائل الشيعة:
ج16، ص628، ح1. . ورُوي أنَّ رجلاً كان عند الرِّضا بخراسان فقدِّمت إليه
مائدةٌ عليها خلٌّ وملح، فافتتحَ بالخل، قال الرجل: جُعلتُ فداك، أمرتمونا
أن نفتتح بالملح، فقال : هذا مثلُه، يعني الخل، وأنَّ الخلَّ يشُدُّ
الذِّهنَ، ويزيدُ في العقل المصدر نفسه: ص629، ح2. .
وخلاصةُ ما تقدَّم أنَّه يكره أكلُ الطعام والشراب، إذا كان حاراً جداً،
ويُستحبُ تناوُلُهُ قبل أن تذهب حرارتُه تماماً، كما يكره النفخُ في الطعام
الحار، مع وجود جليسٍ يُشاركُهُ الطعام، وأما إذا كان لوحده وبقصدِ
التبريدِ، فلا بأس به.
أكل الرمان والعنب
اهتمَّ الإسلامُ بأُمورٍ دقيقةٍ، وجعل لها تشريعاً خاصاً بها، لم تخطر على
بال قانوني أو مُشرِّعٍ أو باحثٍ اجتماعي، لا ولا خطرت على بال طبيب. وهذا
يدلُّ على شمولية الإسلام وسعة دائرته، التي لم تُبقِ شاردةً ولا واردةً،
إلاَّ وأحاطت بها في حكم خاصٍ، وجوباً أو حرمةً، أو استحباباً.
فهل يخطر على بالك، يا أخي الكريم، أنَّ الإسلام شرَّع طريقةً خاصة لأكل
العنب والرمان مثلاً،...
فالمستحب أكلُ العنب، حبتين حبتين، لا أكثر ولا أقل، ويُستثنى من هذا
الاستحباب الشيخُ الكبير، والطفلُ الصغير، فيُستحبُ لهما أخذُ العنبِ حبةً
حبة. فقد دخل أبو عكاشة بن محصن على أبي جعفر فقدَّم إليه عنباً، فقال حبة
حبة، يأكل الشيخ الكبير، والطفل الصغير... وكله، حبتين حبتين، فإنَّه يستحب
وسائل الشيعة: ج16، ص630، ح1، باب 97. .
وفي رواية عن الصادق قال: «إذا أكلتم العنبَ فكلوه، حبةً حبةً، فإنَّه أهنأ
وأمرأ» المصدر نفسه: ص630، ح2. .
وهذه الرواية تحمل على التفصيل المتقدم، أو على التخيير لمن أراد ذلك.
ويُستحب أكلُ إحدى وعشرين زبيبةً حمراء، في كل يوم على الريق، فله فوائد
جمة وكثيرة، فقد ورد عن الأمير قولُه: «إحدى وعشرون زبيبة حمراء في كل يوم
على الريق، تدفع جميع الأمراض إلاَّ مرض الموت» المصدر نفسه: ص630، باب 98،
ح2. .
كذلك يُستحب مشاركة الآخرين، عند أكلك للفاكهة، فتُقَطِّعْ وتُناول واحداً
واحداً، باستثناء الرُّمَّان، فالمستحبُ أن تنفرِدَ في أكله، دون أن
يُشاركك الآخرون فيه، لأنَّ فيه حبةً من الجنَّة. إذ ورد عن الباقر
والصَّادق : «ما على وجه الأرض ثمرةٌ كانت أحبَّ إلى رسول الله من
الرُّمَّان، وكان والله إذا أكلها أحبَّ أن لا يَشْرَكَه فيها أحدٌ» وسائل
الشيعة: ج16، ص631، ح1. .
وعن المفضَّل، أنَّه سمع الصادق يقول: «ما من طعام آكُلُهُ إلاَّ وأنا
أشتهي أن أشارك فيه، أو قال: أن يشركني فيه إنسانٌ، إلاَّ الرُّمَّان،
فإنَّه ليس من رمانة إلاَّ وفيها حبة من الجنَّة» المصدر نفسه: ص632، ح3. .
كما يستحب الإقدامُ على استيعاب حباتِ الرمانة كلِّها، بل يُستحب تتبعُ ما
سقط منها، وأكلُهُ. فقد كان أمير المؤمنين ، إذا أكل الرمان، بسط تحته
منديلاً، فيُسأل عن ذلك، فيقول: «إنَّ فيه حباتٍ من الجنَّة، فقيل له:
فإنَّ اليهودي والنصراني ومن سواهم يأكلون، فقال ، إذا كان ذلك بعث الله
إليه ملكاً فانتزعها منه، لئلا يأكلها» المصدر نفسه: ص633، ح1. .
وعن الصادق : «ما من رمانة، إلاَّ وفيها حبةٌ من الجنَّة، فإذا شدَّ منها
شيءٌ فخذوه، أو قال: ما دخلت تلك الحبة معدة امرىءٍ قط إلاَّ أنارتها
أربعين ليلة، ونفت عنه من الشيطان الوسوسة» المصدر نفسه: ص634، ح5. .
ويُستحب أكلُ الرُّمَّان كما الزبيب، على الريق، وخصوصاً يوم الجمعة وليلة
الجمعة، ولذلك فوائد صحيةٌ كثيرة، أشار إلى بعضها شارحُ وسائل الشيعة، وإلى
عظيم علم الأئمَّة وأنَّه لا يُمكن أن يكون عن تجربة، أو استنباطٍ، بل هو
إحاطةٌ منهم بأسرار الكائنات، من خلال مقام الولاية والروح المقدَّس.
فعن هشام بن سالم أنَّه سمع الصادق يقول: «من أكل رمانةً على الريق، أنارت
قلبه أربعين يوماً» وسائل الشيعة: ج16، ص637، ح1. . وعن أبي الحسن الأول
قوله: «من أكل رمانة يوم الجمعة على الريق، نَوَّرت قلبه أربعين صباحاً...
(إلى أن يقول) وطردت عنه وسوسة الشيطان، ومن طُردت عنه وسوسة الشيطان، لم
يُعْصِ الله، ومن لم يعصِ الله دخل الجنَّة» المصدر نفسه: ح2. . وكان
الصادق يأكل الرُّمَّان في كل ليلة جمعة المصدر نفسه: ص638، ح3. .
وخلاصة ما تقدَّم، أنَّه يستحب أكل العنب حبتين حبتين، إلاَّ الشيخ والطفل،
ومن أراد من الآخرين فليأكل حبة حبة، كما يستحب أكل الرمان، وأن يستوفيه
بتمامه، دون أن يشاركه أحدٌ فيه، ولا يُفرِّطَ بأيّ حبةٍ من حبّاته، وأن
يأكله يومَ الجمعة أو ليلتها، وأن يكون على الريق. كذلك يُستحب أكلُ إحدى
وعشرين زبيبة حمراء، في كل يوم وعلى الريق أيضاً.
الخضار على
وتنظيف الأسنان
مَنْ وُفِّقَ لِزِيارة الجمهورية الإسلامية، يُلاحظ عادةً لدى الإيرانيين
بشكل عام، وهي أنَّهم يحرصون على وجود البقول والخضار، بأنواعها على
المائدة، أياً كان صنفُ الطعام الموجود.
وعندما كنت مقيماً في الجمهورية الإسلامية ولسنوات عديدة، طالما تساءلتُ عن
سرّ هذه العادة، التي يندر أن لا تجدها على أي مائدة، وفي أي منطقة، وعند
الغني والفقير... وظننتُ لفترة، أنَّها عاداتٌ قديمةٌ موروثة، ولم يخطر
ببالي قطُّ أنَّها عادةٌ إسلامية. وأخيراً فوجئت أنَّ هذه العادة، هي عادة
إسلامية أشار إليها الأئمَّة ، كما سنرى بعد لحظات.
فالمستحب وجودُ البقول والخضار على المائدة، والأكلُ منها، ويكرهُ
خُلُوُّها عن ذلك، ومن نافلةِ القول الإشارةُ إلى فوائد الخضار الطازجة،
التي تؤكل دون طبخها. فقد روى حنان، قال: كنت مع أبي عبد الله على المائدة،
فمال على البقل، وامتنعتُ أنا منه لعلَّةٍ كانت بي، فالتفتَ إليَّ وقال:
«يا حنان، أما علمتَ أنَّ أمير المؤمنين لم يُؤتَ بطبقٍ إلاَّ وعليه بقل؟
قلتُ: ولمَ؟ قال: لأنَّ قلوب المؤمنين خضرةٌ، فهي تحنُّ إلى شكلها» وسائل
الشيعة: ج16، ص638، ح1. .
ورُوي أنَّ الإمام بعث إلى أحدهم، وأجلسه للغداء، فلما جاؤوا بالمائدة، لم
يكن عليها بقل، فأمسك يده، ثم قال للغلام: «أما علمتَ أنِّي لا آكل على
مائدةٍ ليس فيها خَضْرةٌ، فائتني بالخُضرة، فذهب الغلام وجاء بالبقل،
وألقاه على المائدة، فمدَّ يدَه فأكل» المصدر نفسه: ح2. .
ويُكرهُ أن يأكلَ الإنسانُ زادَه وحده، حيث ورد في وصية النبي لعلي قوله:
«يا علي، لعن الله ثلاثة: آكلَ زاده وحده، وراكب الفلاةِ وحده، والنائِمَ
في بيت وحدَهُ» المصدر نفسه: ص636، ح1. .
وذُكر في رواية طويلة أنَّ منادياً كان يُنادي كلَّ صباح: «من لم يكن
صائماً، فليشهد غداءَ يعقوب، وإذا أمسى نادى: من كان صائماً فليشهد عشاء
يعقوب» وسائل الشيعة: ج16، ص636، ح3. .
ويُستحب مؤكداً تخليلُ الأسنان، أي تنظيفُها بعد الأكل، ويُكره ترك ذلك،
حيث تتخمرُ الأطعمةُ في الفم خاصة أثناء اللَّيل، وتؤثِّر على الأسنان
واللِّثة، ومن خلالها على كل أنحاء الجسم. ورُوي عن رسول الله قولُه: «رحم
الله المتخللين». فقيل: يا رسول الله، وما المتخللون؟ قال: المتخللون من
الطعام، فإنَّه إذا بقي في الفم تغيَّر المصدر نفسه: ص640، ح8. . وعنه
لجعفر بن أبي طالب : «تخلل فإنَّ الخلال يجلبُ الرِّزق» المصدر نفسه: ح9. .
ومن الأُمور الدقيقة جداً التي ذكرتها الشريعةُ المقدَّسة، استحبابُ أكلِ
ما يبقى بين الأسنان، ممَّا يلي اللُّثة أو مُقدَّم الفم، وما يُخرجه
اللِّسان، واستحبابُ رمي ما يُخرجُ بالخلال، أي بالعود، ومن كان في
الأضراس... ولا شك أنَّ هذه اللفتة الدقيقة تستدعي دراستها، وإعطاءَ الرأي
الواضح فيها. فعن الصادق قال: «ما يكون في اللِّثة فكله، وازدَرِدْه، وما
يكون بين الأسنان فارم به» وسائل الشيعة: ج16، ص643، ح1. .
وعن الفضل بن يونس قال: تغدَّى عندي أبو الحسن ، فلما فَرَغَ من الطعام،
أُتي بالخلال، فقلت: جعلتُ فداك، ما حدُّ هذا الخلال؟ فقال : «يا فضل،
كُلُّ ما بقي في فيك ممَّا أدرتَ عليه لسانَك، فكُلْه، وما استكرهتَه
بالخلال، فأنت فيه بالخيار، إن شئت طرحتَه، وإن شئت أكلته» المصدر نفسه:
ص643، ح2. .
وعن إسحاق بن جرير، قال: سألتُ أبا عبد الله عن اللحم الذي يكون في
الأسنان، فقال: «أما ما يكون في مُقدَّم الفم فكُلْه، وأما ما يكون في
الأضراس فاطرحه» المصدر نفسه: ح3. .
وفي نص آخر: «ما أدرتَ عليه لسانك، فأخرجتَه فابلعه، وما أخرَجْتَه بالخلال
فارم به» المصدر نفسه: ص644، ح5. .وخلاصة ما تقدَّم أُمورٌ منها:
أولاً: استحبابُ وضعِ الخضار والبقول على المائدة، وكراهةُ خلو المائدة
منها.
ثانياً: يُكره للإنسان أن يأكل زاده وحده.
ثالثاً وأخيراً: يستحب تخليل الأسنان أي تنظيفها بالعود، ورميُ الطعام إلى
الخارج، إلاَّ ما يُخرجه اللِّسان، أو يبقى بين الأسنان في مقدم الفم، فلا
بأس ببلعه.
التي ذُكر استحبابها
ورد في النصوص المباركة ذكرُ بعض المأكولات الخاصة النافعة، التي يُستحب
تناوُلُها، ومنها الأكلة المعروفة باسم الهريسة، وهي طعام يُعملُ من الحب
المدقوق واللحم، أو هو اللحمُ المطبوخُ بالحنطة، وكان رسول الله يأكل منها.
وروي عنه قوله: «أتاني جبرائيل فأمرني بأكل الهريسة، ليشتدَّ ظهري، وأقوى
بها على عبادة ربِّي».
وقيل إنَّ رسول الله شكا إلى ربّه وجع الظهر، فأمره بأكل الحب مع اللحم
يعني الهريسة.
وعن أمير المؤمنين أنَّه قال: «عليكم بالهريسة، فإنَّها تنشط للعبادة
أربعين يوماً، وهي المائدة التي أنزلت على رسول الله ». وروى الصادق أنَّ
نبياً من الأنبياء شكا إلى الله الضعف وقلَّة الجُماع، فأمره بأكل الهريسة
وسائل الشيعة: ج17، ص13، ح14. وص50، ح5، وح3، وص49، ح1، وح2. .
ويُستحب طبخُ اللبنِ مع اللحم، فإنَّها أكلةٌ معروفة مشهورة منذ قديم
الزمان، على ما يبدو، ولها منافع جمة. فقد ورد عن الصادق قوله: «اللحم
باللبن مَرَقُ الأنبياء» المصدر نفسه: ص40، ح1. . وعن أمير المؤمنين : «إذا
ضعف المسلم فليأكل اللحم باللبن» المصدر نفسه: ح2. .
وجاء عن رسول الله «شكا نبيٌّ قبلي إلى الله الضعف في بدنه، فأوحى الله
إليه أن اطبخ اللحم واللبن يبدو أنَّ المقصود باللبن هو الحليب وليس اللبن
الرائب. ، فإنِّي جعلتُ القوَّة والبركة فيهما» وسائل الشيعة: ج16، ص41،
ح5. .
كما يُستحبُ أكلُ الرؤوس، ففيه الغذاء والمواد المقويَّة للجسم، حيث رُوي
عن أحدهم، وكان عند الصادق ، وذُكرت عنده رؤوس الشياه فقال : «الرأس موضع
الذكاء، وأقرب من المرعى، وأبعد من الأذى» المصدر نفسه: ص49، ح1. .
ويُستحب كذلك أكلُ الكباب، وهي الأكلة المعروفة المشهورة بيننا، وهي أشبه
ما تكون (بالفراكة)، ويُحبُّ البعض أن يُصوِّرها وكأنَّها أكلةٌ لبنانيةٌ
خاصة، والحق يُقال: إنَّها أكلةٌ معروفةٌ منذ زمن بعيد، وكان الأئمَّة
يصفونها لمَنْ كان ضعيفَ الجسم، أو محموماً، أو مريضاً، فقد نقل عن موسى بن
بكر أنَّه قال: اشتكيتُ بالمدينة شكاةً، ضعفتُ منها، فأتيتُ أبا الحسن ،
فقال لي: أراك ضعيفاً، قلتُ: نعم، فقال لي: كُل الكباب، فأكلْتُه فبرئت
وسائل الشيعة: ج16، ص48، ح1. . كما ورد عن الصادق قوله: «الكباب يذهب
بالحمَّى» المصدر نفسه: ح4. .
وفي رواية مفصلةٍ أنَّه لا ينبغي أن يكون الكبابُ مطبوخاً، ويذكر موسى بن
بكر أنَّ أبا الحسن قال لي: ما لي أراك مصفراً، فقلت: وعكٌ أصابني، فقال :
كُل اللحم، فأكلتُه، ثم رآني بعد جمعة وأنا على حالي مصفراً، فقال لي، ألم
آمُرْك بأكل اللحم، فقلتُ: ما أكلتُ غيره منذ أمرتني، قال: كيف تأكله؟
قلتُ: طبيخاً، قال: لا كُلْه كباباً، فأكلتُه، ثم أرسل إليَّ فدعاني بعد
جمعة، فإذا الدم قد عاد في وجهي، فقال: الآن نعم وسائل الشيعة: ج17، ص48،
ح2. .
ومن المستحبات المؤكدة أكلُ العسل، ويكفي ما ذكره الله تعالى في كتابه
الكريم حيث قال: {...يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ} سورة النحل: الآية 69. .
وعن الصادق قال: «ما استشفى الناس بمثل العسل» وسائل الشيعة: ج17، ص73، ح3.
.
وعن علي «العسل فيه شفاء» المصدر نفسه: ص74، ح7. .
وفي معنى ما تقدَّم أحاديثُ كثيرة. فقد رُوي أنَّ رجلاً أتى أمير المؤمنين
وشكا له وجع البطن، فقال : ألك زوجة؟ قال: نعم. قال : استوهب منها شيئاً من
مالها... ثم اشتر به عسلاً، ثم اسكب عليه من ماء السَّماء ثم اشربه، فإنِّي
سمعتُ الله سبحانه يقول في كتابه: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
مُبَارَكًا} سورة ق: الآية 9. وقال: {...يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ
مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} وقال: {فَإِنْ طِبْنَ
لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا ً ïفَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} سورة
النساء: الآية 4. فإذا اجتمعت البركةُ والشِّفاءُ، والهنيء والمريء، شُفيتَ
إن شاء الله تعالى، قال الراوي: ففعل فشُفي وسائل الشيعة: ص75، ح14. .
وخلاصة القول: إنَّ من جملة الأطعمة التي ذُكر استحبابها: الهريسة، والعسل،
والكباب، ورؤوس الشياه...
شرب الحليب
أثبتت الأبحاثُ الطبيَّة، والتجاربُ المخبرية نفعاً عظيماً للحليب، وذلك
راجع لتكونه من عناصر مختلفة، مغذيةٍ وضروريةٍ للإنسان، حيث إنَّه يُشكل
غذاءً وحيداً عند المولود الجديد، وغذاءً ضرورياً، وأساسياً للطفل، لسنوات
عديدة، وهو نافعٍ جداً حتى للبالغين والكهول رجالاً ونساءً. إذ قلَّما تجدُ
مادةً غذائية تحمل ما يحملُه الحليب، كغذاء كامل فيه جميع ما يحتاج إليه
بدنُ الإنسان.
من هنا كانت الروايات الكثيرة التي أكّدت على استحباب تناول الحليب وشربه،
ومنها ما روي عن الصادق : «اللبن طعام المرسلين» وسائل الشيعة: ج17، ص83،
ح3. . والمقصود باللبن هنا، وفيما يأتي من الروايات: الحليب، وأما الذي
نُسميه نحن باللبن، فقد يُطلق عليه في النصوص المباركة أو في لغة العرب
اللبنُ الرائب.
ويُذكرُ أنَّ رسول الله لم يكن يأكلُ طعاماً، ولا يشربُ شراباً إلاَّ وقال:
اللَّهمَّ بارك لنا فيه وأبدلنا به خيراً منه، إلاَّ اللبن، فإنَّه كان
يقول: اللَّهمَّ بارك لنا فيه، وزدنا منه وسائل الشيعة: ج17، ص83، ح1. .
وروى أبو الحسن الأصفهاني، قال: كنتُ عند أبي عبد الله ، فقال له رجلٌ وأنا
أسمع: إنِّي أجد الضعفَ في بدني، فقال : عليك باللبن، فإنَّه يُنبتُ
اللحمَ، ويشدُّ العظم المصدر نفسه: ص84، ح6. .
ولئن دلَّ هذا على شيء فإنَّما يدلُّ على عظيم علم الأئمَّة ، واطلاعهم على
الأسرار الطبيعية والطبية والمخبريَّة من دون معلم، وهذا دليل آخر على
إمامتهم لمن لم يهتدِ بأنوارهم، وإلاَّ، فمن أين له أن يعلم، بهذه الدقة،
دور الحليب في إنبات اللحم، وشدِّ العظم؟
ويبدو أنَّ من جملة الأسرار التي يحملها الأئمَّةُ ، علمهم بأنَّ الحليب لا
يضرُّ أبداً، بخلاف بعض الأطعمة الأُخرى، وهذا ما أُثبت بالطرق الحسية
أيضاً، في هذا الزمان.
ورُوي أيضاً أنَّ رجلاً جاء إلى أبي عبد الله الصادق وقال له: إنِّي أكلتُ
لبناً فضرَّني، فقال له الإمام : «لا والله، ما ضرَّ قط، ولكنَّك أكلتَه مع
غيره، فضرَّك الذي أكلته، فظننت أنَّ ذلك من اللبن» وسائل الشيعة: ج17،
ص83، ح4. .
فعلينا أن نشرب الحليب، بعدما رأينا هذا التأكيد، والحثَّ عليه، من النصوص
المباركة، وبقصد امتثال ما ورد فيها، فلعلَّ فيه الشفاء والنفع والغذاء
والدواء إن شاء الله تبارك اسمه.
إضافة إلى ذلك، ورد عن بعض الأئمَّة : أنَّ من شرب اللبن، وقال: اللَّهمَّ
إنِّي آكُلُه على شهوة رسول الله إيَّاه ، لم يضرَّه المصدر نفسه: ص84، ح7.
. وهذا لمن لا يحبون شرب الحليب فيفعلون ذلك بنية التقرُّب إلى الله وإحياء
سُنَّة رسول الله . وهذه الطريقة هي الأفضل لمن كان من طبعه أن يأنفَ من
شرب الحليب، وأن لا يستسيغه.
ويُذكر أيضاً استحبابُ أكلِ التَّمْرِ والعسَلِ مع الحليب، وكان الأئمَّة
يصفونه لأصحابهم، خاصة لمن تغيَّر عليهم ماءُ الظهر وسائل الشيعة: ج17،
ص85، ح2، وح4. . فقد ورد عن أمير المؤمنين أنَّ ألبان البقر دواء، وفي
رواية أُخرى أنَّها شفاء. وجاء عن رسول الله «عليكم بألبان البقر، فإنَّها
تُخلَطَ من الشجر» المصدر نفسه: ص85، ح3، وح1. .
كذلك ويُوصف لبنُ البقر لبعضِ الأمراضِ المعديَّة، كما لو كانت لا تهضِمُ
الطعام، أو يفسُد فيها ولا تُمْسِكُهُ. وكان جَدُّ إبراهيم بن أبي البلاد،
قد شكى إلى الباقر ذَرَباً في معدته، والذَرَب هو الداء الذي يَعْرِض
للمعدةِ، فلا تَهْضِمُ الطعام، ويَفْسُدُ فيها ولا تَمْسِكُهُ... فقال له
الباقر : ما يمنعُك من شرب ألبان البقر، ثم سأله : أشرِبْتَها قط؟ فلما
ردَّ بالإيجاب وأنَّها نفعته في المعدة والكِلْيتين... عندها قال له : لو
كانت أيامُه، لخرجتُ أنا وأنت يَنْبُعَ حتى نشرَبَهُ المصدر نفسه: ص85، ح2.
.
فالمستحب إذاً هو شربُ الحليب كما مرَّ معنا على نيَّةِ الاقتداء برسول
الله ... وخاصة حليب البقر.
أكل التمر والجبن
والجوز
الجوز طعام يُعطي القوَّةَ والطاقةَ والحرارة، فكانت العادةُ أن نُكثِرَ
الأكلَ منه في الشتاء ونقلِّلَ في الصيف، حذراً من شدَّة الحرارة، حيث ورد
عن أمير المؤمنين قوله: «أكلُ الجوزِ في شدَّةِ الحر، يُهيج الحرَّ في
الجوف، ويُهيجُ القُروحَ على الجسد، وأكله في الشتاء، يُسخِّن الكِلْيتين،
ويدفعُ البرد» وسائل الشيعة: ج17، ص94، ح1. .
وعلى كلِّ الأحوال، يُستحبُ أكلُ الجوزِ مع الجُبنة، فلا يكون هذا لوحده،
ولا هذا لوحده، والظاهر، والله العالم، أنَّ فائدَتَهما في اجتماعهما، وهذا
ما يظهر من قول مولانا الصادق : «الجِبن والجوز، إذا اجتمعا، في كل واحد
منهما شِفاءٌ، وإن افترقا كان في كل واحد منهما داءٌ» المصدر نفسه: ج17،
ص93، ح1. .
ويُستحبُ أكلُ الجُبُنِ بالعَشي، ويُكرهُ أكله عند الصباح، فقد دخل رجلٌ
على أبي عبد الله ، وسأله عن الجُبن، فقال : داءٌ لا دواء فيه، فلما كان
بالعشي، دخل الرجل على أبي عبد الله ، ونظر إلى الجُبن على الخوان، فقال
للإمام. سألتُك بالغداة عن الجُبن، فقلتَ لي، هو الداءُ الذي لا دواء فيه،
والساعة أراه على الخوان!!! فقال : هو ضار بالغداة، نافع بالعشي، ويزيد في
ماء الظهر وسائل الشيعة: ج17، ص92، ح1. .
وبالرغم من استحباب أكلِ السَّمْنِ، وأنَّه ممدوح في الروايات... إلاَّ
أنَّه غير نافعٍ باللَّيل، للشيخ الذي بلغ الخمسين من عمره، وربَّما كان
ذلك لتأثيراته المضرة على الصحة عامة وعلى القلب والدم خاصة، إذ ينتج عنه
ما اصطلح على تسميته في هذه الأيام بالكوليستيرول المصدر نفسه: ص81، باب
53. . فقد رُوي عن الصادق : «إذا بلغ الرجل خمسين سنة، فلا يبيتنَّ وفي
جوفه شيءٌ من السمن» المصدر نفسه: ص82، ح1. .
وجاء في نصوص أُخرى: إنَّه لا يُلايم الشيخ» «وإنِّي لأكرهُهُ للشيخ» وسائل
الشيعة: ج17، ص82، ح2، وح3. ، كما ورد المدح الكثير في أكل العدس، وأنَّ له
آثاراً على صاحبه، حيث روي عن أمير المؤمنين ، «أكل العدس يُرِقُّ القلب،
ويُسرِّعُ الدمعة» المصدر نفسه: ص99، ح1. .
وشكا رجلٌ إلى النبي قساوة القلب، فقال له، عليك بالعدس، فإنَّه يُرِقُّ
القَلبَ، ويُسرِّعُ الدمعة» المصدر نفسه: ص99، ح3. .
ويُستحبُّ أكلُ التمر، واختيارُه على غيره، والابتداءُ به، والخَتْمُ به،
وذلك لأنَّ رسول الله كان يُحب أكل التمر، فقد روى الصادق أنَّه: «ما
قُدِّم إلى رسول الله طعامٌ فيه تمر، إلاَّ بدأ بالتمر» المصدر نفسه: ص103،
ح4. .
وكان عليُّ بن الحسين يُحب أن يرى الرجل تَمرياً المصدر نفسه: ص102، ح1. .
وكذلك كان رسول الله فقد قال مرة لعلي: يا علي إنَّه ليعجبني الرجلُ أن
يكون تمرياً، وعمَّن رأى أمير المؤمنين ، أنَّه كان يأكُلُ الخبزَ بالتمر
المصدر نفسه: ص104، ح5، وح8، وح9. .
وفي حديث مرفوع، أنَّ مَنْ أكل التمرَ على شهوة رسول الله إيَّاه، لم
يضرَّه وسائل الشيعة: ج17، ص104، ح11. .
وفي رواية جميلة، عن سليمان بن جعفر الجعفري، قال دخلتُ على أبي الحسن
الرِّضا وبين يديه تمر بَرْني، وهو مُجِدُّ في أكله، يأكله بشهوة ، فقال
لي: «يا سليمان ادن، فكُلْ، فدنوتُ منه، فأكلتُ معه، وأنا أقول له: جعلتُ
فداك إنِّي أراك تأكل هذا التمرَ بشهوة، فقال: نعم إنِّي لأحبُّه، فقلتُ
ولم؟ قال: لأنَّ رسول الله كان تمرياً، وكان أمير المؤمنين تمرياً، وكان
الحسن تمرياً، وكان أبو عبد الله تمرياً، وكان سيِّد العابدين تمرياً، وكان
أبو جعفر تمرياً، وكان أبو عبد الله تمرياً، وكان أبي تمرياً، وأنا تمري،
وشيعتنا يحبون التمر، لأنَّهم خُلقوا من طينتنا، وأعداؤنا يا سليمان يحبون
المسكر، لأنَّهم خُلقوا من مارج من نار» المصدر نفسه: ص105، ح3. .
ويُذكَر استحباب أكلِ التمر على الريق، وقبل النوم أيضاً... وكنتُ قد سمعتُ
من بعض أهل الاختصاص أنَّ ذلك ينفع لتنشيط الذهن، وراحة المعدة، وإعطاءِ
القوَّة، وراحة الأعصاب.
ومن فوائد التمر الكثيرة أنَّه: يُطيِّبُ المعدة، ويَهْضِمُ الطعام، ويزيد
في السَّمْع، والبصر، ويُقوِّي الظهرَ، ويُقرب من الله، ويُباعد من الشيطان
وسائل الشيعة: ج17، ص106، ح6. .
وخلاصةُ ما تقدَّم: اسْتِحْبَابُ أكْلِ الجُبن مع الجوز، وَكَراهيةُ أنْ
يَبِيتَ مَنْ تَعَدَّى الخمسين، وفي جوفه السمن... وأما استحبابُ التمرِ
وأكلِه، فلا يكاد يُحْصى... ويكفي أنَّ الرسول والأئمَّة كانوا تمريين.
حول العنب والتفاح وكراهة تقشير الفاكهة
يحرص الإسلام على النظافة التامة، التي تؤمِّن السلامة للفرد والمجتمع، وفي
هذا الإطار ورد استحبابُ غسلِ الفاكهةِ قبل أكلِها، وكراهةُ تقشير الفاكهة
لما في القشرة من غذاء لا يُستهان به، وإن غَفَلَ الناسُ عن ذلك، عندما
حاوَلوا أن يُقَلِّدوا المترفين في أكلهم للفاكهة.
وقد أشارت بعض الدراسات مؤخراً، إلى أنَّ نسبة كبيرةً من الفيتامينات تكمن
في قشور الفاكهة، كالتفاح مثلاً. وقد ورد عن الصادق قوله: «إنَّ لكل ثمرةٍ
سُمّاً، فإذا أوتيتم بها، فأمِسّوها الماء، واغمِسوها في الماء، يعني
اغسلوها» وسائل الشيعة: ج17، ص115، ح1. . وعن ابن القداح، أنَّ الصادق كان
يكره تقشير الثمرة المصدر نفسه: ح2. .
وورد عن الأئمَّة أنَّهم كانوا يأكلون العنب، ويشترونه، ويقدِّمونه للضيف،
وما يستوقِفُنا هنا، أنَّ العنب ينفع لذهاب الغم، وخاصة العنب الأسود،
والله أعلم بأسرار ذلك، وعلى الأطباء والاختصاصيين أن يدرسوا العناصر التي
يتكوَّن منها العنب، وتأثيرها على الخلايا في الدماغ، أو على الأعصاب، أو
غيرها من الأعضاء، والأماكن التي تتأثر بالغم والهم والحزن.
ويُذكر أنَّ نبياً من أنبياء الله عزَّ وجلَّ شكا الغمَّ، فأمره الله تبارك
وتعالى بأكل العنب وسائل الشيعة: ج17، ص117، ح1. .
وجاء عن الصادق أنَّه لما حسر الماء عن عظام الموتى، فرأى ذلك نوحٌ،
فجَزِعَ جَزَعاً شديداً، واغتمَّ لذلك،... فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليه أن،
كُلِ العنبَ الأسود، ليذْهَبَ بغمِّكَ المصدر نفسه: ح2. .
وكنَّا قد ذكرنا سابقاً استحباب أكلِ الزبيب على الريق... بل يستحبُ أكلُهُ
مطلقاً، ومن فوائده التي نُصَّ عليها: أنَّه يشدُّ العصب، ويذهبُ بالنَّصب،
ويذهب بالإعياء، ويُحسِّنُ الخُلُق المصدر نفسه: ص118. ... وربَّما تكون
هذه الأخيرةُ نتيجةً لما ورد أنه يشدّ العصب ويقويه، فتذهب أسبابُ الغضبِ
والحِدَّةِ فتتحسنُ الأخلاق.
ولقد ورد استحبابُ أكلِ التفاح، وأنَّه نافع لكثير من العوارض الجسدية
والنفسية، ومن آدابه أن يُشمَّ قبل أكله وسائل الشيعة: ج17، ص125، ح5. . بل
وورد التداوي بالتفاح، ولا بأس بدراسة كلِّ ظاهرة على حدة، فهو نافع لمن
كان يرعُفُ أي يسيل الدم من أنفه، فقد دخل زياد القندي المدينة ومعه أخوه
سيف، فأصاب الناسَ رُعاف، وكان الرجل إذا رَعَفَ يومين مات، فرجع زياد إلى
المنزل فإذا بأخيه سيف يرعف رُعافاً شديداً، فدخل على أبي الحسن فقال له:
يا زياد أطعم سيفاً التفاح، فأطعَمَهُ فبرِىء من مرضه المصدر نفسه: ص126،
ح2. .
وكان الصادق يصف التفاح لمن أصابته الحمَّى المصدر نفسه: ح3. ، وكان قد
وُعِكَ في ليلةٍ، فأكل التفاح الأخضر للتداوي، ممَّا أثار استغراب أحدِ
صحابته، من أنَّ الناس تكره أكلَ التفاح الأخضر، فأكد له أنَّه نافع لعدَّة
أمراض المصدر نفسه: ح1. . وقال مرَّةً: «لو يعلمُ الناسُ ما في التفاح، ما
داووا مرضاهُم إلاَّ به» وسائل الشيعة: ج17، ص127، ح4. .
وخلاصة ما مرَّ معنا: استحبابُ أكلِ التفاح، خاصة للتداوي، والعنب والزبيب،
وكراهة تقشير الفاكهة واستحبابُ غسْلِها قبْلَ أكلِها.
السفرجل
والباذنجان وغيرهما
الحمد لله الذي جعل لكل داء دواءً، وبعد.
السَّفَرجَل نوع من أنواع الفاكهة، التي قليلاً ما نأكلها نيَّئةً طازجة
وقد اعتدنا على أكلها بعد طبخها مع السكر وصيرورتها مربى. ولكن، من يطَّلع
على فوائد السفرجل، خاصة المعنوية منها، يتمنى لو وُجد بين يديه الآن منها،
حتى لا يُوفِّرَه، فيأكُلَه.
فمِنْ آثاره البارزة أنَّه: يُشجِّع الجبان، ويقوِّي القلب، ويذكِّي
الفؤاد، ويُصفِّي اللون، ويُحسِّنُ الولد، ويَذْهب بهمِّ الحزين، ويزيدُ في
العقل والحكمة، والمروءة، وينفعُ المِعدة. حيث رُوي عن رسول الله أنَّه قال
لجعفر: «يا جعفر كُل السفرجل، فإنَّه يُقوِّي القلب، ويُشجِّع الجبان»
وسائل الشيعة: ج17، ص129، ح3. .
وكان جعفر بنُ أبي طالب عند النبي ، عندما أُهدي إليه سفرجلٌ، فقطع منه
قطعةً وناولها جعفراً، فأبى أن يأكلها، فقال : خذها وكُلْها، فإنَّها
تُذكِّي القلب، وتُشجِّع الجبان، وفي رواية أُخرى: إنَّه يُصفِّي اللون
ويُحسِّن الولد وسائل الشيعة: ج17، ص129، ح5. .
وعن الصادق : «ما بعث الله عزَّ وجلَّ نبياً إلاَّ ومعه السفرجل» المصدر
نفسه: ح7. .
وعنه : «السفرجل يذهب بهمِّ الحزين، كما تذهب اليدُ بعرق الجبين»، وكان
الرسول يُحبُّها حباً شديداً المصدر نفسه: ص130، ح8، وح9. .
ويُستحب أكلُ السفرجل على الريق، وكان عليٌّ قد دخل على رسول الله يوماً
وفي يده سفرجلة، فجعل يأكُلُ ويُطعمُه، ويقول: كُل يا علي فإنَّها هديةُ
الجبَّارِ إليَّ وإليك، فقال علي : فوجدتُ فيها كلَّ لذةٍ... ثم قال له
الرسول : «يا علي من أكل السفرجل ثلاثة أيام على الريق، صفا ذِهْنُه،
وامتلأ جوفُه حلماً وعلماً، ووُقي من كيد إبليس وجنودِه المصدر نفسه: ص132،
ح1. .
ولا بأس بأكل البطيخ، ولكن لا يكونُ ذلك على الريق، فإنَّه يورث الفالجَ،
ولذلك وردت كراهةُ أكلِهِ على الريق. فعن الرِّضا : «البطيخ على الريق،
يورث الفالج، نعوذ بالله منه» وسائل الشيعة: ج17، ص138، ح5. ، ولا بأس بأكل
البطيخ مع الرُّطب الرّطب: البلح. والتمر والسكر، وهو فاكهةٌ وريحانُ،
ويزيد في الباه، ويغسل المثانة، ويدرُّ البولَ، ويُذهبُ الحصى من المثانة.
كذلك يستحب أكلُ الهِنْدِباء بل الإدمانُ عليها، والإكثارُ منها، فإنَّها
سيِّدُ البَقُول، وورد عن الصادق : «أنَّ فضلها على البقول، كفضلنا على
الناس» وسائل الشيعة: ج17، ص141، ح3. . وعن أبي جعفر : «الهندباء شجرة على
باب الجنَّة» المصدر نفسه: ص142، ح5. . وعن النبي : «كأنّي أنظر إلى
الهندباء، تهتزّ في الجنة» المصدر نفسه: ح7.
وورد أنَّ الإدمان عليها يُكثرُ المالَ والولد، ويُحسنُ الوجه.
وأما الباذنجان فهو جيدٌ في كلِّ الأحوال، ونافعٌ للشيخ والشباب، وهذا من
ميزاته، فهو معتدلٌ في حرارته وبرودته، حسَبَ مصطلحاتِ أهلِ الطبّ القديم،
حيث ورد في رواية مباركة: «استكثروا من الباذنجان، فإنَّه حار في وقت
الحرارة، باردٌ في وقت البرودة، معتدل في الأوقات كلِّها، جيد على كلِّ
حال» وسائل الشيعة: ج17، ص166، ح2. .
وأما البصل فليس مكروهاً، بل فيه فوائدُ جمَّة، ولكن يُكره لِمَنْ أكلَهُ
أن يدخل المسجدَ، لرائحته، ومن ميزاته أنَّه يُستحب أكله عند دخول البلد
لقاصدها، فإنَّه يطردُ عنه وباءَها المصدر نفسه: ص169، ح1. .
وخلاصة ما مرَّ معنا: استحبابُ أكلِ السفرجل خاصة على الريق. ولا بأس بأكل
البطيخ ولا يكون على الريق.
واستحبابُ أكلِ
الهندباء والباذنجان والبصل.
شرب الماء
الحمد لله الذي سقانا عذباً زُلالاً، ولم يسقنا مالحاً أُجاجاً، ولم
يؤاخذنا بذنوبنا، فمَنْ منَّا يستطيعُ أن يعيش دون شربِ الماء، وقد قال
الله عزَّ وجلَّ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} سورة
الأنبياء: الآية 30. .
ولسنا بحاجة إلى بسطِ الكلام حولَ أهميةِ الماء للإنسان، ولكل حي، وحتى
النبات، ولكنَّا نشيرُ إلى ما ورد في شأنه من آدابٍ ومستحبات.
فعن أمير المؤمنين قال: «الماء سيِّد الشراب في الدُّنيا والآخرة» وسائل
الشيعة: ج17، ص187، ح5. .
وسأل رجلٌ أبا عبد الله عن طَعْم الماء، فقال: «سل تفقُّهاً، ولا تسأل
تعنُّتاً، طَعْمُ الماء، طَعْمُ الحياة» وسائل الشيعة: ج17، ص187، ح6. .
ومن حقّ الإنسان أن يشرب الماء تلذذاً ورغبةً، خاصة بعد أكل الحلوى أو عند
العطش. حيث ورد عن الصادق قوله: «من تلذَّذ بالماء في الدُّنيا، لذَّذه
الله من أشربة الجنَّة» المصدر نفسه: ح2. . وجاء عن أبي الحسن : «إنِّي
أُكثِرُ شُرْبَ الماء تلذذاً» المصدر نفسه: ص188، ح3. .
وكان رجل عند الصادق حيث دعا بتمر فأكل، وأقبل يشربُ عليه الماء، فقال له
الرجل: «جعلتُ فداك، لو أمسكتَ عن الماء»؟ فقال : «إنَّما آكُلُ التمر
لأسْتَطْيب عليه الماء» المصدر نفسه: ص189، ح1. .
وقال أهلُ التجربةِ والاختصاص مؤخراً، بكراهية شرب الماء، والإكثارِ مِنه،
بعد أكلِ الدسِمِ من الطعام. وكان رسولُ الله إذا أكل الدسِمَ، أقلَّ
شُرْبَ الماءِ، فقيل له: يا رسول الله إنَّك لتُقِلُّ شربَ الماء، قال: «هو
أمرأُ طعامي» المصدر نفسه: ص190، ح6. .
وفي حديث مرفوع «شُرْبُ الماء على إثر الدسم، يُهيج الداء» وسائل الشيعة:
ج17، ص190، ح7. .
وذُكر استحبابُ شربِ الماء من قيامٍ نهاراً، وكراهتُه ليلاً،كما ذُكر
استحبابُ أن يقول المرءُ إذا شرب الماءَ في اللَّيل: «يا ماءُ عليك السلام
من ماءِ زمزم، وماءِ الفرات، فإذا قال لم يَضُرَّهُ شربُ الماءِ باللَّيل»
المصدر نفسه: ص191، ح2. .
ومن الأُمور التي اعتدْنا عليها، وعرَفْناها في مجتمعنا، استحبابُ التسمية
باسم الله المبارك قبل الشرب، والتحميدِ بعدَه، والدُّعاءِ بالمأثور. وهذه
ميزةٌ تُميزُ المسلمين عن غيرهم، فالحمد لله الذي فضّلنا عليهم بالإسلام.
وعن الصادق : «إذا شرب أحدُكم الماءَ، فقال: بسم الله، ثم قطعه، فقال:
الحمد لله، ثم شرب فقال: بسم الله، ثم قطعه فقال: الحمد لله، ثم شرب فقال:
بسم الله، ثم قطعه، فقال: الحمد لله، سبَّح ذلك الماء له، ما دام في بطنه
إلى أن يخرج» المصدر نفسه: ص199، ح4. .
وعنه : «إذا أردت أن تشربَ الماء باللَّيل، فحرِّك الإناء، وقل: يا ماء،
ماءُ زمزم وماءُ الفرات يُقرئانِكَ السلام» وسائل الشيعة: ج17، ص199، ح5. .
وعن الأمير : «مَنْ ذكر اسمَ الله على طعامٍ أو شرابٍ في أوَّله، وحمد الله
في آخره، لم يُسْأل عن نعيم ذلك الطعامِ أبداً» المصدر نفسه: ص200، ح8. .
وعن رسول الله : «الطاعم الشاكر، أفضل من الصائم الصامت»، وعنه : «إنَّ
المؤمن ليشبع من الطعام والشراب، فيَحْمَدُ الله، فيُعطيه الله من الأجر ما
لا يُعطي الصائمَ، إنَّ الله شاكرٌ عليمٌ يُحبُّ أن يُحمد» المصدر نفسه:
ح9، وح10. .
وخلاصة ما تقدَّم: أنَّ المستحبَ هو شربُ الماءِ، من قيام نهاراً، ومن
جلوسٍ ليلاً، وعدمُ الإكثارِ منه مع الطعام الدسم، والتسميةُ في أوَّله،
والحمدُ في آخره.
سقيِ المؤمنين الماء
الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً، ولم يجعله مالحاً أُجاجاً.
يُستحب سقيُ المؤمنين الماءَ، وهذا من الآداب والأخلاق الحسنة، التي ينبغي
أن يؤكَّدَ عليها في مجتمعاتنا. فالماء ضروري لكل كائنٍ حي، ويرغب فيه
الناسُ، خاصةً في حالات العطش والتعب والازدحام، والاجتماعات الطويلة
والرحلات المضنية،... ولا يستطيع أيُّ إنسانٍ أن يتخلى عن شرب الماء لمدة
طويلة.
وهذا الاستحبابُ، استحبابُ سقي المؤمنين، منتشرٌ بحمد الله تعالى في العديد
من الحواضر والمدنِ الإسلامية، ومن السهل أن ترى ذلك في الأماكن العامة، في
كل من مصر ودمشق وإيران، وغيرها من البلدان والقرى الإسلامية، بل انتشرت
فكرةُ «السبيل»، والتي هي عبارةٌ عن مكان صغير يكون عادةً على قارعة الطريق
الرئيسي، وينبعُ منه الماء أو تُنصبُ عندَه حنفيةٌ، تروي ظمأ العابرين،
قربةً إلى الله تعالى، أو تكون وقفاً عن روح أحد الموتى.
وفي إيران تُنصبُ براميلُ صغيرةٌ خاصةٌ لشرب الماء أو خزاناتٌ صغيرةٌ يتدلى
منها فنجانٌ أو كوبٌ، ومن النادر أن لا ترى ذلك في قرية أو مدينة إيرانية.
وفي ليالي الجمعة المباركة، حيث يجتمع الناس لقراءة دعاء كميل، وفي صلاة
الجمعة حيث يجتمع مئاتُ الآلاف من المصلين، تُلاحظ شخصاً يدور على الجميع
عارضاً عليهم شرب الماء. ونرى ما يُشبه ذلك، في شوارع مكة، وبلادِ الحجاز،
وأفغانستان، ومصر ودمشق،... بينما لا نرى ذلك في أفضل وأرقى الساحات
والشوارع الغربية، في أمريكا وأوروبا.
ولا نقول إلاَّ: الحمد لله الذي فضّلنا عليهم بالإسلام.
رُوي عن الباقر قوله: «ومن سقى مؤمناً من ظمإٍ، سقاه الله من الرحيق
المختوم» وسائل الشيعة: ج17، ص200، ح1. .
وعن رسول الله أنَّه قال: «من أطعم مؤمناً من جوع، أطعمه الله من ثمار
الجنَّة، ومن كساه من عُريٍ، كساه الله من استبرقٍ وحرير، ومن سقاه شربةً
من عطش، سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن أعانه أو كشف كربَته، أظلّه الله
في ظل عرشه، يوم لا ظلّ إلاَّ ظلّه» وسائل الشيعة: ج17، ص200، ح3. .
وعنه : «من سقى مؤمناً شربة من ماء، من حيث يقدرُ على الماء، أعطاه الله
بكل شربةٍ سبعينَ ألفَ حسنة، وإن سقاه من حيث لا يقدرُ على الماء، فكأنَّما
أعتق عشرَ رقابٍ من ولد إسماعيل» المصدر نفسه: ص201، ح2. .
ويُلاحظُ أنَّ الجمهورية الإسلامية قامت بوضع عدد كبير من خزَّانات المياه
الصالحة للشرب في مدينة بيروت إحياءً للسُّنن الإسلامية المباركة ويشرب
منها يومياً عشرات الآلاف، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنَّا لنهتدي
لولا أن هدانا الله.
كذلك يُستحب الشربُ بالأيدي وليس بالأفواه، كما ورد في بعض النصوص، ومنها،
أنَّ النبي مرَّ بقومٍ يشربون الماء بأفواههم، في غزوة تبوك، فقال :
«اشربوا في أيديكم، فإنَّها من خير آنِيَتِكُمْ» المصدر نفسه: ص205، ح1. .
كما يُستحب الشربُ من سؤر المؤمن تبركاً، أي شربُ ما تبقى من القَدَحِ أو
الإناءِ على أثرِ شُربه، وفي هذا ما رُوي عن الصادق من أنَّه قال: «في سؤر
المؤمن شفاء من سبعين داء» وسائل الشيعة: ج17، ص208، ح1. . وفي حديث مرفوع:
«مَنْ شرب سؤرَ المؤمِن تبركاً به، خلق الله بينهما مَلَكاً يستغفر لهما،
حتى تقوم الساعةُ» المصدر نفسه: ح2. .
والخلاصة هي: استحبابُ سقي المؤمنين الماءَ، حيث يوجد الماءُ، وحيثُ لا
يوجد، واستحبابُ الشربِ بالأيدي، واستحبابُ الشرب من سؤر المؤمن.
ماء زمزم وماء
الفرات
تقدَّم أنَّ الماء ضروري لكل حي، ولكن هناك بعضُ أنواعِ المياهِ التي خلقها
الله تبارك وتعالى، والتي لها خاصيةٌ معينة تُميزُها عن غيرها مادياً،
وربَّما معنوياً، كأنْ يكونَ لها ارتباطُ بمناسبةٍ معينةٍ أو مكانٍ معين،
وكمثالٍ على ذلك: ماءُ زمزم وماءُ ميزابِ الكعبة الشريفة، وماء الفرات.
فقد ورد الاستحبابُ في الشرب من ماء زمزم، والاستشفاء به من كل داء، وذلك
بحَسَبِ نيةِ الشارب... ولذلك نلاحظُ أنَّ حجَّاج بيتِ الله الحرام يحرصون
على جلبِ ماء زمزم معهم، وتقديمهم إلى الزوار والمهنئين، وهم يتفاخرون
بذلك.
بل لقد رأينا بعضَ العائلات الإسلامية الكريمة تحتفظ دوماً بشيء قليلٍ من
ماء زمزم، للتبرك به في بعض المناسبات، أو للاستشفاء أو لرشه على الكفن،
وإن لم نجد لهذا الأمرِ الأخير مستنداً شرعياً، من قولِ أو عملِ معصوم،
ويُمكن أن يُقال: إنَّه لا ضير في ذلك. فماءُ زمزم، ماءٌ مباركٌ، لا شك في
ذلك، وكان هدفاً دائماً لحجاج وزوارِ بيت الله الحرام، يشربون ويتبركون
ويغتسلون به، حتى ورد في بعضِ النصوص المباركة استحبابُ التَملِّي منه، أي
الإكثارِ من الشرب منه إلى درجة كبيرة، وبقصد الشِفاء من المرض، حيث ورد عن
رسول الله قوله: «ماء زمزم دواء ممَّا شرب له» وسائل الشيعة: ج17، ص206،
ح2. .
وجاء عن الصادق قوله: «ماء زمزم شفاء من كل داء»، وعنه «ماء زمزم خيرُ ماءٍ
على وجه الأرض...» المصدر نفسه: ح3، وح1. ، وعنه أيضاً: «تفجرت العيونُ من
تحت الكعبة» المصدر نفسه: ص207، ح4. .
ومن الأُمور اللطيفة والمستحبة في هذا الباب، استحبابُ إهداءِ ماء زمزم،
وهذا ما يفعله بعضُ حُجَّاجِنا الكرام، تقبّل الله أعمالهم، حيث يأتون
بكميةٍ زائدةٍ من هذه المياه المقدَّسة، ويَهَبُونَها للأحباب والأصحاب،
الذين لم يُوَفَّقُوا للحجِ حتى لا يُحرموا من هذا الأجر الجزيل، والنعمة
الكبيرة،... نسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لفعل الخيرات.
وقد ورد عن الإمام الصادق «أنَّ النبي كان يستهدي ماءَ زمزم، وهو بالمدينة»
وسائل الشيعة: ج17، ص207، ح6. .
هذا بالنسبة لماء زمزم. أما بالنسبة لماء الميزاب، أي الماءُ النازلُ من
ميزاب الكعبة، عند هطول المطر، فيُستحب شربهُ، والاستشفاءُ والتبرك به، كما
ورد في الروايات المأثورة.
حدَّث رجلٌ من المؤمنين، أنَّ أخاً من إخوانه بمكة، اشتكى من المرض حتى كاد
يموت، ثم تابع قائلاً: فلقينا أبا عبد الله الصادق في الطريق، فسألنا عن
الرجل المريض، فقلنا له: تركناه يُشرف على الموت، فقال : أما لو كنتُ
مكانكم لسقَيْتُه من ماء الميزاب، فطلبناه عند كل أحد، فلم نجده، فبينما
نحن كذلك، إذ ارتفعتْ سحابةٌ، ثم أرعدتْ وأبرقتْ وأمطرتْ، فجئتُ إلى بعض
مَنْ في المسجد، وأعطيتُه درهماً، وأخذتُ قِدحه، ثم أخذتُ من ماء الميزاب،
فأتيتُه به، فسقيتُه منه، فلم أبرحْ من عنده حتى شرب الماءَ وبرِىءَ المصدر
نفسه: ص207، ح1 (بتصرف). .
ومن خلال هذا النص نعلم أنَّ الناس كانوا يختزنون قليلاً من ماء الميزاب في
بيوتهم، لوقت الحاجة، فلا بأس أن نفعل نحن ذلك أيضاً.
أما ماءُ الفرات، فيُستحب أيضاً شربُه والاستشفاءُ به كما يستحب أيضاً
تحنيكُ الأولاد به عند الولادة،... وفي هذا جملة من الروايات لا تحتاج إلى
تعليق، ولكن مع كثير من التأمُّل في مداليلها.
فعن الصادق قال: «ما أخالُ أحداً يُحنَّك بماء الفرات إلاَّ أحَبَّنا أهْلَ
البيت» وسائل الشيعة: ج17، ص211، ح1. . وعن الأمير قال: «نهركم هذا، يعني
الفرات، يَصُبُّ فيه ميزابان من ميازيب الجنَّة» المصدر نفسه: ح3. .
وعن الصادق أنَّه قال: «لو كان بيننا وبينه أميالٌ لأتيناه، فنستشفي به»
المصدر نفسه. . وعنه أنَّه سأل رجلاً: كم بينكم وبين الفرات؟ فأخبره، فقال
«لو كان عندنا لأحببتُ أن آتيه طَرَفَي النهار» المصدر نفسه: ص212، ح4. .
وعن الأمير قال: «أما إنَّ أهلَ الكوفةِ، لو حنَّكوا أولادهم بماء الفرات،
لكانوا شيعة لنا» وسائل الشيعة: ج17، ص212، ح5. .
وعن سعيد بن جبير قال: سمعتُ عليَّ بن الحسين يقول: «إنَّ ملكاً من
السَّماء يهبط في كل ليلة، معه ثلاثةُ مثاقيل مِسكاً، من مسك الجنَّة،
فيطرَحُها في الفرات، وما من نهر في شرق الأرض ولا غربها، أعظمُ بركةً منه»
المصدر نفسه: ص212، ح6. .
فخلاصة ما تقدَّم إذاً: استحبابُ شربِ ماءِ زمزم، وماء الميزاب، وماء
الفرات، والتبركِ والاستشفاء بها، ويُستحبُ إهداءُ ماءِ زمزم، وتحنيكُ
الأولاد بماء الفرات.
شرب ماء المطر
يُستحب للذي يُقدِّمُ الماءَ للقوم أن يشرب أخيراً، بعد الانتهاء من تضييفه
أو تقديمه الماء. فقد رُوي عن رسول الله قوله: «ليشرب ساقي القوم، آخرَهم»
وسائل الشيعة: ج17، ص209، ح2. .
ويجوز الشربُ بالشِّمال، أي باليد اليُسرى، وهذا ليس حراماً، وإن كان
المستحب الشربَ باليمين، حيث ورد أنَّ الصادق كره أن يأكل الرجلُ بشماله،
أو يشربَ بها، أو يتناول بها المصدر نفسه: ص214، ح1. .
كذلك يُستحب شربُ ماء السَّماء، أو ماء المطر، ويُكره شربُ ماءِ البَرَد،
أي الذائب من البَرَد، فقد روي عن رسول الله قولُه: «قال الله عزَّ وجلَّ:
{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} سورة ق: الآية 9. ، قال:
ليس من ماء في الأرض إلاَّ وقد خالطه ماءُ السَّماء» وسائل الشيعة: ج17،
ص210، ح1. .
ورُوي عن أمير المؤمنين قولُه:«اشربوا ماءَ السَّماء، فإنَّه يُطهرُ
البدنَ، ويدفعُ الأسقام، قال الله تبارك وتعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ
الشَّيْطَانِ ً ïوَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ً ïوَيُثَبِّتَ بِهِ
الأَقْدَامَ} المصدر نفسه: ح2. والآية 11 من سورة الأنفال. .
وجاء عن الصادق قوله: «البَرَد لا يؤكلُ، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول:
{يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ} المصدر نفسه: ص211، ح3 والآية 43 من سورة
النُّور. .
هذا وورد، بشكل خاص، استحبابُ قراءة الحمد والإخلاصِ والمعوذتين سبعين
مرَّة، على ماء السَّماء، قبل وصوله إلى الأرض، وشربِه للاستشفاء به. حيث
ذُكر عن رسول الله أنَّه قال: علَّمني جبرائيلُ دواءً لا أحتاجُ معه إلى
دواء، فقيل: يا رسول الله، وما ذلك الدواء؟ قال: يؤخذُ ماء المطر قبل أن
ينزل إلى الأرض، ثم يُجعلُ في إناء نظيف، ويُقرأ عليه الحمدُ إلى آخرها،
سبعين مرَّة، وقل هو الله أحد، والمعوذتين سبعين مرَّة، ثم يَشربُ منه
قَدَحاً بالغداة، وقدحاً بالعشي، ثم قال رسول الله : فوالذي بعثني بالحق،
لينزعنَّ الله بذلك، الداءَ من بدنه وعظامِه ومخه وعروقه وسائل الشيعة:
ج17، ص210، ح1. .
وورد في بعض الروايات استحبابُ شربِ ماءِ النيل. واستحباب اختيار الماء
البارد العذب النظيف للشرب، ولا بأس بإضافة شيء حلوٍ إليه، ومن المعروف في
بعض المناطق اللبنانية إضافةُ ماءِ الزهر، أو ماءِ الورد إليه. وَقِيل
لرسول الله : يا رسول الله، أيُّ الشراب أحبُّ إليك؟ قال: الحلو البارد.
وعنه : «المؤمن عذب، يُحبُّ العذوبة، والمؤمن حلو، يُحبُّ الحلاوة» المصدر
نفسه: ص218، ح2. .
كذلك يُستحب التواضع لله تعالى، بترك الأشربة اللذيذة، تهذيباً وتأديباً
للنفس، في حضرة الخالق المراقب العليم السميع جلَّ وعلا. وهذا ما فعله رسول
الله فيما نُقل عنه من دون تحريمه، إلاَّ أنَّه قال مُعلِّقاً: لا أشربهُ
ولا أحرِّمُه، ولكنّي أتواضعُ لله، فإنَّ مَن تواضع لله رفعه الله، ومن
تكبَّر خفضه الله، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله، ومن بذّر حرمه الله، ومن
أكثر ذكر الموت، أحبَّه الله وسائل الشيعة: ج17، ص217، ح1، باب 29. .
وعلَّق مصححُ وسائل الشيعة على ذلك بقوله: إنَّ كلَّ مَنْ توجه لغير مولاه
في حضرة مولاه، وتلذّذ بصحبة غيره، واشتغل بالنظر إليه، فهو تاركٌ للأدب
قطعاً، حتى أنَّ النساء تأخُذُهُنَّ الغَيْرةُ، إذا اشتَغَلْتَ في حضُورهن
بعمل يصرفك عنهن، أو ذكرت عندهن غيرهن بجمال وخير، وهل ذلك إلاَّ لترك
التواضع لهن المصدر نفسه: ص217 (بتصرف). .
فنعوذ بالله تعالى عن الاشتغال بغيره عنه، ونُعيذُ النساءَ عن الغيرة
والفتنة.
وبذلك يكون قد تقدَّم معنا: استحبابُ شربِ ماءِ السَّماء مطلقاً، وهناك
آداب لذلك. واستحبابُ شربِ الماءِ الباردِ النظيف، كما يستحب التواضع لله
بترك بعض الأشربة اللذيذة. وأن يشرب ساقي القوم آخرهم.
في بعض آداب المجلس
آداب المجالس
ما أجمل المؤمن الذي يبقى دائماً، وفي كل حالاته ذاكراً لله عزَّ وجلَّ،
فيكون مطمئنَ الحال، هادىءَ البال.
ومن جملة الذكر العملي للمرء، ما ذُكر من استحباب الجلوس تجاهَ القبلة، وهو
أشرفُ المجالسِ وأسناها. فالمسلمُ الذي يتجهُ في كل يومٍ، عدَّة مرَّاتٍ،
إلى الكعبة الشريفة عند صلاته، يُريدُ أيضاً، إن استطاع، أن يكون مكتبُه أو
كرسيُّه أو مجلسه إلى القبلة أيضاً. وهذا ما ينبغي الحرصُ عليه مع تيسره،
وعدم وجود موانع أُخرى لذلك. فقد رُوي عن رسول الله قوله: «إنَّ لكلّ شيءٍ
شرفاً، وإنَّ أشرف المجالس ما استُقبل به القبلة» ميزان الحكمة: ح2361. .
وعن الصَّادق أنَّه قال: «كان رسول الله أكثر ما يجلس تجاهَ القبلة» ميزان
الحكمة: ح2362. . وعن حماد بن عثمان، قال: رأيت أبا عبد الله يجلس في بيته،
عند باب بيته، قبالة القبلة مشكاة الأنوار: ص204. .
وهناك أُمورٌ أُخرى تُعدُّ من آداب المجالس، وتُساعدُ على التواضع
والاحترام، والشعورِ بوجودِ الآخرين واحترامهم، وإكرامهم والمساواة معهم.
إذ من الأدب أن نفسح للداخل إلى المجلس، حتَّى لا يجدَ حرجاً، فيتحير، في
اختيار مكانٍ لجلوسه، بل يكون ذلك علامةَ ترحيبٍ بالقادم، وتأهيلٍ به. حيث
يقول الله تقدَّس اسمه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ
تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} سورة
المجادلة: الآية 11. .
وعن رسول الله : «ثلاث يُصفين ودَّ المرءِ لأخيه المسلم: يلقاه بالبشر إذا
لقيه، ويوسع له في المجلس إذا جلس إليه، ويدعوه بأحب الأسماء إليه» مشكاة
الأنوار: ص204. .
وأمَّا إذا لم يلتفت القومُ إلى الداخل، لانشغالهم بالحديث مثلاً أو
بالخطيب أو بأمرٍ ما، فيُستحبُ له الجلوسُ حيث ينتهي به المجلس، أي حيث
يجدُ مُتسعاً وموضعاً، فلا يتخطى الرقابَ، ولا يُضايقُ الآخرين، أو
يزاحمُهم، ولا يكونُ سبباً لانزعاجهم أو سوءِ ظنهم لا سمح الله. حيث رُوي
عن رسول الله : «إذا أتى أحدُكم مجلساً فليجلس، حيث ما انتهى مجلسُه» ميزان
الحكمة: ح2363. . وعنه : «إذا أخذ القومُ في مجالسهم، فإن دعا رجلٌ أخاه،
وأوسَعَ له في مجلسه، فليأته، فإنَّما هي كرامةٌ أكرمه بها أخوه، وإن لم
يُوسِّع له أحدٌ فَلْيَنْظر أوسعَ مكانٍ يجدُه، فليجلس فيه» المصدر نفسه:
ح2365. .
وورد عن الصَّادق أنَّه قال: «كان رسول الله إذا دخل منزلاً قعد في أدنى
المجلس، حين يدخل» المصدر نفسه: ح2364. . وقد قال أحد الحكماء: «إذا دخلت
مجلساً فالأدب البداية بالتسليم، وترك التخطي لمن سبق، والجلوس حيث اتسع،
وحيث يكون أقرب إلى التواضع، وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس»
المحجة البيضاء: ج3، ص351. .
والجلوس في هذا المكان، مستحبٌ على كلِّ حال، حتى ولو كان دونَ شرفِه أو
عادتِهِ أو موقعِهِ الاجتماعي مثلاً، لأنَّ تواضُعَهُ هذا سيرفعه في أعين
الناس، ويُعظِّمُهُ عند الله عزَّ وجلَّ، وبه أيضاً يقمعُ نفسه، ويُطفىءُ
نائرةَ الشهوةِ والكِبْر في نفسه لو كانت موجودة. فالخير في ذلك عميم، على
نفسه وغيرِهِ ومجتمعه، وعلى دُنياه وآخرته. وقد ورد عن الإمام العسكري
قوله: «مَنْ رضيَ دون الشرف من المجلس، لم يزل الله وملائكته يُصلُّون عليه
حتى يقوم» ميزان الحكمة: ح2367. .
ومن المستحب أيضاً أن تتَّبعَ توجيهاتِ صاحب البيتِ، أو صاحبِ الدعوةِ، في
موعدِ المجلس وتنظيمه وانتهائه، ومكان الجلوسِ عنده. فهو الأعلم بما
يُناسبُ المكان، خاصة في منزله، وهو الأعلم بظروف المجلس إن كان للفرحِ أو
للترح، للتهنئة والمباركة، أو للتعزية والمشاركة،... فدعه يُوجِّهْ ويأمْر
ويسمح وينهى، كما يُناسبُ ما خَطط له، فلا يُحرجُ ولا تَخْجلُ... فربَّما
أراد أن يُجلسَكَ في موضع غير مواجه لبَاب الحريم، أو لما يسوءُ النظرُ
إليه، كما لو كان في بيته فوضى أو بعثرةٌ، لا يُفضِّلُ إظهاره. وفي هذا
المعنى ورد عن الباقر قوله: «إذا دخل أحدُكم على أخيه في رحله، فليقعد حيث
يأمر صاحبُ الرحل، فإنَّ صاحب الرحل أعرفُ بعورة بيته، من الداخل عليه»
ميزان الحكمة: ح2366. .
وخلاصة ما مرَّ معنا من آداب المجلس: استحبابُ استقبالِ القِبلة، واستحبابُ
الجلوسِ حيث يتيسر، إذا لم يُفسح له، كما يُستحبُ الإفساحُ للقادم،
وأخيراً، الجلوسُ حيث يأمر صاحبُ المجلس.
المسلم في المجلس
روي أنَّ رجلاً دخل المسجد، وكان الرسول جالساً وحده، فتزحزح للقادم، لمجرد
رؤيته يقتربُ منه، فاطمأنَّ الرجل وفرح بخُلُق رسول الله تجاهه، وقال: في
المكان سعةٌ يا رسول الله! فقال : «إنَّ حقَّ المسلمِ على المسلم، إذا رآه
يريدُ الجلوسَ إليه، أن يتزحزح له» ميزان الحكمة: ح2368 نقلاً عن بحار
الأنوار. .
والمقصود بالتزحزح هو الحركةُ البسيطة التي تُشبهُ حركة مَنْ يُريدُ
القيامَ تأهيلاً بالقادم، فيُشْعِره بالاهتمام والاحترام.
فمن خلال هذه الرواية، نستطيعُ أن نُقدِّر مدى الأدبِ الجمِّ، والخلقِ
السامي الذي كان يتمتع به الرسولُ ، تجاه الناس أجمعين. فلَكَمْ يجمل بنا
أن نُشعِرَ القادم بأنَّنا نتفسحُ له في المجلس، ونتزحزحُ قليلاً، فيرغبُ
الواحدُ بالآخر، ويُحبُّ الأخُ أخاه، وتنشأ بينهما إلفةٌ ومحبةٌ كبيرة.
ومن خُلُق الحبيب المصطفى كما في بحار الأنوار، أنَّه لم يُرَ قط،
مُقدِّماً رجلَه بين يدي جليسٍ له ميزان الحكمة: ح2369. .
وواضحٌ ما في ذلك من وقار وهيبةٍ، ومحافظةٍ على أواصر الأخوَّة وحقوقِها.
ومن آداب المجالس أيضاً، أن نُحسن اختيارَ الألفاظِ والكلمات المناسبةِ،
التي لا تُنفِّر المستمعين، ولا تُحذِّر الجالسين، ولا تُزعجُ الحاضرين،
حيث رُوي عن رسول الله قوله: «لا تفحشُ في مجلسك، لكي يحذروك بسوء خلقك،
ولا تَناجَ مع رجل وأنت مع آخر» المصدر نفسه: ح2370. .
وعلى كل واحد، أن يعرفَ موضعَه ومكانتَه، فلا يجلِسُ في مكان ليس من حقه،
عرفاً أو عادةً أن يجلس فيه، لأنَّ ذلك يجعل الأنظارَ المستهجنة تتوجَّه
إليه، طالبةً توضيحاً لذلك. فخير لك أن تُدعى إلى مجلسٍ أرفَع وأعلى، من أن
تُدعى ولو تلميحاً، لترك مجلسِك لغيرك. وفي هذا رُوي عن علي أمير المؤمنين
قوله: «لا تُسرعنَّ إلى أرفع موضعٍ في المجلس، فإنَّ الموضعَ الذي تُرفعُ
إليه، خير من الموضع الذي تُحَطُّ عنه» ميزان الحكمة: ح2372. .
وقد عدَّد الرسول ثمانية أصنافٍ من الناس، إن أُهينوا فلا يلوموا إلاَّ
أنفسهم... وذكر منهم: الجالسَ في مجلس ليس له بأهل المصدر نفسه: ح2376. .
وصدورُ المجالس عادةً تكون لفئة من الأشخاصِ الذين يتبوَّأون موقعاً ما على
صعيد ما،... وليس من الخطأ إكرامُ المؤمن وتقديمُه في صدر المجلس، خاصة إذا
قُدِّم غيرُه، من أهل المناصب الدُّنيوية، كالشخصيات الدبلوماسية والحزبية
والرسمية والاقطاعية والطاغوتية... فهؤلاء ليسوا أكرم من المؤمنِ أو
العالمِ، بل لعلَّه من المهين تقديمُ هؤلاء على المؤمنين والعلماء.
وقد رُوي عن علي قوله: «لا يجلِسُ في صدر المجلسِ، إلاَّ رجلٌ فيه ثلاثُ
خصال: يُجيبُ إذا سُئل، وينطِقُ إذا عجز القوم عن الكلام، ويُشير بالرأي
الذي فيه صلاحُ أهلِه، فمن لم يكن فيه شيءٌ منهن، فجلس، فهو أحمق» ميزان
الحكمة: ح2371. .
فكم من الحمقى الذين يُسارعون ويتراكضون اليوم، ليملأوا الفراغاتِ في
الصفوف الأولى للاحتفالات والمجالس والحسينيات والمهرجانات، لا لشيء، إلاَّ
لقيمتهم المالية أو الاقطاعية أو الوراثية.. وهم لا يعقلون ولا يفقهون.
ولقد حدد أمير المؤمنين سلام الله تعالى عليه بوضوح صفاتِ مَنْ يحِقُّ له
مثلَ هذه المواضع، كالتالي:
الذين يُجيبون إذا ما سُئِلوا، وينطقون عند عجز القوم، وهم أهلُ الرأي
والصلاح، لقومهم والناس، وما دون ذلك جهلٌ وغرور.
وخلاصة ما تقدم معنا:
أولاً: استحبابُ التزحزح للمسلم القادم تكريماً له.
ثانياً: المحافظة على آداب الجلوس، ومنها عدمُ بسطِ الرِجْلِ بين يدي
الجليس، وضرورةُ اختيارِ الكلماتِ المناسبة غير النابية.
ثالثاً وأخيراً: أن يعرف كلُّ واحدٍ مجلسَه ومكانتَه، ولا يتعداهما.
المجالس
المحرّمة والمكروهة
يُكرهُ للمؤمن أن يجلس في بعض المجالس أو الأماكن، غير اللائقة بإيمانه
وشأنه، ويحرمُ على المسلم أن يقف، أو يُشارك في مجالسَ يُقام فيها المنكر،
أو يُعظَّمُ فيها الحرام، وهو لا يقدرُ على التغيير.
فالمجالس المكروهة مثالُها: الوقوفُ في الطرقات، وعلى جوانبها ومفارقها، أو
الجلوسُ في المقاهي والأندية والمحلات التي لا يستفيدُ الواقفُ منها إلاَّ
كثرةَ الكلام، وهدرَ الوقت، وإطالةَ النظر، وقساوة القلب، ولغوَ الحديث.
حيث رُوي عن رسول الله قوله: «إيَّاكَ والجلوسَ في الطرقات» ميزان الحكمة:
ح2378. .
ومثالُ المجالسِ المحرَّمة أيضاً مجالسُ الكفرِ والاستهزاءِ بآيات الله،
ومجالسُ الكذبِ والنيلِ من الإسلام ورموزِه وعباداته وعلمائه والمؤمنين،
ومجالس الغيبةِ والمعصيةِ والمنكرِ وشربِ الخمرِ، التي لا يستطيعُ المرءُ
تغييرها. يقول الله تعالى: {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ
وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} سورة
العنكبوت: الآية 29. وقال عزَّ وجلَّ: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي
الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا
وَيُسْتَهْزَىءُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ
الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا *} سورة النساء:
الآية 29. . وقال عزَّ مِنْ قائل في شأن مجالس أهل الباطل: {وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ
تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *} سورة الأنعام:
الآية 68. .
وقد فسَّر الإمامُ الصَّادق الآية الثانية المباركة بقوله: «إنَّما عنى
بهذا، الرجل يجحد الحقَّ، ويُكذَبُ به، ويقع في الأئمَّة، فقم من عنده ولا
(تقعد) أو تقاعده، كائناً مَنْ كان» ميزان الحكمة: ح2373. ، وعلَّق الإمام
الرِّضا على الآية عينها بقوله المبارك: «إذا سمعتَ الرجلَ، يجحدُ الحقَّ
ويُكذِّبُ به، ويقع في أهله، فقم من عنده ولا تقاعِدْه» ميزان الحكمة:
ح2374. .
وفي شأن الآية الأخيرة رُوي عن الرسول قوله: «مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم
الآخر، فلا يجلسُ في مجلسٍ يُسَبُّ فيه إمام، أو يُغتابُ فيه مُسْلمٌ، إنَّ
الله يقول في كتابه: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا
يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *} المصدر نفسه: ح2375. .
وعن علي قال: «لا تجلِسوا على مائدةٍ يُشربُ عليها الخمرُ، فإنَّ العبدَ لا
يدري متى يؤخذ» المصدر نفسه: ح2377. .
وعن الصَّادق في الكافي الشريف الجزءِ الثاني قال: «لا ينبغي للمؤمن أن
يجلِس مجلِساً يُعصى الله فيه، ولا يقدرُ على تغييره» المصدر نفسه: ح2379
نقلاً عن الكافي. .
فالواضح من النصوص المتقدمة، أنَّ كثيراً من المجالس التي كانت منتشرةً في
الزمن السابق، تحرُمُ أو تُكره، وهذه المجالس إن لم تزدَدْ في عصرنا هذا
فإنَّها على الأقل بقيت محافظةً على نِسَبٍ عالية في عددها ونوعها، إذ
ينبغي، وخاصة للأخوة المؤمنين، الحذرُ من المجالس اللاهيةِ العابثة، التي
وإن لم تُدْخِلهُمْ في الحرام، ولكنَّها تُقرِّبهم منه حتى يكونوا منه على
قاب قوسين أو أدنى، ومَنْ حام حولَ الحمى، يُوشكُ أن يقع فيه.
الحرام بيِّن، والحلال بيِّن، وإنَّما الخطر ينبعث من الأُمور المتشابهات،
التي تُظهر حُسْناً ورغبةً وطمعاً، وتُبطنُ منكراً وانحرافاً وشهوةً محرمة.
ونختم هذا الباب بمناجاة الإمام زين العابدين لربّه والتي يقول فيها: «...
لعلَّك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني، أو لعلَّك رأيتني في الغافلين،
فمن رحمتِك آيسْتني، أو لعلَّك رأيتني آلَفُ مجالسَ البطَّالين فبيني
وبينهم خلَّيتني...» الصحيفة السجَّاديَّة من دعاء السحر. .
المجلس، وكفارته
الاستغفار
قال الفقهاء بعدم جواز إفشاء سرِّ مَنْ ائتُمِن على ذلك، وإنَّ مَنْ جالس
أحداً فائتمنه على حديث، لم يجز له أن يُحدِّثَ إلاَّ بإذنه. ولقد اشتُهر،
بل تواتر مضموناً عن رسول الله الحديثُ المشهور: «المجالس بالأمانة...»
ميزان الحكمة: ح2381. .
من هنا كانت الحرمةُ في فضح أسرار الأخِ المؤمن، وعدم جواز ما لا يرضى
ذكرَه أمام الملأ.. فقد يرتاح إليك شخصٌ، فيأنسُ بك، ويفضي لك بسره، وخاصةِ
أُمورِه التي لا يعلمُها أحدٌ، أو يعلمُها القليل، فيجب أن تحافظ على مَنِ
ائتمنك فيما ائتمنك عليه، حيث ورد عن رسول الله قوله: «المجالس بالأمانة،
وإفشاءُ سرِّ أخيك خيانة...» المصدر نفسه: ح2382. .
كما جاء عنه أنَّه قال: «المجالس بالأمانة، ولا يحلُّ لمؤمنٍ أن يؤثر عن
أخيه المؤمن قبيحاً» ميزان الحكمة: ح2383. ، وعنه في تنبيه الخواطر:
«إنَّما يتجالسُ المتجالسان بأمانة الله، فلا يحلُّ لأحدهما أن يُفشيَ على
أخيه ما يكره» المصدر نفسه: ح2384. .
ويُستحب الجلوسُ في المجالس التي يُذْكرُ فيها اسمُ الله عزَّ وجلَّ،
والمقصودُ بالذكر أن يكون المجلسُ إحياءً للطاعات والمستحبات، وتذكيراً
بالنوافل والمندوبات، كمجالس العلماء، والعلم والفقه والدراسة، والمذاكرة
وذكرِ الآخرة، ومجالس العزاء والموعظة والنصيحة والصدق، والحبِ في الله
تبارك وتعالى .
ومن هذه المجالس المباركة: مجالسُ ذكرِ فضائل محمَّد وأهل بيته ومآثرِهم
وأخلاقهم، والتعلُّم من سننهم وكلماتهم وأحاديثهم، فقد رُوي عن سيِّدنا
لقمان، على نبينا وآله وعليه السلام أنَّه قال في وصيته لولده «اختر
المجالس على عينك، فإنْ رأيت قوماً يذكرون الله عزَّ وجلَّ، فاجلِس معهم،
فإنَّك إن تكُ عالماً ينفعْك علمُك، ويزيدونك علماً، وإن كنتَ جاهلاً
علَّموك، ولعلَّ الله يُظِلُّهُم برحمته، فتعُمَّك معهم» ميزان الحكمة:
ح2390. ، وورد عن الرِّضا قوله: «من جلس مجلساً يُحيى فيه أمرُنا، لم يمتْ
قلبُه يوم تموتُ القلوب» المصدر نفسه: ح2394. .
وعن رسول الله قال: «إذا رأيتم روضةً من رياض الجنَّة فارتعوا فيها، قيل:
يا رسول الله، وما روضةُ الجنَّة؟ قال: مجالس المؤمنين» المصدر نفسه:
ح2393. .
وعن مولانا الصَّادق لفُضيل سائلاً: تجلِسون وتُحدثون؟ قال فُضيل: نعم
جعلتُ فداك، فقال : إنَّ تلك المجالس أحبُّها، فأحيوا أمرَنا، يا فُضيل،
فرحم الله مَنْ أحيا أمرَنا، يا فُضيل، مَنْ ذكرنا، أو ذُكرنا عنده فخرج من
عينه مثلُ جناحِ الذباب، غفر الله له ذنوبَه...» المصدر نفسه: ح2395. .
طبعاً كل هذا إذا كان مطيعاً لأمر مولاه عزَّ وجلَّ، ومخالفاً لهواه.
ومن المستحبات المؤكدة، الاستغفار عند القيام من المجلس، وكأنَّه كفارةُ ما
قد جرى فيه من حديث أو خطإِ أو لغطٍ... وعلى كلِّ حال الاستغفارُ بأيّ نحوٍ
كان، ذكرٌ لله تعالى، وإنابةٌ ورجوعٌ إليه عزَّ وجلَّ. وقد ورد عن رسول
الله : «إنَّ كفارة المجلس: سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، لا إله إلاَّ أنت،
ربِّ تُب عليَّ واغفر لي» ميزان الحكمة: ح2396. . وعنه : «إذا تلاقيتم،
فتلاقوا بالتسليم والتصافح، وإذا تفرقتم فتفرقوا بالاستغفار» المصدر نفسه:
ح2399. . وعن الصَّادق : «إنَّ رسول الله كان لا يقوم من مجلس، وإن خفّ،
حتى يستغفر الله عزَّ وجلَّ خمساً وعشرين مرَّة» المصدر نفسه: ح2400. .
نخلص ممَّا تقدَّم إلى وجوبِ حفظِ السرِّ وأمانةِ المجلسِ، واستحبابِ
الاستغفار عند القيام منه.
يُستحب ومَنْ
تُكره مجالستُه
قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ
عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} سورة الكهف: الآية 28. .
الإنسان العاقلُ هو الذي يعملُ في كل وقت لآخرته، ويُسخِّرُ دُنياه
لمصلحتها... وبذلك، يستطيعُ تحويلَ مجالِسه إلى مجالسِ فائدةٍ وتذكرةٍ
ونصيحة إذ من الضروري لكل عاقلٍ حكيم، أن يختارَ مَنْ يجلِسُ إليهم بدقة،
ونحن نرى في العديد من النصوص، توجيهاً واضحاً لصفاتِ مَنْ يُستحبُ للمرء
أن يستفيد من وجودِهم، ومجاورتهم وزيارتهم وكلماتهم.
فنرى التركيزَ على مجالسة أهل المنطقِ والحكمةِ والعلمِ، والحلم والعقل،
إضافةً إلى الحثّ على الاستفادة من أهل الورع والتقى والزهد، وإن كانوا
فُقراءَ أو مساكينَ، إذ إنَّ الهدف من هذه المُجالسةِ هو زيادةُ الإيمان،
أو بلورتُه، أو تقويتُه وتعميقُه في النُّفوس، دون أن يكون لذلك مدى محدد
أو نهايةٌ.
وهناك تركيزٌ غيرُ عادي على مجالسة العلماء، لتهذيب النفس، وإكمالِ العقل،
وقتل الجهل، وإحياءِ الرُّوح، أمَّا العلماء الذين لا يُذكِّرون بالله، ولا
يهتدون إلى اليقين والإخلاص والتواضع، من خلال أعمالهم، فهؤلاء ليسوا
علماءَ حقيقيين بحسب المصطلح القرآني . ففي وصية لقمان لابنه: «يا بني،
جالس العلماءَ، وزاحِمْهم برُكبتيك، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ، يُحيي القلوبَ
بنور الحكمة، كما يُحيي الأرضَ بوابل السَّماء» ميزان الحكمة: ح2406. .
وعن علي قال: «جالس العلماء، يزدَدْ علمُك، وَيْحسُنُ أدبُك، وَتزْكُ
نفسُك»، وعنه : «جالس العلماء، يكملُ عقلُك، وتَشرُفْ نفسُك، وينْتَفِ عنك
جهلُك» المصدر نفسه: ح2409 وح2410. .
وفي توضيح لصفات العالم الذي ينبغي الجلوسُ إليه، ورد عن رسول الله قوله:
«لا تجلِسوا إلاَّ عند كلِّ عالمٍ يدعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى
اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الرهبة، ومن الكِبْر إلى
التواضع، ومن الغش إلى النصيحة» ميزان الحكمة: ح2415. .
وورد في السُّنَّة المطهرة: «الأنبياء سادة، والفقهاء قادة، ومجالَسَتُهم
زيادة»، كما ورد أيضاً: «مَنْ أكثر مذاكرة العلماءِ، لم ينسَ ما عَلِم،
واستفاد ما لم يعلم» وورد أيضاً: «تلامذةُ العالِمِ يُحبون آثارَه، وينشرون
أخباره» أخلاق محتشمي: ص157 و158. .
وعندما سأل الحواريُّون روح الله عيسى عمَّن يجالسون، قال لهم: «مَنْ
يُذكِّركم الله رؤيتُه، ويزيد في علمكم منطقُه، ويُرغِّبُكُمْ في الآخرة
عملُه» ميزان الحكمة: ح2403. .
ويُستحب الجلوسُ إلى أهل الحلم والخُلُقِ الحسن، حتى نستفيد من أدبهم
وأخلاقهم وحسن تعاملهم معنا، فينعكسُ ذلك على حياتنا. حيث روي عن رسول الله
قوله: «جالس الأبرارَ، فإنَّك إن فعلتَ خيراً حمدوك، وإن أخطأت لم
يُعنِّفوك» ميزان الحكمة: ح2411. . وعن علي قال: «جالس أهلَ الورعِ
والحكمة، وأكثر مُناقَشَتَهم، فإنَّك إن كنتَ جاهلاً علَّموك، وإن كنت
عالماً ازددت علماً» المصدر نفسه: ح2421. .
وجاء في وصية رسول الله لابن مسعود: «فليكن جلساؤك الأبرار، وإخوانُك
الأتقياءُ والزّهاد، لأنَّ الله تعالى قال في كتابه: {الأَخِلاَّءُ
يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ *} المصدر
نفسه: ح 24106 والآية 67 من سورة الزخرف.
كذلك يُستحب الجلوسُ إلى الفقراء والمساكين، وربَّما يكون ذلك لا لمنفعةٍ
لهم، كما قد يتبادرُ إلى الذهن، بل منفعةٌ للجالس حين يعرفُ نعمةَ الله
عليه، وفضله وعطاءَه ورزقه... وذلك من خلال مقايسةِ نفسه مع أهل الفاقة
والعَوَز، فيَحمدُ الله ويشكرُه ...
ولا ننسَ أنَّ مجالسة هذه الفئةِ المستضعفة تُساعدُ على التواضع، وقمعِ
النفسِ الأمّارة بالسوء، النزَّاعةِ إلى ما تهوى، فقد روي عن علي قوله:
«جالس الفقراءَ تزدد شكراً» المصدر نفسه: ح2413. . وهذا النص المباركُ
صريحٌ في أنَّ المنفعة تعود على الجالس، وليس على الفقير... كما يُلاحَظُ
هنا أنَّ الفائدة معنويةٌ روحيَّةٌ، وهي الشُّكر.
ويُروى عن رسول الله قوله: «تَمَسْكَنوا وأحبوا المساكين، وجالسوهم،
وأعينوهم...» ميزان الحكمة: 2419. .
ومقابل كل ما تقدَّم، تُكره أو تحرم مجالسةُ: أهلِ الهوى والسفاهةِ
والأشرارِ، وأهلِ البدع والمنحرفين، والذين لا يعرفون الحلالَ والحرامَ، أي
لا يعلمون به،... وذلكَ تأثيرهُ خطيرٌ على الرُّوح والقلب، فهو الذي يورثُ
القساوة. حيث جاء ذلك في روايات متفرقة عن رسول الله وأهلِ بيته، إذ ورد
النهيُ عن مجالسةِ الأشرار، وعن المحادثةِ التي تدعو إلى غير الله عزَّ
وجلَّ وعن مصاحبة أهلِ البدع ومجالستهم، فنصيرُ عند الناس كواحدٍ منهم، كما
ورد النهي عن مجالسة الأغنياء الذين أطغاهم غناهم،... ومَنْ فعل ذلك فلا
يَأمَنُ: ضعفَ اليقين، وقساوةَ القلب، وسلبَ الخشوع، والبلاءَ، والقيل
والقال، وإماتة القلب المصدر نفسه: ج2، ص63. .
وخلاصة ما تقدَّم معنا، كراهيةُ مجالسةِ هذه الأصناف من البشر، واستحبابُ
مجالسةِ العلماءِ الذين يُذكِّرون بالآخرة ويعملون بالتقوى، وأهلِ الورع
والحكمة، والمساكينِ والفقراء
فصل في الاحتضار والموت
الاحتضار
ذكر علماؤنا الأعلام، سلام الله الكريم على أنفسهم الطاهرة، كراهةَ حضورِ
الجنبِ والحائضِ عند المحتضر.
والظاهر أنَّ أصلَ الحضور مكروهٌ عند الاحتضار، كما هو مشهورٌ شهرةً عظيمة،
وذكره العلامةُ المجلسي، ويستمر إلى أن يتحقق الموتُ... وأما مجردُ وجودِ
المرض فلا يمنع من الحضور، فقد رَوى علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن
موسى الكاظم ، قلتُ: المرأة تقعُدُ عند رأس المريض وهي حائض، وهو في حدِّ
الميت، فقال : لا بأس أن تمُرِّضه، فإذا خافوا عليه وقرب من ذلك أي من
الموت. فلتنحَ عنه، وتُجنَّب قربَه، فإنَّ الملائكة تتأذَّى من ذلك بحار
الأنوار: ج78، ص230. .
وبالتالي يُكرهُ حضورُ الجنبِ والحائضِ عند التلقين، كما روي عن الصادق :
«لا تحضُرِ الحائضُ والجنب عند الثقلين، إنَّ الملائكة تتأذى بهما» بحار
الأنوار: ج78، ص230. .
وأما التلقين المستحبُ فهو: الشهادتان، فعن رسول الله قال: «لقِّنوا موتاكم
لا إله إلاَّ الله، فإنَّ من كان آخر كلامه لا إله إلاَّ الله، دخل
الجنَّة» المصدر نفسه: ص232. ، والإقرار بالأئمَّة الاثني عشر وسائر
الاعتقادات الحقَّة، وتلقين كلمات الفرج، إضافة إلى بعض الأدعية والآيات
والسورِ الأُخرى، بل مطلقُ قراءة القرآن، حيث ورد في فقه الرِّضا : إذا
حضرتِ الميتَ الوفاةُ فلقِّنْه شهادةَ أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ
محمَّداً رسول الله، والإقرار بالولاية لأميرِ المؤمنين والأئمَّة واحداً
واحداً، ويُستحبُ أن يُلقَّنَ كلماتِ الفرج، وهي: «لا إله إلاَّ الله
الحليم الكريم، لا إله إلاَّ الله العلي العظيم، سبحان الله ربِّ
السَّماوات السبع وربِّ الأرضين السبع، وما فيهن وما بينهن، وربِّ العرش
العظيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين» المصدر نفسه: ص233.
. وذلك مُوضّحٌ في الكتب المختصة، ولا بأس بالرجوع إلى العروة الوثقى للسيد
اليزدي الطباطبائي نوَّر الله ضريحه. ويُكره للجنب والحائض إدخاله قبرَه،
فقد رُوي عن الباقر لا يجوز للمرأة الحائض ولا الجنب، الحضورُ عند تلقين
الميت، لأنَّ الملائكة تتأذى بهما، ولا يجوز لهما إدخالُ الميتِ قبره بحار
الأنوار: ج78، ص232. .
ويُوجَّه المحتضِر إلى القبلة، وبعض الفقهاء أفتى بالوجوب عليه أو على
غيره، ومنهم مَن اكتفى بأنَّه الأحوط، وكفى. ولكنَّ الوجوب هو المشهور بين
الشيعة... إذ يُروى أنَّ الرسول دخل على رجل من ولد عبد المطِّلب وهو في
السَّوق السَّوق: يعني الاحتضار أو الشروع في نزع الروح. وقد وُجِّه إلى
غير القبلة، فقال : وجّهوه إلى القبلة، فإنَّكم إذا فعلتم ذلك، أقبلتْ عليه
الملائكةُ، وأقبل الله عليه بوجهه، فلم يزل كذلك حتى يُقْبضَ بحار الأنوار:
ج78، ص230. .
والمقصود هنا بإقبال الله عليه: إقبالُه بالرحمة والفضل والمغفرة، وأما
إقبالُ الملائكة. فعبارةٌ عن الاستغفار له وقبضِ روحه بسهولة، والله
العالم.
ومن الآثار العجيبة للشهادة، ما رُوي من أنَّ رسول الله حضر شاباً عند
وفاته، فقال له، قل لا إله إلاَّ الله،... فاعتَقَلَ لسانُه مراراً... فقال
لامرأة عند رأسه، هل لهذا أُم؟ قالت: نعم أنا أُمُّه، قال أفساخطةٌ أنتِ
عليه؟ قالت: ما كلَّمتُه منذ ست حجج، قال لها: ارضي عنه، قالت: رضي الله
عنه برضاكَ يا رسول الله. فقال له رسول الله : قل لا إله إلاَّ الله،
فقالها، فقال النبي : ما ترى؟ فقال: أرى رجلاً أسودَ قبيحَ المنظرِ، وسِخَ
الثياب، مُنتنَ الريح، قد وَلِيَني الساعة، يأخذ بكَظَمي، أي بحلقي ومخرج
النفس.
فقال له النبي : قل: «يا مَنْ يقبلُ اليسير، ويعفو عن الكثير، اقبل منِّي
اليسير، واعفُ عنِّي الكثير، إنَّك أنت الغفور الرحيم» فقال الشاب، فقال له
النبي : انظر ماذا ترى؟ قال: أرى رجلاً أبيضَ اللون، حسنَ الوجه، طيِّب
الريح، حسنَ الثياب، قد وليني، وأرى الأسود قد تولَّى عنِّي، قال: أعِدْ،
فأعاد... قال : ما ترى؟ قال: لستُ أرى الأسود، وأرى الأبيض قد وليني، ثم
طغى على تلك الحال طغى على تلك الحال: أي مات على تلك الحال. بحار الأنوار:
ج78، ص232. .
وأفتى الفقهاءُ رضوان الله تعالى عليهم، بعدم حرمة كراهة الموت... نعم
يُستحب عند ظهور أماراتِهِ، أن يحبَّ لقاءَ الله الكريم. ويُكرهُ تمني
الموت، ولو كان في شدَّةٍ وبليةٍ، بل ينبغي أن يقول: «اللَّهمَّ أحيني ما
كانت الحياةُ خيراً لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي». كما يُستحب
ذكرُ الموتِ كثيراً العروة الوثقى: ج1، ص376. .
وإذا ظهرت علاماتُ الموتِ على إنسانٍ، واشتد عليه النزعُ، فالمستحبُ نقلُه
إلى المصلَّى الذي كان يتعبد لله تعالى فيه، ففي عدَّة نصوص أنَّ أبا سعيد
الخَدْري، كان من أصحاب رسول الله ، وكان مستقيماً، لما اشتد نزعُه، نُقل
إلى مُصلاه، فمات فيه.
وعن حريز قال: كنَّا عند أبي عبد الله ، فقال له رجلٌ: إنَّ أخي منذ ثلاثة
أيَّام في النزع، وقد اشتد عليه الأمرُ، فادع له، فقال: اللَّهمَّ، سهِّل
عليه سكراتِ الموت، ثم أمره قائلاً، حوِّلوا فراشَه إلى مصلاه الذي كان
يُصلِّي فيه، فإنَّه يُخفِّف عليه، إن كان في أجله تأخيرٌ، وإن كانت
منِيَّتُهُ قد حضرَت، فإنَّه يُسهِّلُ عليه إن شاء الله بحار الأنوار: ج78،
ص234 وما بعدها. . ويُكره مسُّه في مثل هذه الحال، بل إن حرَّك يديه أو
رجليه أو رأسه، فلا تمنعه من ذلك، كما يفعلُ جُهال الناس. كل هذا ورد في
فقه الإمام الرِّضا ، ونصَّ عليه العلامةُ المجلسي، أعلى الله مقامه ونشر
في الجنان أعلامه بحار الأنوار: ج78، ص234. .
كذلك، يُكره إبقاءُ الميتِ وحدَه، وقد ذُكر في الكافي الشريف عن الصَّادق :
«ليس من ميت يموت، ويُتركُ وحدهُ، إلاَّ لعب به الشيطانُ في جوفه» الكافي:
ج3، ص138 والعروة الوثقى: ج1، ص375. .
وذكر العلماءُ استحبابَ قراءةِ القرآن والدُّعاءِ عند المحتضرِ، قبل خروج
روحه وبعده... وذكروا روايةً تقول: إذا حضر أحدَكُمُ الوفاةُ، فأحضِرُوا
عنده بالقرآنِ، وذكرِ الله، والصلاةِ على رسول الله بحار الأنوار: ج78،
ص234. . وعلى الخصوص يستحب قراءةُ الصافاتِ على المحتضر، حيث روى سليمان
الجعفري قال: رأيت أبا الحسن المراد بأبي الحسن الكاظم وابنه القاسم هو أخو
الرِّضا من أُمّه. يقول لابنه القاسم: قم يا بني، فاقرأ عند رأسِ أخيك،
{وَالصَّآفَّاتِ صَفًّا *}، تستَتِمُّها، فقرأ، فلما بلغ: {أَهُمْ أَشَدُّ
خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} سورة الصافات: الآية 11. قضى الفتى قضى: أي
مات. فلمَّا سُجِّيَ سُجِّي: أي مُدَّ عليه الثوبُ. وخرجوا، أقبل عليه
يعقوبُ بن جعفر، فقال له: كنَّا نعهدُ الميِّتَ، إذا نزل به الموتُ، يُقرأ
عنده: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ *} سورة يس: الآيتان 1 ـ 2. ، فصرتَ
تأمرنا بـ(الصافات)؟ فقال : يا بني، لم تُقرأ عند مكروب من الموت إلاَّ
عجَّل الله راحتَه بحار الأنوار: ج78، ص238. .
ويُستحب للمحتضر أن يذكرَ الله ذكراً كثيراً، وروي عن رسول الله : «كل أحدٍ
يموتُ عطشانَ إلاَّ ذاكِرَ الله»، كما يُستحب قراءةُ سورةِ: {قُلْ
يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *} ، وقال زينُ العابدين ، عندما حضره الموت
«اللَّهمَّ ارحمني فإنَّك كريم، اللَّهمَّ ارحمني فإنَّك رحيم» فلم يزلْ
يُرددها حتى تُوفيَ صلوات الله عليه المصدر نفسه: ص240. .
ويُستحب حسنُ الظنِّ بالله تعالى على كلِّ حال، وفي كل وقت، وإن كان ذلك
آكدَ عند ظهور علامات الموت، فيُستحب له حسنُ الظنِّ بالله عزَّ وجلَّ،
والطمعُ في رحمته الواسعة. فقد سأل الصَّادق عن بعض أهل مجلسه، فقيل،
عليلٌ، فقصده عائداً، وجلس عند رأسه، فوجده دنِفاً الدنف: أي ثقل المرضُ
واشتد عليه. ، فقال : «أحسِن ظنَّك بالله» بحار الأنوار: ج78، ص235. .
وجاء عن رسول الله : «لا يموتَنَّ أحدُكم، حتى يُحْسِنَ ظنَّه بالله عزَّ
وجلَّ، فإنَّ حُسْنَ الظنِّ بالله ثمنُه الجنَّة» المصدر نفسه. .
ومرض رجلٌ من الأنصار، فأتاه النبي يعودُه، فوافقه وهو على الموت، فقال:
كيف تجدُك؟ قال: أجدُني، أرجو رحمةَ ربِّي، وأتخوَّفُ من ذنوبي، فقال النبي
: ما اجتمعتا في قلب عبد، في مثل هذا الموطن، إلاَّ أعطاه الله رجاءَه،
وآمنه ممَّا يخافُه المصدر نفسه: ص39. .
وبعض العلماء الأعلامِ، لم يكتفوا باستحباب حسن الظن بالله تعالى للمحتضر،
بل قالوا بوجوبه، وفي جميع الأحوال، ويُستفاد من بعض الأخبار وجوبُه حالَ
النزع العروة الوثقى: ج1، ص265. .
ولسورة «يس» المباركة، أسرار كثيرة، في الدُّنيا والآخرة ... وأكثر الناس
لا يعرفون من آثارها ومنافعها إلاَّ القَدْرَ اليسير. فقد جرت العادةُ على
قراءتها للمحتضر والميت. ولكنَّ المسلَّم به، أنَّ أسرارها جليلة،
وفوائدَها عميمة . حيث رُوي عن مولانا ومقتدانا الصادق قوله: «من قرأ «يس»
ومات في يومه، أدخله الله الجنَّة، وحضر غُسْلَه ثلاثون ألف ملَك، يستغفرون
له ويُشيِّعونه إلى قبره بالاستغفار له، فإذا أُدخِل إلى اللحد، كانوا في
جوف قبره يعبدون الله، وثواب عبادتِهم له، وفُسح له في قبره مَدَّ بصره،
وأومن ضغطة القبر» بحار الأنوار: ج78، ص239. .
وقال النبي : «يا علي اقرأ «يس» فإنَّ في قراءة «يس» عشرَ بركات: ما قرأها
جائع إلاَّ أُشبع، ولا ظامىءٌ إلاَّ رُوي، ولا عارٍ إلاَّ كُسي، ولا عزبٌ
إلاَّ تزوج، ولا خائفٌ إلاَّ أمن، ولا مريضٌ إلاَّ برىء، ولا محبوس إلاَّ
أخرج، ولا مسافرٌ إلاَّ أُعين على سفره، ولا قرأها رجل ضلَّت له ضالة،
إلاَّ ردَّها الله عليه،... ولا مدين إلاَّ أدَّى دينه، ولا قُرئت عند ميتٍ
إلاَّ خُفِّف عنه تلك الساعة» المصدر نفسه: ص240. .
ومن الأُمور المهمة للمريض أو المحتضر، إحكامُ أمرِ وصيته، وتوضيحها،
وإعلامُ الناظرِ والوصي بها، كما ذكر ذلك السيِّد اليزدي، قدِّس سرُّه، في
عروته العروة الوثقى: ج1، ص372. .
وقيل بوجوب الوصية على مَنْ له أو عليه حق، واستحبابها لغيره، ورُوي عن
الصادق : «ما من ميتٍ تحضره الوفاةُ، إلاَّ ردَّ الله عليه من بصره وسَمْعه
وعقله للوصية،... وهي الراحة التي يُقال لها: راحةُ الموت، فالوصية حق على
كلّ مسلم» وسائل الشيعة: ج2، ص657. .
وللوصية آدابٌ خاصة... منها ما ورد عن النبي حيث قال: مَنْ لم يُحسِنِ
الوصيةَ عند موته، كان ذلك نقصاً في عقله ومُروَّته، قالوا: يا رسول الله
وكيف الوصية؟ قال : «إذا حضرته الوفاةُ، واجتمع الناسُ عنده، قال:
«اللَّهمَّ فاطرَ السَّماوات والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادة الرَّحمنَ
الرحيم، إنِّي أعهد إليك، أنِّي أشهد أن لا إله إلاَّ أنت، وحدك لا شريك
لك، وأنَّ محمداً عبدُك ورسولك، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّك
تبعث من في القبور، وأنَّ الحساب حق، وأنَّ الجنَّة حق، وما وُعد فيها من
النعيم، من المأكل والمشرب والنكاح حقٌّ، وأنَّ النَّار حقٌّ، وأنَّ
الإيمان حقٌّ، وأنَّ الدِّين كما وصفت، وأنَّ الإسلام كما شرَّعت، وأنَّ
القول كما قلتَ، وأنَّ القرآن كما أنزلت... وإلى آخر ما ذُكر في الكتب
المختصة المفصلة، ومَنْ أراد النصَّ كاملاً فَلْيُراجعه في مظانِّه بحار
الأنوار: ج78، ص242. .
وعلَّق الإمام الصادق قائلاً: «وتصديق هذا في سورة مريم، قول الله تبارك
وتعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ
الرَّحْمَانِ عَهْدًا *} سورة مريم: الآية 87. وهذا هو العهد بحار الأنوار:
ج78، ص243. . وقال النبي لعلي : «تعلَّمها أنت، وعلّمها أهلَ بيتِك وشيعتك»
المصدر نفسه. .
ومن الأُمور الهامة للمحتضر أو المريض، أن يُقرّ بالتوحيد والنبوة والإمامة
والمعاد وسائر العقائد الحقة، كل ذلك بحضور المؤمنين... وذكر السيِّدُ
النجفي المرعشي أعلى الله مقامه استحبابَ شهادةِ المؤمنين على ما أقرَّ به
من المعتقدات العروة الوثقى: ج1، ص372. .
ومن جملة المعتقدات الحقة ذكرُ ولايةِ أمير المؤمنين عليه وعلى أبنائه سلام
الله الكريم، ونحن نوردُ في هذا السياق قصةً معبرةً... حيث ذكر أبو بكرٍ
الحضرمي قال: مرض رجل من أهل بيتي، فأتيتُه عائداً له، فقلتُ له: يابن أخي،
إنَّ لك عندي نصيحةً، أتقبلُها؟ قال: نعم، فقلتُ: قل: أشهد أن لا إله إلاَّ
الله، وحده لا شريك له، فشهد بذلك، فقلتُ: قل وأنَّ محمداً رسول الله، فشهد
بذلك، فقلتُ له، إنَّ هذا لا تنتفعُ به إلاَّ أن يكون منك على يقين، فذكر
أنَّه منه على يقين، وفي رواية أنَّه أمره بقول: «أشهد أنَّ علياً وصيُّه،
وهو الخليفة من بعده، والإمام المفترض الطاعة،... فشهد بذلك الكافي: ج3،
ص122. ، قال ثم سميتُ الأئمةَّ واحداً بعد واحد فأقرَّ بذلك، وذكر أنَّه
منه على يقين، فلم يلبث الرجلُ أن توفي، فجزع أهلُه عليه جزعاً شديداً.
فغبتُ عنهم، ثم أتيتُهم بعد ذلك، فرأيت عزاءً حسناً، فقلتُ كيف تجدونكم؟
كيف عزاؤكِ أيتها المرأة؟ فقالت: والله، لقد أصبنا بمصيبة عظيمة بوفاة
فلان، وكان ممَّا طيَّب نفسي، لرؤيا رأيتُها الليلة، فقلتُ: كيف؟ قالت:
رأيتُه، وقلت له، ما كنتَ ميِّتاً؟ قال: بلى، ولكن نجوتُ بكلماتٍ
لقَّنَنِيهِنَ أبو بكرٍ الحضرمي، ولولا ذلك كدتُ أهلك» بحار الأنوار: ج78،
ص240. .
وهذه بعض بركات ولاية أمير المؤمنين والأئمَّة ، كما تشير الرواية.
وخلاصة ما تقدَّم: كراهةُ حضورِ الحائضِ والجنبِ رجلاً أو امرأة، عند
الاحتضار، وعند التلقين وإنزالِه إلى قبره. وتلقين ما ورد من الشهادتين،
والإقرار بالولاية للأئمَّة ، وكلمات الفرجِ... وأن يستقبل القبلة. كذلك
استحبابُ حبِّ لقاء الله، وحسنِ الظنِّ به إذا ظهرت عليه علاماتُ الموت،
واستحبابُ نقلِه إلى مصلاه، وأن لا يُمنعَ من تحريك أعضائه، وأن يذكرَ الله
ويُقرأ القرآن عنده، خصوصاً قراءة سورة يس. وإحكامَ الوصيةِ في أُمور
الدُّنيا والدِّين. كذلك ذكر ولاية علي أمير المؤمنين، وأبنائه المعصومين،
عليهم سلام الله الكريم.
في دفن الميت
يُستحب لمن ظهرت عليه أماراتُ الموت أن يُوصيَ بشيء من المال في أبواب البر
والخير والوقف والصدقة. كما يُستحب له فعلُ الخير إذا شفاه الله الشافي
وسائل الشيعة: ج2، ص657. . ذلك أنَّه رُوي أنَّ الله تبارك وتعالى يقول:
ابنَ آدم، تَطوَّلتُ عليك بثلاثةٍ، سترتُ عليك ما لو يعلمُ به أهلُك ما
واروك، وأوسعتُ عليك، فاستقرضتُ منك، فلم تقدمْ خيراً، وجعلتُ لك نِظرَةً
عند موتِك في ثلثك، فلم تُقدم خيراً المصدر نفسه: ص658. .
وعن مولانا جعفر الصادق : «إذا اشتكى العبدُ ثم عُوفي، فلم يُحدث خيراً،
ولم يَكُفَّ عن سوء، لقيتْ الملائكة بعضُها بعضاً (يعني حَفَظَتُه) فقالت:
إنَّ فلاناً داويناه، فلم ينفعه الدواء» وسائل الشيعة: ج2، ص658. .
ويُكرهُ مسُّ الميتِ عند خروج الروح، ويُستحبُ بعد ذلك تغميضُه، وشدُّ
لَحْيَيه، وتغطيته بثوب، فقد روى زُرارةُ، قال: «ثقل ابنٌ لجعفر، وأبو جعفر
جالس في ناحيةٍ، فكان إذا دنا منه إنسانٌ، قال: لا تمسَّه، فإنَّه إنَّما
يزداد ضعفاً، وأضعف ما يكون في هذه الحال، ومن مسَّه على هذه الحال، أعان
عليه، فلما قضى الغلام، أمر به، فأُغمضت عيناه وشُدَّ لَحْياه...» التهذيب:
ج1، ص289. .
كذلك يُستحبُ التعجيلُ بتجهيز الميت، ودفنِهِ، ليلاً مات أو نهاراً، إلاَّ
إذا لم نتيقن من أمر موته، فيُؤخَّرُ إلى حيث ذلك... قال السيِّد اليزدي
الطباطبائي في عروته عند ذكرِ مستحبات ما بعد الموت: التعجيل في دفنه، فلا
ينتظروا اللَّيلَ، إن مات في النَّهار، ولا النَّهار إن مات في اللَّيل،
إلاَّ إذا شك في موته، فيُنتظرُ حتى اليقين العروة الوثقى: ج1، ص375. .
ورُوي عن رسول الله قولُه: «يا معشر الناس! لا أُلِفيَنَّ رجلاً مات له
ميتٌ ليلاً، فانتظرَ به الصبح، ولا رجلاً مات له ميتُ نهاراً، فانتظرَ به
اللَّيل، لا تنتظروا بموتاكم طلوعَ الشَّمس ولا غروبَها، عجِّلوا بهم إلى
مضاجعهم، يرحَمُكُمْ الله، قال الناس: وأنت يا رسول الله يرحَمُكَ الله»
وسائل الشيعة: ج2، ص675. .
وعنه : «كرامةُ الميت، تعجيلُه» وفي العديد من النصوص المباركة وجوبُ تأخير
تجهيزِ الميت مع اشتباه الموت... كالغريق، والمهدوم، والمصعوق، وأشباههم
حتى أنَّ الإمام أبا إبراهيم الكاظم شكا من دفن كثيرٍ من الناس أحياءً بمكة
في سنة من السنين، كانت كثيرة الصواعق... وأنَّهم ما ماتوا إلاَّ في قبورهم
المصدر نفسه: ص677، ح5. .
كذلك يُستحب التطوع لتغسيل الميتِ المؤمن، وروي عن الإمام الباقر أنَّ موسى
ناجى الله تعالى وقال: يا ربِّ ما لمن غسَّل الموتى؟ فقال: أغسِلُه مِنْ
ذُنوبه كما ولدته أُمُّه» الكافي: ج3، ص164. .
ويستحب أيضاً أن يقولَ إذا قلَّبه: «اللَّهمَّ إنَّ هذا بدنُ عبدِك المؤمن،
قد أخرجتَ روحَه منه، وفرَّقتَ بينهما، فعفوك عفوُك» المصدر نفسه. . كما
يُستحبُ التبرع لتكفينه وحفرُ قبره، حيث رُوي عن الباقر قوله: «من كفَّن
مؤمناً كمن ضمن كُسوته إلى يوم القيامة»، وعنه : «مَنْ حفر لميتٍ قبراً،
كان كمن بوَّأه بيتاً موافقاً إلى يوم القيامة» الكافي: ج3، ص164 وص165. .
وخلاصة ما مرَّ معنا: استحبابُ الوصيةِ بشيء من وجوهِ البر والخير، وكراهةُ
مسِّ الميت عند خروج الروح منه، واستحبابُ التعجيل في دفنه بعد موته، إلاَّ
عند الشك، واستحبابُ تغسيله وتكفينه وحفرِ قبره مباشرةً...
التشييع
من المستحبات المؤكدة، المشاركةُ في تشييع الجنائز، وعدم الرجوع إلى أن
يُصلَّى عليها، وتُدفنَ، وتعزيةُ أهل الميت، فقد روى الميسَّر عن مولانا
الباقر أنَّه قال: «من تبع جنازةَ مسلمٍ، أُعطيَ يوم القيامة أربعَ شفاعات،
ولم يقل شيئاً إلاَّ وقال المَلَك، ولك مثل ذلك» وسائل الشيعة: ج2، ص820 ـ
822. .
وروى الأصبغُ بن نباتة عن أمير المؤمنين قولُه: «من تبع جنازةً، كتب الله
من الأجر له أربعة قراريط: قيراطاً باتباعه، وقيراطاً للصلاة عليها،
وقيراطاً بالانتظار حتى يفرغ من دفنها، وقيراطاً للتعزية» المصدر نفسه:
ص822. .
ومن الآداب استحبابُ البقاءِ حتى الدفن، وإن أذنَ وليُّ الميتِ، وقَبِلَ
بالرجوع، وذلك حتى يتمَّ الثوابُ، ويكملَ الأجرُ. ففي الروايات حدَّثنا
زرارة، قال: حضر أبو جعفر جنازةَ رجل من قريشٍ، وأنا معه،... فلمَّا صلَّى
على الجنازة، قال وليُّها لأبي جعفر : ارجع مأجوراً رحمك الله، فإنَّك لا
تقوى على المشي، فأبى أن يرجع، فقلتُ له، قد أذن لك في الرجوع، ولي حاجةٌ
أريد أن أسألك عنها، فقال : امضِ، فليس بإذنه جئنا، ولا بإذنه نرجع،
وإنَّما هو فضلٌ وأجرٌ طلبناه، فبقدر ما يتَّبعُ الجنازة الرجلُ، يؤجر على
ذلك وسائل الشيعة: ج2، ص823. .
ومن الآداب أيضاً، استحبابُ المشي خلفَ الجنازة، أو مع أحد جانبيها، ويُكره
المشيُ قدَّامَها، حيث رُوي عن أهل بيت العصمة والنبوة، أنَّ النبي مشى
خلفَ جنازةٍ، فقيل: يا رسول الله، ما لك تمشي خلفَها؟! فقال: إنَّ الملائكة
رأيتهم يمشون أمامها، ونحن تبع لهم المصدر نفسه: ص824. . وسُمع النبيُّ
يقول: اتَّبِعُوا الجنازة، ولا تتَّبَعْكم، خالفوا أهل الكتاب المصدر نفسه:
ص825. .
وعن الباقر قال: «من أحبَّ أن يمشيَ ممشى الكرامِ الكاتبين، فليمشِ
جَنْبَيْ السرير» وسائل الشيعة: ج2، ص825. .
وتتأكد كراهيةُ المشي أمامَ الجنازةِ في المشرك والكافر، لأنَّ اللعنةَ
وملائكةَ العذابِ تستقبل مثلَ هذه الجنائز، لتُسرعَ بهم إلى النَّار.
ومن الآداب والسُّنن المباركة، أن يمشيَ المشيِّعُ، ولا يركب، فإذا انتهى
التشييعُ، وقام بالسُّنة من التعزية وغيرها... وأراد الرجوع فلا بأس
بالركوب، بمعنى أن يُكره الركوب في الذهاب، ويجوز في الإياب. فقد ذُكر،
أنَّ رجلاً من الأنصار مات، وكان من أصحاب رسول الله فخرج النبي في جنازته
يمشي، فقال له بعض أصحابه: ألا تركب يا رسول الله؟ فقال: إنِّي لأكره أن
أركب، والملائكة يمشون. وأبى أن يركب المصدر نفسه: ج2، ص827. .
ومن السُّنَّة الشريفة، حملُ الجنازةِ مطلقاً، ويُستحب خاصةً حملُها من
جوانبها الأربعة، وفي ذلك العديد من النصوص، منها ما ورد عن مولانا أبي
جعفر حيث قال: «من حمل أخاه الميتَ بجوانب السرير الأربعة، محى الله عنه
أربعين كبيرةً من الكبائر، والسُّنةُ أن يحملَ السرير من جوانبه الأربعة،
وما كان بعد ذلك فهو تطوع» وسائل الشيعة: ج2، ص828، ح6. .
وبذلك يكون قد مرَّ معنا جملةُ آدابٍ ومستحباتٍ وسُنن، نُذكِّر بها، وهي:
استحبابُ التشييع وعدم الرجوع حتى تمام الدفن والتعزية، وإن أذن أهل الميت.
وأن يكون المشيُ خلفَ الجنازةِ أو على جنَبيْها، ويُكره أن يكون أمامها،
وتشتد الكراهةُ في جنازة الكافر والمشرك. كذلك يستحب أن يكون التابعُ
ماشياً على قدميه، يحمل الجنازة من جوانبها الأربعة.
الأرض للدفن، والدفن في المشاهد
من المعروف دفنُ الموتى في قطعٍ من الأرض أعدَّت لذلك. وهذه الأراضي في
الغالب، وقفٌ لموتى المسلمين، حيث لا يجوز استعمالها في أيِّ أمرٍ آخر، حتى
ولو كان فيه البرُّ والخير، أو كان مستحباً بنفسه، كبناء المساجد والمدارس
وغيرها لأنَّ الواقفَ الأساسيَّ للأرض وقفها للدفن.
وتُسمَّى هذه الأرض عادةً بالجبانة أو التربة أو المقبرة، وهي مصطلحات وردت
في النصوص الشريفة.
وهذا لا يمنع من القول باستحباب السماحِ بدفن موتى المسلمين في الأرض التي
نملك... وإن كنَّا ننوي البناءَ عليها، أو الزرع فيها. فالواجب هو الدفنُ
تحت الأرض، وليس بالضرورة أن تكون وقفاً، بل مطلقُ الأرض المأذونة لذلك
صالحة للدفن.
من هنا ورد استحبابُ بذلِ الأرض المملوكةِ للدفن، لواحد أو لأكثر، أكانت
مشتراةً أو موروثةً أو موهوبةً أو مهراً. فقد ورد أنَّ أمير المؤمنين علياً
اشترى أرضاً، ما بين النجف إلى الحِيرة إلى الكوفة، بأربعين ألف درهم،
وأشْهدَ على شرائها، فقال له عقبة بن علقمة: يا أمير المؤمنين، تشتري هذا
بهذا المال... فقال : سمعتُ رسول الله يقول: كوفان كوفان يرِد أوَّلُها على
آخرها، يُحشرُ من ظهرها سبعون ألفاً يدخلون الجنَّة بغير حساب، فاشتهيتُ أن
يُحشروا في ملكي وسائل الشيعة: ج2، ص833. .
ويُستحب نقلُ الميت إلى المشاهد المشرَّفة ليدفنَ فيها، أو زيارتها فقط،
حيث رُوي أنَّه لما حضرتِ الحسنَ الوفاةُ، استدعى الحسينَ بن علي ، فقال
له: يا أخي إنِّي مفارقُك، ولاحقٌ بربِّي، فإذا قضيتُ نحبي، فغمضني
وغسِّلني وكفِّني واحمِلْني على سريري إلى قبر جدي رسول الله لأجدِّد به
عهداً، ثم رُدَّني إلى قبر أُمِّي فاطمة، ثم ردَّني وادفني بالبقيع المصدر
نفسه: ص835 وعدَّة نصوص متفرقة. .
ومن العادات الجارية، في لبنان وغيره من البلدان، القيامُ عند مرور
الجنازة، ونيَّتُهم في ذلك التعظيمُ والتبجيلُ والاحترام. ولكنَّك تُفاجأ
عندما تعلم أنَّ هذا غيرُ مستحب في شريعتنا، إلاَّ إذا كان الميتُ يهودياً
أو كافراً، وعُلِّلَ ذلك لكي لا يعلو على المسلم.
ولعلَّ هذه العادة، جاءَتْنا من اختلاطنا بالمجتمعات غير الإسلامية، فهذه
عاداتهم، حسبما روى زرارة حيث قال: كنتُ عند أبي جعفر وعنده رجلٌ من
الأنصار، فمرّت به جنازةٌ فقام الأنصاري، ولم يقم أبو جعفر فقعدتُ معه، ولم
يزل الأنصاري قائماً حتى مضوا بها، ثم جلس، فقال له أبو جعفر : ما أقامك؟
قال: رأيت الحسين بن علي يفعل ذلك، فقال أبو جعفر والله ما فعله الحسين،
ولا قام لها أحدٌ منَّا أهل البيت قط، فقال الأنصاري: شككتني أصلحك الله،
قد كنتُ أظن أنِّي رأيت وسائل الشيعة: ج2، ص839، ح1. .
وجاء في نص آخر، أنَّ الحسن بن علي ، كان جالساً ومعه أصحابٌ له فمر
بجنازة، فقام بعضُ القوم، ولم يقم الحسن، فلما مضَوا بها، قال بعضهم: ألا
قمتَ عافاك الله؟ فقد كان رسول الله يقوم للجنازة إذا مرُّوا بها، فقال
الحسن : إنَّما قام رسول الله مرة واحدة، وذلك أنَّه مرَّ بجنازةِ يهودي،
وقد كان المكان ضيقاً، فقام رسول الله ، وكره أن تعلوَ رأسه وسائل الشيعة:
ج2، ص839، ح3. .
وهكذا يكون قد مرَّ معنا من المستحبات:
أولاً: استحباب بذلِ الأرضِ المملوكة للدفن.
ثانياً: استحباب نقلِ الميتِ إلى المشاهد المشرَّفة، للدفن أو الزيارة أو
التوديع.
ثالثاً: عدم استحباب القيامِ لمن مرّت به جنازةٌ إلاَّ إذا كان يهودياً أو
كافراً.
مستحبات الدفن
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} سورة الحج: الآية 5. . الإنسان من التراب،
وإلى التراب يعود. وهذه حقيقةٌ شرعيةٌ، مُغفَّلٌ مَنْ لا يعترف بها. إذ
علينا دائماً أن نتذكر هذا الأمر جيداً، لأنَّ مبدأنا منه، ومآلنا إليه:
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ
أَزْوَاجًا} سورة فاطر: الآية 11. ، وجميعنا نعلمُ أنَّ السجود في الصلاة،
يكون غالباً على التراب... وكأنَّ المطلوب منَّا أن نبقى على صلة دائمة
بهذه الفكرة التي تختصر المبدأ والمصير، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ً ïثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}
سورة الروم: الآية 20. .
وفي هذا، ورد استحبابُ جعلِ وسادةٍ من ترابٍ للميت، وإلصاقِ خدِّه بالتراب
أو بالأرض مباشرة. فإذا بكل الغرور والشموخِ الزائف، يتحطم على هذه الوسادة
الترابية، فنفعل ذلك بأيدينا، لتكون موعظةً لنا، فيما يُفعل معنا أيضاً في
المستقبل القريب.
وقد يكون مناسباً، أن نذكر بعضاً من أقوال أمير المؤمنين عندما يتحدث عن
أهوال يومِ القيامة، فتذِلَّ الشُّمُّ الشوامخُ، والصُّمُّ الرواسخ... فلا
شفيعَ يشفع، ولا حميمَ ينفع، ولا معذرةَ تدفع نهج البلاغة: ح195، ص310. .
ففكرةُ اللصوقِ بالتراب، والرجوع إلى التراب، والتحوُّلِ إلى التراب،
تُلاحقنا حتى دفنِ موتانا. وقد ورد عن مولانا الصادق قولُه: «يَجعلُ له
وسادةً من تراب، ويجعلُ خلفَ ظهرِه مدرةً لئلا يستلقي، ويَحلُّ عُقَدَ
كَفَنِه، ويكشِفُ عن وجهه، ثم يُدعى له» وسائل الشيعة: ج2، ص841، ح5. .
ثم بعد وضعه في قبره، والقيامِ بالمسنون وما ذُكر، من الآداب أيضاً أن يقرأ
له الحمدَ والمعوذتين والإخلاص وآيةَ الكرسي، وأن يُلقِّنه الشهادتين
والإقرار بالأئمَّة بأسمائهم، حتى إمامِ زمانه أرواحُ العالمين لتراب مقدمه
الفداء.
رُوي عن الصادق عند وضع الميتِ في قبره: «سِلَّه سلاًّ رفيقاً سلّه سلاًّ
رفيقاً: أي احمله وأنزله بهدوء ورفق. فإذا وضعتَه في لحده، فليكنْ أولى
الناسِ به ممَّا يلي رأسَه، لِيذكُرَ اسمَ اللَّهِ، ويُصلِّي على النبي
أيضاً، وليتعوَّذ من الشيطان وليقرأ فاتحةَ الكتاب والمعوذتين، وقل هو الله
أحد وآيةَ الكرسي، فإن قدر أن يحسِرَ عن خده ويلزُقَهُ بالأرض، فعل،
وليتشهدْ، ويذكرْ ما يعلم، حتى ينتهي إلى صاحبه» وسائل الشيعة: ج2، ص843،
ح5. .
وجاء في رواية أُخرى: «إذا وضعتَ الميتَ في لحده، قرأتَ آيةَ الكرسي، واضرب
يدكَ على منكبه الأيمن، ثم قل: يا فلان، قل: رضيتُ بالله رباً، وبالإسلام
ديناً، وبمحمدٍ نبياً، وبعلي إماماً، وسمِّ حتى إمامَ زمانه» المصدر نفسه:
ص842، ح2. .
وعن صادق آل محمد قال: «إذا أردتَ أن تدفنَ الميتَ، فليكن أعقلُ مَنْ ينزلُ
في قبره عند رأسه، وليكشفْ عن خدِّه الأيمن، حتى يُفضيَ به إلى الأرض،
ويُدنِ فَمَهُ إلى سَمْعهِ، ويقول: اسمعْ، افهمْ، ثلاث مرَّات، الله ربُّك،
ومحمدٌ نبيُّك، والإسلامُ دينُك، وفلان إمامك، اسمع وافهم، وأعِدْها عليه
ثلاث مرَّات» المصدر نفسه: ص843، ح4. .
وعن ابن عبَّاس قال: «إنَّ النبيَّ لما وضع فاطمة بنتَ أسد، أمَّ علي بن
أبي طالب، في قبرها، زحف حتى صار عند رأسها، ثم قال: يا فاطمة، إن أتاكِ
منكرٌ ونكير، فسألاكِ عن ربك، فقولي: الله ربِّي، ومحمد نبيي، والإسلام
ديني، والقرآن كتابي، وابني إمامي ووليي» ثم قال : «اللَّهمَّ ثبِّت فاطمةَ
بالقول الثابت»، ثم خرج من قبرها وحثا عليها حثيات وسائل الشيعة: ج2، ص844،
ح9. .
وبذلك، يكون مُلخَّصُ ما مرَّ معنا من آداب ومستحبات الدفن:
استحباب جعلِ وسادةٍ من تراب للميت، وجعلِ خدِّه عليها، أو على الأرض.
واستحبابَ قراءةِ الحمدِ والمعوذتين والإخلاص وآية الكرسي، عند وضع الميت
في قبره، ثم تلقينه الشهادتين والإقرار بالأئمَّة .
آداب الدفن
من آداب دفن المسلم الميت: إدخالُه القبرَ، إدخالاً هادئاً متأنياً رفيقاً،
من دون سرعةٍ أو تعنيف، ويكون إدخال الرجلِ من جهة الرجلين، والمرأة من جهة
القبلة الشريفة، حيث ورد عن جعفر بن محمد الباقر ، في حديث شرائع الدِّين،
أنَّه قال: «والميتُ يُسَلُّ من قبل رجليه سلاًّ، والمرأة تؤخذ بالعرض من
قبل اللحد، والقبور تُربع ولا تُسنم» وسائل الشيعة: ج2، ص849، ح5. . أي لا
تُحدَّب، لأنَّ هذا الفعل من أعمال غيرنا.
أما الدافن فيستطيعُ الدخول في القبر من أي ناحية شاء، ولكنَّ المسنون
والمستحبَ أن يخرج من جهة رِجلي الميت، فقد ورد عن السكوني، عن الصادق
أنَّه قال: «مَنْ دخل القبر، فلا يخرجْ منه إلاَّ مِنْ قبل الرجلين» وسائل
الشيعة: ج2، ص850، ح1. .
ويجوز أن ينزِلَ إلى القبر أكثرُ من واحد، لإتمام عملية الدفن على الوجه
الصحيح، وليس هناك عددٌ محدد ينبغي التقيدُ به. نعم، عليهم الخروجُ من جهة
الرجلين، كما ذُكر قبل قليل، مع إخراج السرير، أي النعش الذي يُحملُ الميتُ
عليه، من الجهة نفسها، بهدوء ورويَّة، فيُسلُّ سلاًّ.
روي عن أبي حريم الأنصاري، عن أبي جعفر : أنَّ علياً دخل القبر، بعدما
كُفِّن الرسولُ ، ووضعه على يديه، وأدخل معه الفضلَ بنَ العباس، فقال رجلٌ
من الأنصار، من بني الخيلا، يُقال له: أوسٌ بنُ الخوْلي: أنشدُكم الله أن
لا تقطعوا حقَّنا، فقال له علي : أدخل، فدخل معهما. فسألته: أين وُضع
السرير؟ فقال: عند رِجل القبر، وسُلَّ سلاًّ» المصدر نفسه: ح2. .
كل هذا بالنسبة لعامة المؤمنين الذين يبتغون الأجرَ والفضل. أما الوالد
خاصةً، فيُكره له النزول في قبر ولدِه، ورُبَّما يكون ذلك راجعاً إلى الخوف
من جزعه وهلعه، فَيحبَطَ أجرُه. أما العكس فلا بأس به، وهو نزول الولد في
قبر والده ليلحدَه. وفي هذا المعنى ما ذُكر عن الصادق من أنَّه لم ينزل في
قبر ولده إسماعيل، وقال: هكذا فعل النبي بإبراهيم ولده، وما ورد عن الصادق
: «الرجل ينزل في قبر والده، ولا ينزل الوالد في قبر ولده» وسائل الشيعة:
ج2، ص851، ح2 وح3. .
وذكر عبد اللَّهُ بنُ راشد أنَّه كان مُشرفاً برفقة الإمام الصادق عندما
مات ولدُهُ إسماعيل، فأُنزل في قبره، ثم جلس الإمام على حاشية القبر، من
جهة القبلة، ولم ينزل إليه، ثم قال : هكذا صنع رسولُ الله بإبراهيم ولدِه
المصدر نفسه: ص852، ح7 وح8. .
وفي حديث عن علي أنَّه كما قُبض إبراهيم ابنُ رسول الله قال عليه الصلاة
والسلام: يا علي انزلْ فألحِدْ ابني، فنزل ، فألحَدَ إبراهيمَ في لَحْدٍ،
فقال الناسُ: إنَّه لا ينبغي لأحدٍ أن ينزلَ في قبر ولده، إذ لم يفعل رسولُ
الله ، فقال لهم رسولُ الله : يا أيُّها الناس، إنَّه ليس عليكم بحرام، أن
تنزلوا في قبور أولادكم، ولكني لستُ آمن إذا حلَّ أحدُكُم الكفنَ عن ولده،
أن يلعبَ به الشيطان، فَيَدْخُلَه عند ذلك من الجزع، ما يُحبط أجرَه، ثم
انصرف وسائل الشيعة: ج2، ص852، ح4. .
ويُستحب نزولُ الزوجِ في قبر زوجته، ليُباشِرَ دَفنها بنفسه، وقد يُساعدُه
من كان يراها في حياتها، كمحارمها مثلاً.
وقد مضتْ سُنَّةُ رسول الله أنَّ المرأة، لا يدخُلُ قبرَها إلاَّ من كان
يراها في حياتها المصدر نفسه: ص853، ح1. .
وعن الصادق : «الزوجُ أحقُّ بامرأته، حتى يضعَها في قبرها» المصدر نفسه:
ح2. .
فيكون قد مرَّ معنا من آداب ومستحباتِ الدفن في الإسلام:
إدخالُ الرجلِ الميتِ من جهة رجليه، والمرأةِ من جهة القبلة، بهدوء،
وتأنٍّ، واستحبابُ خروجِ الدافن من جهة الرجلين، أما دخولُه فجائز من أي
جهة كان وكراهةُ دفنِ الوالدِ لولده خوفاً من الجزع، مع جواز العكس،
واستحباب دفن الزوج لزوجته.
ما بعد الدفن
يُكرهُ أن يطرحَ الوالدُ على قبر ولده التراب، وكذا الحكمُ لكل ذي رحم،
لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى قساوة القلب.. ولكن ليقرأ عليه الفاتحة، وما ورد من
أدعيةٍ كثيرة... وليتركْ رَمْيَ الترابِ على قبره. فقد روى عبيدُ بن زرارة،
قال: مات لبعض أصحاب أبي عبد الله ولدٌ، فحضر أبو عبد الله فلمَّا أُلحد،
تقدَّم أبوه فطرح عليه التراب، فأخذ أبو عبد الله بكفيه وقال: لا تطرح عليه
الترابَ، ومَنْ كان منه ذا رحم، فلا يطرح عليه التراب، فإنَّ رسول الله نهى
أن يَطْرح الوالدُ أو ذو رحمٍ على ميِّته التراب، فقلنا: يابن رسول الله،
أتنهانا عن هذا وحدَه؟ فقال: أنهاكم أن تطرحوا الترابَ على ذوي أرحامكم،
فإنَّ ذلك يورثُ القسوةَ في القلب، ومن قسا قلبُه بَعُدَ من ربه وسائل
الشيعة: ج2، ص855، ح1. .
ويُستحب رفعُ القبرِ عن الأرضِ أربعَ أصابعَ مضموماتٍ أو مُفَرَّجات، حتى
الشبر، ليس أكثر. وفي ذلك الكثيرُ من الروايات، وبعضُها متواتر، منها ما
ورد عن مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر أنَّه قال: إذا حُملتُ إلى المقبرة
المعروفة بمقابرِ قُريش، فألحدوني بها، ولا ترفعوا قبري أكثر من أربعِ
أصابعَ مفرجات وسائل الشيعة: ج2، ص858، ح11. .
ومن الأُمور المشهورة، رشُّ الماء على القبر، وهذا من السُّنن والمستحبات،
وأن يبدأ بالرش من عند الرأس ثم يدور، إلى الوسط، فيصل إلى الرِجل، فيُتابع
إلى أن يُتمَّ الدورةَ، فيجعلَ الباقيَ من الماء، في الوسط، حيث ورد في ذلك
عن الصادق أنَّه يتجافى عنهم العذاب، ما دام الندى في التراب المصدر نفسه:
ص859، ح2. .
ولا بأس بتكرار ذلك لأيامٍ عديدةٍ وإن طالت. إذ كان هذا على عهد رسول الله
المصدر نفسه: ح3. .
كما ورد عن الصادق قوله: «السُّنَّة في رشِّ الماء على القبر، أن تستقبل
القبلةَ، وتبدأ من عند الرأس، إلى عند الرِجل، ثم تدور على القبر من الجانب
الآخر، ثم يُرشُّ على وسط القبر، فكذلك السُّنة وسائل الشيعة: ج2، ص859،
ح1. .
بعد ذلك يُستحب وضعُ اليد على القبر، من جهة الرأس، واستقبالُ القبلة، مع
تفريج الأصابع، حتى يظهرَ أثرُ ذلك في التراب. ويتأكدُ هذا العمل لمن لم
يُوفَّقْ للصلاة على الميت. وقد جاء في الحديث عن أبي جعفر أنَّه قال:
«وإذا حُثي عليه الترابُ، وسُوي قبرُه، فضعْ كفَّك على قبره عند رأسه،
وفرِّج أصابعك، واغمز كفَّك عليه، بعدما يُنضحُ بالماء» المصدر نفسه: ص860،
ح1. .
وعن إسحاقَ بن عمار قال: قلتُ لأبي الحسن : إنَّ أصحابنا يصنعون شيئاً: إذا
حضروا الجنازة، ودُفن الميتُ لم يرجعوا حتى يمسحوا أيديَهم على القبر،
أفسُنَّةٌ ذلك أم بِدعة؟ فقال : «ذلك واجب على مَنْ لم يحضرِ الصلاةَ عليه»
المصدر نفسه: ح2. .
والوجوب هنا محمول على تأكد الاستحباب، كما أورده صاحبُ وسائل الشيعة رضوان
الله عليه. وفي بعض النصوص، أنَّ النبي المصطفى كان يفعل ذلك على بني هاشم،
على وجه الخصوص... حتى يُرَى أثرُ أصابعه الشريفة في الطين. فكان الغريب
يَقْدُمُ أو المسافرُ من أهل المدينة، فيرى القبرَ الجديدَ عليه أثرُ كفِّ
رسول الله فيقول: من مات من آل محمَّد وسائل الشيعة: ج2، ص861، ح4 وح2. .
كذلك يُستحب بعد ذلك، القيامُ على القبر والدُّعاءُ للميت، وقراءةُ القدرِ
سبع مرات، وآية الكرسي مرة، وإهداءُ ثوابِها إلى الأموات.
ومن المعروف والمشهور بين الناس، استحبابُ تلقين الميت بعد وضعه في قبره.
وهناك موضعٌ آخرُ ذُكر فيه استحبابُ التلقين عندَه أيضاً، وهو بعد تمام
عملية الدفن، وبعد انصراف الناس عن المقبرة، وقد ذكر الإمام الصادق ذلك، في
مَعْرِض إرشاده لبعض أصحابه عن كيفية درء منكرٍ ونكيرٍ عن الميت، فقال :
«إذا أُفرد الميتُ فليتخلَّف عنده أولى الناسِ به، فيضعُ فمَه عند رأسه، ثم
يُنادي بأعلى صوته: يا فلان ابنَ فلان، أو يا فلانة بنتَ فلان، هل أنت على
العهد الذي فارقتِنا عليه، من شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك
له، وأنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، سيِّد النبيين، وأنَّ علياً أميرُ
المؤمنين وسيِّدُ الوصيين، وأنَّ ما جاء به محمَّدٌ حق، وأنَّ الموت حق،
والبعثَ حق، وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث مَنْ في
القبور»... «... فإنَّه إن فعل ذلك، قال أحدُ الملكين لصاحبه، قد كُفينا
الوصولَ إليه، مسألتنا إيَّاه، فإنَّه قد لُقِّن حجَّتَه، فينصرفان عنه،
ولا يدخلان عليه» وسائل الشيعة: ج2، ص863، ح1. .
وما نراه من كتابة اسم الميت على القبر، لتحديد هويتِه، هو من السُّنَّة
ولا بأس فيه، وقد نصّ على ذلك الفقهاءُ في فتاواهم، طِبقاً لما ورد في
الروايات والنصوص عن أهل بيت العصمة .
ويبدو أنَّ الهدفَ من كتابة اسم الميت على قبره، التأكيد على استحباب
زيارته، من قِبَلَ أهله وسائر المؤمنين، وحتى لا يُنسى، ومن المعلوم
استحبابُ زيارةِ القبور.
وفي موضوعِ ذكر الاسم على القبر ورد: أنَّه لما رجع أبو الحسن، موسى الكاظم
من بغداد، ومضى إلى المدينة، ماتت له ابنةٌ، فدَفَنَها وأمر بعضَ مواليه،
أن يُجصِّصَ قبرَها، ويكتبَ على لوح اسمها، ويجعله في القبر المصدر نفسه:
ص864، ح2. .
وعن جارية لأبي محمد ، أنَّ أُمّ المهدي ماتت في حياة أبي محمد، وعلى قبرها
لوحٌ مكتوبٌ عليه، هذا قبر أُمِّ محمد وسائل الشيعة: ج2، ص864، ح3. .
وذكر استحباب تغطية القبر بثوب بعد وضع الميت فيه إن كان امرأة، وجواز ذلك
إن كان الميت رجلاً المصدر نفسه: ص875. .
ومن لطائف الأُمور، ودقائقها، والتي رُبَّما لا يُلتفتُ إليها: استحبابُ أن
يكون وليُّ المرأةِ في مؤخر قبرها حالَ إنزالها إليه. فإذا عطفنا هذا على
بعض الاستحبابات المتقدمة معنا سابقاً، من أنَّ أولى الناس بالمرأة زوجُها،
أو محارمُها، أو من كان يراها في حياتها. تُبَيَّنَ أنَّ المطلوب، أن لا
يُباشِر دفنها أحدٌ غيرُ هؤلاء.
وفي هذا السياق يردُ ما نحن فيه، من استحباب أن يكون وليُّها في مؤخِّر
قبرها ليُنزلَها إليه... ونحن نُلاحظ من خلال الواقع، والتجربة أنَّه عند
إنزال الميت إلى قبره، يسبقه بعضُ الناس فيتناولونه وهم متأهبون لذلك،
وتبقى الصعوبة، في الطرف الأعلى من الجثة، حيث يُبادرُ الناس عَفْوياً
للإمساك به خوفاً من الوقوع. وهنا يُذكر هذا الاستحباب، من كون الولي
مستعداً في هذه اللحظات، فيقوم بواجبه.
فحتى هذا الأمر، لم يُهمَلْ في شريعة الإسلام، وإن كان يبدو صغيراً...
فسبحان الله الذي جعل لكل واقعةٍ حكماً، ولكل حادثةٍ تشريعاً. والحمد لله
الذي جعلنا مسلمين.
وبذلك يكون قد مرَّ معنا من آداب ما بعد الدفن: كراهيةُ طرحِ الوالدِ
الترابَ على قبر ولده، واستحبابُ رفعِ القبر إلى حدِّ الشبر لا أكثر، ورشِّ
الماء مع وضع اليد على القبر من جهة الرأس. وأخيراً قراءة القدر سبع مرات
وآية الكرسي مرة واحدة مع إهداء الثواب إلى الأموات. وقد ورد أنَّ الله
تعالى يجعلُ له من كل حرفٍ ملكاً يُسبِّحُ له إلى يومِ القيامة وسائل
الشيعة: ج2، ص262، ح4. .
كذلك يُستحبُّ تلقينُ الميتِ بعد تمام دفنه، وانصرافِ الناس. وكتابةُ اسمه
على قبره. كما يستحب أيضاً أن يستلمَ الميتَ إذا كان امرأةً أولى الناس
بها، عند إنزالها في قبرها عرضاً، فإنَّه أستر، كما نُصَّ على ذلك المصدر
نفسه: ح1. .
الميت في البحر
المؤمن عزيز عند الله وعزتُه من عزته عزَّ وجلَّ: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ
وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ
يَعْلَمُونَ} سورة المنافقون: الآية 8. .
وفي الحديث الشريف: «إنَّ المؤمن أكرمُ على الله عزَّ وجلَّ من مَلَكٍ
مقرَّب» ميزان الحكمة: ح1398. .
وورد في كتاب البحار، أنَّ النبي نظر إلى الكعبة فقال: «مرحباً بالبيت ما
أعظمك وأعظم حرمتك على الله؟ والله لَلمؤمن أعظمُ حرمةً منك» المصدر نفسه:
ح1396. .
وهذه العزةُ والكرامةُ تبقى إلى ما بعد الموت، فيُغسَّلُ ويُكفَّنُ
ويُصلَّى عليه على سبيل الوجوب، لا التخيير أو الاضطرار أو الاستحسان، ثم
يُدفنُ في مقابر المسلمين.
أما الكافرُ فلا يُفعلُ به شيءٌ ممَّا ذُكر، بل يَحْرُمُ فعلُ ذلك له، ولو
كان ذا وجاهةٍ أو منصبٍ، أو قرابةٍ مع أحد ممَّن تشرَّف بالإسلام، وبذلك،
أفتى الفقهاءُ رضوانُ الله عليهم... لأنَّ هذه الأُمور، تكريمٌ للميت،
والكافرُ لا كرامةَ له، ولا حرمةَ، من وجهةِ نظر الشرعِ المقدَّس، فلا
يُدفنُ في مقابر المسلمين، وإذا دُفن خطأً أو اشتباهاً يُنبشُ ويُخرج.
فقد سُئل الإمامُ الصادق عن النصراني يكون في السفر، وهو مع المسلمين،
فيموت، قال: لا يُغسِّلُهُ مسلمٌ ولا كرامة، ولا يدفُنُه، ولا يقوم على
قبره، وإن كان أباه وسائل الشيعة: ج2، ص865، ح1. .
والحفاظُ على كرامةِ المسلم مسألةٌ قائمةٌ، في كلِّ الأحوال، وإن مات في
البحر مثلاً، فحتى هذه الحالة لها تشريعٌ خاصٌ وهو: أن يُوضعَ في إناء كبير
كخابية مثلاً، ويُشدَّ رأسُه، ويُثقَّلَ، ويُرسلَ إلى الماء، وهذا طبعاً
بعد تغسيله وتكفينه، وغيرِ ذلك من الواجبات الأُخرى.
وهذا ما أجاب به أبو عبد الله عندما سُئل عن رجل مات وهو في السفينة، في
البحر، كيف يُصنع به؟ قال: يوضع في خابية، ويوطأُ رأسُها، وتُطرحُ في الماء
وسائل الشيعة: ج2، ص866، ح1. .
ويجوز أن يُفعلَ نفسُ هذا الفعل بمن يُخشى على قبره من نبش العدو، أو حرقِه
أو إهانته، كما فُعل ذلك كثيراً بالثوار والمجاهدين، وأنصار أهل البيت في
التاريخ، من قِبَلِ الظالمين والطغاةِ والمستبدين.
فلا بأس في مثل هذه الحالات، أن يؤخذَ الميتُ المسلم، ويُفعلَ به ما تقدَّم
ثم يُجعلَ في البحر، فقد سأل الإمام الصادق سليمان بن خالد عن عمه زيدٍ
فقال له: إنَّهم كانوا يحرسونه، فلما شفَّ الناسُ شفّ الناس: أي قلُّوا.
أخذنا جُثَّته، وقذفناه على شاطىء الفرات، ولكنَّ الجنود طلبوه فوجدوه
فأحرقوه، فحزن الصادق على ذلك وقال: سبحان الله، أفلا كنتم أوقرتموه
حديداً، وقذفتموه في الفرات، صلى الله عليه، ولعن الله قاتِله وسائل
الشيعة: ج2، ص867، ح1 وح2 (بتصرف). .
وفي هذه إشاراتٌ عديدةٌ إلى مدى الحفاظ على حرمةِ المسلم، حياً وميتاً، وفي
كلِّ حال... وإلى ما عاناه أنصارُ وشيعةُ أهلِ البيت من الظلم والعدوان...
حتى أنَّ حقدَ أعدائهم كان يُلاحقهم إلى قبورهم، بقصد نبشها أو إحراقها،
فصلواتُ الله على الشُّهداء المظلومين والمخلصين.
وخلاصةُ ما تقدَّم: عدمُ جوازِ دفن غير المسلم في مقابر المسلمين، وجواز
وضعِ الميتِ المسلمِ في البحر في بعض الحالات: كالسفر في البحر، أو الخطرِ
من نيل الأعداء منه بعد موته.
آداب التعزية
الحمد لله الذي نسأله أن يرحم غربتَنا، ويصلَ وحدتنا، ويحشرَنا مع مَن
نتولى.
من الأُمور الدارجة في لبنان، رفعُ القبورِ عن سطح الأرض بحيث قد تبلغُ
أحياناً أكثرَ من ذراع، وبعضُ الناس يرفعون قبورَ وجهائِهم أو زعمائهم حتى
يكادَ أن يُشْبِهَ مقاماً صغيراً، أو مسجداً بسيطاً.
ويسهو الكثيرون أنَّ في ذلك إشكالاً شرعياً، قد يصل إلى درجة الحرام، أو
الكراهية. فوجهُ الحرمة أن يأخذ من أرض الوقف أكثرَ ممَّا ينبغي، أو ممَّا
يجوز، مَثَلَه في ذلك كمثل سائرِ موتى المسلمين، فالأرض ليست له،
والجبّانةُ وقفٌ لا يجوز له أن يتفرَّد في التصرف بأرضها، حتى يُصادِرَ
منها أمتاراً كثيرة، بينما حقُّه العاديَ مترٌ أو متران.
هذا بالنسبة للحرمة، وأما الكراهيةُ، فيكفي ما ورد من نصوص فيها، فضلاً
عمَّا تعنيه من تفخيم وتعظيم، فقد ورد عن الأئمَّة الأطهار ، كراهةُ البناء
على القبر في غير قبر النبي والأئمَّة . وعن علي بن جعفر قال: سألت أبا
الحسن موسى عن البناء على القبر؟ فنهاه عن ذلك وسائل الشيعة: ج2، ص869، ح1.
.
وروى الصادق أنَّ النبي : نهى أن يُبنى على القبر المصدر نفسه: ح2. .
وقال أمير المؤمنين : «بعثني رسول الله في هدم القبور وكسرِ الصور» المصدر
نفسه: ص870، ح6. .
وعن الصادق قال: «لا تبنوا على القبور، ولا تُصوِّروا سقوفَ البيوت» المصدر
نفسه: ح3. .
ومن الأفضل تركُ الجلوس لمن شيع جنازةً حتى يوضع الميتُ في لحده المصدر
نفسه: ص871. . ويُستحبُ تعزيةُ أهل الميتِ، لا سيَّما الثكلى منهم، هكذا
نطقت النصوص، ومنها المذكور عن أمير المؤمنين حيث قال: «مَنْ عَزى الثكلى،
أظلَّه الله في ظل عرشه، يوم لا ظلَّ إلاَّ ظلُّه» وسائل الشيعة: ج2، ص872،
ح5. .
ويجوز أن تكون التعزيةُ قبل الدفن وبعدَه، وإن تأكد الاستحبابُ بعده حيث
ورد عن الصادق : «التعزية لأهل المصيبة بعدما يُدفن» المصدر نفسه: ص873،
ح1. .
حتى أنَّ بعض النصوصِ المباركة وردت بصيغة الوجوب، وحملها الحر العاملي،
على الاستحباب المؤكد. وليس بالضرورة أن تكونَ التعزيةُ بالمصافحة والتقبيل
مثلاً، بل يكفي فيها، أن يراه أهلُ المصيبة، فيعلمون بوجوده، ويستأنسون
ويُروِّحون عن أنفسهم، بمن شاركهم مصابهم، وخفَّف عنهم، فقد ورد عن الصادق
: «كفاك من التعزية، أن يراك صاحبُ المصيبة» المصدر نفسه: ص874، ح4. .
ومن آداب وسُننِ التعزية الدُّعاء لأهل المصيبة، بالخلف والأجرِ والتسلية
والاحتساب. وقد ورد عن الأئمَّة الأطهار الكثيرُ من التعزية لأصحابهم
وغيرهم، ونذكر بعضها للتبرك والتسلية والتخفيف، خاصةً لأهالي وعوائل شهداء
الإسلام، والمقتولين ظلماً، حيث ورد أنَّ مولانا الصادق عزَّى رجلاً بابن
له، فقال: الله عزَّ وجلَّ خيرٌ لابنك منك، وثوابُ الله خيرٌ لك من ابنك،
فلما بلغه شدَّةُ جزعِه بعد ذلك، عاد إليه، فقال له: قد مات رسول الله ،
أفما لك به أسوة؟ فقال الرجل: إنَّه كان مراهقاً، فقال : «إنَّ أمامه ثلاث
خصال: شهادةَ أن لا إله إلاَّ الله، ورحمة الله، وشفاعة رسول الله ، فلن
تفوتَه واحدةٌ منهن، إن شاء الله» وسائل الشيعة: ج2، ص874، ح1. .
وكتب أبو جعفر الثاني إلى رجل: ذكرتَ مصيبتكَ بعليٍّ ابنك، وذكرت أنَّه كان
أحبَّ ولدِك، وكذلك الله عزَّ وجلَّ، إنَّما يأخذ من الولد وغيره، أزكى ما
عند أهله، ليعظُم به أجرُ المصابِ بالمصيبة، فأعظمَ الله أجرك، وأحسن عزاك،
وربط على قلبك، وإنَّه قدير، وعجل الله عليك بالخلف، وأرجو أن يكون الله قد
فعل، إن شاء الله المصدر نفسه: ح2. .
وأتى أبو عبد الله قوماً قد أصيبوا بمصيبة، فقال: جبر الله وَهْنكم، وأحسن
عزاكم، ورحم متوفاكم، ثم انصرف المصدر نفسه: ح3. .
فملخص ما مرَّ معنا: كراهيةُ البناءِ على القبر، واستحبابُ التعزيةِ ولو
بالرؤية فقط، والدُّعاءِ لأهل الميت بالصبر والخلف.
اتخاذ النعش وزيارة القبور
تشييع الميتِ مستحبٌ مؤكد، كذلك حملُ الميت، الذي يُمكنُ أن يكون بأيِّ
طريقة... وقد ذُكر استحبابُ جعل النعش لحمل الميت خاصة إذا كان امرأةً،
وربَّما يرجع ذلك إلى المبالغة في صيانتها، والاحتياط في سترها، والزيادة
في حفظها عند حملها.
وهذا الأدبُ الكريم والسُّنةُ الجليلة يُنسبُ أولُ ما يُنسبُ إلى فاطمة
الزَّهراء سلام الله عليها. فعن عدةِ رواة، من بينهم الحلبي، وسليمانُ بن
خالد، أنَّهم سألوا الصادق عن أول مَنْ جُعل له النعشُ، فقال: فاطمة بنتُ
رسول الله وسائل الشيعة: ص876 الأحاديث: 1 ـ 3 ـ و5. .
وكانت وفي آخر أيام عمرِها عندما مرضتْ، ونحِلتْ، قد طَلَبَتْ من أسماءَ
بنت عميس، أن تسترها بشيء عند موتها، لأنَّ مرضها كان شديداً، فاقترحت
عليها أسماءُ أن تصنع لها نعشاً، كما رأته في هجرتها إلى الحبشة، فدعت
بسرير، فأكبَّته لوجهه، ثم أرسلت إلى جرائد رطبة، فشدَّته على قوائم
السرير، ثم جلَّلته ثوباً، وقالت: وهكذا رأيتهم يصنعون، فتبسمت فاطمةُ
سلامُ الله عليها، وطلبتْ صنعَ مثلِه، وقالت: استريني سترك الله، وما
شوهدتْ متبسمة إلاَّ يومئذٍ وسائل الشيعة: ص876 الحديثان: 2 و5 (بتصرف). .
وفي نصّ آخر، دلالاتٌ وإشارات، على أنَّها قالت لأسماء بنت عميس: إنِّي قد
استقبحتُ ما يُصنعُ بالنساء، إنَّه يُطرح على المرأة الثوبُ فيصفَها لمن
رأى، فقالت: يا بنت رسول الله ، أنا أصنعُ لكِ شيئاً رأيته بأرض الحبشة،
قالت: فدعوتُ بجريدة رطبة، فحبستُها، ثم طرحتُ عليها ثوباً، فقالت فاطمة،
ما أحسن هذا، وأجمله، لا تُعرفُ به المرأة من الرجل المصدر نفسه: ح6. .
ومن جملة الآداب والمستحبات، زيارةُ القبور، وقراءةُ القرآنِ عندها،
والتفكُّرُ في المصير والمآل، والدُّعاءُ عندها، لأنَّ القلبَ يكون خاشعاً،
والنفسُ خاضعةً، ويُستحب، خاصة عند قبر الوالدين، طلبُ الحوائج، فإنَّها
تُجابُ وتُلبَّى إن شاء الله، كرامةً للوالدين، أو للنفسِ المكسورةِ
عندَهما.
فعن محمد بن مسلم قال: قلتُ لأبي عبد الله : الموتى أزورهم؟ قال: نعم،
قلتُ: فيعلمون بنا إذا أتيناهم؟ فقال: «إي والله، إنَّهم ليعلمون بكم،
ويفرحون بكم، ويستأنسون إليكم» وسائل الشيعة: ج2، ص878، ح2. .
وعن أمير المؤمنين قال: «زوروا موتاكم، فإنَّهم يفرحون بزيارتكم، وليطلُبْ
أحدُكُم حاجته عند قبر أبيه، وعند قبر أُمّه، بما يدعو لهما»، وفي حديث
آخر: بعدما يدعو لهما المصدر نفسه: ح5. .
وزيارةُ القبور مستحبةٌ على كلِّ حال وفي أي وقت، وإن كان الاستحبابُ يتأكد
يومَ الاثنين والخميس والسبت. فقد كانت الزَّهراء تزور قبورَ شهداء الإسلام
الأبرار، ولا تنساهم، حيث كانت سلام الله عليها، تزور الشُّهداءَ والمقابر
مرتين في الأسبوع: الاثنين والخميس... وتزورهم أيضاً، حَسَبَ بعضِ
الروايات، صباحَ السبت، فتأتي قبر حمزةَ، وتترحمُ عليه، وتستغفرُ له وسائل
الشيعة: ج2، ص879، ح1 وح2. .
أما الرسول فكان يخرج في ملإٍ من الناس، من أصحابه، كلَّ عشيةِ خميس، إلى
مقبرة البقيع، ويقف ويقول: السلام عليكم يا أهل الديار، ثلاثاً رحمكُمُ
الله ثلاثاً أيضاً المصدر نفسه: ح3. .
وبذلك يكونُ مجملُ ما مرَّ معنا من مستحبات:
استحبابُ اتخاذِ النعشِ عند تشييع الميت خاصة المرأة. واستحبابُ زيارةِ
القبور، وطلبِ الحوائج عندها خاصة الوالدين، وكما تُستحبُ زيارة القبور
مطلقاً، وخاصة يومَ الاثنين والخميس، وعشيةَ الخميس، والسبت.
زيارةِ القبور
فوائد زيارةِ القبور كثيرةٌ جداً، على الأفراد والمجتمعات، فضلاً عمَّا هو
مستورٌ علينا، ومجهول عندنا، من أُمور الغيب والآخرة، إذ لا يخفى ما في
زيارة القبور من آثار هامةٍ على النفس، والتذكرة، والموعظة والاعتبار،
والوفاء والصدق، ورقةِ القلب والتواضعِ، وقمعِ الهوى واتباعِ الصراطِ،
وتهذيب النفس، ولجم العنفوان، والتفكُّر والحنين إلى السَّلف الصالح،
والشوق إلى الراحة وجوارِ الله.. إضافةً، إلى تقوية الأواصر الاجتماعية
والإيمانية، والأخوةِ وتجديد العهد، وتأكيدِ النهج، خاصةً إذا كانت
الزيارةُ زيارةَ الشُّهداء.
وعلى كلِّ حال، تُستحب زيارةُ القبور، خاصة الأرحام منهم، والشُّهداءَ كما
كانت تفعل فاطمةُ الزَّهراء سلامُ الله عليها.
وحتى يزيد تأثيرُ الزيارة في النفس، يُستحبُ التسليمُ على الأموات،
وتحيتُهم، والدُّعاء لهم، والترحمُ عليهم، حتى كأنَّنا نخاطبُ الأحياءَ..
وهذا يؤثر شديداً في النفس، فتتفاعلُ مع ما ينطق به اللِّسان، ويُخزنُ في
الجنان.
نخاطبُ الصالحين والمؤمنين والشُّهداء والصدِّيقين، وأهلَ الجنات... وفي
ذلك مُتنفسٌ لنا، وبثٌ لشكوانا، وتفريجٌ لهمِّنا.
وقد ورد الكثيرُ من التأكيد على زيارة الأموات، والتسليم عليهم... ووعدِ
النفس بأنَّها بهم لاحقة، وعلى طريقهم سالكة، فعن رسول الله والصادق في
كيفية التسليم على الأموات أو عند دخولِ الجبانة، الشيءُ الكثير، منه أن
نقول: «السلام على أهلِ الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا فرطٌ، ونحن
إن شاء الله بكم لاحقون» وسائل الشيعة: ج2، ص880، ح1. .
أو نقول: «السلام عليكم أهلَ الديار من قومٍ مؤمنين، ورحمة الله وبركاته،
أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، رحم الله المستَقْدمين منكم والمستأخرين،
وإنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون» المصدر نفسه: ح4. .
أو يقول: «السلام على أهل الجنَّة...» وسائل الشيعة: ج2، ص880، ح5. .
ويُستحب وضعُ الزائرِ يدَه على القبر، بعد أن يستقبلَ القبلةَ، ويقرأ سورةَ
القدرِ سبع مرات. روى ذلك محمد بن إسماعيل عن الرِّضا ، وزاره علي بن بلال
وكان يقول: قال لي صاحبُ القبر عن الرضا ... (إلى آخر الرواية) المصدر
نفسه: ص881، ح1. .
ونفس الشيء جرى مع محمد بن أحمد بن يحيى ومع إبراهيم بن هاشم وغيرهما
المصدر نفسه: ح3 وح6. فهؤلاء جميعاً كانوا يأتون إلى قبر محمد بن إسماعيل
بن بزيع، فيستقبلون القبلةَ، ويضعون أيديَهم على القبر ويقرأون القدر سبع
مرات... ثم يقولون حدَّثَنا صاحبُ هذا القبر.
ومن فضل هذا العمل، أنَّه يُؤمِنُ من الفزع الأكبر، ويغفرُ الله له ولصاحب
القبر المصدر نفسه: ح1 وح6. .
ومن الآداب في الإسلام، الدُّعاءُ للميت، وهذا منتهى الإخلاص، والوفاء. فقد
سأل محمد بن مسلم الإمام الصادق عمَّا يقول إذا زار الموتى؟ فقال : «قل:
اللَّهمَّ جاف الأرضَ عن جنوبهم، وصاعِدْ إليك أرواحَهم، ولقِّهم منك
رضواناً، وأسكِنْ إليهم من رحمتك، ما تصلُ به وحدَتهم، وتؤنس به
وَحْشَتَهم، إنَّك على كلِّ شيءٍ قديرٌ» وسائل الشيعة: ج2، ص882، ح1. .
فالمتقدمُ معنا من آداب السلوك في زيارة القبور التسليمُ على الموتى،
والدُّعاءُ لهم، ووضعُ اليد على قبورهم، واستقبالُ القبلة، وقراءةُ القدر
سبع مرات.
من الجنازة
لاحظنا، من الأحاديث المتقدمة، أنَّ الإسلام اهتم بكل صغيرة وكبيرة من شؤون
الميت، فبعضُها جعله واجباً، وبعضُها مستحباً، ولم يترك أمراً إلاَّ وجعل
فيه حكماً وسنةً، ومن جملة هذه الأُمور، استحبابُ اتقانِ بناءِ القبر،
والأُمورِ الأُخرى التي تتعلق به، من تسوية الحفرة أو اللحد، وسدِّه
بالحجارة والتراب، وما إلى ذلك من أوجه الاعتناء والدقة.
ورد في الحديث المبارك، أنَّه لما مات إبراهيم ابن رسول الله ، رأى النبيُّ
في قبره خللاً، فسوّاه بيده، ثم قال: إذا عمل أحدُكم عملاً، فليُتْقن، ثم
قال: إلحَقْ بسلفك الصالح عثمان بن مظعون وسائل الشيعة: ج2، ص883. .
وجاء في حديث آخر، أنَّ رسول الله نزل حتى لَحَدَ سعدَ بن معاذ، وسوَّى
اللِّبَنَ عليه، وجعل يقول: ناولني حجراً، ناولني تراباً رطباً، يَسُدُّ به
ما بين اللِّبن، فلما أن فرغ، وحثا التراب عليه، وسوَّى قبرَه، قال رسول
الله : إنِّي لأعلم أنَّه سيبلَى، ويصل إليه البلاء، ولكنَّ الله يُحبُّ
عبداً، إذا عمل عملاً أحكمه وسائل الشيعة: ج2، ص883. .
ومن آداب السلوك عند الجنازة، الاتعاظُ والاعتبار، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ
الموت من أهم الحقائق المثيرة لوجدان الإنسان وإحساساتِه، فيُرجعه إلى حجمه
العادي الطبيعي من الضعف والعجز، ويُذكِّره بمصيره المحتوم، وبأجله
المنتظر.
فلتكن الجنازة درساً حياً ناطقاً، وموقظاً من الغفلة والسهو، فقد ورد
الاستحباب في الاعتبار عند حمل الجنازة، ثم استئناف العمل من جديد على نيةٍ
أخلص وتوبةٍ مرجوة، حيث رُوي عن الصادق أنَّه قال لعجلان: «يا أبا صالح،
إذا أنت حملتَ الجنازة، فكن كأنَّك أنت المحمول، وكأنَّك سألتَ ربَّك
الرجوعَ إلى الدُّنيا، ففعل، فانظر ماذا تستأنف، ثم قال: عجبٌ لقوم حُبِسَ
أوَّلُهم عن آخرهم، ثم نودِيَ فيهم الرَّحيل، وهم يلعبون وسائل الشيعة: ج2،
ص883. .
ويُكره الضحكُ واللعب عند حمل الجنازة، وبين القبور، لأنَّ هذه الحالة لا
تُعبِّر إلاَّ عن الغفلة والعبث واللامبالاة، أو الغرور... حيث يضيعُ
الخشوعُ لربّ العزة جلَّ وعلا.
رُوي عن النبي المصطفى أنَّه قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى، كره لي ستَّ
خصال، وكرِهْتُهُن للأوصياء من ولدي، وأتباعِهم من بعدي: العبث في الصلاة،
والرفث في الصوم، والمن بعد الصدقة، وإتيانُ المساجدِ جنباً، والتطلعُ في
الدور، والضحكُ بين القبور» المصدر نفسه: ص886، ح2. .
وعن الصادق قال: «مَنْ ضحك على جنازة، أهانه الله يومَ القيامة على رؤوس
الأشهاد، ولا يُستجابُ دعاؤه، ومَنْ ضحك في المقبرة، رجَع وعليه من الوزر،
مثلُ جبلِ أُحُد، ومن ترحَّم عليه نجا من النَّار» المصدر نفسه: ح5. .
ولزيادة الخشوع والاعتبار، ولأنَّ العجلةَ والتَسرُّعَ لا يُساعدان عليهما،
يُستحب الرفقُ بالميت عند حمل جنازته، بل في كلِّ حال، كما يُستحبُ القصدُ
والتروي في المشي، فعن النبي أنَّه قال: «عليكم بالسكينة، عليكم بالقصد في
المشي بجنازتكم» وسائل الشيعة: ج2، ص887، ح1. .
وبذلك يكون مُلخصُ ما تقدَّم معنا:
أولاً: استحبابُ اتقانِ بناء القبر.
ثانياً: استحبابُ الاعتبارِ عند حمل الجنازة، مع كراهة الضحك، عندها وعند
القبور.
ثالثاً وأخيراً: استحبابُ الرفق والقصد حالَ حملِ الجنازة، وعند المشي بها.
اللَّهمَّ جاف الأرض عن جنوبهم، وصاعد إليك أرواحهم، ولقِّهم منك رضواناً،
وأسكن إليهم من رحمتك ما تصل به وحْدَتَهم، وتؤنس به وَحْشَتَهُم، إنَّك
على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
الطعام لأهل الميت
إذا مات المسلم، لا بدَّ من إعلام إخوانه ومعارفه بموته، حتى يقوموا بما
يُسنُّ ويُستحب، ويؤجرون على ذلك إن شاء الله تعالى، ويكون اجتماعهم
وتكاتُفهم آنذاك، تعبيراً عن وحدة المسلمين، وتآزرهم في السرّاء والضرّاء،
والشِّدَّة والرخاء.
ويُكره كتمُ موتِ الإنسان عن أهله عموماً، وزوجته خصوصاً... فإنَّ الموت
حقٌّ، ولا بدَّ لهم من علم ذلك، عاجلاً أم آجلاً، للقيام بما يلزم منَ
التعزية والمسنون، فقد ورد عن صادق آل محمد قوله: «لا تكتموا موتَ ميتٍ من
المؤمنين، مات في غيبته، لتعتد زوجتُه، ويُقسَّمَ ميراثُه» وسائل الشيعة:
ج2، ص888، ح1. .
وبما أنَّ أهل المصيبة يَنْشغِلُون بمصيبتهم، وينصرفون عن الاهتمام بشؤون
حياتهم اليومية، ويذهلون عن احتياجاتهم العادية، يُستحب صنعُ الطعام لهم،
وإعدادُه وإرسالُه إليهم، لثلاثة أيام، والحضور عندهم في البيت، مع مجموعة
من النساء للقيام ببعض الاحتياجات والمساعدات اللازمة كالتنظيف والترتيب
والعناية بشؤون أهل المنزل.
ولما قُتل جعفر بن أبي طالب، أمر رسولُ الله فاطمة أن تأخذ طعاماً لأسماء
بنت عميس، ثلاثة أيام، وتأتيها ونساؤها، وتُقيمَ عندها ثلاثة أيامٍ، فجرت
بذلك السُّنَّة، أن يُصنعَ لأهلِ المصيبة طعاماً ثلاثاً وسائل الشيعة: ج2،
ص888، ح1. .
ولما قُتل الحسينُ بن علي ، لبس نساءُ بني هاشم السواد والمسوحَ، وكن لا
يشتكين من حرّ أو برد، وكان علي بن الحسين يعمل لهن الطعام للمأتم المصدر
نفسه: ص890، ح10. .
هذا فيما يتعلق باستحباب صنع الطعام لأهل الميت، وأما الأكلُ عندهم فمكروه،
لاستلزامه الكثيرَ من المتطلبات والاستعدادات واللوازم والأعمالِ التي
تُرهِقُ أهلَ الميتِ، وتزيد من حرجهم، حيث يتردَّد عليهم الناسُ جماعاتٍ
جماعات، فكما يُستحب إرسالُ الطعام إليهم، يُكرهُ الأكلُ عندهم.
رُوي عن الصادق قوله: «الأكل عند أهل المصيبة، من عمل أهل الجاهلية،
والسُّنةُ البعث إليهم بالطعام، كما أمر به النبي في آل جعفر بن أبي طالب،
لما جاء نَعيُه» وسائل الشيعة: ج2، ص889، ح6. .
ولا بأس بأن يوصيَ الميتُ بشيء من ماله، الذي يحق له التصرفُ فيه، لإعداد
الطعام عند موته، فقد أوصى أبو جعفر بثمانمائة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك
من السُّنَّة، لأنَّ رسول الله قال: اتخذوا لآلِ جعفر طعاماً فقد شُغلوا.
وقيل بجواز خروج النساء في المآتم، لقضاء الحقوق والقيامِ بالواجبات...
وإلاَّ فالأفضل عدم الخروج المصدر نفسه: ص890، باب 69. .
ويجوز النوحُ والبكاءُ على الميت وإن كان الأفضل تركه المصدر نفسه: ص915.
والدُّعاء له، والقولُ الحسن، وهذا تعبيرٌ وتنفيسٌ عمَّا يجيش في الصدور...
ولكنَّ بعضَ الناس يتَّهمون البعضَ بكثرة البكاءِ أو بأنَّ ذلك بِدعة،
وكأنَّهم يجهلون ما ذُكر في القرآن من نظائره، وما ذُكر في سير الأنبياء
والصالحين بل والناس أجمعين في كل عصر.
إنَّما المنهي عنه هو الجزع والخوف والسَّخْط على الله ربّ العالمين، جلَّ
وعلا، وليس مجرد البكاء، وهو من طبيعة النفس الإنسانية المرهفة، وهذا ما
جرى مع رسول الله والأئمَّة عند موت أعزائهم، حيث رُوي أنَّ فاطمةَ ناحت
على أبيها، وأنَّه أمر بالنوح على حمزة، وأنَّ إبراهيم الخليل سأل ربَّه أن
يرزقه ابنةً تبكيه بعد موته وسائل الشيعة: ج2، ص892، ح3 وح4. .
ومن باب التذكير فقط، لا يجوز النوحُ بالباطل أو الحرام أو الهجر...
والأفضل أن لا يكونَ ذلك ليلاً، فقد رُوي أنَّ المرأة إنَّما تحتاج في
المآتم إلى النوح، لتسيل دمعتُها، ولا ينبغي لها أن تقول هجراً، فإذا جاء
اللَّيلُ، فلا تؤذي الملائكة بالنوح المصدر نفسه: ص893، ح1. .
وبذلك تتخلص المستحبات في هذا الباب باستحباب إطعامِ الطعامِ لأهل الميت
حتى ثلاثةِ أيام، وكراهيةُ الأكلِ عندهم، وكراهيةُ كتم موت الإنسان عن أهل
الميت وخاصةً زوجتَه، ويجوز النوحُ والبكاء على الميت دون جزع أو خوف.
موت الولد
يُستحب احتسابُ موتِ الأولاد، والصبرُ عليه، ومن الممكن لكل واحد منَّا أن
يُصاب بفِلذة كبِدِه، فقد أصيب الأنبياءُ والأئمَّة بفقدِ أولادهم، ومن
المفيد أن نطَّلع على طريقة تعاملهم مع هذا الحدثِ الجلل، وبماذا كانوا
ينصحون أتباعهم في مثل هذه الحالات ، لأنَّهم القدوةُ والأسوة الحسنةُ لنا،
ويعرفون من الأسرار ما لا نعرف.
فمن جملة الأسرار التي لا تُدركُ حقيقةُ مغزاها، ومنتهى محتواها، أنَّ فقدَ
الولدِ في بعض الحالات نعمةٌ وعطاءٌ ونظرةٌ إلهيَّةٌ كريمة، يخُصُّ الله
تعالى بها عباده الذين يحبهم، لسرٍّ ما، أو أمرٍ ما، كأن يُكفِّرَ عن
ذنوبهم في الدُّنيا، أو يرفعَ درجتهم في الآخرة، حيث روى أبو بصير عن
مولانا الصادق قوله: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ إذا أحبَّ عبداً، قبض أحبَّ
ولده إليه» وسائل الشيعة: ج2، ص894، ح4. .
وجاء عن أبي جعفر عليه سلامُ الله المنَّان أنَّه قال: «مَنْ قدَّم من
المسلمين ولدين يَحتسبهُما عند الله، حجباه من النار بإذن الله» المصدر
نفسه: ح6. .
ويكفي القولُ: إنَّ الله تبارك وتعالى، ومن عدله ورحمته، لا بدَّ أن
يُعوِّض كلَّ محزون ومصابٍ في عزيزه وولده... فيفرحَه في الآخرة، ويُهيىء
له جنَّةً وحريراً، فمن الروايات التي تجبر الخاطرَ المكسورَ، ونُقدِّمُها
بفخر واعتزاز لأُمَّهات وزوجاتِ شهداءِ الإسلام، المحتسباتِ عند الله جلَّ
جلاله ، ما ورد من أنَّ رسول الله دخل على خديجة، حين مات القاسم ابنُها
وهي تبكي، فقال لها، ما يُبكيكِ؟ فقالت: درَّت دريرةٌ فبكيت، فقال: يا
خديجة، أما ترضين، إذا كان يوم القيامة، أن تجيئي إلى باب الجنَّة، وهو
قائم، فيأخذ بيدِك، ويُدخِلَكِ الجنَّة، ويُنزِلَكِ أفضلَها؟! وذلك لكل
مؤمن، إنَّ الله عزَّ جلَّ أحكمُ وأكرمُ من أن يسلُبَ المؤمن ثمرةَ فؤادِه،
ثم يُعذِّبَه بعدها أبداً» المصدر نفسه: ص894، ح3. .
وجاء في نص آخر مشابه: أن يصبرَ ويحتسبَ ويحْمَدَ الله عزَّ وجلَّ، فلا
يُعذِّبُهُ الله أبداً» وسائل الشيعة: ج2، ص894، ح5. .
وهديةٌ أُخرى نُقدِّمها لآباء شهداء الإسلام الكرام ، ذكرها مولانا الشهيدُ
الثاني الجبعي العاملي، والذي أصيبَ في كل أولاده، إلاَّ واحداً منهم، كان
يخشى عليه أيضاً من الموت وأن يلحقَ بإخوته، حيث أورد أنَّ ولداً لنبي الله
داود مات، فحزن عليه حزناً كثيراً، فأوحى الله إليه، يا داود، ما كان يعدل
هذا الولدُ عندك؟ قال: يا رب، كان يعدل هذا عندي ملءَ الأرضِ ذهباً، قال:
فلك عندي يوم القيامة ملء الأرضِ ثواباً مسكن الفؤاد: ص42. .
وكان أبو ذر، رضي الله عنه، لا يعيش له ولد، فقيل له، إنَّك امرؤٌ لا يبقى
لك ولد، فقال: الحمد لله الذي يأخذهم من دار الفناء، ويدخرُهم في دار
البقاء المصدر نفسه: ص61. .
ومات لعبد الله بن عامر المازني رضي الله عنه، في الطاعون الجارف، سبعةُ
بنين في يوم واحد، فقال: إنِّي مُسلمٌ مُسلِّم المصدر نفسه: ص61. .
ورُوي: أنَّ قوماً كانوا عند علي بن الحسين ، فاستعجل خادماً بشواءٍ في
التنور، فأقبل به مسرعاً، فسقط السَّفُّود السَّفود: وهو حديدةٌ ذاتُ شعب،
يُشوى بها اللحم. من يده على ولد علي بن الحسين ، فأصاب رأسه فقتله، فوثب
علي بن الحسين ، فلما رأى ابنه ميتاً، قال للغلام: أنت حر لوجه الله تعالى،
أما إنَّك لم تتعمده، ثم أخذ في جهاز ابنه مسكِّن الفؤاد: ص61. .
وقال أبو علي الرازي: صحبتُ الفُضيلَ بن عياض ثلاثين سنة، ما رأيتُه ضاحكاً
ولا مبتسماً قط، إلاَّ يومَ مات ابنُه علي، فقلتُ له في ذلك، فقال: إنَّ
الله سبحانه وتعالى أحبَّ أمراً، فأحببتُ ما أحبَّ الله عزَّ وجلَّ المصدر
نفسه: ص63. .
إذاً نرى أنَّ من آداب السلوك في الإسلام استحبابَ احتسابِ موتِ الولد،
والصبرَ على ذلك، وهكذا فعل النبي عندما أصيبَ في ولده، والأئمَّة فعلوا
ذلك أيضاً وعلَّموا أتباعهم وشيعَتَهم أن يفعلوه.
استحباب الحمد والاسترجاع عند المصيبة
من ميزاتِ المسلمِ المؤمن الموالي الصادق، التسليم لأمر الله تبارك وتعالى،
فيُرجعُ كلَّ الأُمورِ إليه، ويتضرَعُ بين يديه .
وقد ورد الاستحبابُ في الحمد والاسترجاع وسؤال الخلف عند موتِ الولد، وسائر
المصائب. حيث رُوي عن رسول الله أنَّه قال: «إذا قُبض ولدُ المؤمن، والله
أعلم بما قال العبدُ، قال الله تبارك وتعالى لملائكته، قبضتم ولدَ فلان؟
فيقولون: نعم ربنا؟ فيقول: فما قال عبدي؟ قالوا: حَمَدَكَ واسْتَرْجَعَ،
فيقول الله تبارك وتعالى: أخذتم ثمرةَ قلبه، وقرةَ عينه فحمدني واسترجع،
ابنوا له بيتاً في الجنَّة، وسمُّوه بيتَ الحمد» وسائل الشيعة: ج2، ص895،
ح1. .
وكان رسول الله إذا ورد عليه أمرٌ يسرُّه قال: الحمد لله على هذه النعمة،
وإذا ورد عليه أمر يغتمّ به، قال: الحمد لله على كلّ حال وسائل الشيعة: ج2،
ص896، ح4. .
وكان مولانا أبو عبد الله الصادق يقول عند المصيبة إذا وقعت: «الحمد لله
الذي لم يجعل مصيبتي في ديني، والحمد لله الذي لو شاء أن يجعل مصيبتي أعظم
ممَّا كانت، والحمد لله على الأمر الذي شاء أن يكون فكان» المصدر نفسه: ح5.
، وعنه قال: «مَنْ أُلهم الاسترجاعَ عند المصيبة، وجبت له الجنَّة» المصدر
نفسه: ص897، ح9. .
وهذا الاستحباب لا يتوقف عند وقوع المصيبة فقط، بل يُستحب الاسترجاعُ
والدُّعاءُ بالمأثور عند تذكّر المصيبة، ولو بعد حين، فقد رُوي عن الباقر
قوله: «ما من عبد يُصاب بمصيبة، فيسترجعُ عند ذكر المصيبة، ويصبر حين
تَفْجؤه، إلاَّ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، وكلَّما ذكر مصيبة فاسترجعَ
عند ذكر المصيبة، غفر الله له كلَّ ذنب اكتسبه فيما بينهما» المصدر نفسه:
ص897، ح1. .
ومن آداب السلوك في الإسلام، الرضا بقضاء الله وقدره، بمعنى وجوب الرضا،
لأنَّ مخالفةَ ذلك علامةُ ضعفِ الإيمان، واتهامٌ لله عزَّ وجلَّ، بل من
علامة الإيمان، الرضا والتسليم لما كتبه الله عليه من رزق أو عمر أو صحة أو
حدثٍ أو واقعة، فقد سُئل الإمامُ الصادق : بأيّ شيء عُلم المؤمن أنَّه
مؤمنٌ؟ فقال : بالتسليم لله، والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سَخَط وسائل
الشيعة: ج2، ص899، ح7. .
وعلى المسلم أن يعلم أنَّ ما من شيء كتبه الله عليه إلاَّ وفيه الصلاحُ
والخير والنجاح ... لأنَّ الله كريمٌ، مُريدٌ الخيرَ لعباده... ولو كان
ظاهرُ الأمر الفقرَ أو المرضَ أو العُسْر، فقد روى أبو يعفور عن الصادق
قوله: «عجبتُ للمرء المسلم، لا يقضي الله عزَّ وجلَّ له قضاءً إلاَّ كان
خيراً له، إن قُرِّضَ بالمقاريض كان خيراً له، وإن مَلَكَ مشارقَ الأرضِ
ومغاربَها كان خيراً له» المصدر نفسه: ص898، ح1. .
وما دام ربُّ العزةِ سبحانه، لا يُريدُ إلاَّ الخير، فلا بدَّ لنا من الصبر
والتسليم للوصول إلى درجات أهل الصلاة والفلاح، فعن الصادق قال: «قال الله
عزَّ وجلَّ: عبدي المؤمن، لا أصرفه في شيء إلاَّ جعلتُه خيراً له، فليرضَ
بقضائي، وليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، أكتبه يا محمد من الصدِّيقين
عندي» وسائل الشيعة: ج2، ص899، ح2. .
وجاء عن علي بن الحسين قوله: «الصبر والرضا عن الله رأسُ طاعةِ الله، ومن
صبر ورضي عن الله، فيما قضى عليه، فيما أحبَّ أو كره، لم يقضِ الله عزَّ
وجلَّ له فيما أحبَّ أو كره، إلاَّ ما هو خير له» المصدر نفسه: ح4. .
ولعلَّ هذا يدلُّ على عظيم العلم وعظيمِ الإيمان أيضاً، وقد نصَّت الروايةُ
عن الصادق : «إنَّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزَّ وجلَّ» المصدر
نفسه: ص899، ح3. .
ومن الآداب أيضاً أن لا يحزنَ على ما فات، ويتحسَّرَ عليه ، وفي الحديث
أنَّ رسول الله لم يكن يقولُ لشيءٍ قد مضى: لو كان غيرُه المصدر نفسه: ح8.
.
وختاماً، يكون قد مرَّ معنا: استحبابُ الحمد والاسترجاع عند موتِ الولد
وسائرِ المصائب، وتكرار ذلك عند ذكره، ووجوبُ الرضا بالقضاء أياً كان، وأن
لا نقولَ لشيءٍ مضى، لو كان غيرُه.
النبي (ص) عند المصيبة
يُستحبُ الصبرُ عند البلاء، وأنْ نعلم أنَّ الأُمور واقعةٌ، وأنَّ لا مفرَّ
منها إنْ رضينا أم لم نرض، لأنَّ الصبرَ رأسُ الإيمان وأساسُه.
وشرح الإمامُ الصادق أهميةَ الصبر فقال: «إنَّ الحر حرٌّ على جميع أحواله،
إن تأتِه نائبةٌ صبر لها، وإن تداكَّت عليه المصائبُ لم تكسِرْه، وإنْ
أُسِرَ وقُهرَ واستُبدلَ باليسر عُسراً، كما كان يوسف الصدِّيقُ الأمين، لم
يَضْرُرْ حُريَّتَه أن استُعْبدَ وقُهرَ وأُسر، ولم تضرره ظلمةُ الجبِّ
ووِحشتُه، وما ناله أن منَّ الله عليه، فجعل الجبَّار العاتي له عبداً بعد
إذ كان مالكاً... وكذلك الصبرُ يعقبُ خيراً، فاصبروا ووطِّنوا أنفسَكم على
الصبر تؤجروا» وسائل الشيعة: ج2، ص903، ح7. .
ومن الأدب عند نزول المصائب، أن نتذكر ما أصاب الأنبياء والأولياء والصلحاء
من فتن وبلايا، لنتعلم منهم، ونقتدي بهم... وأن نتذكر أيضاً مصيبتنا بفقدنا
لرسول الله ، فإنَّها مصيبةٌ لا تُجاريها أُخرى... وأنْ نعلم أيضاً أنَّ ما
أصابَ الصالحين والمقربين، لم يكن لبُغضهم أو لبُعدهم، كما قد يظن البعض بل
لعظيم إيمانهم، ولترويضِ نفوسهم، وامتحان هِمَّتِهم .
وهكذا كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ في التاريخ، ومن بينهم نحن، فقد سئل المصطفى :
مَنْ أشدُّ الناسِ بلاءً في الدُّنيا؟ فقال: النبيون ثم الأمثل فالأمثل،
ويُبتلى المؤمنُ بعدُ على قدر إيمانه وحسنِ أعماله، فمن صحَّ إيمانُه وحسن
عملُه، اشتد بلاؤه، ومَنْ سخُف إيمانه وضعف عملُه، قلَّ بلاؤه وسائل
الشيعة: ج2، ص906، ح1. .
وهذه هي سُنةُ الله في المؤمنين والصادقين منذ فجرِ التاريخ، وروى الصادقُ
: «إنَّ أهلَ الحق لم يزالوا منذ كانوا في شدَّة، أما إنَّ ذلك إلى مدةٍ
قليلة، وعافيةٍ طويلة» المصدر نفسه: ص907. .
ولثقةِ الله تعالى بالمؤمنين، ولحبه لهم، فإنَّه تعالى يختارُ البلاءَ في
كل فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ عنايةً بهم، حيث ورد عن الصادق قوله: «المؤمن لا
يمضي عليه أربعون ليلةً إلاَّ عَرَضَ له أمرٌ يُحزنُه، يُذكَّرُ به» وسائل
الشيعة: ج2، ص907، ح7. .
ومن الأُمور الشائعةِ في مجتمعاتنا، الشماتةُ، وهي الفرح بما أصاب إخوةَ
الدِّين والإيمان من ضرر وعُسْر... وهذا ما اكتسبناهُ من اختلاطنا
بالحضارات والشعوب غير الإسلامية، لأنَّ الشماتة ليست مكروهةً فقط في
شريعتنا بل محرمٌ إظهارها.
وفي هذا رُوي عن الصادق قوله: «لا تُبدي الشماتةَ لأخيك فيرحَمه الله،
ويُصيِّرَها بك، وقال: مَنْ شمتَ بمصيبة نزلت بأخيه، لم يخرج من الدُّنيا
حتى يُفتتن» المصدر نفسه: ص910، ح1. .
وعن رسول الله : «لا تُظهر الشماتة بأخيك، فيرحمه الله ويبتليك» المصدر
نفسه: ح2. .
وإذا قِسْنا مُصيباتنا بمصائب النبي ، فإنَّها لا تبدو شيئاً مهماً... فكيف
إذا ما تذكرنا وفاة المصطفى وأنَّنا محرومون من رؤيته، لذلك ورد الاستحباب
بتذكر مصيبة النبي ، واستصغار مصيبة النفس بالنسبة إليها وسائل الشيعة: ج2،
ص911. ، وهذا من الأُمور المجرَّبة في التخفيف مِنْ وَقْعِ المصائب.
وجاء في الحديث المبارك عن مولانا الصادق : «إذا أُصبتَ بمصيبةٍ، فاذكر
مصابَكَ برسول الله ، فإنَّ الخَلْقَ لم يُصابوا بمثله قط» المصدر نفسه:
ح1. .
وعن الباقر : «إن أُصبتَ بمصيبةٍ في نفسك أو في مالك أو في ولدك، فاذكر
مصابك برسول الله ، فإنَّ الخلائقَ لم يُصابوا بمثله قط» المصدر نفسه: ح4.
.
وعن المصطفى : «مَنْ عظمت عنده مصيبةٌ، فليذكر مصيبته بي، فإنَّها ستهون
عليه» المصدر نفسه: ص912، ح7. .
فيكون خلاصةُ ما تقدَّم معنا: استحبابَ الصبرِ عند البلاء وتذكرِ مصابِ
الأنبياء والأولياء وخاصة مصابَنا بالنبي ، وحرمةَ الشماتةِ بالمؤمن إذا
أُصيب.
المطلوب والجزع
المصيبة
لا تزال بعضُ العاداتِ الجاهلية منتشرةً بين الناس إلى اليوم، وعلينا
جميعاً العملُ للتخلص منها، ومن جملة هذه العادات: المبالغةُ في الجزع
والخوف والبكاء عند فقد عزيز، ويظهر ذلك في الصراخ بالويل والعويل،
والدُّعاء بالذل والثكل والحزن، ولطم الوجه والصدر والفخذ، وكل هذا دليلٌ
على قلَّة الإيمان، والبعد عن الصبر والتسليم بالقضاء المقدَّر والمكتوب...
والتعلق بالدُّنيا ونسيان الآخرة.
ومن السهل علينا أن نلحظَ مثل هذه الأُمور، عند بعض العائلات والعشائر وفي
بعض القرى، ومن غريب ما نسمع أنَّ مَنْ لم يفعل ذلك يُلامُ ويُعابُ عليه،
ويُتَّهم بالجفاء، فهذه لعمري، جاهليةٌ جهلاء، وضلالةٌ عمياء... تهمةُ أهلِ
التصبر والرضا... ومدحُ أهلِ الخوف والسَّخْط!
وَوَردت الكراهيةُ المؤكدة في القيام بمثل هذه الأفعال، وتقليد الجَزِعين
والمجانين، من صراخٍ وعويلٍ، وشتم ولطم، اعتراضاً وجرأةً على الله جلَّ
وعلا، ففي النهج عن الأمير قال: «الصبر على قدر المصيبة، ومن ضرب يدَه على
فخذه عند المصيبة حبَط أجره» نهج البلاغة، نقلاً عن وسائل الشيعة: ج2،
ص914، ح4. .
وعن جابر عن أبي جعفر سلام الله عليه عندما سأله: ما الجزع؟ قال : «أشدُّ
الجزعِ، الصراخُ بالويل والعويل، ولطمِ الوجه والصدرِ، وجزِّ الشعر من
النواصي، ومن أقام النَّواحةَ فقد ترك الصبرَ، وأخذ في غير طريقه» وسائل
الشيعة: ص915، ح1. .
وقال النبي لفاطمة حيث قُتل جعفرُ بن أبي طالب: «لا تَدْعي بِذلٍّ ولا
ثَكْلٍ ولا حزن، وما قلتِ فيه فقد صدقتِ» المصدر نفسه: ح4. .
وعنه قولُه: «النياحةُ من عمل الجاهلية» المصدر نفسه: ح2. .
وعن مولانا الصادق قال: «لا يصلح الصياحُ على الميت، ولا ينبغي، ولكنَّ
الناس لا يعرفونه، والصبر خير» وسائل الشيعة: ج2، ص916، ح1. .
ومن السُّنة، ومن علامةِ الإيمان والخلقِ الحسن، التأثرُ قبل المصيبة فإذا
وقعت ليس له إلاَّ التسليمُ والرضا والاحتساب، فقد وردت الوقائعُ الكثيرة
من أهل بيت العصمة في ذلك، فكانوا يُظهرون الغمَّ والحزنَ قبل وقوع
المصيبة، أما بعدَها فيَرْضون ويُواصلون أعمالهم دون جزع، وهذا ما فعله أبو
عبد الله الصادق لما حضرتْ الوفاةُ ابنَه إسماعيل، وهذا ما فعله أبو جعفر
في ابن له...
ورُوي عن الصادق قوله: «إنَّا أهلُ بيت نجزع قبل المصيبة، فإذا نزل أمرُ
الله، رضينا بقضائه، وسلَّمنا لأمره، وليس لنا أن نكره ما أحبَّ الله لنا»
المصدر نفسه:ص919، ح4. .
وهذا دالٌ على عظيم العاطفة والتحسـس، ابتداءً، وعظيم العقل والإيمان
والاتزانِ انتهاءً .
وجاء عن قُتيبة الأعشى قال: أتيتُ أبا عبد الله أعود ابناً له، فوجدتُه على
الباب، فإذا هو مُهتمٌ حزين، فقلتُ له، جعلتُ فداك، كيف الصبي؟ فقال: والله
إنَّه لما به، ثم دخل فمكث ساعةً ثم خرج إلينا، وقد أسفر وجهُه وذهب
التغيّرُ والحزنُ، قال الراوي: فطمعتُ أن يكون قد صلح الصبي، فقلتُ: كيف
الصبي جُعلتُ فداك؟ فقال: قد مضى لسبيله، فقلتُ، جعلتُ فداك، لقد كنتَ وهو
حي، مهتماً حزيناً، وقد رأيتُ حالك الساعة وقد مات، غيرَ تلك الحال؟ فكيف
هذا؟ فقال إنَّا أهل بيتٍ إنَّما نجزع قبل المصيبة، فإذا وقع أمرُ الله،
رضينا بقضائه، وسلَّمنا لأمره وسائل الشيعة: ج2، ص918، ح1. .
وعن العلاء بن كامل، قال: «كنتُ جالساً عند أبي عبد الله فصرختْ الصارخةُ
من الدار، فقام أبو عبد الله ثم جلس فاسترجع، وعاد في حديثه حتى فرغ منه،
ثم قال: إنَّا لنحبُّ أن نُعافى في أنفسنا وأولادنا وأموالنا، فإذا وقع
القضاء، فليس لنا أن نحبَّ، ما لم يحب الله لنا» المصدر نفسه: ح2. .
وخلاصة ما تقدَّم: كراهةُ الصراخِ والعويلِ ولطم الوجه والصدر... وسائر
مظاهر الجزع. وجوازُ إظهارِ التأثرِ قبلَ المصيبة، والصبرِ والرضا بعدَها.
التسلي ونسيان
على المؤمن
كل واحد منَّا لا بدَّ أن يُصابَ بحبيبه أو عزيزه، ويتأثَّر لفقدانه،
ولكنَّ هذا التأثر يكون شديداً في الساعات أو الأيام الأولى ثم يخفُّ
تدريجاً مع مرور الزمن حتى يصل إلى حدٍّ محمول، فيثبُتَ عليه، لأنَّ الحزن
والشوق للحبيب المفارق، لو استمر على حاله ووتيرته لحظةَ وقوعه، لم تستقم
الحياةُ، ولم يهنأ المعاش، إذ كل حبيب يُصاب في حبيبه، وكل عزيزٍ يُصابُ في
عزيزه،... وهذه سنَّةُ الحياة، وحقارةُ الدُّنيا... ولا بدَّ أن يُفارِقَنا
الأحبةُ، واحداً واحداً، ثم نُفارقَ مَنْ تبقَّى منهم، وكل حي يسير إلى
موت، ومن رحمة الله الواسعة علينا، أن ننسى أو نتسلى عن المصائب، ولولا ذلك
لا ترى في الدُّنيا إلاَّ مهموماً أو حزيناً... فما من أحد إلاَّ وأصيبَ
بمكروه.
وعلى هذا، ورد الاستحبابُ بالتسلي وتناسي المصائب،... حسْبَما ورد عن النبي
المختار، والأئمَّة الأطهار عليهم سلامُ الله القهَّار، والحمد لله أن
جعلنا من أتباعهم، ونسأله أن يحشرَنا معهم ولا يحرمنا من رؤيتهم، والتمتعِ
بأنوارهم العليَّة، وطلعتِهِم البهية، ونفوسِهم القدسية.
روى حبيبُنا ومولانا الصادق أنَّ الله تعالى يقول: إنِّي تطولتُ على عبادي
بثلاث: ألقيتُ عليهم الريحَ بعد الروح، ولولا ذلك ما دفن حميمٌ حميماً،
وألقيتُ عليهم السلوةَ بعد المصيبة، ولولا ذلك لم يتهنَّ أحد بعيشه، وخلقتُ
هذه الدابة، وسلطتُها على الحنطة والشعير، ولولا ذلك، لكنزها ملوكُهم كما
يكنزون الذهب والفضة» وسائل الشيعة: ج2، ص920، ح4. .
وعن الصادق قوله: «إنَّ الميت إذا مات، بعث الله ملكاً إلى أوجع أهله، فمسح
على قلبه، فأنساه لوعةَ الحزن، ولولا ذلك لم تعمر الدُّنيا» المصدر نفسه:
ح2. .
وعن أبي جعفر قال: «إنَّ ملكاً موكلاً بالمقابر، فإذا انصرف أهلُ الميت من
جنازتهم عن ميتهم، أخذ قبضةً من تراب فرمى بها في آثارهم، فقال: انسوا ما
رأيتم، فلولا ذلك ما انتفع أحدٌ بعيشه» وسائل الشيعة: ج2، ص924، ح3. .
ومن السُّنَّةِ والمستحب، البكاءُ لموت المؤمن، ويجوز البكاءُ على الميت
مطلقاً، ويُستحب عند زيادة الحزن، فعن الإمام أبي الحسن الأول أنَّه قال:
«إذا مات المؤمنُ، بكت عليه الملائكةُ وبقاعُ الأرض التي كان يعبد الله
عليها، وأبوابُ السَّماء التي كان يُصَعِّدُ أعمالَه فيها، وثُلِمَ ثَلْمةٌ
في الإسلام لا يسدُّها شيءٌ، لأنَّ المؤمنين حصونُ الإسلام، كحصون سور
المدينة لها» المصدر نفسه: ص924، ح1. .
ولوحظ، عندما انصرف رسول الله من وقعة أُحد إلى المدينة، أنَّه ما من دار
قُتل من أهلها قتيلٌ إلاَّ وفيها بكاء، ولم يسمع ذلك من دار حمزة عمِّه،
فقال: لكنَّ حمزة لا بواكي عليه، فآلى أهلُ المدينة أن لا ينوحوا على ميتٍ،
ولا يبكوا حتى يبدأوا بحمزة، فينوحوا عليه ويبكوه، فهم إلى اليوم على ذلك
المصدر نفسه: ح3. .
ولما ماتت رُقيَّةُ بنتُ رسول الله قال: إلحقي بسلفنا الصالح: عثمانَ بن
مظعون، وأصحابه، قال ذلك، وفاطمةُ على شفير القبر، تنحدر دموعها في القبر
وسائل الشيعة: ج2، ص921، ح1. .
ومن لطيف ما رُوي في ذلك، الإشارةُ إلى أنَّ البكاء يُخفِّف من الحزن، خاصة
إذا كان شديداً.
وكان قد أشار إليه إمامُنا الصادق قبل مئات السنين، عندما شكا إليه أبو
محمد الصيقل وَجْداً الوجد: الحزن. على ابن له هلك حتى خاف على عقله، فقال
: إذا أصابك من هذا شيءٌ، فأفِضْ من دموعك، فإنَّه يَسْكُنْ عنك المصدر
نفسه: ح2. .
وفي رواية «من خاف على نفسه من وَجْدٍ بمصيبةٍ فليفضْ من دموعه فإنَّه يسكن
عنه» المصدر نفسه: ح5. .
وعندما تُوفي إبراهيمُ ابن رسول الله هملتْ عينُهُ الشريفةُ بالدموع ثم
قال: «تدمع العين، ويحزن القلبُ، ولا نقول ما يُسخطُ الرَّبّ، وإنَّا بك يا
إبراهيم لمحزونون» المصدر نفسه: ح3. .
وقال لِمَنْ لامه على البكاء، وأنَّه ينهى عنه ثم يفعله، فقال: «ليس هذا
بكاء، وإنَّما هي رحمةٌ، ومن لا يرحمُ لا يُرحم» وسائل الشيعة: ج2، ص922،
ح8. .
واشتُهر عن النبي بكاؤه على جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة... وعن فاطمة
بكاؤها على أبيها ... وعن زين العابدين بكاؤه على الحسين سنواتٍ طويلة،
وكان كلَّما وُضع بين يديه طعامٌ ذكر أنَّ رسول الله مات جائعاً، والحسينَ
مات عطشاناً... وكلَّما ذكر ذلك خنقته العَبْرَةُ المصدر نفسه: ص922 و923.
.
وعن بعض مواليه قال: خرج يوماً إلى الصحراء، فتبعتهُ فوجدتُه قد سجد على
حجارة خشنة، فوقفتُ وأنا أسمع شهيقَه وبكاءَه، وأحصيتُ له ألف مرة وهو
يقول: لا إله إلاَّ الله حقاً حقاً، لا إله إلاَّ الله تعبُّداً ورقّاً، لا
إله إلاَّ الله إيماناً وصدقاً، ثم رفع رأسه من سجوده، ولحيتُه ووجهُه قد
غمرا بالماء من دموع عينيه، فقلتُ له: يا سيِّدي أما آن لحزنك أن ينقضي؟
ولبكائك أن يقل؟ فقال لي: ويحك إنَّ يعقوب بن إسحاقَ بن إبراهيم كان نبياً
ابن نبي، وكان له اثنا عشر ابناً، فغيَّب الله واحداً منهم، فشاب رأسه من
الحزن، واحدودب ظهرُه من الغم والهم، وذهب بصرُه من البكاء، وابنه حيٌّ في
دار الدُّنيا، وإنِّي رأيت أبي وأخي وسبعةَ عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين،
فكيف ينقضي حزني ويذهبُ بكائي؟!
فخلاصة ما تقدَّم: استحبابُ التسلي وتناسي المصائب، واستحبابُ البكاءِ لموت
المؤمن، واستحبابُه عند زيادة الحزن...
إلى أولاد الميت
وتقبيله
يُستحب استحباباً مؤكداً الاعتناء بمن خلَّفه الميتُ بعده من أهل وأولاد...
خاصة الأيتام منهم فللأيتام في الإسلام عناية خاصة، صُرِّح عنها في النصوص
المباركة، من حيث ملاطفتهم والاهتمام بشؤونهم ورعايتُهم وتقديمُ المعونةِ
لهم ومساعدتُهم وتربيتُهم... ولا تجدُ في أي من الأنظمةِ العالمية الاهتمام
الذي أولاه الإسلامُ لليتيم وحثَّ عليه، حتى الأنظمة المُسمَّاة متطورةً أو
حضارية.
وبالغ الإسلامُ في التوجه إلى اليتيم ومن ناحية معنوية، حتى أمر بمسح شعر
رأسه تحنناً، أو بمجالسته ومحادثته ومؤاكلته، فقد روي عن علي قوله: «ما من
عبد يمسح يده على رأس يتيم ترحماً له، إلاَّ أعطاه الله عزَّ وجلَّ لكل
شعرة نوراً يوم القيامة» وسائل الشيعة: ج3، ص286. .
وعن الصادق : «إذا بكى اليتيم اهتزَّ له العرش، فيقول الله تبارك وتعالى:
مَنْ هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبتُه أبويه في صغره؟! فوعزتي وجلالي
وارتفاعي في مكاني، لا يُسكِتهُ عبدٌ مؤمن، إلاَّ وجَبَت له الجنَّة» وسائل
الشيعة: ج3، ص289. .
ومن الأُمور الهامة، والتي تستحق الوقوفَ عندها، التأثيراتُ النفسية
الواقعةُ على المحسن لليتيم، والتي أشار إليها النَّبيُّ المصطفى وهذا من
دقائق ولطائف كلامه ، حيث روي عنه: «مَنْ أنكر منكم قساوةَ قلبه، فليُدْنِ
يتيماً، فيُلاطفَه، ولَيَمْسَحْ رأسَه، يلينُ قلبُه بإذن الله عزَّ وجلَّ،
فإنَّ لليتيم حقاً» المصدر نفسه: ص287. .
وروي أنَّه قال: «يُقعدُه على خِوانه الخوان: مائدة الطعام. ويَمْسحُ
رأسَه، يلينُ قلبُه» وسائل الشيعة: ج2، ص923، ح4. .
ومن مظاهر الإخلاص في الإسلام، للأخوةِ المؤمنين، وحفظ موقعهم في القلب،
الشهادة لهم بالإيمان والخير من أربعين أو خمسين رجلاً، كأن يقولوا:
«اللَّهمَّ إنَّا لا نعلم منه إلاَّ خيراً وأنت أعلم به منَّا» فيقول الله
تبارك وتعالى: قد أجزتُ شهادتكم، وغفرتُ له ما علمتُ ممَّا لا تعلمون»
وسائل الشيعة: ج2، ص925، ح1. .
ويجوز تقبيلُ الميت... قبل الغُسل أو بعده في جبهته أو ذقنه أو نحره، ولا
بأس في ذلك، حيث إنَّ الرسول قبَّل الصاحبيَّ المِقدام عثمانَ بن مظعون،
رضوان الله عليه، بعد موته المصدر نفسه: ص934، ح1. .
وقال الإمامُ الصادق مُحدِّثاً عن وفاة ابنه وأكبرِ ولده إسماعيل: «لما مات
إسماعيل، أمرتُ به وهو مُسجَّى، أن يُكْشفَ عن وجهه، فقبَّلتُ جبهَته
وذقنَه ونحرَه، ثم أمرتُ به فغُطِّي، ثم قلت: اكشفُوا عنه، فقبَّلتُ أيضاً
جبهته وذقنَه ونحرَه، ثم أمرتُهم فغطوه، ثم أمرتُ به فغُسِّلَ، ثم دخلتُ
عليه وقد كُفن فقلتُ اكشُفوا عن وجهه، فقبَّلت جبهته وذقنَه ونحرَه،
وعوَّذتُه، ثم قلتُ أدرجوه، فقيل: بأي شيء عوَّذته؟ فقال الصادق بالقرآن
المصدر نفسه: ج2، ص934، ح2 بتصرف وجيز. .
المستحبة
وقبل الانتهاء من الحديث عن المستحبات والآدابِ المتعلقةِ بالميت، نذكر
بعضَ الأغسالِ المستحبة وبعضَ آدابها مُجْملاً.
فمن جملة الأغسال المسنونة: غسلُ يومِ الجمعة، والعيدين، والإحرام، وغسلُ
المولود، والزيارة، ويوم التروية، ويوم عرفة أينما كان، حتى ولو لم يشهد أو
يكن في عرفة، وليلةِ النصف من شعبان، ويومِ الغدير قبل الزوال بنصف ساعة،
وهذه الأغسال مستحبّة للرجال والنساء... وعلى كلِّ الأحوال فإنَّ الغسل
الواحد يُغني عن عدة أغسال وسائل الشيعة: ج2، ص962. .
ويتأكد استحبابُ غسلِ يومِ الجمعة، حتى أنَّ بعضَ النصوص وردت بالوجوب،
ووردت الكراهيةُ بتركه أيضاً، وكان أمير المؤمنين إذا أراد أن يُوبِّخ
رجلاً يقول: والله لأنت أعجزُ من تارك الغسل يومَ الجمعة، فإنَّه لا يزال
في طهر إلى يوم الجمعة الأُخرى وسائل الشيعة: ج2، ص947، ح2. .
ولأهمية غسل يومِ الجمعة ذكر بعضُ الفقهاء أنَّ من فاته غسلُ الجمعة حتى
صلَّى، استُحِبَّ له الغسلُ وإعادة الصلاة، أو قضاؤه في بقية النهار أو يوم
السبت، أو تقديمُ الغُسلِ يوم الخميس، لمن خاف قلَّة الماء يوم الجمعة...
كل هذا راجعٌ لفتاوى الفقهاء الأعلام رضوانُ الله عليهم، لأنَّ الوقتَ
الأصليَّ لغسل الجمعة هو من الفجر إلى الزوال، وكلَّما قرُب من الزوال كان
أفضل المصدر نفسه: ص900، ص948 و949. .
وللتأكيد على غُسلِ الجمعة، ورد الاستحبابُ به، حتى في السفر، إلاَّ إذا
كان حَرَجاً على النساء، فلا يتأكدُ الاستحبابُ المصدر نفسه: ص943. .
ويستحب غسلُ الاستخارة في ثلث اللَّيل الباقي، وغسلُ قضاء الحاجة، فيغتسل
ويصلي ركعتين... وغسلُ التوبةِ إذا ارتكب حراماً والعياذ بالله المصدر
نفسه: ص958. . فقد قال رجلٌ للإمام الصادق : إنِّي أستمع لجيراني، وهم
يُغَنون ويضربون بالعود، فقال : لا تفعل، فقال الرجل: والله ما أتيتُهُنَّ،
إنَّما هو سُماع أسمعُه بأُذُني، فقال : بالله أنت، أما سمعتَ الله يقول:
{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً} سورة الإسراء: الآية 36. فقال: بلى والله كأنِّي لم أسمعْ بهذه
الآية من كتاب الله من عربي ولا عجمي، لا جرم إنِّي لا أعود إن شاء الله،
وإنِّي أستغفر الله، فقال له: قم فاغتسل، وصلِّ ما بدا لك، فإنَّك كنت
مقيماً على أمرٍ عظيم، ما كان أسوأ حالِك لو متَّ على ذلك، أحمِدْ الله
وسَلْه التوبةَ من كل ما يكره، فإنَّه لا يكرهُ إلاَّ كلَّ قبيح، والقبيح
دعه لأهله فإنَّ لكلٍ أهلاً وسائل الشيعة: ج2، ص957. .
وختاماً، فقد مرَّ معنا العديدُ من السُّنن، نوجز بعضها، باستحباب الإحسان
إلى اليتيم، وجوازِ تقبيل الميت، واستحباب العديد من الأغسال خاصة غسل
الجمعة منها.
فصل في السفر
الطاعات لضياع
الدِّين
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي
مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ *} سورة
المُلْك: الآية 15. . قال عزَّ من قائل: {...وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي
الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} سورة المُزَّمِّل: الآية 20. .
منذ وُجد الإنسانُ على وجه الأرض وهو يسعى فيها لمعاشٍ أو رزقٍ أو صيدٍ أو
أمنٍ ينشُدُه. وقد سخَّر الله تبارك وتعالى لنا الأرض لنمشي في مناكبها،
ونبغي من رزقه، ونتأملَ في مخلوقاته، ونتفكَّرَ في روعة تدبيره... فنشكرهُ
عزَّ وجلَّ، ونشتاقُ لعبادته.
وبما أنَّ من طبع الإنسان السفرَ والتِجوالَ في الدساكر والمدن، والهضاب
والسهول، ويكثُرُ هذا أو يقلُّ بحَسَبِ الأشخاصِ والحاجاتِ والظروف، فقد
شرَّع الإسلامُ قوانينَ خاصةً تتعلق بالسفر، وما يُسنُّ فيه أو يُكره...
لأنَّ الشريعة الغرّاء، على صاحبها وآله أفضلُ السلام، لم تترك أمراً،
صغيراً كان أم كبيراً، إلاَّ وخصته بالعناية، وشملته بالتشريع، وأحاطته
بالأحكام، رحمةً ورأفةً بالعباد، وتلطُّفاً بالمصالح الإنسانية، وتزكيةً
للنُّفوس البشرية، وإعانةً لها في سلوكها التكاملي، للوصول إلى بارئها جلَّ
جلاله.
ومن توجيهات الإسلام الخاصةِ في هذا الباب، عدمُ جواز السفرِ في غير
الطاعات والمباحات، وعدمُ جوازه إذا أدَّى إلى معصيةٍ، أو ظلمٍ، أو اعتداءٍ
على الأفراد والمجتمعات.
من هنا أفتى فقهاؤنا الأعلام، وعلماؤنا الأبرار بعدم جواز السفر إلى البلد
الذي يُخشى فيه على الدِّين أو الالتزام الشرعي، أو يُضطرُّ فيه إلى الوقوع
في الحرج الشديد، المؤدِّي إلى تناولِ الحرام، كأكل الميتة مثلاً، أو شرب
المسكر.
فالسفر الجائز، يكون لطلب العلم أو الرِّزق أو التجارة، أو الحج والزيارة،
أو صلةِ رحمٍ أو أخٍ في الله، أو للترويح عن النَّفس، لزيارة الحدائق أو
الأنهار، أو البحار أو الطبيعة عامة،... كل هذا طبعاً دون اقتراف الحرامِ
أو مجاراةِ معصية، أو موافقةِ هوى النَّفس، ورفاقِ السوء في ما لا تُحمدُ
عقباه. فقد رُوي عن قرةِ أعيننا وموضعِ افتخارنا علي : «لا يخرجُ الرجلُ في
سفر يَخافُ منه على دينه وصلاته» وسائل الشيعة: ج8، ص249، ح5. .
وفي وصية النبي لإمامنا علي، عليهما صلوات العلي، أنَّه قال له: «يا علي،
لا ينبغي للرجل العاقل، أن يكون ظاعناً إلاَّ في ثلاث: مَرَمَّةٍ لمَعاش،
أو تَزوُّدٍ لمعاد، أو لذةٍ في غير مُحرَّم... إلى أن قال: يا علي سِرْ
سنتين، بِرَّ والديك، سر سنةً، صِلْ رَحِمَكَ، سِرْ ميلاً، عُدْ مريضاً،
سِرْ ميلين، شَيِّع جنازةً، سِر ثلاثةَ أميال، أجب دعوةً، سِر أربعةَ
أميال، زُر أخاً في الله، سِر خمسةَ أميالٍ، أجِبِ الملهوفَ، سِر ستةَ
أميالٍ، أنصر المظلومَ، وعليك بالاستغفار» المصدر نفسه، ص248، ح3. .
وهكذا نرى ضمن هذه الرواية الشريفة، أنَّ الهدف من السفر يكون لأمرٍ حياتي
لا بدَّ منه، كطلب الرِّزق، أو أمرٍ اجتماعي لتمتين وتقوية العلاقات بين
جماعةِ المسلمين، ومجتمعهم،... وهذا كلُّه يصُبُّ في ميزان الآخرة والفوز
الحقيقي الباقي.
وليس من الجائز في الإسلام الابتعادُ عن الناس والمجتمع، بحبس النفس في
البيت، كما يفعل بعضُ الصوفية، أو الهربِ إلى الجبالِ والمغارات، كما يفعل
بعضُ الرهبانِ المنسوبين زوراً إلى سيِّدنا عيسى على نبينا وآله وعليه
السلام، حيث رُوي عن الرسول المصطفى قوله: «ليس في أُمَّتي رهبانية...»
وسائل الشيعة: ج2، ص249، ح4. .
وكان علي بن جعفر الصَّادق سأل أخاه الإمامَ الكاظمَ عن الرجل المسلم: هل
يَصْلُحُ له أن يسيحَ في الأرض أو يترهَّبَ في بيت لا يخرج منه؟ قال : لا
ونهى عن ذلك المصدر نفسه: ح7. .
وخلاصة ما تقدَّم معنا: عدمُ جوازِ السفر في غير الطاعاتِ والمباحات، لطلب
الرِّزق أو صلةِ الإخوان والأرحام، أو عيادة المريض ومساعدة المحتاج،
ويحرمُ السفر إلى بلادِ يضيع فيها الدِّين، أو يُضْطرُّ فيها إلى ارتكابِ
الحرام أو تركِ العبادة أو الانحراف عن الصراط المستقيم.
السفر، وكونه يوم
السبت
يُستحب السفرُ للقيام بالطاعات، والسعي في العبادات، والحج والاعتمار
وزيارةِ ضرائحِ الأئمَّة الأطهار، ومقامات الأبرار، وقبورِ السلفِ الأخيار.
كما يُستحب أيضاً السفرُ في الأُمورِ المهمة من المباحات، إذا لم تصل إلى
درجةِ الوجوب والإلزام، حيث يُصبحُ السعيُ لها فرضاً لا مناص منه. فقد رُوي
عن شفيعنا ومولانا رسول الله : «سافروا تصُحُّوا، وجاهدوا تغنموا، وحجُّوا
تستغنوا» وسائل الشيعة: ج8، ص250، ح1. .
وعن مولانا الأمير عليه تحيةُ الله وسلامه، قوله: «ضمنتُ لستةٍ الجنَّة:
رجلٍ خرج بصدقة فمات، فله الجنَّة، ورجلٍ خرج يعود مريضاً فمات، فله
الجنَّة، ورجلٍ خرج مجاهداً في سبيل الله فمات، فله الجنَّة، ورجلٍ خرج
حاجاً فمات، فله الجنَّة، ورجلٍ خرج إلى الجمعة فمات، فله الجنَّة، ورجل
خرج في جنازة فمات، فله الجنَّة» وسائل الشيعة: ج8، ص251، ح7. .
ففي هذا حثٌّ على السفر لطاعةٍ أو مباحٍ... مع ما يترتب على ذلك من مشقةٍ
وكُلْفةٍ وغُربة... وشوقٍ وحنينٍ إلى الأهل والأصحاب، وهذا ما يشعر به كلُّ
مهاجرٍ أو مسافرٍ، لأنَّ الإنسان أليفٌ بطبعه وفطرته.
ورُوي عن النبي : «موت الغريب شهادة» المصدر نفسه، ح6. . وعن الصَّادق قال:
«ما من مؤمن يموت في أرض غربةٍ، يغيبُ عنه فيها بواكيه، إلاَّ بكته بِقاعُ
الأرض التي كان يعبدُ الله عزَّ وجلَّ عليها، وبكته أثوابُه، وبكته أبوابُ
السَّماء التي كان يصعد فيها عملُه، وبكاه الملكان الموكلان به» المصدر
نفسه: ص250، ح3. .
ويُستحب السفرُ يومَ السبت، دونَ الجمعةِ والأحد... هذا إذا كان السفر
باختياره، ويُفهم من بعض النصوص الداعية إلى ذلك، أنَّ المسلمَ ينبغي له
تفريغُ يوم الجمعة للعبادة والسؤال عن أمرِ الدِّين والتفقه... لأنَّ
أيَّام الأسبوع الأُخرى هي أيَّام عمل... فيبقى له هذا اليومُ المبارك،
لمحاسبة نفسه والتفرغ للعبادة والصلاة والدُّعاء المستحب في هذا اليومِ
الشريف، يوم الجمعة، العيد الأسبوعي للمسلمين.
أما يومُ الأحد، فهو يومُ بني أُميَّة، كما ذكر الصَّادقُ ، حيث ينبغي لنا
أن لا نُجاريَهم في تقاليدهم وعاداتهم.
ونحن نلمُسُ اليومَ، وخاصةً في لبنان، أنَّ يوم الأحد هو يومُ العطلة،
تقليداً لأهل الغرب من الأمريكيين والأوروبيين، وهذا اليوم يكادُ أن
يُتبنَّى في بلاد المسلمين كيوم عطلةٍ أسبوعي، إن لم يكونوا قد فعلوا
وسقطوا في هذا الفخ، كما نرى في لبنان مثلاً، وبالأخص بيروت، حيث إنَّ بعض
المدن في الجنوب والبقاع، أخذت ترجعُ إلى رشدها وأصالتها، فتُعطلُ يوم
الجمعة المبارك، وتُهمِلُ التعطيلَ في يوم الأحد.
وهذا ما يجب أن نسعى إليه كأفراد وجماعات، وأسواقٍ وتعاونيات، وتجار
ومؤسـسات، وموظفين ومدارس، في مدينة بيروت خاصة، وفي كل لبنان. فالأئمَّة
أشاروا إلى التفرغ للعبادة يومَ الجمعة، والسفرِ يومَ السبت.
وفسَّر الإمام الصَّادق قولَ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِذَا قُضِيَتِ
الصَّلاَةُ ً ïفَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ
اللَّهِ} سورة الجمعة: الآية 10. فقال: الصلاةُ يوم الجمعة، والانتشار يومَ
السبت.
وفي نص آخر أنَّه قال : «أفٍ للرجل المسلمِ لا يُفرِّغُ نفسه في الأسبوع
يوم الجمعة لأمر دينه، فيسألُ عنه» وسائل الشيعة: ج8، ص252، ح1. ، وعنه
أيضاً: «لا تخْرج يومَ الجمعة في حاجة، فإذا كان يومُ السبت، وطلعت الشمس،
فاخرج في حاجتك»، وعنه : «السبتُ لنا، والأحد لبني أمية» المصدر نفسه:
ص253، ح4 وح5. .
وعن رسول الله قوله: «اللَّهمَّ بارك لأُمَّتي في بكورها، يومَ سبتها
وخميسها» المصدر نفسه: ح6. .
وعن الإمام أبي عبد الله الصَّادق قال: «مَنْ أراد سفراً، فليسافر يومَ
السبت، فلو أنَّ حجراً زال عن جبل في يوم سبت، لردَّه الله عزَّ وجلَّ
مكانه» المصدر نفسه: ص252، ح3. .
وبهذا تكون الآدابُ والمستحباتُ التي مرَّت معنا هي: استحبابُ السفر
للطاعات والمهمِ من المباحات، وأن يكون ذلك يومَ السبت وليس الجمعة أو
الأحد، إلاَّ في حال الاضطرار أو الحرج.
يُستحب أو
يُكره فيها السفر
ذكر الحر العاملي في وسائل الشيعة، كراهةَ اختيار يوم الاثنين للسفر وطلب
الحوائج، إلاَّ أن يقرأ في صلاة الصبح سورة الإنسان {هَلْ أَتَى} ،
واستحبابَ اختيارِ الثلاثاءِ لذلك، أي للسفر أو طلبِ الحوائج. والله أعلم،
بالسرِّ الغيبيِّ في ذلك، ولعلَّه، وكما ذُكر في الجزء الثاني من الخِصال،
أنَّ الله تبارك وتعالى، قد علم اليومَ الذي يُقبضُ فيه نبيُّه ، واليومَ
الذي يُظلمُ فيه وصيُّه، فسماه باسمهما: «الاثنين» الخصال: نقلاً عن وسائل
الشيعة: ج8، ص253 الهامش. .
وروى عليُّ بن جعفر، رضوان الله عليه، أنَّ رجلاً جاء إلى أخيه الإمامِ
موسى بن جعفر الكاظم فقال: إنِّي أريد الخروج، فادع لي، فقال له : ومتى
تخرج؟ قال الرجل: يومَ الاثنين، فقال له : لِمَ تخرجُ يومَ الاثنين؟ قال:
أطلب البركة، لأنَّ رسول الله ولد يومَ الاثنين، قال : كذَبوا، ولد رسول
الله يومَ الجمعة، وما من يوم أعظم شؤماً من يوم الاثنين، يومٌ مات فيه
رسول الله ، وانقطع فيه وحيُ السَّماء، وظُلمنا فيه حقَّنا، ألا أدُلُّك
على يومٍ سهلٍ ليِّن، ألان الله لداود فيه الحديد؟ فقال الرجل: بلى جُعلتُ
فداك، فقال : أخرج يوم الثلاثاء وسائل الشيعة: ج8، ص255، ح3. .
أما ما ذُكر من رفعِ الكراهةِ، في السفر يومَ الاثنين، إذا قرأ سورةَ {هَلْ
أَتَى} ، فلما رُوي عن علي العطار حيث قال: «دخلتُ على أبي الحسن العسكري
يومَ الثلاثاء، فقال: لم أَرَكَ أمس، قلتُ: كرهتُ الخروجَ في يوم الاثنين،
قال : يا علي مَنْ أحبَّ أن يقيَه الله شرَّ يوم الاثنين فليقرأ في أول
ركعةٍ من صلاة الغداة، {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ} ، ثم قرأ أبو الحسن
: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ ً ïوَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً
وَسُرُورًا} المصدر نفسه: ح4. والآية من سورة الإنسان/76. .
هذا لمن عرف كراهية السفر يومَ الاثنين، ثم اضطر لذلك، وما تضمَّنَ الرخصةَ
في السفر يومَ الاثنين، محمولٌ على الجواز أو التقية، كما نصَّ صاحبُ
الوسائل المصدر نفسه: ص256. .
ويُكره السفرُ أيضاً يومَ الأربعاء، خاصةً الأربعاء الأخيرة من الشهر، فقد
وقعت في هذا اليوم أحداثٌ تاريخيةٌ هامة، فيها الهلاكُ والفناء، ففي حديث
طويل ومُفصَّلٍ عن أمير المؤمنين عندما سُئل عن يوم الأربعاء، والتطيُّر
منه، قال: هو آخرُ أربعاءٍ في الشهر، وهو المحاق، وفيه قَتَلَ قابيلُ
هابيلَ أخاه، وفيه ألقي إبراهيمُ في النَّار، وكانوا قد وضعوه في نفس هذا
اليومِ في المنجنيق، ويومَ الأربعاء أغرق الله فرعون، وجعل قريةَ لوطٍ
عاليها سافلَها، وأرسل عزَّ وجلَّ الرِّيحَ على قومِ عاد، ويومَ الأربعاء
سلَّط الله على نمرودَ البقَّة، ويوم الأربعاء طلب فرعونَ موسى ليقتلَه،
ويومَ الأربعاء أمر فرعون بذبح الغلمان، وفي نفس هذا اليوم، قُتل يحيى بن
زكريا، وأظلَّ قومَ فرعون أولُ العذاب، وخسف الله بقارون، وأُدخِلَ يوسفَ
السجنَ، ويومَ الأربعاء أيضاً وأيضاً، قال الله تعالى: {...أَنَّا
دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} سورة النمل: الآية 51. .
وأخذَتهُم الصيحةُ، وعقروا الناقة، وأمطر عليهم حجارة من سجيل... وفي يوم
الأربعاء شُجَّ النبيُّ، وكُسِرتْ رُباعيَّتهُ وسائل الشيعة: ج8، ص256، ح1.
.
وكان قد رُوي عن النبي قوله: «آخرُ أربعاء في الشهر، يومُ نحسٍ مستمر»
المصدر نفسه: ص257، ح2. .
وبالرغم ممَّا ذُكر من كراهةِ السفرِ وطلبِ الحوائج يومَ الأربعاء، لكنْ
يُستحبُ تركُ التطيّر، والخروجُ يومَ الأربعاء توَكلاً على الله عزَّ
وجلَّ، حيث رُوي عن رسول الله : «كفارة الطَيْرَة التوكل» المصدر نفسه:
ص262، ح3. . وعنه : «إذا تطيَّرتَ فامضِ، وإذا ظننتَ فلا تقضِ» المصدر
نفسه: ص263، ح5. .
وعن الصَّادق ، في دفع الأوهام والوساوس والاتكال على الله، قال:
«الطَيْرةُ على ما تجعلُها، إنْ هوَّنْتها تهوَّنَتْ، وإن شدَّدتَها
تشدَّدَت، وإن لم تجعلها شيئاً لم تكن شيئاً» المصدر نفسه: ص262، ح2. .
ورُوي عن أبي الحسن موسى الكاظم الدُّعاءُ المستحبُ التالي عند التطيّر:
«اعتصمتُ بك يا ربِّ من شرِّ ما أجدُ في نفسي فاعصمني من ذلك» وسائل
الشيعة: ج8، ص263، ح1. .
ورُوي أنَّ يوم الجمعة يومُ خِطبة ونكاح المصدر نفسه: ص258، ح1. .
وذُكر استحبابُ اختيارِ يوم الخميس أو ليلةِ الجمعةِ أو يومِ الجمعة بعد
الصلاة للسفر، وكان رسول الله يُسافرُ يومَ الخميس المصدر نفسه: ص259، ح1.
.
وبذلك تكون المستحباتُ التي مرَّت معنا كالتالي:
استحبابُ السفر يومَ الثلاثاء، وكراهةُ ذلك الاثنين إلاَّ إذا قرأ سورةَ
الإنسان.
كراهةُ السفرِ الأربعاء ولا بأس به لمخالفة المتشائمين.
السفرِ
عند الفجر والغسلِ عندَه
جرت عادةُ الناس في بلادنا، عندما كانوا يسافرون على الإبل والدواب، أن
يكونَ سفرُهم في اللَّيل، أو عند وقت السحر، أو باكراً عند الصباح. وما زال
جزءٌ كبيرٌ من هذه العادة ملازماً لنا حتى الآن.وهذا، ولله الحمد، ما دعت
إليه السُّنَّةُ المباركةُ، عن أصفياء الله وأحبائه، حيث ورد عنهم،
استحبابُ السير في آخر اللَّيل أو في الصباح الباكر، وكراهةُ السفر في
أوَّل اللَّيل، وربَّما كان ذلك نتيجةَ أنَّ الإنسان في آخر النَّهار أو
أوَّلِ اللَّيل يكون متعباً ومنهكاً وميَّالاً إلى النوم والراحة أكثرَ من
العمل والجهد.
نعم لو استراحَ في أوَّل اللَّيل لساعات محدودةٍ، كان بإمكانه مواصلةُ
واستئنافُ السفر عند السحر مثلاً، وهو الثُلثُ الأخيرُ من اللَّيل. فقد
رُوي عن مولانا الصَّادق : «الأرض تُطوى في آخر اللَّيل» وسائل الشيعة: ج8،
ص264، ح1. .
وسأل حمرانُ بن أعين الإمام الباقر عن قول الناس: إنَّ الأرض تُطوى لنا
باللَّيل، فكيف تُطوى؟ فقال : «هكذا» ثمَّ عطفَ ثوبَه المصدر نفسه: ح5. .
ورُوي أنَّ رسول الله أوصى أمير المؤمنين عندما بعثه على اليمن فقال له:
«ما حارَ مَن استخار، ولا ندمَ مَنِ استشار، يا علي عليك بالدَّلجة الدلجة:
السفر في الساعة الأخيرة من اللَّيل. ، فإنَّ الأرض تُطوى باللَّيل ما لا
تُطوى بالنَّهار، يا علي اغدُ على اسم الله تعالى، فإنَّ الله تعالى بارك
لأُمَّتي في بكورها» وسائل الشيعة: ج8، ص265، ح8. .
وفيما أوصى لقمانُ ابنَه : «... وإيَّاك والسيرَ في أوَّل اللَّيل، وسِر في
آخره» المصدر نفسه: ص265، ح9. .
وفي نص مباركٍ من نهج البلاغة الشريف، يُوضِّح السرَّ في هذه الاستحبابات
والمكروهات، وكنَّا قد ذكرنا بعضها قبل قليل، فقد ورد عنه سلام الله عليه،
في وصيته لمعقِل بن قيس الرياحي، حين أنفذه إلى الشام، في ثلاثة آلاف:
«رفِّه في السير، ولا تسِرْ في أوَّل اللَّيل، فإنَّ الله جعله سكناً،
وقدَّره مقاماً لا ظعناً الظعن: الارتحال والسفر. ، فأرح فيه بدنك، وروِّح
ظهرَك، فإذا وقفتَ حين ينتطحُ السحرُ، أو حين ينفجر الفجر، فسِرْ على بركة
الله» وسائل الشيعة: ج8، ص265، ح10. .
ومن الأُمور الهامة التي ينبغي علينا الاعتناءُ بها، كتابةُ الوصيةِ عند
إرادة السفر، وذلك على نحو واضحٍ ومُفصَّلٍ، من حقوقِ الناس وأماناتهم
ومستودعاتهم وديونهم وما تعلق بالذمة، أو انشغلت به، ذلك أنَّ المسافر لا
يعلم عاقبةَ أمرِه ومآلَه وما يجري عليه أثناءَ سفره من أخطارٍ وأهوالٍ
ومفاجآت... وهو في كل ساعة من ساعات عمره معرضٌ للموت... فكيف إذا كان
قاطعاً للفيافي والجبال والبحار، على متن الخيولِ والبغال والسفن، وفي هذه
الأيام، بواسطةِ السياراتِ والطائرات والقطارات، وغيرها من وسائل النقل،
التي وإن توفرت فيها أسباب الراحة والأمان، إلاَّ أنَّ الخطر ما زال
قائماً، وعند وقوع المكروه لا سمح الله يكون أشمل وأعمَّ فالمسافر يملِكُ
اللَّحظة أمرَ نفسه وداره وماله وأهله، ولكنَّها قد تكون الساعات الأخيرة
بينهم... فلا يعود إليهم أبداً.
كما يُستحبُ إضافةً إلى الوصية، الدُّعاءُ والغسلُ، ولا بأس أن يكون الغسلُ
هنا بعنوان التوبةِ والإنابة والرجوع إلى الله تبارك اسمه. حيث رُوي عن
مولانا الصادق قولُه: «مَنْ ركب راحلةً فليوصِ» وسائل الشيعة: ج8، ص267،
ح1. .
ورُوي: «أنَّ الإنسان يُستحب له إذا أراد السفرَ أن يغتسلَ ويقولَ عند
الغسل: بسم الله وبالله ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله» المصدر نفسه: ص268،
ح2، وللدُّعاء بقية في كتاب: الأمان من الأخطار: ص20. .
وعن العارف الكامل، قدوةِ السالكين، ومريدِ العارفين، فخر علماء الطائفة
أجمعين، مولانا السيِّد ابن طاوس قولُه: «إذا دخلتُ إلى موضعِ الاغتسال،
قصدتُ بالنية أنِّي أغتسلُ غسلَ التوبة، وغسلَ الحاجة، وغسلَ الزيارة،
وغسلَ الاستخارة، وغسل الصلاة، وإن كان يومُ الجمعة ذكرتُ غسلَ الجمعة، وإن
كان عليَّ غسلٌ واجبٌ ذكرتُه، وكلٌّ من هذه الأغسال، وقفتُ له على رواية
يقتضي ذكرُه...» وسائل الشيعة: ج8، ص268، ح3. .
وأخيراً، نوجز الاستحبابات التي وردت في هذا الباب، وهي استحبابُ السير في
آخر اللَّيل أو عند الصباح الباكر، وكراهةُ السفرِ في أوَّل اللَّيل،
واستحبابُ الوصيةِ والغسلِ والدُّعاء لمن أراد السفر.
الصدقة
والصلاة والذكر عند السفر
لا يخفى، أنَّ الصدقة تردُّ القضاءَ المحتومَ بعدما أُبرم إبراماً، ولا
يخفى أيضاً، أنَّ الصدقة تُساهم في تهذيب الرُّوح، والتوجهِ إلى الله،
ورِقَّةِ القلب، كما يشهد بذلك الواقع، إذ يُستحبُ افتتاحُ السفر بالصدقة،
ويجوزُ السفر بعدها، في أي وقت شاء، حتى في الأوقات والأيام المكروهة، التي
كنَّا قد ذكرناها سابقاً، وهذا كلُّه بفضل الصدقة، وأسرارها، فقد رُوي عن
الصَّادق : «تصدَّق واخرج أيَّ يومٍ شئت» وسائل الشيعة: ج8، ص272، ح1. .
وكان بعضُهم يخشى سوءاً قد يقعُ عليه، نتيجةَ خبرته في النُّجوم، فشكا ذلك
إلى أبي الحسن الكاظم فقال له: «إذا وقع في نفسك شيءٌ، فتصدَّق على أوَّل
مسكين، ثمَّ امضِ، فإنَّ الله يدفعُ عنك» وسائل الشيعة: ج8، ص273، ح3. .
ومن آداب السفر حمل العصا من لوزٍ مر، وقد يُظنُّ أنَّ ذلك لحماية النفس من
الهوام والبهائم، فقط، ولكنْ ما يُفهم من الروايات أنَّها تشمُل ذلك،
وأُموراً أُخرى، كنفي الفقر، وحصول الأنس... حيث ورد عن رسول الله أنَّ آدم
مَرِضَ مرضاً شديداً، فأصابته وِحشة فشكا ذلك إلى جبرائيل فقال له: اقطع
واحدةُ منها، وضُمَّها إلى صدرك، ففعل ذلك، فأذهب عنه الوحشة» المصدر نفسه:
ص274، ح4. .
وعلى نحو العموم، فإنَّ التعصيَ، أي حملَ العصا، من المستحبات مطلقاً، وليس
هنا مجالُ التفصيل، ونكتفي بذكر بعضِ النصوصِ المباركة في استحباب حمل
العصا، في السفر والحضر، والصغر والكبر. فقد رُوي عن رسول الله قوله: «حمل
العصا، ينفي الفقرَ، ولا يُجاوِرُهُ شيطان» المصدر نفسه: ص275، ح1. . وعنه
: «تعصَّوا، فإنَّها من سُنن إخواني النَّبيِّين، وكانت بنو إسرائيل،
الصغارُ والكبارُ، يمشون على العصا حتى لا يختالوا في مشيهم» وسائل الشيعة:
ج8، ص275، ح2. .
ومن المستحبات التقرُّبُ إلى الله تعالى، بصلاةٍ من ركعتين مثلاً، أو من
أربع ركعات حسبما ورد، عند إرادة السفر، ويجمعُ الأهلَ والعيالَ بعدها،
ويدعو بما شاء، ويكِلِّ أمره إلى ربّ العزة جلَّ وعلا، فقد ورد عن رسول
الله قوله: «ما استخلف رجلٌ على أهله بخلافةٍ أفضلَ من ركعتين يركَعُهُما
إذا أراد الخروجَ إلى سفر، ويقول: اللَّهمَّ إنِّي أستودعك نفسي وأهلي
ومالي، وذرِّيَّتي ودُنياي وآخرتي، وأمانتي وخاتمة عملي، فما قال ذلك أحدٌ
إلاَّ أعطاه الله عزَّ وجلَّ ما سأل» المصدر نفسه: ح1. .
وفي نص مبارك: أن يقرأ في كل ركعة، فاتحةَ الكتاب، وقل هو الله أحد المصدر
نفسه: ص286، ح3. .
ومن المهمات والمستحبات في آداب السفر، أن يقف المسافرُ على باب داره،
ويقرأ سورة الفاتحة المباركة أمامه، وعن يمينه، وعن شماله، وكذلك يفعلُ
بآيةِ الكرسي والمعوذتين والإخلاصِ، وأن يدعوَ بما يتسيرُ له، وهذا العمل
لا يتطلبُ منه وقتاً أو جهداً طويلين، ولكنَّ دلالاته الرُّوحيَّة
والسلوكيَّة والتربوية عظيمةٌ جداً، فضلاً عن آثاره الغيبية والعطايا
الربانيَّة التي لا يدركها عقلُنا القاصر، فهو تبارك وتعالى المُطَّلعُ على
ما لم يطَّلعْ عليه أحدٌ غيره.
ومن جملة الذِّكر والأدعية الواردة قبل الخروج من المنزل، وهي كثيرةٌ، نذكر
منها أن يقول مثلاً: «الله أكبر» ثلاث مرَّات، «بالله أخرج وبالله أدخل
وعلى الله أتوكل» ثلاث مرَّات، «بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوَّة
إلاَّ بالله...» ويُستحب الدُّعاء بدعاء الفرج المعروف الذي أوَّله «لا إله
إلاَّ الله الحليم الكريم...» وسائل الشيعة: ج8، ص277، ح2. .
وورد أنَّ العبد إذا خرج من منزله، عرض له الشيطان، فإذا قال: «بسم الله»
قال له الملكان: كُفيتَ، فإذا قال: «آمنتُ بالله» قالا: هُديتَ، فإذا قال:
«توكلتُ على الله» قالا: وُقيتَ،... فيقول بعض الشياطين لبعض: كيف لنا بمن
هُدي وكفي ووُقي المصدر نفسه: ص278، ح3. .
ومن آداب السفر أيضاً، استحبابُ التسميةِ عند الركوب والدُّعاءِ بالمأثور،
وتذكُّرِ نعمةِ الله فيما يسَّر لنا من وسائل النقل، وأن يقرأ آيةَ السخرةِ
وهي: {...سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ
مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ *} سورة الزخرف:
الآية 13. .
ويُستحب الإمساكُ بالركاب الركاب من السرج: ما يضع فيه الراكب رجله.
للمؤمن، وهكذا فَعَلَ عليٌّ بالنبي ، وفعل الأصبغُ بن نباتة، بأمير
المؤمنين ... وربَّما يُساوي ذلك في عصرنا اليوم أنواعَ الإكرام: من الوصول
معه إلى باب وسيلة النقل أو فتحِ الباب مثلاً، أو إغلاقِه بعد تسوية
أُمورِه، أو إعانتِه في بعض شؤونه.
وأخيراً، نلخص ما مرَّ معنا من المستحبات، باستحباب افتتاح السَّفر
بالصدقة، وحمل العصا من لوزٍ مر، والصلاة ركعتين، والوقوف على باب الدار
لقراءةِ سورةِ الفاتحة وآيةِ الكرسي والمعوذتين والإخلاص، من الأمام
واليمين والشمال، والدُّعاء بما تيسَّر ممَّا ورد والتسمية عند الركوب،
وقراءةِ آية السخرة...
ذكرِ الله توديعه
هنيئاً لمَنْ استطاعَ أن يبقى دائمَ التذكرِ لربه عزَّ وجلَّ أولئك {...لاَ
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *} و{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى
اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} سورة الأنعام: الآية 90. ، والذين
يعتصمون بذكر الله، أولئكُ يُرزقون الأمنَ في الدُّنيا قبلَ الآخرة، ألا
بذكر الله تطمئنُ القلوب.
اشتهر استحبابُ ذكرِ الله وتسبيحه وتهليله في المسير مطلقاً، والتسبيح عند
الهبوط، والتكبيرِ عند الصعود،... والتهليل عند كل مكانٍ مشرف... وهو
المكان العالي المرتفع، فقد كان رسول الله في سفره، إذا هبط سبَّح، وإذا
صعد كبَّر وسائل الشيعة: ج8، ص285، ح1. .
وفي رواية: إذا كنت في سفر فقل: «اللَّهمَّ اجعل مسيري عبراً، وصمتي فكراً،
وكلامي ذكراً» وسائل الشيعة: ج8، ص285، ح2. .
وهناك أدعيةٌ مختلفةٌ مستحبة أثناءَ المسير، وهذه المستحبات يُمكنُ أن
تُذْكَرَ إذا كنَّا في السيارة أو الحافلةِ أو القطارِ أو الطائرة...
ويستحب عند مواجهة المخاطر أو الصعوبات في السفر الاستعاذةُ بالله تعالى،
وتلاوةُ آيةِ الكرسي عند المخاطر، والذِّكرُ والدُّعاءُ وتسبيحُ الزَّهراء
، وقراءةُ الآية المباركة: {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ً
ïوَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ً ïوَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً
نَصِيرًا} المصدر نفسه: ص287 ـ 288. والآية من سورة الإسراء/80. .
كما تُستحب التسمية عند كل جسر، وتلاوةُ القَدْرِ حال المشي وعند الركوب،
وذكرُ الله دائماً.. فعن مولانا زين العابدين قال: «لو حجَّ رجلٌ ماشياً
فقرأ: إنا أنزلناه، ما وجد ألمَ المشي» المصدر نفسه: ص289، ح3. .
وعلى نحو الخصوص فإنَّ مَنْ يُسافرُ وحدَه، أو يضطرُ إلى ذلك، أو يبيتُ
وحدَه، فهو محتاجٌ أكثر إلى التثبيت والأنس، حتى لا تعرضَ له الأوهام أو لا
تنالَ منه الوَحْدة. فقد ورد الاستحبابُ له خاصة، بضرورة الدُّعاء
والذِّكر... ويستحبُ له تقديمُ الرِجْل اليُمنى عند دخول مكانِ مبيته،
واليُسرى عند الخروج.
ومن جملة الأدعية الواردة في حق المسافر وَحْدَه: «اللَّهمَّ آنِسْ
وَحْشتي، وأعنِّي على وَحْدتي، وأدِّ غَيبتي» وسائل الشيعة: ج8، ص289، ح1.
.
ومن جملة الآداب الاجتماعية في الإسلام، استحبابُ توديعِ المسافر، أي
تشييعه، والدُّعاءِ له.. وهذا يُشير إلى عظيم العلاقة بين أفراد المجتمع
الإسلامي الواحد، وإلى أواصر الحب والإخلاص والمشاركة التي تنشأ بينهم أو
ينبغي أن تكون كذلك.
وهذه العاداتُ ما زالت حتى الآن معروفةً في قرانا ومناطقنا، خاصة عند وداع
المسافرين إلى الحج أو الزيارة. فينبغي علينا الحفاظ على هذه السُّنن
والمستحبات... حتى أنَّ الأُمم والشعوبَ غيرَ الإسلامية تُقلِّدُنا في ما
يُشبه ذلك، وهو ما يُعرفُ اليومَ بنظام البروتوكول المُتَّبع في توديع
الشخصيات الزائرة والهامة... وهي أشمل في الإسلام لكل الأفراد، وأن ندعوَ
لهم بصدقٍ وليس برياء ومجاملة.
وكان رسولُ الله إذا ودَّع المؤمنين قال: «زوَّدكم الله التقوى، ووجَّهكم
إلى كل خير، وقضى لكم كلَّ حاجة، وسلَّم لكم دينكم ودُنياكم، وردَّكم
سالمين إلى سالمين» وسائل الشيعة: ج8، ص289. .
والمشهور في كتب السيرة أنَّ علياً شيَّع أبا ذر، وشيَّعه معه الحسنُ
والحسين وعقيلُ بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وعمار بن ياسر، وقال أمير
المؤمنين آنذاك: «ودِّعوا أخاكم، فإنَّه لا بدَّ للشاخص أن يمضي، وللمشيع
أن يرجع» المصدر نفسه: ص297، ح1. .
وودَّع الصَّادق رجلاً فقال: «أستودعُ الله دينكَ وأمانَتَكَ، وزوَّدك زادَ
التقوى، ووجَّهك الله للخير حيث توجهتَ»، ثمَّ التفت إلى الحاضرين وقال:
هذا وداعُ رسولِ الله لعلي إذا وجَّهه في وجهٍ من الوجوه المصدر نفسه:
ص298، ح3. .
وبذلك، تكون المستحباتُ والآداب التي ذكرنا كثيرةً ومنها: ذكرُ الله مطلقاً
في السفر، وخاصةً عند المخاطر والصعوبات، حيث يستيعذُ ويقرأ القدر، ويتأكد
ذكرُ الله لِمَنْ اضطر أن يُسافرَ وحْدَه، واستحبابُ تشييعِ المسافر
والدُّعاءِ له...
استحبابُ الرفقة في السفر وصفاتُهم
من آداب السفر في الإسلام، أن لا يسافرَ المرءُ وحدَه بل يصطحبَ معه آخرين،
يأنسُ بهم، ويستعين، فالمسافر وحدَه مُعرضٌ للمخاطر والحوادث الطارئة...
فقد يقع أو يُصابُ أو يمرضُ أو يستوحشُ أو يضعُفُ أو تتغيرُ عليه الأجواءُ،
أو البدنُ... فهو بحاجة للمعين والمساعِد والأنيس.
وقد ورد في وصية رسول الله لعلي : «لا تخرج في سفرٍ وحدَك، فإنَّ الشيطان
مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد...» وسائل الشيعة: ج8، ص300، ح5. .
ولعن رسول الله ثلاثة: الآكل زاده وحده، والنائم في بيت وحده، والراكبَ في
الفلاة وحده» المصدر نفسه: ح7. .
وقد تكون المصلحةُ أحياناً في تكثير عدد الرفقاء في السفر، ولا بأس بذلك،
ما لم يؤد إلى الفوضى، وكثرةِ الآراء المتناقضة، التي تُعطِّلُ أهدافُ
السفر، وفوائده... ونحن نلاحظُ، حالةَ الفوضى والارتباك نتيجة عدمِ انسجام
المسافرين مع بعضهم، أو اختلاف آرائهم، وتفرقِ مصالحهم.
وورد عن مولانا المصطفى : «أحبُّ الصحابةِ إلى الله تعالى أربعةٌ، وما زاد
قومٌ على سبعة إلاَّ زاد لغَطُهُمْ» وسائل الشيعة: ج8، ص299، ح2، وص304،
ح1. .
وتخصيص الأربعةِ من بين سائر الأعداد، لا بدَّ وأن يكون له فائدةٌ، والذي
ينقدح فيه، أنَّ المسافر أحياناً يحتاج إلى التردُّد في حاجته وإلى حفظ
متاعِه، فإن ذهب منفرداً في حاجته تعرَّض للخطر، وإن صحبه واحدٌ من ثلاثة
مثلاً، بقي من يحفظ المتاعَ وحيداً، وهذا ما ذكره مولانا الفيضُ الكاشاني
في محجته البيضاء المحجة البيضاء: ج4، ص59 بتصرف. .
ومن الطبيعي اختيارُ أهلِ الإيمان والثقة والأمانةِ، ليكونوا رفقاء السفر،
وأعوانَه، حيث ذُكر عن رسول الله قولُه: «الرفيقُ ثم الطريق» وسائل الشيعة:
ج8، ص304، ح1. .
إذ نحن بحاجة لأمانته وعونِهِ وخُلُقِهِ وصبرِه وجَلَدِهِ وحسْنِ
عِشْرَتِهِ... فليكن الصاحبُ في السفر، ممَّن نفتخر به لو نُسِبَ إلينا أو
نُسِبْنا إليه، أو شوهد معنا، وليكن عارفاً لقدرنا وحقنا، حتى لا يُسيء دون
قصد، أو يتجرأ دون تعمدٍ أو ينسبَ إليك وهو مَعيبٌ، أو لا يرفُقَ بك حيث
تحتاجُ إلى ذلك.
وكان الصادق يقول: «اصحبْ مَنْ تتزينْ به، ولا تصحبُ مَنْ يتزينْ بك» وسائل
الشيعة: ج8، ص301، ح1. .
وعن المصطفى قال: «ما اصطحب اثنان إلاَّ كان أعظمُهُما أجراً، وأحبُّهُما
إلى الله، أرفَقَهُما بصاحبه» المصدر نفسه: ص302، ح2. . وع
|